هذا (كتاب الطلاق). وأصله في اللغة التخلية.
قال ابن الأنباري: من قول العرب: أطلقت الناقة فطلقت إذا كانت مشدودة
فأزلت الشد عنها وخليتها. فشبه ما يقع بالمرأة بذلك؛ لأنها كانت متصلة الأسباب بالزوج.
وقال غيره: الطلاق من أطلقت الشيء بيدي، إلا أنهم لكثرة استعمالهم اللفظتين فرقوا بينهما. فيكون التطليق مقصورًا في الزوجات.
وقال الأزهري: طلقت المرأة فطلقت، وأطلقت الناقة من العقال فانطلقت. هذا الكلام الجيد.
(وهو) أي: والطلاق شرعًا: (حل قيد النكاح، أو بعضه) أي: بعض
قيد النكاح؛ كما لو طلقها طلقة رجعية.
وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب؛ فقوله ﷾: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة.)] البقرة: ٢٣٦ [، وقوله ﷾: (الطلاق مرتان)] البقرة: ٢٢٩ [، وقوله ﷾: (ياأيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن)] الطلاق: ١].
وأما السنه؛ فمنها ما روى عمر " أن النبي ﷺ طلق حفصة ثم راجعها " (^١).
رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٢٨٣) ٢: ٢٨٥ تفريع أبواب الطلاق، باب في المراجعة. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٥٦٠) ٦: ٢١٣ كتاب الطلاق، باب الرجعة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٠١٦) ١: ٦٥٠ كتاب الطلاق.
[ ٩ / ٣٤١ ]
وأجمع المسلمون على جواز الطلاق.
والعقل يشهد بذلك. ولهذا اتفق سائر العقلاء من أهل الملل على جوازه في الجملة.
وإن اختلفوا في كيفيته، فإن النصارى وإن لم يجوزوه جعلوا لهم طريقًا إليه
وهو الدخول في الرهبانية. فإن الزوجين قد يقع. بينهما من التنافر والتباغض ما يوجب المخاصمة الدائمة وترك المقاربة، فيصير لزوم النكاح ضررا في حقهما ومفسدة محضة:
أما الزوج فلما (^١) يلزمه من النفقة.
وأما الزوجة فلما (^٢) يلزمها من الحبس مع سوء العشرة من غير فائدة. وإذا لزمت المفسدة وجب إزالتها بالترك؛ ليخلص كل واحد من الضرر الحاصل له بذلك. (ويكره) إيقاع الطلاق (بلا حاجة)؛لأنه مزيل للنكاح المشتمل على المصالح المندوب إليها. فيكون مكروهًا.
(ويباح عندها) أي: يباح الطلاق عند الحاجة إليه؛ لسوء خلق المرأة والتضرر منها من غير حصول الغرض بها.
(ويسن) الطلاق (لتضررها) أي: تضرر الزوجة (بنكاح) أي: باستدامة النكاح في حال الشقاق، وفي الحال التي تُحْوج المرأة إلى المخالعة ليزيل عنها الضرر.
(و) يسن الطلاق أيضا (لتركها) أي: ترك الزوجة (صلاة وعفة ونحوهما) أي: لتفريطها في حقوق الله ﷾ الواجبة عليها ولا يمكن إجبارها عليها، ولكونها غير عفيفة.
قال أحمد: لا ينبغي له إمساكها. وذلك؛ لأن فيه نقصا لدينه، ولا يأمن إفسادها فراشه وإلحاقها به ولدًا من غيره.
_________________
(١) في الأصول: فلما لم.
(٢) في ب زيادة: لم.
[ ٩ / ٣٤٢ ]
وله عضلها في هذه الحال والتضييق عليها؛ لتفتدي نفسها منه.
قال الله ﷾: (ولاتعضلوهن لتذهبوا ببعض ماءاتيتموهن إلا أن
يأتين بفاحشة مبينة)] النساء: ١٩].
(وهي) أي: والزوجة فيما إذا ترك زوجها حقًا لله تعالى (كهو) أي: كالزوج. (فيسن) لها (أن تختلع) منه: (إن ترك حقًا لله تعالى) ولا يمكنها إجباره عليه.
ويحرم الطلاق حال الحيض أو في طهر أصابها فيه. ويسمى هذا طلاق البدعة وذلك؛ لأن المطلق خالف أمر الله ﷾ في قوله: (فطلقوهن لعدتهن)] الطلاق: ١].
قال في "شرح المقنع ": وقد أجمع العلماء في جميع الأمصار على تحريمه. ويجب الطلاق على المولي بعد التربص إذا أبى الفيئة.
وقد تبين بما ذكر انقسام الطلاق إلى أحكام التكليف الخمسة.
(ولا تجب) على ولد (طاعة أبويه ولو) كانا (عدلين: في طلاق) أي:
في أن يطلق زوجته على الأصح.
وعنه: يجب إذا أمره أبوه به. وقاله أبو بكر في " التنبيه ".
وعنه (^١): يجب بشرط أن يكون عدلًا.
ونص أحمد فيما إذا أمرته أمه ببيع سريته: إن خفت على نفسك فليس لها ذلك.
(أو منع من تزويج) يعني: أن الولد لا يجب عليه طاعة أبويه في منعه من التزويج. نص عليه أحمد.
(ولا يصح) الطلاق (إلا من زوج) عاقل مختار (ولو كان) الزوج (مميزًا يعقله) أي: يعقل الطلاق على الأصح من الروايات.
قال في " القواعد الأصولية " والأصحاب على وقوع طلاقه. وهو
_________________
(١) فى ب: وغيره.
[ ٩ / ٣٤٣ ]
المنصوص عن أحمد في رواية الجماعة، منهم عبد الله وصالح بن منصور والحسن بن ثواب والأثرم وإسحاق بن هانئ والفضل بن زياد وحرب والميمونى. قال في "الفروع ": نقله واختاره الأكثر، وجزم به في " الوجيز " وغيره،
وهو من مفردات المذهب.
وعنه: ابن عشر.
وعنه: اثنتي عشرة.
وعنه: لا يقع من غير بالغ.
وعنه: إن أب الصغير والمجنون وسيدهما يطلق عليهما.
ووجه المذهب: قول النبي ﷺ " إنما الطلاق لمن أخذ بالساق " (^١) .
وقوله ﷺ: "كل الطلاق جائز، إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله " (^٢) . وروي عن علي أنه قال: " اكتموا الصبيان النكاح " (^٣) .
ففهم أن فائدته: أن لا يطلقوا.
ولأنه طلاق من عاقل صادف محل الطلاق. فوقع؛ كطلاق البالغ.
(و) إلا من (حاكم على مُولٍ) بعد التربص إذا أتى الفيئة والطلاق. ويأتي ذلك في الإيلاء بأبين منه هنا.
وعلم مما تقدم أن من أجاز طلاق الصبي العاقل اقتضى مذهبه أنه يجوز توكيله فيه وتوكله لغيره. وقد أومأ إليه أحمد فقال في رجل قال لصبي: طلق امرأتي، فقال: قد طلقتها ثلاثًا لا يجوز عليها حتى يعقل الطلاق.
قيل له: فإن كانت له زوجة صبية فقالت: له صير أمري إلي، فقال لها: أمرك بيدك، فقالت: قد اخترت نفسي. ليس بشيء حتى يكون مثلها يعقل الطلاق.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٠٨١) ١: ٦٧٢ كتاب الطلاق، باب طلاق العبد.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١١٩١) ٣: ٤٩٦ كتاب الطلاق واللعان، باب ما جاء في طلاق المعتوه.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (١٧٩٣٤) ٤: ٧٦ كتاب الطلاق، ما قالوا في الصبي.
[ ٩ / ٣٤٤ ]
ووجه ذلك: أن من صح تصرفه في شيء مما تجوز الوكالة فيه بنفسه صح توكيله ووكالته فيه كالبالغ. وما روي عن أحمد من منع ذلك فهو على الرواية التي لا تجيز طلاقه.
(ويعتبر) لوقوع الطلاق (إرادة لفظه لمعناه) أي: لفظ الطلاق لمعنى الطلاق (فلا طلاق) واقع (لفقيه) أي: على فقيه (يكرره، و) لا على (حاك) طلاقًا (ولو عن نفسه).
قال في " الفروع ": خلافًا لبعض الشافعية. حكاه ابن عقيل كغيره.
(ولا) طلاق على (نائم، وزائل عقله بجنون أو إغماءٍ أو بِرسْامٍ أو نشافٍ،
ولو بضربه نفسه) بدليل أن من كسر ساق نفسه جاز له أن يصلي قاعدًا ولا يعيد. ولو ضربت المرأة بطنها فنفست سقطت عنها الصلاة.
وقد أجمع المسلمون على أن من زال عقله بغير سكر محرم؛ كالنوم والإغماء والجنون وشرب الدواء المزيل للعقل والمرض لا يقع طلاقه؛ لقوله ﷺ: " رفع القلم عن ثلاث (^١): عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق " (^٢) .
ولأن الطلاق قول يزيل الملك. فاعتبر له العقل؛ كالبيع.
(وكذا) في الحكم (آكلُ بَنْجٍ ونحوه) لتداوٍ أو لغير شيء.
قال في " الإنصاف ": واعلم أن الصحيح من المذهب: أن تناول البنج ونحوه لغير حاجة، إذا زال العقل به، كالمجنون، لا يقع طلاق من تناوله. نص عليه، لأنه لا لذة فيه.
وفرق الإمام أحمد بينه وبين السكران، فألحقه بالمجنون.
_________________
(١) في أ: ثلاثة.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (١٤٢٣) ٤: ٣٢ كتاب الحدود، باب ما جاء فيمن لا يجب عليه الحد. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٤٤٠٣) ٤: ١٤١ كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حدًا. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١١٨٣) ١: ١٤٠.
[ ٩ / ٣٤٥ ]
وقدمه في " النظم " و" الفروع ". وهو ظاهر ما قدمه في " المحرر ". ثم
قال بعد ذلك بيسير: قال الزركشي: ومما يلحق بالبنج الحشيشة الخبيثة.
وأبو العباس يرى أن حكمها حكم الشراب المسكر حتى في إيجاب الحد.
ويفرق بينها وبين البنج بأنها تشتهى وتطلب، فهي كالخمر. بخلاف البنج. فالحكم عنده منوط باشتهاء النفس وطلبها. انتهى.
(و) كذا في الحكم (من غَضب حتى أغمي) عليه (أو) حتى (غُشي (^١) عليه).
قال في " الفروع ": ويدخل في كلامهم من غضب حتى أغمي عليه أو أغشى
عليه يعني: أنه لا يقع عليه طلاق في تلك الحالة؛ لزوال عقله. أشبه المجنون.
(ويقع) الطلاق (ممن أفاق من جنون أو إغماء، فذكر أنه طلق).
قال في " الإنصاف " بعد أن ذكر أن المجنون والمغمى عليه لا يقع طلاقه:
لكن لو ذكر المغمى عليه والمجنون لما أفاقا أنهما طلقا: وقع الطلاق. نص عليه. انتهى.
قال أحمد في المغمى عليه: إذا طلق فلما أفاق وعلم أنه كان مغمى عليه
وهو ذاكر لذلك، فقال: إذا (^٢) كان ذاكرًا لذلك فليس هو مغمى عليه: يجوز طلاقه.
وقال في رواية أبي طالب في المجنون يطلق فقيل له لما أفاق: إنك طلقت امرأتك فقال: أنا أذكر أنى طلقت ولم يكن عقلي معي. فقال: إذا كان يذكر أنه
طلق فقد طلقت امرأته. فلم يجعله مجنونًا إذا كان يذكر الطلاق ويعلم به.
قال الموفق: وهذا والله أعلم فيمن جنونه بذهاب معرفته بالكلية وبطلان حواسه، وأما من كان جنونه لنشاف أو كان مبرسمًا فإن ذلك يسقط حكم تصرفه،
_________________
(١) في ب: أغشي.
(٢) في ب: ذاكرًا لذلك، فقال: إنه.
[ ٩ / ٣٤٦ ]
مع أن معرفته غير ذاهبة بالكلية فلا يضره ذكره للطلاق إن شاء الله تعالى. انتهى. (و) يقع الطلاق على الأصح (ممن شرب طوعًا مسكرًا، أو نحوه) أي:
نحو المسكر (مما يحرم) استعماله (بلا حاجة) إليه؛ كالحشيشة المسكرة، (ولو خلط في كلامه، أو سقط تمييزه بين الأعيان) بأن صار لا يعرف ثوبه من ثوب غيره.
قال في " الإنصاف ": حد السكران الذي تترتب عليه هذه الأحكام هو الذي يخلط في كلامه وقراءته، ويسقط تمييزه بين الأعيان. ولا يشترط فيه أن يكون بحيث لا يميز السماء من الأرض، ولا بين الذكر والأنثى. قاله القاضي وغيره. وقد أومأ إليه أحمد في رواية حنبل فقال: السكران: الذي إذا وضع ثيابه في ثياب غيره فلم يعرفها، أو وضع نعله في نعالهم فلم يعرفه، وإذا هذى في كلامه وكان معروفا بغير ذلك. انتهى.
(ويؤاخذ) هذا السكران الذي يقع طلاقه (بسائر أقواله، وكل فعل) يصدر
منه مما (يعتبر له العقل؛ كإقرار وقذف وظهار وإيلاء، وقتل وسرقة وزنا، ونحو ذلك)؛ كوقف وعارية وغصب ومسلم مبيع وقبض أمانة وغير ذلك؛ لأن الصحابة جعلوه كالصاحي في الحد بالقذف.
ولأنه فرط بإزالة عقله فيما يدخل فيه ضررا على غيره. فألزم حكم تفريطه عقوبة له.
وعنه: أنه كالمجنون في أقواله، وكالصاحي في أفعاله.
وعنه: أنه في الحدود كالصاحي، وفي غيرها كالمجنون.
وعنه: أنه فيما يستقل به مثل: عتقه وقتله وغيرهما كالصاحي، وفيما
لا يستقل به مثل: بيعه ونكاحه ومعاوضاته كالمجنون.
قال في " المحرر ": حكاها ابن حامد. انتهى.
(لا من مكره) يعني: أنه لا يقع الطلاق على سكران أكره على شرب المسكر حيث (لم يأثم) الذي أكره بسكره بأن شرب أكثر مما أكره عليه. فلو أكره على شرب قليل لم يسكر فشرب ما أسكره وقع طلاقه في الأصح.
[ ٩ / ٣٤٧ ]
(ولا) يقع الطلاق (ممن أكره) عليه (ظلمًا).
وعنه: من سلطان بإيلامه، (بعقوبة) من ضرب أو خنق أو عصر ساق، ونحو ذلك. ولا يرفع ذلك عنه حتى يطلق، لأن من ضرب أو نحوه لا يكون الإكراه له بما فات من ذلك؛ لأنه قد انقضى.
(أو تهديد له أو لولده من قادر) على ما هدده به (بسلطنة، أو تغلب؛ كلص، ونحوه)، كقاطع طريق (بقتل) متعلق بتهديد يعني: أو تهديد بقتل، (أو قطع طرف، أو ضرب أو حبس، أو أخذ مال: يضره) أخذه منه ضررا (كثيرا، وظن إيقاعه) أي: وغلب على ظنه المطلق إيقاع ما هدده به مما ذكر، (فطلق تبعًا لقوله) أي: قول المكرِه بكسر الراء.
والأصل في عدم وقوع طلاق المكره عليه ما روت عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا طلاق ولا عتق في إغلاق " (^١) رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه.
والإغلاق: الإكراه؛ لأن المكره مغلق عليه في أمره مضيق عليه في تصرفه، كما يغلق الباب على الإنسان.
ولأن الطلاق مع الإكراه عليه (^٢) قولٌ حمل عليه بغير حق. فلم يثبب له حكم؛ ككلمة الكفر إذا أكره عليها.
وأما مع التهديد بالقتل أو قطع الطرف من قادر يغلب على الظن إيقاعه به إن
لم يطلق فيجب عليه إجابته إلى الطلاق، لأنه إذا لم يفعل كان ملقيا بيده إلى التهلكة، المنهى عنه في قوله ﷾: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة)] البقرة: ١٩٥ [ولا يضره إجابته، لأنه لا يقع عليه بذلك طلاق.
وقد روي " أن رجلًا على عهد عمر تدلى في حبل يشتار عسلًا فأقبلت امرأته
_________________
(١) أخرجه أبو داود فى " سنه " (٢١٩٣) ٢: ٢٥٨ كتاب الطلاق، باب في الطلاق على غلط. وأخرجه ابن ماجه في " سنه " (٢٠٤٦) ١: ٦٦٠ كتاب الطلاق، باب طلاق المكره والناسي. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٦٤٠٣) ٦: ٢٧٦.
(٢) ساقط من ب.
[ ٩ / ٣٤٨ ]
فجلست على الحبل، فقالت: ليطلقها ثلاثًا وإلا قطعت الحبل، فذكرها الله ﷾ والإسلام فأبت فطلقها ثلاثًا ثم خرج إلى عمر فذكر ذلك له، فقال: ارجع إلى أهلك فليس هذا طلاق " (^١) . رواه سعيد وأبو عبيد.
وعنه: لا يكون التهديد بالضرب والحبس وأخذ المال ونحوه إكراهًا.
والأصح: أنه إكراه.
(وكمُكره) ظلما في عدم وقوع الطلاق عليه: (من سُحِر ليُطلِّق).
قال في " الفروع ": وإن سحره ليطلق فإكراه. قاله شيخنا ولم يذكر في
" الفروع " خلافًا فيه.
قال في " الإنصاف ": قلت: بل من أعظم الإكراهات.
(لا من شتم) يعني: أن من شتم ليطلق، (أو أُخرِقَ به) أي: أهين ليطلق فطلق وقع. ولا يكون حكمه حكم المكره في الأصح.
قال في " الفروع ": وقيل: إحراق من يؤلمه إكراه. وهو ظاهر الواضح.
قال القاضي: الإكراه يختلف.
قال ابن عقيل: وهو قول حسن. انتهى.
(ومن قصد إيقاعه) أي: إيقاع الطلاق ممن أكره عليه (دون دفع الإكراه)
عنه بإيقاعه وقع.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
(أو إكره على طلاق معينه) من نسائه (فطلق غيرها) وقع، (أو) أكره
على إيقاع (طلقة) واحدة (فطلق أكثر) من طلقة: (وقع)؛ لأنه لم يكره على ذلك.
(لا إن أكره على مبهمة فطلق معيَّنة) بأن أكره على أن يطلق واحدة أي
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (١١٢٨) ١: ٢٧٤ كتاب الطلاق، باب ما جاء في طلاق المكره. واشتار العسل: جناه.
[ ٩ / ٣٤٩ ]
واحدة كانت من نسائه، فقال: طلقت فلانة من نسائي لم يقع.
(أو ترك التأويل بلا عذر) في تركه لم يقع.
قال في " الإنصاف ": ينبغي للمكره- بفتح الراء- إذا أكره على الطلاق وطلق: أن يتأول. فإن ترك التأويل بلا عذر: لم يقع الطلاق على الصحيح من المذهب. جزم به في " المغني " و" الشرح " ونصراه.
قلت: وهو ظاهر كلام أكثر الأصحاب.
وقيل: تطلق. وأطلقهما في " الفروع " و" القواعد الأصولية ".
قال في " الرعاية الكبرى ": وقيل: إن نوى المكرَه ظلمًا غير الظاهر: نفعه تأويله، وإن ترك ذلك جهلًا أو دهشة: لم يضره، وإن تركه بلا عذر: احتمل وجهين. انتهى.
(وإكراه على عتق و) إكراه على (يمين ونحوهما، كـ) إكراه (على طلاق). فلا يؤاخذ بشيء من ذلك في حالة لا يقع الطلاق فيها على المكره على الطلاق. على الصحيح من المذهب.
قال في " الفروع ": وعنه: تنعقد يمينه، ويتوجه مثلها غيرها. ولا يقال:
لو كان الوعيد إكراهًا لكنا مكرهين على العبادات فلا ثواب (^١)، لأن أصحابنا قالوا: يجوز أن يقال: إننا مكرهون عليها، والثواب بفضله لا مستحقا عليه عندنا، ثم العبادات تفعل للرغبة. ذكره في " الانتصار ". انتهى.
(ويقع) الطلاق (بائنًا، ولا يُستحق عوض سئل عليه) الطلاق، إذا كان ذلك (في نكاح: قيل بصحته) أي: قال بها بعض الأئمة، (ولا يراها) أي: يرى الصحة (مطلق). نص على وقوعه أحمد؛ كما لو حكم حاكم يراه بصحته. والحكم إنما يكشف خافيا أو ينفذ واقعًا، لأن الطلاق إزالة ملك بني على التغليب والسراية. فجاز أن ينعقد في العقد الفاسد إذا لم يكن في نفوذه إسقاط الغير؛ كالعتق ينفذ في الكتابة الفاسدة بالأداء كما ينفذ في الصحيحة.
_________________
(١) في ب: تؤثر.
[ ٩ / ٣٥٠ ]
ونقل ابن القاسم: قد قام مقام النكاح الصحيح في أحكامه كلها.
وعنه: يقع إن اعتقد صحته. اختاره صاحب " الهداية " و" المذهب " و"التلخيص ".
(ولا يكون) الطلاق في النكاح المختلف فيه (بدعيًا) إذا وقع (في حيض).
قال في " الإنصاف ": يجوز الطلاق في النكاح المختلف فيه في الحيض ولا يسمى طلاق بدعة قلت: فيعايا بها. انتهى.
(لا خلع) يعني: أنه لا يصح الخلع في النكاح الفاسد (لخُلُوِّه) أي: خلوّ الخلع (عن العوض).
قال في " الرعاية ": ومن نكاحه فاسد إذا بذلت لزوجها عوضًا على أن يطلقها أو يخلعها به ففعل: لم يملكه، ويلغو خلعه، ويقع طلاقه بائنًا. انتهى. وقال ابن نصر الله في " حواشي الفروع ": وقوع الطلاق في النكاح الفاسد يقتضي صحة الخلع فيه؛ لأنه نوع فرقة، لا سيما إذا كان بلفظ الطلاق فإنه يكون طلاقًا بعوض. انتهى.
ولعله لم يطلع على كلام صاحب " الرعايه ". وأيضا فإنه إذا كان الطلاق
بائنًا بلا عوض فلا يستحق عوضا ببذله؛ لأنه لا مقابل للعوض. والله ﷾ أعلم.
(ولا) يقع الطلاق أيضًا (في) نكاح (باطل إجماعًا) أي: مجمع على بطلانه في الأصح.
وعنه: يقع.- اختاره ابو بكر.
(ولا) يقع الطلاق أيضًا (في نكاح فضولي قبل إجازته، ولو نفذ بها) أي:
ولو قلنا ينفذ بها. وهذا الذي عليه الأصحاب، وفيه احتمال بالوقوع. ذكره صاحب "الرعاية " من عنده.
ونقل حنبل: إن تزوج عبد بلا إذن فطلق سيده جاز طلاقه، وفرق بينهما.
[ ٩ / ٣٥١ ]
ونقل مهنا: إن طلق العبد بأمر سيده أو لا لم يجز.
(وكذا) أي: وكالطلاق في نكاح فاسد (عتق في شراء فاسد) في ظاهر كلام أحمد وتعليله.
قال في " الفروع ": وهو المذهب. وإن علم يعني: عدم وقوع العتق في الشراء الفاسد فلإسقاطه حق البائع، ولا يلزم نكاح المرتدة والمعتدة فإنه كمسألتنا على إحدى الروايتين. قاله في " عيون المسائل ". انتهى.
[ ٩ / ٣٥٢ ]
] فصل: في الوكالة في الطلاق]
(فصل. ومن صح طلاقه: صح توكيله فيه، وتَوَكُّله)؛ لأن من صح تصرفه في شيء مما يجوز الوكالة فيه بنفسه صح توكيله وتوكله فيه.
ولأن الطلاق إزالة ملك. فصح التوكيل والتوكل فيه؛ كالعتق.
(ولوكيل لم يَحُدَّ له) موكله (حدًا أن يطلق متى شاء)؛ لأنه توكيل مطلق. فأشبه التوكيل في البيع.
وأما إن حد له حدًا فيكون على ما أذن له؛ لأن الأمر إلى الموكل في ذلك؛
لأنه إنما تثبت له الوكالة على حسب ما يقتضيه لفظ الموكل.
(لا) أن يطلق الوكيل عن موكله (وقت بدعة).
قال في " الإنصاف ": ليس للوكيل المطلق الطلاق وقت بدعة فإن فعل حرم
ولم يقع. صححه الناظم.
وقيل: يحرم ويقع. قدمه في "الرعايتين " و" الحاوى الصغير ".
قلت: وهو ظاهر كلام المصنف يعني: الموفق حيث قال: وله أن يطلق متى شاء. وهو ظاهر كلامه في " الهداية " و" المستوعب ". انتهى.
(ولا) للوكيل أيضًا أن يطلق (أكثر من) طلقة (واحدة، إلا أن يجعله) أي: يجعل الموكل ذلك (له) أي: للوكيل. فإذا جعل للوكيل الطلاق في وقت البدعة، أو أن يطلق متى شاء من عدد الطلاق: ملك ذلك، وصح منه. (ولا يملك) الوكيل (بإطلاق) الموكل التوكيل في الطلاق (تعليقًا) أي:
أن يعلق الطلاق على شرط؛ لأنه لم يأذن له فيه.
(وإن وكَّل) زوج في طلاق امرأته (اثنين) أي: وكيلين: (لم ينفرد
[ ٩ / ٣٥٣ ]
أحدهما) بالطلاق، (إلا بإذن من الموكل) في الانفراد، لأن الموكل إنما رضي بتصرفهما جميعا.
وأما كونه يصح انفراد أحدهما مع الإذن؛ فلأن الحق للموكل في ذلك.
(وإن وُكِّلا) بالبناء للمفعول أي: وكل الزوج وكيلين (في) طلاق (ثلاث، فطلق أحدهما) أي: أحد الوكيلين (أكثر من) الوكيل (الآخر)، كما لو طلق أحدهما طلقة والآخر طلقتين: (وقع ما اجتمعا عليه) فهو طلقة؛ لأنهما طلقا جميعا واحدة مأذونًا فيها. فصح " كما لو جعل إليهما واحدة. وإن طلق أحدهما ثنتين والآخر (^١) ثلاثًا وقع ثنتان، لأنهما اجتعما عليهما.
(وإن قال) زوج لامرأته: (طلقي نفسك، كان لها ذلك متراخيا، كوكيل) أجنبي. (ويبطل) ما جعله لها من تطليق (برجوع) عنه، كما يبطل ما يملكه الوكيل بعزل الموكل.
(ولا تملك) المرأة (به) أي: بما جعله لها أن تطلق نفسها (أكثر من) طلقة (واحدة)؛ لأن الأمر المطلق يتناول أقل ما يقع عليه الاسم.
(إلا إن جعله لها) فتملك ما جعله لها؛ لأن الحق له في ذلك.
ولو قال لها: طلقي نفسك ثلاثًا فطلقت نفسها واحدة وقعت؛ لأنها أوقعت طلاقًا مأذونًا به وفي غيره. فوقع المأذون فيه. كما لو قال لها: طلقي نفسك وضرائرك فطلقت نفسها فقط، وطلقى نفسك فقالت: أنا طالق إن قدم زيد لم تطلق بقدومه؛ لأن إذنه انصرف إلى المنجز فلم يتناول المعلق.
(وتَملك) الزوجة (الثلاث) أي: أن تطلق نفسها ثلاثًا (فيـ) ــما إذا قال
لها زوجها: (طلاقك بيدك، أو وكلتك فيه) أي: في طلاق نفسك.
قال في " الفروع ": وتملك بطلاقك بيدك، ووكلتك في الطلاق ما تملك
بالأمر أي: بقوله لها: أمرك بيدك.
_________________
(١) في ب: إحداهما ثنتين والأخرى.
[ ٩ / ٣٥٤ ]
(وإن خيَّر وكيله، أو) خير (زوجته من ثلاث) بأن قال لوكيله أو لزوجته: اختر أو اختاري من ثلاث ما شئت أو ما شئتي: (ملكا ثنتين) أي: ملكا أن يطلقا طلقتين (فأقل)؛ لأن لفظه يقتضي ذلك؛ لأن " من " للتبعيض. فلم يكن لواحد منهما استيعاب الثلاث.
(ووجب على النبى ﷺ تخيير نسائه)؛ لقول الله (^١) ﷾: (ياأيها النبى قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها ٠٠٠) الاية] الأحزاب: ٢٨]. قالت عائشة: " لما أمر النبي ﷺ بتخيير أزواجه بدأ بي. فقال: إني لمخبرك خبرًا فلا عليك أن لاتعجلي حتى تستأمري أبويك. ثم قال: إن الله تعالى قال لي: (ياأيها النبى قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن ) - حتى بلغ- (فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا)] الأحزاب: ٢٨ - ٢٩ [. فقلت: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإنى أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت " (^٢) . متفق عليه.
_________________
(١) في ب: لقوله.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٥٠٨) ٤: ١٧٩٦ كتاب التفسير، باب (وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيما). وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٧٧) ٢: ١١٠٣ كتاب الطلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية.
[ ٩ / ٣٥٥ ]
] باب: سنة الطلاق وبدعته]
هذا (باب سنة الطلاق) أي: يعرف منه سنة حكم الطلاق، (و) حكم (بدعته).
ومعنى سنة الطلاق: ما أتى به المطلق من الطلاق على الوجه المشروع.
ومعنى بدعته: ما أتى به على الوجه المحرم المنهى عنه.
ثم (السنة لمريده) أى: مريد الطلاق: (إيقاع) طلقة (واحدة)؛ لأن جمع الطلاق بدعة (في طهر لم يصبها) أي: يطأها (فيه) أي: فى ذلك الطهر، (ثم يدعُها حتى تنقضى عدتُها) يعنى: لا يطلقها ثانية قبل انقضاء عدتها من الطلقة الأولى؛ لأن المقصود من الطلاق فراقها وفراقها (^١) حاصل بالطلاق، الأول. وذلك قول الله ﷾: (ياأيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن)] الطلاق: ١ [،
قال ابن مسعود: " طاهرًا من غير جماع " (^٢) .
ويستثنى من ذلك صورة أشير إليها بقوله:
(إلا فى طهر متعقب لرجعة، من طلاق فى حيض: فبدعة)؛ لما روي:
" أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فذكر ذلك للنبي ﷺ، فتغيظ فيه رسول الله ﷺ. وقال: ليراجعها ثم يمسكها حتى تطهرثم تحييض فتطهر، فإن
_________________
(١) فى أ: أو فراقها.
(٢) أخرجه النسائي فى " سننه " (٣٣٩٥) ١٤٠: ٦ كتاب الطلاق، باب طلاق السنة. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (، ٢٠٢) ١: ٦٥١ كئاب الطلاق، باب طلاق السنة. وأخرجه البيهقى في " السنن الكبرى " ٧: ٣٢٥ كتاب الخلع والطلاق، باب ما جاء في طلاق السنة وطلاق البدعة.
[ ٩ / ٣٥٦ ]
بدا له أن يطلقها فليطلقها (^١) قبل أن يمسها فتلك التي أمر الله ﷿ أن يطلق لها النساء " (^٢) . رواه الجماعة إلا الترمذي.
وفي رواية: " أنه طلق امرأته وهي حائض فذكر ذلك عمر للنبي ﷺ فقال:
مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا " (^٣) . رواه الجماعة إلا البخاري. (وإن طلق) زوج زوجة (مدخولًا بها في حيض، أو طهر وطئ فيه ولم يَسْتبن حملُها، أو علّقه) أي: علق الطلاق (على أكلها، ونحوه)؛ كصلاتها (مما يعلم وقوعه حالتهما) أي: حالة الحيض وحالة الطهر الذي أصابها فيه (فبدعة) أي: فذلك طلاق بدعه (محرم، ويقع) طلاقه في قول عامة أهل العلم. ونص عليه أحمد.
قال ابن المنذر وابن عبدالبر: لم يخالف في ذلك إلا أهل البدع والضلال،
_________________
(١) في ب: فيطلقها.
(٢) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٤٩٥٣) ٥: ٢٠١١ كتاب الطلاق. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٧١) ٢: ١٠٩٣ كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض: بغير رضاها وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢١٨٢) ٢: ٢٥٥ تفريع أبواب الطلاق، باب في طلاق السنة. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٣٩١) ٦: ١٣٨ كتاب الطلاق، باب وقت الطلاق للعدة التي أمر الله ﷿ أن تطلق لها النساء. وأخرجه ابن ماجه فى " سننه " (٢٠١٩) ١: ٦٥١ كتاب الطلاق، باب طلاق السنة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦١٤١) ٢: ١٣٠.
(٣) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٤٧١) ٢: ١٠٩٥ كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها وأخرجه أبو داود في " سننه " (٢١٨٢) ٢: ٢٥٥ تفريع أبواب الطلاق، باب في طلاق السنة. وأخرجه الترمذي في " جامعه" (١١٧٦) ٣: ٤٧٩ كتاب الطلاق واللعان، باب ما جاء في طلاق السنة. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٣٩١) ٦ " ١٣٨ كتاب الطلاق، باب وقت الطلاق للعدة التي أمر الله ﷿ أن تطلق لها النساء. وأخرجه ابن ماجة في " سننه " (٢٠٢٣) ١: ٦٥٢ كتاب الطلاق، باب الحامل كيف تطلق. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٤٧٨٩) ٢: ٢٦.
[ ٩ / ٣٥٧ ]
وحكاه أبو نصر (^١) عن ابن علية وهشام بن الحكم والسبعة قالوا: لا يقع طلاقه؛ لأن الله ﷾ أمر بالطلاق قبل (^٢) العدة. فإذا طلق في غير زمنه لم يقع؛ كالوكيل إذا طلق في غير زمن أمره موكله بإيقاعه فيه.
ولنا: حديث ابن عمر: " أنه طلق امرأته وهي حائض فأمره النبي ﷺ بمراجعتها " (^٣) .
وفي رواية الدارقطنى قال: " قلت: يا رسول الله! أفرأيت لو أنى طلقتها
ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها (^٤)؟ قال: لا. كانت تبين منك، وتكون معصية" (^٥) .
وقال نافع: وكان عبد الله طلقها تطليقة فحسبت من طلاقه، وراجعها كما
أمره رسول الله ﷺ.
ولأنه طلاق من مكلف في محل الطلاق. فوقع؛ كطلاق الحامل.
ولأن الطلاق ليس بقربة فيعتبر لوقوعه موافقة السنة، بل هو إزالة عصمة
وقطع ملك فإيقاعه في زمن البدعة عليه أولى عقوبة له على فعله المحرم. ويخالف الوكيل إذا طلق في زمن أمر بالطلاق في غيره؛ لأنه لا يملك محل الطلاق سوى الزوج.
(وتسن رجعتها)؛ لأمر النبي ﷺ بمراجعتها. وأقل أحوال الأمر
الاستحباب.
ولأنه بالرجعة يزيل المعنى الذي حرم الطلاق من أجله.
ولا يجب على الأصح؛ لأنه طلاق لا يرتفع بالرجعة. فلم تجب عليه؛
_________________
(١) في ب: أبو النصر.
(٢) في أ: في قبل.
(٣) سبق تخريجه في الحديث السابق.
(٤) في ب: أرجعها.
(٥) أخرجه الدارقطني في " سننه " (٨٤) ٤: ٣١ كتاب الطلاق والخلع والإيلاء وغيره.
[ ٩ / ٣٥٨ ]
كالطلاق في طهر لم يصبها فيه، فإنهم أجمعوا على أن الرجعة لا تجب، وإذا راجعها وجب إمساكها حتى تطهر.
(وإيقاع) طلقات (ثلاث ولو بكلمات، في طهر لم يصبها) زوجها (فيه)
من طهر (فأكثر، لا بعد رجعة أو) بعد (عقد محرَّم) على الأصح. ويروى ذلك عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر.
وعن مالك بن الحارث قال: " جاء رجل إلى ابن عباس. فقال: إن عمي طلق امرأته ثلاثا. فقال: إن عمك عصى الله وأطاع الشيطان. فلم يجعل الله له مخرجًا " (^١) .
ووجه ذلك: قول الله ﷾: (ياأيها النبى إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن ) - إلى قوله- (لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا)] الطلاق: ١ [، ثم قال بعد ذلك: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا)] الطلاق: ٢ [،) ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرًا)] الطلاق: ٤].
ومن جمع الثلاث لم يبق له أمر يحدث، ولم يجعل الله له مخرجًا ولا من أمره يسرًا.
روى النسائي بإسناده عن محمود بن لبيد قال: " أُخبر رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا. فغضب. ثم قال: أيُلعب بكتاب الله ﷿ وأنا بين أطهركم؟ حتى قام رجل. فقال: يا رسول الله! ألا أقتله " (^٢) . وفي حديث ابن عمر قال: " قلت: يا رسول الله! ارأيت لو طلقتها ثلاثا؟ قال: إذًا عصيت. وبانت منك امرأتك " (^٣) .
ولأن ذلك تحريم للبضع بقول الزوج من غير حاجة. فحرم؛ كالظهار، بل
_________________
(١) أخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" ٧: ٣٣٧ كتاب الخلع والطلاق، باب من جعل الثلاث واحدة وما ورد في خلاف ذلك.
(٢) أخرجه النسائي في " سننه " (٣٤٠١) ٦: ١٤٢ كتاب الطلاق، الثلاث المجموعة وما فيه من التغليظ.
(٣) أخرجه أحمد في " مسنده " (٤٥٠٠) ٢: ٦.
[ ٩ / ٣٥٩ ]
هذا أولى؛ لأن الظهار يرتفع بالتكفير، وهذا لا سبيل للزوج إلى رفعه بحال. ولأنه إضرار بنفسه وامرأته من غير حاجة، فيدخل في عموم النهي.
وعلم مما تقدم أنه لو طلقها ما بعد الأولى بعد رجعة أو عقد: أنه لا يكون محرمًا ولا بدعة بحال.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. جزم به في " الرعاية " وقدمه في " الفروع ". انتهى.
ومن طلق زوجته ثلاثًا بكلمة واحدة وقع الثلاث وحرمت عليه حتى تنكح زوجًا غيره. ولا فرق في ذلك بين ما قبل الدخول وبعده. روي ذلك عن ابن عباس وأبي هريرة وابن عمر وعبد الله بن عمرو وابن مسعود وأنس. وهو قول أكثر أهل العلم من التابعين والأئمة بعدهم.
وكان اء وطاووس وسعيد بن جبير وأبو الشعثاء وعمرو بن دينار يقولون:
من طلق البكر ثلاثًا فهي واحدة.
وروى طاووس عن ابن عباس قال: " كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة " (^١) . رواه أبو داود. وروى سعيد بن جبير وعمرو بن دينار ومجاهد ومالك بن الحارث عن ابن عباس خلاف رواية طاووس. أخرجه أيضًا أبو داود.
وأفتى ابن عباس بخلاف ما روى عنه طاووس.
وروى الدارقطني بإسناده عن عبادة بن الصامت قال: " طلق بعض أبائي امرأته ألفًا. فانطلق بنوه إلى رسول الله ﷺ. فقالوا: يا رسول الله! إن (^٢) أبانا
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢٢٠) ٢: ٢٩١ تفريع أبواب الطلاق، باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٤٠٦) ٦: ١٤٥ كتاب الطلاق، باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٢٨٧٧) ١: ٣١٤ واللفظ له.
(٢) ساقط من ب.
[ ٩ / ٣٦٠ ]
طلق أمَّنا ألفًا، فهل مخرج؟ فقال: إن أباكم لم يتق الله فيجعل له من أمره مخرجًا، بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وتسعة وتسعون إثم في عنقه " (^١) . ولأن النكاح ملك يصح إزالته متفرقًا (^٢) . فصح مجتمعا؛ كسائر الأملاك.
فأما حديث ابن عباس فقد صحت الرواية عنه بخلافه وأفتى بخلافه.
قال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس بأي شيء تدفعه؟ قال: أدفعه برواية الناس عن ابن عباس أن الناس كانوا يطلقون واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر. وإلا فلا يجوز أن يخالف عمر ما كان على عهد رسول الله ﷺ وعهد أبي بكر. ولا يكون لابن عباس أن يروي هذا عن رسول الله ﷺ ويفتي بخلافه.
(ولا سنة ولا بدعة مطلقًا) أي: لا في زمن ولا في عدد، (لغير مدخول بها) أي: لامرأة لم يدخل بها، (و) لا لامرأة (بين حملها، و) لا لزوجة (صغيرة وآيسة.
فلو قال) الزوج (لإحداهن) أي: إحدى المذكورات: (أنت طالق للسنة، أو قال) لإحداهن: أنت طالق (للبِدْعة طلقت في الحال).
أما غير المدخول بها فليس عليها عدة حتى أنها تتضرر بتطويلها.
وأما الحامل فإن انقضاء عدتها بوضع حملها فلا يكون لها حالة سنة وحالة بدعة في الأصح. وكذا من عدتها بالأشهر وهي الصغيرة التي لم تحض والآيسة؛ لأن العدة لا تطول بطلاقها في حال ولا تحمل فترتاب.
وعنه: أنه يثبت فيهن طلاق السنة والبدعة من حيث العدد.
(و) على المذهب: لو قال لإحداهن: أنت طالق (للسُّنة طلقة، وللبدعة طلقة، وقعتا) في الحال؛ لأن طلاقها لا يتصف بذلك فتلغو الصفة ويبقى الطلاق بدون الصفة، فيقع في الحال.
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في "سننه" (٥٣) ٤: ٢٠ كتاب الطلاق والخلع والإيلاء وغيره.
(٢) في ب: منفردًا.
[ ٩ / ٣٦١ ]
(ويُديَّن) قائل ذلك (في غير آيسة إذا قال: أردت إذا صارت من أهل ذلك)؛ لأنه ادعى محتملًا فيه فيدين، (ويُقبلُ حُكمًا) يعني: ويقبل منه ذلك في الحكم أيضًا في الأصح؛ لأنه فسر كلامه بما يحتمله. فيقبل؛ كما لو قال: أنت طالق أنت طالق، وقال: أردت بالثانية إفهامها.
(ولمن) أي: وللمرأة التي (لها سنة وبدعة، إن قاله) أي: إن قال لها زوجها: أنت طالق للسنة طلقة وللبدعة طلقة: (فواحدة) أي: فيقع عليه طلقة واحدة (في الحال)، لأن حالها لا يخلو، إما أن تكون في زمان السنة فتقع الطلقة المعلقة على السنة، أو في زمان البدعة فتقع الطلقة المعلقة على البدعة. (و) تقع الطلقة (الأخرى في ضد حالها إذًا) أي: ضد حال المقول لها حين
قوله لها، لأن الطلقة الثانية معلقة على ضد الحالة التي هي عليها حال القول، فإن كانت حين القول في طهر لم يصبها فيه طلقت الثانية إذا أصابها أو حاضت، وإن كانت حين القول حائضًا أو في طهر أصابها فيه طلقت الثانية إذا طهرت من حيضة مستقبلة، لأن الطهر الذي جامعها فيه والحيض بعده زمان بدعة.
(و) إن قال لمن لها سنة وبدعة: أنت طالق (للسنة فقط)، وهي (في
طهر لم يطأ فيه: يقع في الحال)، لأنه وصف الطلقة بصفتها فوقعت في الحال. (وفي حيض) يعني: وإن قال لها: أنت طالق للسنة (^١) وهي حائض طلقت
(إذا طهرت) من حيضها، لأن الصفة وجدت حينئذ.
(و) إن كان قال لها وذلك (في طُهر وَطِئ فيه) طلقت (إذا طهرت من الحيضة المستقبلة)؛ لأن الطهر الذي وطئ فيه والحيضة بعده زمان بدعة، فإذا طهرت من الحيضة المستقبلة طلقت حينئذ، لأن الصفة وجدت. فلو أولج في آخر الحيضة واتصل بأول الطهر، أو أولج مع الطهر: لم يقع الطلاق في ذلك الطهر، لكن متى جاء طهرلم يجامعها فيه طلقت في أوله.
(و) إن قال لمن لها سنة وبدعة: أنت طالق (للبدعة) فقط، وهي (في
_________________
(١) في أ: السنة.
[ ٩ / ٣٦٢ ]
حيض، أو) في (طهر وَطِئ فيه: يقع) عليه الطلاق (في الحال)؛ لأنه وصف الطلقة بصفتها.
(وإن) كانت في طهر (لم يَطأ فيه: فـ) إن الطلاق يقع (إذا حاضت، أو وطِئها) أي ذلك حصل أولا طلقت به؛ لأن شرط وقوع الطلاق لم يوجد بدون ذلك. (و) حيث سبق وطؤه حيضها فإنه (ينزع في الحال) بعد إيلاج الحشفة:
(إن كان) قال: أنت طالق (ثلاثًا) للبدعة، أو كانت طلقة مكملة لما يملكه من الطلاق؛ لوقوع الطلاق الثلاث عقيب (^١) ذلك.
(فإن بقي) أي: فإن استدام ذلك بأن لم ينزع في الحال: (حُدَّ عالم) بالحكم، (وعُزِّر غيره)، وهو الجاهل بالحكم والناسي لما قاله من ذلك. (و) إن قال لمن لها سنة وبدعة: (أنت طالق ثلاثًا للسنة) ولم يكن طلقها
قبل ذلك، (تطلق) الطلقة (الأولى في طهر لم يطأ) ها (فيه، و) تطلق (الثانية طاهرة بعد رجعة أو عقد. وكذا) تطلق (الثالثة) يعني: بعد رجعة أو عقد. وهذا على الأصح.
وعنه: أنه تطلق ثلاثًا في طهر لم يصبها فيه.
(و) إن قال لها: أنت (طالق ثلاثًا للسنة والبدعة نصفين، أو لم يقل: نصفين، أو قال: بعضهن للسنة، وبعضهن للبدعة وقع إذا) أي: عقب قوله ذلك (ثنتان)؛ لأنه سوى بين الحالين. فاقتضى الظاهر أن يكونا سواء، فيقع في الحال طلقة ونصف، ثم يكمل النصف؛ لكون الطلاق لا يتبعض، (و) تقع الطلقة (الثالثة في ضد حالها إذا) أي: ضد حالها الحاضرة حين قوله. وهذا المذهب.
وقيل: تطلق الثلاث في الحال؛ كتبعيض كل طلقة.
(فلو قال: أردت تأخر ثنتين، قبل منه) ذلك (حكمًا) أي: في الحكم
في الأصح؛ لأن لفظه يحتمله.
_________________
(١) في ب: عقب.
[ ٩ / ٣٦٣ ]
ولأن البعض حقيقة في القليل والكثير، فما فسر كلامه به لايخالف الحقيقة. فيجب أن يقبل.
(ولو) كان (قال): أنت طالق (طلقتين للسنة، وواحدة للبدعة، أو عكس) بأن قال: طلقتين للبدعة وطلقة للسنة: (فـ) يكون الحكم (على ما قال. و) إن قال لها: (أنت طالق في كل قرء طلقة وهي حامل، أو من اللائي لم يحضن: لم تطلق حتى تحيض فتطلق في كل حيضة طلقة، إلا) إن كانت المرأة (غير مدخول بها: فتبين بواحدة) ثم إن تزوجها وقع بها في القرء الثانى طلقة ثانية. وكذا الحكم في الثالثة. وإن كانت حائضًا حين قوله: وقع بها واحدة، سواء كانت مدخولًا بها أوغير مدخول بها.
[ ٩ / ٣٦٤ ]
] فصل: في وصف الطلاق]
(فصل. و) من قال لزوجته: (أنت طالق أحسن طلاق أو أجملَه، أو أقربَه أو أعدلَه، أو أكملَه أو أفضلَه، أو أتمَّه أو أسنَّه، أو) قال لها: أنت طالق (طلقة سُنِّية أو جليلة، ونحوه)، كأنت طالق طلقة حسنة، أو مليحة، أو جميلة، أو كاملة، أو فاضلة: (كللسنة) أي: فحكم ذلك حكم ما لو قال لها: أنت طالق للسنة؛ لأن ذلك عبارة عن طلاق السنة. فإن كانت الزوجة في طهر لم يصبها فيه وقع في الحال، وإلا وقف على مجيء زمان السنة.
ويصح وصف الطلاق بالسنة والحسن والكمال والفصل؛ لكونه في ذلك الوقت موافقًا للسنة، مطابقًا للشرع.
(و) أنت طالق أبشع الطلاق، أو (أقبحَه أو أسمجَه، أو أفحشَه أو أردأَه،
أو أنتنه، ونحوه)؛ كأوحشه، أو أنجسه: (كللبدعة) يعني: كقوله. أنت طالق للبدعة. فإن كانت المرأة حائضًا أو في طهر وطئ فيه وقع في الحال، وإلا وقف على مجيء زمان البدعة. وذلك؛ لأن الحسن والقبح في الأفعال إنما هو من جهة الشارع فما حسنه الشرع فهو حسن، وما قبحه فهو قبيح. وقد حسن الشرع الطلاق في زمن فسمي زمان السنة، وقبحه ونهى عنه في زمان فسمي زمان البدعة. وإلا فالطلاق في نفسه في الزمانين واحد وإنما حسن أو قبح بالإضافة إلى زمانه.
(إلا أن ينوي) الزوج بقو له ذلك لزوجته: أن (أحسن أحوالك أو أقبحها:
أن تكوني مطلقة فيقع في الحال)؛ لأن هذا يوجد في الحال فيقع في الحال. ولأنه لم يقصد الصفة بذلك فتلغو ويقع في الحال، كما لو أطلق لفظه وترك الصفة.
[ ٩ / ٣٦٥ ]
(ولو قال) الزوج: (نويتُ بأحسنه) أي: بأحسن الطلاق] (زمن بدعة شَبَهَه بخُلُقِها) الحسن.
(أو) قال: نويت (بأقبحه) أي: بأقبح الطلاق [(^١) (زمن سنة قُبحَ عشرتها.
أو) قا ل (عن أحسنه ونحوه: اردت طلاق البدعة.
أو) قال (عن أقبحه ونحوه: أردت طلاق السنة دين) فيما بينه وبين الله ﷾، (وقبل حكمًا في الأغلظ) عليه (فقط) أي: دون الأخف في الأصح. فلو قال: نويت بقولي: أعدل الطلاق وقوعه في زمن الحيض ولم أرد الوقت وكانت في الحيض: وقيع الطلاق في الحال؛ لأنه إقرار على نفسه بما فيه تغليظ. ولو قال: أردت بقولي: أقبح الطلاق وقوعه في طهر لم أصبها فيه وكانت كذلك: وقيع في الحال، لأنه إقرار على نفسه بما فيه تغليظ فقبل.
(و) لو قال لزوجته: أنت (طالق طلقة حسنة قبيحة، أو) قال لها: أنت (طالق في الحال للسنة وهي حائض، أو) قال لها: أنت طالق (في الحال للبدعة في طهر لم يطأها فيه: تطلق في الحال).
أما كونها تطلق في الحال إذا قال: طلقة حسنة قبيحة (^٢) " لأنه وصفها بصفتين متضادتين فلغتا، وبقي مجرد الطلاق فوقع. وكذا يلغو قوله: للسنة، وقوله: للبدعة مع قوله: في الحال.
ومن قال لزوجته: أنت طالق طلاق الحرج، فقال القاضي: معناه طلاق البدعة، لأن الحرج الضيق والإثم، فكأنه قال: طلاق الإثم. وطلاق البدعة طلاق إثم. نقله في "الشرح الكبير ".
(ويباح خلع و) يباح (طلاق بسؤالها) أي: سؤال الزوجة (زمن بدعة)،
لأن المنع من الطلاق زمن البدعة إنما شرع لحق المرأة. فإذا رضيت بإسقاط حقها زال المنع وأبيح. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في ب: طلقة حسنة أوحسنة قبيحة.
[ ٩ / ٣٦٦ ]
] باب: صريح الطلاق وكنايته]
هذا (باب صريح الطلاق، و) باب (كنايته).
يعني: أن المعتبر في الطلاق اللفظ دون النية التي لا يقارنها لفظ؛ لأن اللفظ هو الفعل المعبر عما في النفس من الإرادة والعزم، والقطع بذلك إنما يكون بعد مقارنة القول للإرادة فلا تكون الإرادة وحدها من غير قول فعلًا. ولذلك قال ﷺ: " إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم أو تعمل به " (^١) .
فلذلك لا تكون النية وحدها أثرًا في الوقوع.
ثم القول يكون صريحا، لأنه وضع له لغة فيقع بلا حاجة إلى النية؛ لأن إيجاد هذا اللفظ من العاقل دليل إرادته. ويكون كناية فيه، لأنه موضوع لما يشابهه ويجانسه فيتعين لذلك بإرادته له (^٢) .
ثم (الصريح: ما لا يحتمل غيره: من كل شيء.
والكناية: ما يحتمل غيره، ويدل على معنى الصريح.
وصريحه) أي: صريح الطلاق: (لفظ: طلاق) أي: لفظ المصدر (وما تصرف منه) فقط، كطالق ومطلقة وطلقتك، (غير أمر)؛ كطلقي، (و) غير (مضارع)، كتطلقين، (و) غير (مطلَّقة اسم فاعل).
وقيل: إن لفظة الإطلاق نحو قوله: أطلقتك صريح.
_________________
(١) أخرجه النسائي في "سننه " (٣٤٣٤) ٦: ١٥٦ كتاب الطلاق، باب من طلق في نفسه. عن أبي هريرة.
(٢) في ب: فيتعين بذلك لإرادته له.
[ ٩ / ٣٦٧ ]
(فيقع) الطلاق (من مصرِّح) ممن أتى بصريحه (ولو) كان (هازلًا أو لاعبًا).
قال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن هزل الطلاق وجده سواء. وذلك؛ لما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة " (^١) . رواه الخمسة إلا النسائي، وقال الترمذي: حديث حسن (^٢) غريب.
ويقع باطنًا وظاهرًا؛ لأنه لفظ قصد التلفظ به مع العلم بمعناه. فوقع ظاهرًا وباطنا؛ كلفظ البيع.
(أو) كان (فتح تاء أنتِ) في الأصح. خلافًا لأبي بكر وأبي الوفاء.
(أو) كان (لم ينوه) أي: ينوي الطلاق؛ لأن النية ليست بشرط في الصريح؛ لأنه لفظ أتى به مع العلم بمعناه مع عدم احتمال غيره. فلم تكن النية شرطا فيه؛ كالبيع.
(وإن أراد) أن يقول: (طاهرًا، أو نحوه)؛ كما لو أراد أن يقول: طاحنًا، أو طاعنًا، أو طامعًا، (فسبق لسانه) بطالق، أو أراد أن يقول: طلبتك فسبق لسانه فقال: طلقتك، (أو) قال: (طالقًا) وأراد (من وثاق، أو) أراد طالقًا (من زوج كان قبله)، أو من نكاح سابق على هذا النكاح مني: (لم تطلق) باطنًا؛ لأنه أتى بلفظ الطلاق غير مختار لمعناه. فلم يقع ما لم ينوه؛ كالمكره.
(وادعى ذلك) الزوج، (أو قال: أردت: إن قمت فتركت الشرط، أو
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢١٩٤) ٢: ٢٥٩ تفريع أبواب الطلاق، باب في الطلاق على الهزل. وأخرجه الترمذي في "جامعه " (١١٨٤) ٣: ٤٩٠ كتاب الطلاق، باب ما جاء في الجد والهزل في الطلاق. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٠٣٩) ١: ٦٥٨ كتاب الطلاق، باب من طلق أو نكح أو راجع لاعبًا. ولم أره عند أحمد.
(٢) ساقط من ب.
[ ٩ / ٣٦٨ ]
قال: إن قمت، ثم قال: أردت: وقعدت، أو نحوه)، كما لو قال: أنت طالق إن قدم زيد، ثم قال: أردت وقدم عمرو أيضًا (فتركته، ولم أرد طلاقا دين) فيما بينه وبين الله ﷾ على الأصح، لأنه أعلم بنيته، (ولم يقبل) ذلك منه (حكمًا) على الأصح، لأنه خلاف ما يقتضيه الظاهر عرفًا، لأنه يبعد إرادة ذلك. فلم يقبل؛ كما لو أقر بعشرة، ثم قال: زُيوفًا أو إلى شهر.
وعنه: يقبل إلا أن تكذبه قرينة من غضب أو سؤالها الطلاق.
(ومن قيل له: أطلَّقت امرأتك؟ قال: نعم)، أو قيل له: امرأتك طالق؟ قال: نعم (وأراد الكذب: طلقت) وإن لم ينو، لأن نعم صريح في الجواب. والجواب الصريح للفظ الصريح صريح. ألا ترى أنه لو قيل: ألفلان عليك ألف؟ قال: نعم. وجب عليه.
(و) لو قيل له: (أخْليتَها؟ ونحوه)، كما لو قيل له: الحقتها بأهلها؟ (قال: نعم. فكناية) لا تطلق بذلك حيث لم ينو بذلك الطلاق.
(وكذا: ليس لي امرأة، أو لا امرأة لي) إذا تحقق ذلك.
(فلو قيل) لمن له امرأة: (ألك امرأة؟ قال: لا. وأراد الكذب: لم تطلق)، لأن قوله: ما لي امرأة كناية تفتقر إلى نية الطلاق. وإذا أراد الكذب فما نوى الطلاق. وكذا لو نوى أنه ليس لي امرأة تخدمني، او ليس لي امرأة ترضيني، أو أنى كمن لا امرأة له، أو لم ينو شيئًا.
وعلم مما تقدم أنه لو نوى الطلاق بشيء من ذلك طلقت.
(وإن قيل لعالم بالنحو: ألم تطلِّق امرأتك؟ فقال: نعم. لم تطلق. وإن قال: بلى، طَلَقت). ذكره الناظم وغيره.
(ومن أُشهد عليه) أي: قامت عليه بينة (بطلاق ثلاث) أي: بأنه أقر أنه
وقع عليه الطلاق الثلاث، وكان ذلك لتقدم يمين منه يتوهم وقوع الطلاق عليه فيها أو نحو ذلك، (ثم أُفتي) بالبناء للمفعول أي: أفتاه أهل العلم: (بأنه
[ ٩ / ٣٦٩ ]
لا شيء عليه) أي: بًا نه لم يقع عليه طلاق على حسب صورة الحال (لم يؤاخذ بإقراره) بوقوع الطلاق الثلاث عليه؛ (لمعرفة مستنده) في وقوع الطلاق. (ويقبل قوله)، وقال الشيخ تقي الدين: بيمينه (أن مستنده في إقراره بذلك) أي: في كونه لم يقع الطلاق الثلاث عليه بإقراره المذكور، (ممن يجهله مثله). ذكره في " الفروع " عن الشيخ تقي الدين واقتصر عليه. ويقوي هذا ما ذكره في " المغني " في باب الكتابة قال: فصل وإذا دفع إليه مال كتابته ظاهرًا فقال له السيد: أنت حر، أو قال: هذا حر ثم بان العوض مستحقًا: لم يعتق بذلك؛ لأن ظاهره الإخبار عما حصل له بالأداء. ولو ادعى المكاتب أن سيده قصد بذلك عتقه وأنكر السيد، فالقول قول السيد مع يمينه " لأن الظاهر معه، وهو أخبر بما نوى. انتهى.
(وإن أخرج) زوج (زوجته من دارها، أو لطمها، أو أطعمها، أو سقاها، أو ألبسها، أو قبلها، ونحوه)، كما لو دفع إليها شيئًا (وقال: هذا طلاقك طلقت) وكان صريحًا. نص عليه " لأن ظاهر هذا اللفظ جعل هذا الفعل طلاقًا منه، فكأنه قال: أوقعت عليك بهذا الفعل طلاقًا؛ لأن الفعل بنفسه لا يكون طلاقًا. فلا بد من تقديره فيه ليصح لفظه به. فيكون صريحًا فيه يقع به من غير نية على الأصح " كصريح الطلاق.
إذا علمت ذلك (فلو فسَّره بمحتمل) أي: بما يحتمل عدم الوقوع (كأن نوى: أن هذا سبب طلاقُك) يعني: في زمان بعد هذا الزمان: (قُبل حُكمًا) في الأصح؛ لأنه محتمل الإرادة. فقبل، لعدم ما يمنع منه.
وعنه: أن ذلك كناية فيكون (^١) فعله بها قائما مقام النية.
(وإن قال) زوج لزوجته: (كلما قلت شيئًا) من كلام، (ولم أقل لك مثله فأنت طالق، فقالت له: أنت) طالق بفتح التاء، (أو) قالت له: (أنت طالق) بكسر التاء (فقال) لها (مثله) أي: مثل ما قالت له: (طلقت، ولو علَّقه)
_________________
(١) في أ: ويكون.
[ ٩ / ٣٧٠ ]
] أي: الطلاق بشرط [(^١) صح. قدمه في " الفروع "، كما لو قال في جوابها: أنت طالق إذا قدم زيد أو نحو ذلك.
وذكر ابن عقيل: انه لو كسر التاء تخلص وبقي معلقًا. ثم قال: وله جواب آخربقوله بفتح التاء فلايحنب.
قال ابن الجوزي: وله التمادي إلى قبيل الموت.
وقيل: لا يقع شيء، لأن استثناء ذلك معلوم بالقرينه فزوجتك بفتح التاء ونحوه يتوجه مثله، وصححه الموفق.
وقيل: من عامي.
وفي " الرعاية ": يصح جهلًا أو عجزًا.
(ولو نوى) بقوله: أنت طالق (في وقت كذا ونحوه، تخصَّص به).
قال في " الإنصاف ": فهذه وقعت زمن (^٢) ابن جرير الطبري فأفتى بأنه
لا يقع إذا علقه بأن قال لها: أنت طالق ثلاثًا إن أنا طلقتك.
وقال في " الفروع ": طلقت، ولو علقه.
وجزم في " المستوعب ": بأنها تطلق إذا قالت بكسر التاء، وقاله.
وقال في موضع: إذا قاله، وعلقه بشرط: تطلق.
وإن فتح التاء مذكرًا فحكى ابن عقيل عن القاضي: أنها تطلق، لأنه واجهها بالإشارة والتعيين. فسقط حكم اللفظ. نقله في " المستوعب ". وقال: حكي عن أبي بكر أنه قال في " التنبيه ": إنها لاتطلق. قال: ولم أجدها في "التنبيه ".
وذكر كلام ابن جرير لابن عقيل فاستحسنه، وقال: لو فتح التاء تخلص.
وقال في "الفروع ": ولو كسر التاء تخلص، وبقي معلقا. ذكره ابن عقيل.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) ساقط من ب.
[ ٩ / ٣٧١ ]
قال ابن الجوزي: وله التمادي إلى (^١) قبيل الموت.
وقيل: لا يقع عليه شيء؛ لأن استثناء ذلك معلوم بالقرينة.
قال في " بدائع الفوائد ": وفيه وجه آخر أحسن من وجهي ابن جرير وابن عقيل، وهو جار على أصول المذهب، وهو: تخصيص اللفظ العام بالنية؛ كما لو حلف لا يتغدى ونيته غداء يومه: قصر عليه، ولو حلف لا يكلمه ونيته: تخصيمالكلام بما يكرهه: لم يحنب إذا كلمه بما يحبه. ونظائره كثيرة وعلله بتعاليل جيدة.
قلت: وهو الصواب. انتهى.
(ومن طلَّق) زوجة له (أو ظاهر من زوجة) له، (ثم قال عقبه لضرَّتها: شركتك)، أو أشركتك معها، (أو أنت شريكتها) يعني: في الطلاق أو في الظهار، (أو) قال لضرتها: أنت (مثلها، أو) قال لضرتها: أنت (كهي فصريح فيهما) أي: في الطلاق والظهار.
قال في "الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. نص عليه وعليه جماهير الأصحاب. انتهى.
وصراحته فيهما بمعنى: أنه لا يحتاج إلى نية؛ لأنه جعل الحكم فيهما واحدًا، إما بالشركة في اللفظة (^٢) أو بالمماثلة، وهذا لا يحتمل غير ما فهم منه. فكان صريحا؛ كما لو أعاده عليها بلفظه.
(ويقع) على الزوج (ب) قوله لزوجته: (أنت طالق لا شئ) طلقة،
(أو) أنت طالق طلاقًا (ليس بشيء، أو) طلاقًا (لا يلزمك، أو) طالق (طلقة لا تقع عليك، أو لا ينقص بها عدد الطلاق) طلقة؛ لأن ذلك رفع لجميع ما أوقعه. فلم يصح، كاستثناء الجميع. وإن كان ذلك خبرًا فهو كذب؛ لأن الواحدة إذا أوقعها وقعت.
_________________
(١) زيادة من الإنصاف لتتمة المعنى ٨: ٤٦٤
(٢) في ب: اللفظ.
[ ٩ / ٣٧٢ ]
(لا بأنت طالق أو لا) يعني: أنها لا تطلق إذا قال لها: أنت طالق أوْ لا، (أو) قال لها: أنت (طالق واحدة أوْ لا)؛ لأن هذا استفهام فإذا اتصل به خرج عن أن يكون لفظًا لإيقاع. ويخالف المسألة قبلها؛ لأنه إيقاع.
(ومن كتب صريح طلاق امرأته بما يَبين: وقع، وإن لم ينوه) على الأصح؛ (لأنها صريحة فيه) أي: لأن الكتابة صريحة في الطلاق.
ووجه كونها صريحة فيه: أن الكتابه حروف يفهم منها الطلاق. فإذا أتى
فيها بالطلاق وفهم منها وقع؛ كاللفظ.
ولأن الكتابة تقوم مقام قول الكاتب بدلالة أن النبي ﷺ كان مأمورًا بتبليغ الرسالة، فحصل ذلك في حق البعض بالقول، وفي حق آخرين بالكتابة إلى ملوك الأطراف (^١) .
(فلو قال) الكاتب: (لم أُرد إلا تجويد خطي، أو) لم أرد إلا (غَمَّ أهلي) قُبل ذلك منه في الحكم في الأصح؛ لأنه إذا أراد التجويد أو تجربة قلمه فقد نوى غير الطلاق، ولو نوى باللفظ غير الإيقاع لم يقع فهنا أولى، وإذا أراد غم أهله بتوهم الطلاق دون حقيقته لا يكون ناويًا للطلاق. وما ورد من قول النبي ﷺ: " عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم وتعمل به " (^٢): إنما يدل على مؤاخذته بما نواه عنه العمل به، وهذا لم ينو طلاقًا يؤاخذ به.
(أو قرأ ما كتبه، وقال: لم أقصد إلا القراءة قُبل) ذلك منه حكمًا.
قال في " الإنصاف ": لو قرأ ما كتبه وقصد القراءة ففي قبوله حكمًا الخلاف المتقدم. فيما إذا قصد تجويد خطه أو غم أهله. ذكره في " الترغيب ". انتهى. وعلم مما تقدم أنه لو كتبه بشيء لا يبين، مثل: إن كتبه بإصبعه على وسادة
أو في الهواء: أنه لا يقع، وهو الأصح؛ لأن الكتابة التي لا تبين؛ كالهمس وكالإشارة، وكل منهما لا يقع به طلاق.
_________________
(١) ر. " الأموال " لأبي عبيد ص: ٢٥.
(٢) سبق تخريجه ص: (٣٦٧) رقم (١).
[ ٩ / ٣٧٣ ]
وقال أبو حفص: يقع الطلاق بالكتابة مما لا يبين (^١) .
(ويقع) الطلاق (بإشارة من أخرس فقط) حيث كانت مفهومة. ويكون حكمها كالصريح من غير الأخرس. (فلو لم يفهمها) أي: يفهم إشارته (إلا بعض: فكناية) يعني: أن إشارة الأخرس التي لا يفهمها إلا بعض الناس كناية بالنسبة إليه.
(وتأويله) أي: تأويل الأخرس (مع صريح) أي: مع إشارة مفهومة؛ (كـ) تأويل غير الأخرس (مع نطق) بصريح الطلاق.
وعلم مما تقدم أنه لا يقع الطلاق بغير لفظ إلا بالكتابة وإشارة الأخرس.
(ويقع) الطلاق (ممن) أي: من زوج (لم تبلغه الدعوة) إلى الإسلام؛
لأنه لا مانع من عدم وقوع طلاقه.
(وصريحه) أي: صريح الطلاق (بلسان العجم: بِهِشْتَم) بكسر الباء الموحدة والهاء وسكون الشين المعجمة وفتح المثناة من فوق. (فمن قاله) أي: قال بهشتم حال كونه (عارفًا معناه: وقع ما نواه) من عدد الطلاق، (فإن زاد بِسْيَار فثلاث) في الأصح.
وفي " المذهب ": يقع ما نواه.
نقل ابن منصور: وأن كل شيء بالفارسية على ما نواه؛ لأنه ليس له حد مثل الكلام العربي.
وقال أبو حنيفة: هو كناية لا تطلق به إلا بنية؛ لأن معناه: خليتك. وهذا اللفظ كناية.
ولنا: أن هذه اللفظة في لسانهم موضوعة للطلاق يستعملونها فيه. فأشبه
لفظ الطلاق بالعربية، ولو لم تكن هذه اللفظة صريحة في لسان العرب لم يكن في العجمة صريح للطلاق، ولا يضر كونها بمعنى: خليتك، فإن معنى طلقتك خليتك أيضًا، إلا أنه لما كان موضوعًا له ومستعملًا فيه كان صريحًا.
_________________
(١) في ب: التي لا تبين.
[ ٩ / ٣٧٤ ]
(وإن أتى به) من لا يعرف معناه، (أو) أتى (بصريح طلاق، من لايعرف معناه: لم يقع) عليه شيء، لأنه لم يختر الطلاق؛ لعدم علمه بمعناه، (ولو نوى موجبه) أي: موجب هذا القول الذي لم يعرف معناه في الأصح؛ لأنه لا يتحقق اختياره لما لا يعلمه. فأشبه ما لو نطق بكلمة الكفر من لم يعرف معناها.
[ ٩ / ٣٧٥ ]
] فصل: في كنايات الطلاق]
(فصل. وكناياته) أي: كنايات الطلاق (نوعان):
ظاهرة وهي: الألفاظ الموضوعة للبينونة.
وخفية وهي: الألفاظ الموضوعة للطلقة الواحدة، ما لم ينو أكثر. وتكون الواحدة رجعية في مدخول بها.
(فالظاهرة) خمس عشرة: (أنت خَليَّة، و) أنت (بَرِيَّة، و) أنت (بائن، و) أنت (بتة، و) أنت (بتلة، وأنت حرة، وأنت الحرج، وحبلك على غاربك، وتزوجي من شئت، وحللت للأزواج، ولا سبيل) لي عليك، (أوْ لا سلطان لي عليك، واعتقتك، وغط شعرك، وتقنعي.
و) أما الكناية (الخفية) فهي عشرون وهي: (أخرجي، واذهبي، وذوقي، وتجرعي، وخليتك، وأنت مخلاة (^١)، وأنت واحدة، ولست لي بامرأة، واعتدي، واستبرئي، واعتزلي وشبهه، والحقي بأهلك، ولا حاجة لي فيك، وما بقي شيء، وأغناك الله، وإن الله قد طلقك، والله قد أراحك مني، وجرى القلم، ولفظ فراق، و) لفظ (سراح، وما تصرف منهما) أي: لفظ الفراق والسراح، غير أمر ومضارع، ومفرقة ومسرحة اسم فاعل. وإلى ذلك أشير بقوله:
(غير ما استُثنِي من لفظ الصريح).
ويشترط لوقوع الطلاق بالكناية شروط أشار إليها بقوله:
(ولا يقع) يعني: الطلاق (بكناية ولو) كانت الكناية (ظاهرة، إلا
_________________
(١) في الأصول: مخلا. وما أثبتناه من " منتهى الإرادات " ٢: ٢٥٩.
[ ٩ / ٣٧٦ ]
بنية)؛ لأن الكنايات لما قصرت رتبتها عن الصريح ودف عملها على نية الطلاق؛ تقوية لها، وإلحاقا لها بعمل الصريح
ولأن الكنايات لفظ يحتمل غير معنى الطلاق فلا يتعين له بدون النية.
(مقارنة للفظ) يعني: أنه يشترط أن تكون نية الطلاق مقارنة لأول لفظ الكناية. فلو وجدت النية في ابتدائه وغربت عنه في سائره وقع الطلاق؛ لأن ما تعتبر له النية يكتفى فيه بوجودها في أوله، كالصلاة وسائر العبادات. فأما إن تلفظ بالكناية غير ناوٍ للطلاق ثم نوى بها الطلاق بعد ذلك لم يقع، كما لو نوى الطهارة بالغسل بعد فراغه منه. وكذا لو قارنت النية الجزء الثانى من الكناية دون الأول فإن ما بقي لا يصلح للنية بعد إتيانه بالجزء الأول من غير نية.
(ولا تشترط) نية الطلاق للكناية (حال خصومة، أو) حال (غضب، أو) حال (سؤال) الزوجة (طلاقها) فيقع الطلاق في هذه الأحوال بالكناية بدون نية. (فلو لم يرده) أي: لم يرد الطلاق، (أو أراد) بالكناية (غيره) أي: غير الطلاق (إذا) أي: في حال الخصومة أو الغضب أو سؤال الطلاق: (دُيِّن) فيما بينه وبين الله تعالى، (ولم يُقبل حكمًا) على الأصح، لأن دلالة الحال لها تأثير في حكم الألفاظ. فإن اللفظ الواحد يحمل على الذم تارة وعلى المدح أخرى، كما في قول الشاعر:
قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل
فإن ظاهر هذا المدح لولا البيت الأول وهو قوله:
إذا الله عادى أهل لوم وذلة فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل
فعلم بذلك أنه أراد به ذِلتهم وقِلتهم.
وفي الشرع مثل ذلك فإنه لو قال له في حال الخصومة: ليست أمي بزانية فإنه يكون قذفًا، ولو قاله في غير ذلك لم يكن إلا تنزيهًا لأمه عن الزنا. وإذا ثبت ذلك في عرف اللغة والشرع قامت دلالة الحال مقام القول فيه. فلا يقبل منه؛ لأنه خلاف الظاهر.
[ ٩ / ٣٧٧ ]
(ويقع بـ) كناية (ظاهرة ثلاث) أي: ثلاث طلقات، حتى (وإن نوى واحدة) على الأصح؛ لأن ذلك قول علماء الصحابة منهم ابن عباس وأبو هريرة وعائشة.
(و) يقع (بـ) كناية (خفية) طلقه (رجعية في مدخول بها)؛ لأنها إنما تقتضي الترك كما يقتضيه صريح الطلاق من غير اقتضاء للبينونه. فوقع واحدة رجعية؛ كما لو أتى بصريح الطلاق.
(فإن نوى أكثر) من واحدة: (وقع) ما نواه؛ لأنه لفظ لا ينافي العدد.
فإذا نوى به عددًا وجب أن يقع ما نواه؛ لأنه لا ينافيه.
(وقوله: أنا طالق) أو زاد: منك، (أو بائن) أو زاد: منك، (أو حرام) أو زاد: منك، (أو بريء أو زاد: منك) لغو في الأصح. نص عليه في رواية الأثرم في رجل جعل أمر امرأته بيدها فقالت: أنت طالق لم تطلق.
ولأنه محل لا يقع الطلاق بإضافته إليه من غير نية. فلم يقع وإن نوى؛ كالأجنبي.
ولأنه لو قال: أنا طالق ولم يقل: منك لم يقع. فلم يقع إذا زاد: منك.
ولأن الرجل مالك في النكاح، والمرأة مملوكة. فلم يقع إزالة الملك بالإضافة إلى المالك؛ كالعتق. ويدل لهذا أن الرجل لا يوصف بأنه مطلَّق بفتح اللام. بخلاف المرأة.
وجاء رجل إلى ابن عباس فقال: " ملَّكت امرأتي أمرها. فطلقتني ثلاثًا.
فقال ابن عباس: إن الطلاق لك وليس لها عليك ". رواه أبو عبيد (^١) والأثرم واحتج به أحمد.
(و) قوله: (كُلي، واشرَبي، وا قعُدِي، واقرُبي، وبارك الله عليك، وانت مليحة، أو) أنت (قبيحة، ونحوه)؛ كأطعميني واسقيني، وغفر الله
_________________
(١) في ب: أبو عبد الله.
[ ٩ / ٣٧٨ ]
لك، وما أحسنك وأشباه ذلك (لغو، لا يقع به طلاق، وإن نواه)؛ لأن هذا اللفظ لا يحتمل الطلاق. فلو وقع به الطلاق وقع بمجرد النية (^١) .
ولأن هذا اللفظ لا يستعمل بمفرده إلا فيما لا ضرر فيه، نحو قوله سبحانه
وتعا لى: (فكلى واشربى وقرى عينًا)] مريم: ٢٦].
وفارق: ذوقي وتجرعي فإنه يستعمل في المكاره، نحو قوله ﷾: (ذوقوا عذاب الحريق)] آل عمران: ١٨١ [، (ذوقوا مس سقر)] القمر: ٤٨ [، (يتجرعه ولا يكاد يسيغه)] إبراهيم: ١٧ [فلم يصح أن يلحق بهما ما ليس مثلهما.
(و) قول الزوج لزوجته: (أنت) عليَّ حرام، (أو الحِلُّ) عليَّ حرام،
(أو ما أحلَّ الله عليَّ حرام، ظهار ولو نوى) بذلك (طلاقًا) على أصح الروايات؛ لأنه صريح في تحريمها فكان ظهارًا.
ولو نوى غيره؛ (كنيته) أي: نية الطلاق (بـ) قوله: (أنت عليَّ كظهر أمي.
وإن قال) أي: قال ما تقدم (لـ) زوجته (محرمة بحيض، ونحوه)؛ كنفاس وإحرام، (ونوى (^٢) أنها محرمة به) أي: بالحيض أو نحوه (فلغو) أي: فما قاله لغو لا يترتب عليه حكم.
(و) قوله: (ما أحل الله عليَّ حرام أعني به: الطلاق، يقع ثلاث). قاله أحمد. (وأعني به طلاقًا، يقع واحدة). نص على ذلك أحمد أيضًا.
أما كونها تطلق ثلاثًا على الأصح فيما إذا قال: أعني به الطلاق؛ لأن الألف واللام للاستغراق أو للعهد ولا معهود. فيحمل على الاستغراق، فيدخل فيه الطلاق كله.
وأما كونها تطلق واحدة فيما إذا قال: أعني به طلاقا؛ لأنه ذكره منكرًا فيكون طلاقًا واحدًا. وكذا لو قال: أنت عليَّ حرام أعني به الطلاق، أو أعني به طلاقًا فإنهما يكونان كالصورتين المتقدمتين.
_________________
(١) في ب: فلو وقع بمجرد الطلاق النية. وهو تصحيف.
(٢) في ب: ولو نوى.
[ ٩ / ٣٧٩ ]
(و) من قال لزوجته: (أنت عليَّ حرام، ونوى: في حُرمتك على غيرى فكطلاق). قاله في " الترغيب " وغيره واقتصر عليه في " الفروع ".
ومعنى ذلك والله أعلم: أنت حرام عليَّ (^١) كما أنت حرام على غيري. وحرمتها على غيره بكونها فى حباله.
(ولو قال: فراشي عليَّ حرام، فإن نوى امرأته: فظهار، وإن نوى فراشه: فيمين). نقله ابن هانئ عن أحمد واقتصر عليه فى " الفروع ".
وقوله: فيمين، يعني: أنه متى جلس أو نام على فراشه كان عليه كفارة يمين بحنثه.
(و) من قال لزوجته: (أنت علىَّ كالميتة والدم، يقع ما نواه: من طلاق)؛ لأنه يصلح أن يكون كناية فيه. فإذا اقترنت به النية وقع ما نواه من عدد، وإن لم ينو عددًا فطلقة.
(و) من (ظهار) كما قلنا في قوله: أنت علىَّ حرام، (ويمين) وهو: أن يريد ترك وطئها لا تحريمها ولا طلاقها. فيكون يمينًا فيها الكفارة بالحنث. (فإن لم ينو شيئًا) من هذه الثلاثه (فظهار) أي: فيكون ظهارًا في الأصح؛ لأن معناه: أنت عليَّ حرام؛ كالميتة والدم.
(ومن قال: حلفت بالطلاق، وكذب) فهي قوله: حلفت؛ لكونه لم يكن حلف بالطلاق: (دُيِّن)؛ لأنه لم يلزمه طلاق فيما بينه وبين الله ﷾، (ولزمه) ما أقر به (حكمًا) أي: في الحكم؛] لأنه خلاف ما أقر به. ولأنه يتعلق بحق إنسان معين. فلم يقبل في الحكم [(^٢)؟ كإقراره له بمال ثم يقول: كذبت.
ولو قالت زوجته: حلفتَ بالطلاق الثلاث، فقال. لم أحلف إلا بطلقة،
أو قالت علقت طلاقي على قدوم زيد، فقال: لم أعلقه إلا على قدوم عمرو، كان القول قوله؛ لأنه أعلم بحال نفسه.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) ساقط من ب.
[ ٩ / ٣٨٠ ]
] فصل: فيمن قال لزوجته: أمرك بيدك]
(فصل، و) قول الزوج لامرأته " (أمرك بيدك، كناية ظاهرة: تملك
بها) أن تطلق نفسها (ثلاثًا)، وإن نوى أقل من الثلاث على الأصح. نص عليه أحمد، وأفتى به غير مرة. روي ذلك عن عثمان وعلي وابن عمر وابن عباس. وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والزهري قالوا: إذا طلقت ثلاثًا فقال: لم أجعل إليها إلا واحدة لم يلتفت إلى قوله، والقضاء ما قضت. وذلك؛ لأنه لفظ يقتضي العموم في جميع أمرها؟ لانه اسم جنس مضاف، فيتناول الطلقات الثلاث؛ كما لو قال لها: طلقي نفسك ما شئت. ولا يقبل قوله: أردت واحدة؛ لأنه خلاف مقتضى اللفظ، ولا يُديّن في هذا؛ لأنه من الكنايات الظاهرة، وهي تقتضى الطلاق الثلاث.
(و) قول الزوج لزوجته: (اختارى نفسك) كناية (خفية: ليس لها أن
تطلق بها) أى: باختاري نفسك، (ولابـ) عقوله لها: (طلقي نفسك أكثر
من) طلقة (واحدة) رجعية.
قال أحمد: هذا قول ابن عمر وابن مسعود وزيد بن ثابت وعمر وعائشة
قالوا: " إن اختارت نفسها فهى واحدة وهي أحق بها "، رواه النجاد عنهم بإسناده،
ولا يكون أحق بها إلا إذا كانت رجعية، يؤيد ذلك قوله ﷾: (وبعولتهن أحق بردهن فى ذلك)] البقرة: ٢٨٨ [،
ولأنها طلقة بغير عوض لم يكمل بها العدد بعد الدخول، فأشبه ما لو طلقها
ابتداء واحدة.
ومحل ذلك: ما لم يجعل لها أن تطلق نفسها أكثر من واحدة فتملك ماجعله لها.
(ولها أن تطلق نفسها متى شاءت: ما لم يَحُدَّ لها حدًا) فليس له أن
[ ٩ / ٣٨١ ]
يتجاوزه (^١)، (أو يفسخ) ما جعله لها، (أو يطأ) ها، (أو تَرُدُّ هي) أي: الزوجة ما جعله لها كبقية الوكالات.
(إلا في) قوله: (اختاري نفسك، فيختصُّ بالمجلس: ما لم يشتغلا بقاطع).
قال أحمد: إذا قال لامرأته: اختاري نفسك، فلها الخيار ما داموا في ذلك الكلام، فإن طال المجلس وأخذوا في كلام غير ذلك ولم يختر فلا خيار لها. وهذا مذهب أبي حنيفة.
فإن قام أحدهما عن المجلس قبل اختيارها بطل خيارها. وإن كان أحدهما قائمًا فركب أو مشى بطل الخيار. بخلاف ما لو قعد. وإن كانت في صلاة فأتمتها لم يبطل خيارها. وإن أضافت إليها ركعتين أخريين: بطل خيارها.
وإن أكلت يسيرًا، أو سبحت يسيرًا، أو قالت: بسم الله، أو قالت: ادعوا
لي شهودًا (^٢) أشهدهم على ذلك: لم يبطل خيارها.
(ويصح جعله) أي: أن يجعل (لها) أي: لزوجته الخيار (بعده) أي:
بعد المجلس، وأن يجعله لها متى شاءت كالوكيل. وله الرجوع قبل اختيارها. وإن وطئها كان رجوعا لدلالته عليه، كما لو وكل غيرها في طلاقها ثم وطئها. (و) يصح أن يجعل أمرها بيدها (بجُعْل) منها أو من غيرها؛ كما يصح الطلاق على عوض.
(ويقع) الطلاق من زوجةٍ ملكته بجعله لها (بكنايتها مع نية) أي: نية الطلاق (ولو جعله لها) زوجها (بصريح) أي: صريح الطلاق لا بدون نية. فلو قالت: اخترت نفسي ولم تنو بذلك طلاقًا لم يقع شيء. فلفظة الأمر والخيار كناية في حق الزوج والزوجة تفتقر إلى نية كل منهما. فإن نوى أحدهما دون الآخر لم يقع؛ لأن الزوج إذا لم ينو فما فوض إليها الطلاق فلا يصح أن توقعه هي، وإن نوى الزوج ولم تنو الزوجة فقد فوض إليها الطلاق ولم توقعه هي.
_________________
(١) في ب: يجا وزه.
(٢) في ب: شهود.
[ ٩ / ٣٨٢ ]
(وكذا وكيل) في ذلك.
(ولا يقع) طلاق من خيرها زوجها (بقولها: اخترت بنية) أي: نية
الطلاق، (حتى تقول): اخترت (نفسي، أو) اخترت (أبويَّ، أو) اخترت (الأزواج). فلو قالت: اخترت زوجي لم يقع شيء. نص عليه أحمد في رواية الجماعة؛ لقول عائشة: " قد خيرنا رسول الله ﷺ أفكان طلاقًا " (^١) .
وقالت: " لما أمر النبي ﷺ بتخيير نسائه بدأ بي. فقال: إنى لمخبرك خبرًا
فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك. ثم قال: إن الله تعالى قال لي: (ياأيها النبى قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن) - حتى بلغ- (فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا)] الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]. فقلت: أفي (^٢) هذا أستأمر أبويّ؟ فإنى أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ثم فعل أزواج النبي ﷺ مثل ما فعلت " (^٣) . متفق عليه.
قال مسروق: ما أبالي أخيرت امرأتى واحدة أو مائة أو ألفًا بعد أن تختارنى.
ولأنها مخيرة اختارت النكاح. فلم يقع بها طلاق؛ كالمعتقة تحت عبد.
ونقل ابن منصور: إن اختارت زوجها فواحدة، ونفسها ثلاث.
وعنه: إن خيرها فقالت: طلقت نفسي ثلاثًا وقعت، وإن أنكر قولها قُبل قوله. (ومتى اختلفا) أي: الز وج والز وجة (في) وجود (نية: فقول موقع)؛
لأن ذلك لا يعلم إلا من جهة الموقِع.
(و) إن اختلفا (في رجوع: فقول زوج)؛ لأنهما اختلفا في ما يختص
به. فكان القول قوله فيه؛ كما لو اختلفا في نيته. (ولو) كانت دعواه الرجوع (بعد إيقاعٍ) للطلاق ممن جعله له.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٦٣١٤) ٦: ٢٦٤.
(٢) في أ: في أي.
(٣) سبق تخريجه ص (٣٥٥) رقم (٢).
[ ٩ / ٣٨٣ ]
(ونصَّ) أحمد: (أنه لا يقبل بعده) أي: بعد إيقاع من جعله له (إلا ببيِّنة).
قال (المنقح: وهو أظهر).
قال في "الفروع ": ويقبل دعوى الزوج أنه رجع قبل إيقاع وكيله عند أصحابنا. قاله في " المحرر " ونص. وذكره في " المجرد " و" الفصول " في تعليق الوكالة في رواية أبي الحارث لا تقبل إلا ببينة، وجزم به في " الترغيب " والأزجي في عزل الموكل له، وجزم به شيخنا قال يعني: الشيخ تقي الدين: (وكذا دعوى عتقه) أي: عتق رقيق وكل في بيعه بعد أن باعه الوكيل، (ورهنِه) يعني: وكذا دعوى رهن ما باعه وكيله،] (ونحوه) أي: نحو ما تقدم مما لا يصح البيع معه، كدعوى وقف ما باعه وكيله [(^١) بعد (^٢) بيع الوكيل. (و) قوله لزوجته: (وهبتك) لأهلك أو لنفسك، (ونحوه)، كملّكتك (لأهلك، أو لنفسك، فمع قبولٍ) من أهلها أو من نفسها: (تقع) طلقة (رجعية) على الأصح.
(وإلا) أي: وإن لم يقع قبول: (فـ) ذلك القول (لغو، كـ) قوله: (بعتها) فإن ذلك لغو مطلقًا. نص عليه. أي: سواء تقيد بنية الطلاق أو لا كما صرح به في " الرعاية ". وبكون عدم القبول في الهبة يكون لغوا قال ابن مسعود وعطاء ومسروق والزهري ومكحول ومالك.
ولنا على أنها لا تطلق: إذا لم يقع قبولٌ؛ لأن ذلك تمليك للبضع. فافتقر
فيه إلى القبول؛ كقوله: اختاري وأمرك بيدك وكابتداء النكاح. وعلى أنها طلقة واحدة؛ لأنه لفظ محتمل فلا يحمل على أكثر من واحدة عند الإطلاق؛ كقوله: اختاري. وعلى أنها رجعية، لأنها طلقة لمن عليها عدة بغير عوض قبل استيفاء العدد. فكانت رجعية؛ كقوله: أنت طالق.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) فى أزيادة: أن باعه الوكيل بعد.
[ ٩ / ٣٨٤ ]
(وتُعتبر نية واهب) وهو الزوج (و) نية (موهوب) عند قبول؛ لأن ذلك كناية. فاشترط له النية؟ كسائر الكنايات.
(و) متى نوى بقوله: وهبتك أكثر من طلقة، أو نوى القائل بقوله: قبلت
أكثر من طلقة، فإنه (يقع أقلُّهما) أى: أقل العددين. فلو نوى أحدهما ثنتين والآخر ثلاثًا وقع ثنتين.
وأما كون بيعها لا يتضمن معنى الطلاق؛ لأنه نقل ملك يشترط له العو ض. والطلاق مجرد إسقاط لا يقتضي العوض. فلم يقع به طلاق؛ كقوله: وقفتك على زيد أو أوصيت له بك.
(وإن نوى) الزوج (بهبة) أي: بقوله: وهبتك لأهلك أو لنفسك، (أو)
نوى بـ (أمر) أي: بقوله: أمرك بيدك، (أو) نوى بـ (خيار) أي: بقوله: اختاري نفسك (الطلاق في الحال: وقع) في الحال.
قال في " الإنصاف ": قاله الأصحاب. انتهى.
ووجهه: أن ذلك إقرار على نفسه بوقوع الطلاق في الحال فيؤاخذ به.
(ومن طلَّق في قلبه: لم يقع) طلاقه.
(وإن تلفظ به أو حرك لسانه: وقع).
نقل ابن هانئ عن أحمد: إذا طلق في نفسه لا يلزمه ما لم يلفظ به أو يحرك لسانه.
قال في " الفروع ": وظاهره (^١) - أي: ظاهر النص- (ولو لم يسمعه)
أي: من حرك به لسانه.
(بخلاف قراءة) سرية (في صلاة) فإنها لا تجزئه حيث لم يسمع نفسه.
قال في " الفروع ": ويتوجه كقراءه في صلاة يعني: أنه لا يقع طلاقه إذا حرك لسانه به، إلا إن كان بحيث يسمع نفسه لولا المانع.
(و) زوج (مميِّز و) زوجة (مميِّزة؛ كـ) زوج وزوجة (بالغين: فيما
_________________
(١) في أ: فظاهره.
[ ٩ / ٣٨٥ ]
تقدم) من الأحكام؛ لأن من عقل (^١) الطلاق صح طلاقه وجعله لغيره. كذا من يجعله الصبي له.
قيل لأحمد: إن كانت للصبي زوجة صبية، فقالت له: صيِّر أمري إليَّ. فقال لها: أمرك بيدك، فقالت: قد اخترت نفسي ليس بشيء حتى يكون مثلها يعقل الطلاق. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في ب: ماعلق.
[ ٩ / ٣٨٦ ]
[باب: ما يختلف به عدد الطلاق]
هذا (باب ما يختلف به عدد الطلاق.
ويعتبر) ملك عدده (بالرجال) على الأصح. روي ذلك عن عمر وعثمان وزيد وابن عباس. وبه قال مالك والشافعي.
وعنه: أن الطلاق بالنساء.
ويروى ذلك عن علي وابن مسعود. وبه قال أبو حنيفة، لما روت عائشة عن النبي أنه قال: "] طلاق [الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان " (^١) . رواه أبو داود وابن ماجه.
ولأن المرأة محل الطلاق. فيعتبر بها؛ كالعدد.
ولنا: أن الله ﷾ خاطب الرجال بالطلاق فكان حكمه معتبرًا بهم.
ولأن الطلاق خالص حق الزوج وهو مما يختلف بالرق والحرية فكان اختلافه
به كعدد المنكوحات.
وحديث عائشة قال أبو داود: من رواية مظاهر بن أسلم وهو منكر الحديث.
وقد أخرجه الدارقطني في " سننه " عن عائشة قالت: قال: رسول الله ﷺ:
" طلاق العبد اثنتان فلا يحل له حتى تنكح زوجًا غيره، وقرء الأمة حيضتان. ويتزوج الحرة على الأمة، ولا يتزوج الأمة على الحرة " (^٢) .
وهذا نص.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٢١٨٩) ٢: ٢٥٧ تفريع أبواب الطلاق، باب في سنة طلاق العبد. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٠٨٠) ١: ٦٧٢ كتاب الطلاق، باب في طلاق الأمة وعدتها. وما بين الحاصرتين زائد من الحديث.
(٢) أخرجه الدارقطني في " سننه " (١١٢) ٤: ٣٩ كتاب الطلاق.
[ ٩ / ٣٨٧ ]
ولأن الحر يملك أن يتزوج أربعًا فملك طلقات ثلاثًا، كما لو كان تحته حرة.
ولا خلاف في أن الحر التي زوجته حرة طلاقه ثلاث، وأن العبد الذي تحته
أمة طلاقه ثنتان. وإنما الخلاف فيما إذا كان أحد الزوجين حرًا والآخر رقيقًا.
إذا تقرر هذا (فيملك حر) ثلاث تطليقات، (و) يملك (مبعضٌ) أيضًا (ثلاثًا).
قال أحمد في رواية محمد بن الحكم: العبد إذا كان نصفه حرًا ونصفه عبدًا
يتزوج ويطلق ثلاث تطليقات.
وكذلك كل ما يجري بالحساب إنما يجعل له نكاح ثلاث؛ لأن عدد المنكوحات تتبعض. فوجب أن تتبعض في حقه؛ كالجد. فلذلك كان له أن ينكح نصف ما ينكح الحر ونصف ما ينكح العبد وذلك ثلاث. وأما الطلاق فلا يمكن قسمته في حقه، لاقتضاء الحال أن يكون له ثلاثة أرباع الطلاق، وليس له ثلاثة أرباع، فكمل في حقه.
ولأن الأصل إثبات الطلقات الثلاث في حق كل مطلِّق. وإنما خولف في حق
من كمل الرق فيه ففيما عداه بقى على الأصل.
حتى (ولو) كان الحر والمبعض (زوجَي أمة) على الأصح.
(و) يملك (عبد ولو) مدبرًا أو مكاتبًا أو (طرأ رقه) بأن تزوج ذمي ذمية
وهما حران ثم لحق الذمي بدار الحرب فاسترق قبل أن يطلقها، (أو) كان (معه حرة ثنتين) فقط. بخلاف ما إذا طلقها قبل أن يُسترق طلقتين ثم استرق ثم أراد عودها جاز له ذلك؛ لأن الطلقتين الصادرتين في حال حريته وقعتا غير محرمتين عليه عودها فلا يتغير حكمهما بالرق الطارئ بعدهما، كما أن الطلقتين من العبد لما وقعتا محرمتين لم يتغيرحكمهما بعتقه بعدهما
إذا تقرر ذلك (فلو علَّق عبد) الطلقات (الثلاث بشرطٍ، فوُجد بعد عتقه: وقعت) الثلاث في الأصح، لملكه الثلاث حين الوقوع.
(وإن علّقها) أي: علق الثلاث (بعتقه) بأن قال: إن عتقت فأنت طالق
[ ٩ / ٣٨٨ ]
ثلاثًا، (فعتق: لغت) الطلقة (الثالثة) في الأصح. قدمه في " الرعاية ".
قال في " الفروع ": لغت في الأصح.
(ولو عَتَقَ بعد طلقةٍ: ملك تمام الثلاث)، لأن الطلقة لم تكن محرمة.
(و) لو عتق (بعد طلقتين) لم يملك ثالثة، لأنهما محرمتين.
(أو عتقا) أي: عتق الزوج والزوجة (معًا) بعد طلقتين: (لم يملك ثالثة).
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب.
(وقوله) أي: قول الزوج لزوجته: (أنتِ الطلاق)، أو أنت طلاق،
(أو يلزمني): الطلاق، (أو) الطلاق (لازم لي، أو عليَّ) الطلاق، (ونحوه)؛ كعليَّ يمين بالطلاق (صريح) في منصوص. فلا يحتاج إلى نية، سواء كان (مُنَجَّزًا، أو معلقًا) بشرط، (أو محلوفًا به) أي: بالصريح.
قال القاضي: لا تختلف الرواية عن أحمد فيمن قال لامرأته: أنت الطلاق: أنه يقع، نواه أو لم ينوه.
وقيل: إنه كناية؛ لأن الأعيان لا توصف بالمصادر إلا مجازًا.
وجوابه: أن لفظ الطلاق وما تصرف منه صريح وهو مستعمل في عرفهم
قال الشاعر:
أنوهت باسمي في العالمين وأفنيت عمري عاما فعاما
فأنت الطلاق وأنت الطلاق وأنت الطلاق ثلاثًا تماما
وأما كونه مجازًا فنعم، إلا أنه يتعذر حمله على الحقيقة، ولا محمل له يظهر سوى هذا المحمل فيتعين فيه.
(ويقع به واحدة) على الأصح، لأن أهل العرف لا يعتقدونه ثلاثًا، ولا يعلمون أن الألف واللام للاستغراق. ولهذا ينكر أحدهم أن يكون طلق ثلاثًا ولا يعتقد أنه طلق إلا واحدة فمقتضى اللفظ في ظنهم واحدة فلا يريدون إلا ما يعتقدونه مقتضى لفظهم، فيصير كأنهم نووا واحدة.
(ما لم ينو أكثر) منها فيقع ما نواه؛ كما لو نوى بأنت طالق أكثر من واحدة
فإنه يقع ما نواه.
[ ٩ / ٣٨٩ ]
إذا تقرر هذا (فمن معه عدد) من نساء، وقال: الطلاق يلزمني ونحوه:
لا أفعل كذا وفعله (وثَمَّ) أي: وهناك (نية) تقتضي تعميمًا أو تخصيصًا، (أو سبب يقتضي تعميمًا أو تخصيصًا: عُمل به) أي: بما يقتضي التعميم أو بما (^١) يقتضي التخصيص.
قال في " الإنصاف ": خرجها بعض الأصحاب على الروايتين في وقوع الثلاث بذلك على الزوجة الواحدة؛ لأن الاستغراق في الطلاق يكون تارة في نفسه وتارة في محله.
وفرق. بعضهم بينهما بأن عمومه للطلاق من باب عموم المصدر لأفراده، وعموم الزوجات يشبه عموم المصدر لمفعولاته، وعمومه لأفراده أقوى من عمومه لمفعولاته، لأنه يدل على أفراده بذاته عقلًا ولفظًا، وإنما يدل على مفعولاته بواسطة.
(وإلا) أي: وإن لم تكن هناك نية ولا سبب يقتضي تعميمًا أو تخصيصًا: (وقع بكل واحدة) من الزوجات (طلقة) واحدة.
(و) قول الزوج لزوجته: (أنت طالق ونوى ثلاثًا: فـ) ــيقع (ثلاث، كنيَّتها) أي: نية الثلاث (بأنت طالق طلاقًا) على الأصح، لأنه صرح بالمصدر، والمصدر يقع على القليل والكثير فقد نوى بلفظه ما يحتمله.
وإن نوى واحدة فهي واحدة. وإن أطلق فهي واحدة، لأنه اليقين.
(و) قوله لها: (أنت طالق واحدة، أو) طالق (واحدة بائنة، أو) طالق (واحدة بتَّة فـ) إنه يقع بذلك طلقة واحدة (رجعية في مدخول بها، ولو نوى أكثر) على الأصح؛ لأن الأصل في الطلقة الواحدة أن تكون رجعية فلا يخرج بقوله: بائنة، أو بقوله: بتة عن أصلها. وإنما وقعت بائنة بالعوض؛ لضرورة الاقتداء. (و) قوله لزوجته: (أنت طالق، واحدة ثلاثًا، أو) طا لق (ثلاثًا واحدة، أو
_________________
(١) في ب: ما.
[ ٩ / ٣٩٠ ]
طالق) طلاقًا (بائنًا، أو طالق البتة، أو) طالق طلاقًا (بلا رجعة فثلاث) أي: فتطلق ثلاثًا على الأصح.
(و) قوله لزوجته: (أنت طالق هكذا وأشار بثلاث أصابع: قثلاث) أي: فتطلق ثلاثًا.
] (وإن أراد) الإصبعين (المقبوضتين- ويُصدَّق في إرادتهما -: فثنتان)،
لأن العدد تارة يكون بقبض الأصابع وتارة ببسطها، والقبض يكون في أول العدد دون البسط فإذا ادعى إرادتهما قُبل منه، لأنه الظاهر] (^١) .
] (وإن لم يقل: هكذا، فواحدة] (^٢) .
ومن (^٣) أوقع طلقة، ثم قال: جعلتها ثلاثًا ولم ينو استئناف طلاق بعدها فواحدة). ذكره في " الموجز " و" التبصرة " واقتصر عليه في " الفروع ". (وإن قال) لإحدى امرأتيه: أنت طالق (واحدة، بل هذه) وأشار إلى
الزوجة الثانية (ثلاثًا طلقت) المقول لها أولًا (واحدة، والأخرى ثلاثًا)، لأنه أوقعه بهما كذلك. أشبه ما لو قال: له عليَّ هذا الدرهم، بل هذان الدرهمان. فإنه يجب عليه الدرهمان ولا يصح إضرابه عن الأول.
(وإن قال) لإحداهما: (هذه) طالق وأشار إليها، (لا بل هذه) وأشار
إلى الأخرى: طلقتا.
(أو) قال لإحداهما: (أنت طالق)، ثم قال للأخرى: (لا بل أنت طالق: طلقتا)، لأنه لا يصح إضرابه عمن طلقها أولا.
(وإن قال) من له ثلاث زوجات وأشار إليهن: (هذه أو هذه) طالق، (وهذه طالق، وقع بالثالثة وإحدى الأوليين، كـ) ما لو قال: (هذه أو هذه) طالق، (بل هذه) فإنه يقع بالثالثة وإحدى الأوليين.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) زيادة من " منتهى الإرادات " ٢: ٢٦٤.
(٣) في ب: وإن.
[ ٩ / ٣٩١ ]
(وإن قال) وأشار إليهن: (هذه) طالق (وهذه أو هذه، وقع) الطلاق (بالأولى وإحدى الأخريين؛ كـ) ما لو قال. (هذه) طالق، (بل هذه أو هذه) فإن الأولى تطلق مع إحدى الأخريين.
(و) من قال لزوجته: أنت (طالق كل الطلاق، أو أكثره) أي. أكثر الطلاق، (أو جميعه، أو منتهاه، أو غايته، أو أقصاه، أو) أنت طالق (عدد الحصى، أو) عدد (القطر، أو) عدد (الرمل، أو الريح، أو التراب، ونحوه) أي: ونحو ذلك مما يتعدد؛ كقوله: أنت طالق عدد النجوم، أو الجبال، أو السفن، أو البلاد: طلقت ثلاثًا وإن نوى واحدة؛ لأن هذا يقتضي عددًا. ولأن للطلاق أقل وأكثر، فأقله واحدة وأكثره ثلاث.
وإن قال: أنت طالق عدد الماء أو عدد الزيت ونحوهما من أسماء الأجناس: طلقت ثلاثًا أيضًا.
وقال أبو حنيفة: تقع واحدة بائن؛ لأن الماء ونحوه من أسماء الأجناس
لا عدد له.
ولنا: أن الماء ونحوه يتعدد أنواعه وقطراته. أشبه الحصا.
(أو) قال لها: (يا مائة طالق فثلاث) أي: فتطلق ثلاثًا؛ كقوله: أنت
مائة طالق، (ولو نى) بذلك (واحدة)؛ لأن ذلك لا يحتمل لفظه.
(وكذا) قوله: أنت طالق؛ (كألف، ونحوه)؛ كقوله: أنت طالق؛ كمائة. (فلو نوى كألف في صعوبتها) دُيِّن، و(قُبل حُكمًا) في الأصح. (و) إن قال لزوجته: أنت طالق (أشدّه) أي: أشد الطلاق، (أو أغلظه، أو أطوله، أو أعرضه، أو) أنت طالق (ملء البيت، أو) ملء (الدنيا، أو مثل الجبل، أو عظمه) أي: عظم (^١) الجبل، (ونحوه) أي: نحو ذلك؛ كقوله: أنت طالق عظم الشمس أو القمر، أو عظم الفيل أو الجمل (فطلقة) واحدة: (إن لم ينو أكثر) فيقع ما نواه.
_________________
(١) في ب: أعظمه أي: أعظم.
[ ٩ / ٣٩٢ ]
قال أحمد فيمن قال لامرأته. أنب طالق ملء البيت فإن أراد الغلظة عليها يعني: يريد أن تَبين منه فهى ثلاث. فاعتَبر نيته، فدل على أنه إذا لم ينو يقع واحدة. وذلك؛ لأن هذا الوصف لا يقتضي عددًا. فإذا وقعت الواحدة فهي رجعية؛ لأنه طلاق صادف مدخولًا بها من غير استيفاء عدد ولا عوض فكان رجعيًا. (و) من قال لزوجته: أنت طالق (من طلقة إلى ثلاث) أي: إلى ثلاث طلقات، (فثنتان) أي: طلقت طلقين. وبهذا قال أبو حنيفة؛ لأن ما بعد الغاية لا يدخل فيها؛ لقوله ﷾: (أتموا الصيام إلى اليل)] البقرة: ٨٧١]. وإنما يدخل إذا كانت " إلى " بمعنى " مع ".
ومن قال لزوجته: أنت طالق ما بين واحدة وثلاث وقعت واحدة؛ لأنها
التي بينهما.
(و) أنت طالق (طلقة في ثنتين ونوى طلقة معهما) أي: مع ثنتين: (فثلاث) أي: طلقت ثلاثًا.
(وإن نوى موجبه) أي: موجب هذا اللفظ عند (الحُسَّاب و) هو (يعرفه، أو لا) يعرفه: (فثنتان) أي: طلقت طلقتين في الأصح فيما إذا لم يعرفه.
(وإن لم ينو) من قال لزوجته: أنت طالق طلقة في ثنتين (شيئًا) يعني:
لا ثلاثًا ولا موجبه عند الحساب: (وقع من حاسب طلقتان) في الأصح؛ لأن الظاهر من حال الحاسب إرادة الضرب، (و) وقع (من غيره) أي: غير الحاسب (طلقة) واحدة في الأصح؛ لأن لفظ الإيقاع (^١) اقترن بالواحدة والاثنتان اللتان جعلهما طرفًا لم يقترن بهما لفظ الإيقاع، فلا يقع بدون القصد له. وهذا لم يحصل القصد لإيقاعه فلا يقع.
_________________
(١) في ب: اللفظ إيقاع.
[ ٩ / ٣٩٣ ]
] فصل: في حكم جزء الطَّلقة]
(فصل. وجزء طلقة كهي. فـ) إذا قال لزوجته: (أنت طالق) جزءًا من طلقة، أو أنت طالق (نصف) طلقة، (أو) أنت طالق (ثلث) طلقة، (أو) أنت طالق (سدس) طلقة:] طلقت طلقه [(^١)؛ لأن ذكر ما لا يتبعض في الطلاق ذكر لجميعه؛ كما لو قال: نصفك طالق.
(أو) قال: أنت طالق نصف (وثلث وسدس طلقة) يعني: أنها تطلق طلقه؛ لأنه لما لم يقل: نصف طلقة، وثلث طلقة، وسدس طلقة دل على أن هذه الأجزاء من طلقة] غير متغايرة.
(أو نصفيها) يعني: أن من قال لزوجته: أنت طالق نصفي طلقة: طلقت طلقة؛ لأن نصفي الشيءكله.
(أو) قال لها: أنت طالق (نصف طلقة، ثلث طلقة، سدس طلقة): طلقت طلقة؛ لأنه لم يأت بأداة العطف. فدل على أن هذه الأجزاء من طلقة] (^٢) واحدة، وأن الثانى يكون بدلًا من الأول، وأن الثالث يكون بدلًا من الثانى. والبدل هو المبدل أو بعضه.
وكذا لو قال: أنت طالق نصف طلقة وثلثها وسدسها؛ لأن جميع الأجزاء
من طلقة وهي لا تزيد عليها.
(أو) قال لها: أنت طالق (نصف) طلقتين، (أو) قال: (ثلث) طلقتين، (أو) قال: (سدس) طلقتين، (أو) قال: (ربع) طلقتين، (أو) قال: (ثمن طلقتين، ونحوه)؛ كأنت طالق خمس طلقتين، أو سبع
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) ساقط من ب.
[ ٩ / ٣٩٤ ]
طلقتين، أو تسع طلقتين، أو عشر طلقتين: (فواحدة) أي: فتطلق طلقة؛ لأن نصف الطلقتين طلقة، وثلثهما ثلثا طلقة، وسدسهما ثلث طلقة، وربعهما نصف طلقة، وثمنهما ربع طلقة، وخمسهما خمسا طلقة. وقس على ذلك. (و) إن قال: أنت طالق (نصفي طلقتين) فثنتان، لأن نصفي الشيء جميعه، فهو كما لو (^١) قال: أنت طالق طلقتين.
(أو) قال: (ثلاثة أنصاف) طلقة فثنتان، لأن ثلاثة أنصاف الطلقة طلقة ونصف. فكمل النصف فصار طلقتين.
(أو) قال: (أربعة أثلاث) طلقة فثنتان، لأن أربعة أثلاث الطلقة طلقة وثلث. فكمل الثلث فصار طلقتين.
(أو) قال: (خمسة أرباع طلقة) فثنتان؛ لأن خمسة أرباع الطلقة طلقة وربع. فكمل الربع فصار طلقتين.
(و) كذا (نحوه). فلو قال: أنت طالق سبعة أسداس طلقة: (فثنتان)؛
لأن سبعة أسداس الطلقة طلقة وسدس. فكمل السدس فصار طلقتين. وقس على ذلك.
(و) لو قال: أنت طالق (ثلاثة أنصاف طلقتين) فيقع ثلاث طلقات.
نص (^٢) على ذلك في رواية مهنا. وذلك، لأن نصف الطلقتين طلقة وقد أوقعه ثلاثا فيقع ثلاث طلقات؛ كما لو قال: أنت طالق ثلاث طلقات.
(أو) قال: (أربعة أثلاث) طلقتين فثلاث، لأن ثلث الطلقتين ثلثا طلقة
وقد أوقعه أربعا فصار طلقتين وثلثي طلقة. فكمل الثلثان فصار ثلاث طلقات. (أو) قال: (خمسة أرباع طلقتين) فثلاث، لأن ربع الطلقتين نصف طلقة
وقد أوقعه خمسا فصار طلقتين ونصفًا فكمل النصف فصار ثلاث طلقات. (ونحوه) أي: ونحو ذلك كذلك. فلو قال.: أنت طالق سبعة أسداس
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ب زيادة: عليه.
[ ٩ / ٣٩٥ ]
طلقتين فثلاث؛ لأن سدس الطلقتين ثلث طلقة وقد أوقعه سبعًا فصار طلقتين وثلث طلقة. فكمل الثلث فصارثلاث طلقات. وقس على ذلك.
(أو) قال: أنت طالق (نصف طلقة، وثلث طلقة، وسدس طلقة،
ونحوه) يعني: أو قال نحو ذلك؛ كأنت طالق ربع طلقة، وخمس طلقة، وثمن طلقة: (فثلاث)؛ لأن هذا اللفظ يفهم منه أن كل جزء من طلقة غير التي
منها الجزء الآخر. إذ لو أراد إضافتها إلى طلقة واحدة لم يحتج إلى تكرار لفظ: طلقة، فلما كرره علمنا أنه لفائدة، ولا فائدة سوى هذا فحملناه عليه. وإذا كان
كل جزء من طلقة تكملته (^١) الثلاث، لأنه قد وقع من كل واحدة جزء فكمل.
ولأنه لو كانت الثانية والثالثه هما الأولى لجاء بهما بلام التعريف فقال:
وثلث الطلقة، وسدس الطلقة فإن أهل العربية قالوا: إذا ذكر لفظ ثم أعيد منكرًا فالثانى غير الأول. وإن أعيد معرفا بالألف واللام فالثانى هو الأول؛ كقوله ﷾: (فإن مع العسريسرًا إن مع العسر يسرًا)] الشرح: ٥ - ٦ [فالعسر الثانى
هو الأول، لإعادته معرفًا، واليسر الثانى غير الأول " لإعادته منكرًا، ولهذا قيل: لن يغلب عسر يسرين.
وقيل: لو أراد بالثانية الأولى لذكرها بالضمير؛ لأنه أولى.
ومن قال لزوجته: أنت طلقة، أو أنت نصف طلقة، أو أنت ثلث طلقة،
ونحوه، أو أنت نصف طالق، أو أنت ثلث طالق، أو أنت ربع طالق ونحوه:
وقع بها طلقة، بناء على قولنا في قوله: أنت الطلاق: أنه صريح.
(ولأربع) أي: ومن له أربع زوجات. فقال لهن: (أوقعت بينكن) طلقة
أو ثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، (أو) قال لهن: أوقعت (عليكن طلقة، أو ثنتين،
أو ثلاثا، أو أربعا، أو لم يقل: أوقعت)، بل قال: بينكن، أو عليكن طلقة،
أو ثلاث أو أربع: (وقع بكل) أي: بكل واحدة منهن (طلقة)؛ لأن اللفظ
اقتضى قسم الطلقة بينهن لكل واحدة ربعها ثم تكمل، والطلقتين لكل واحدة
_________________
(١) في ب: تكملة.
[ ٩ / ٣٩٦ ]
k صفها وتكمل، والثلاث لكل واحدة ثلاثة أرباعها وتكمل، والأربع لكل واحدة طلقة. وهذا على الأصح.
وعن أحمد في رجل قال: أوقع بينكن ثلاث تطليقات: ما أرى إلا قد بِنَّ منه. واختاره أبو بكر والقاضي.
(و) إن قال للأربع: أوقعت بينكن أو عليكن (خمسًا) أي: خمس طلقات، (أو ستًا، أو سبعا، أو ثمانيًا. وقع بكل) أي: كل واحدة من الأربع (ثنتان).
وكذا لو حذف لفظ: أوقعت، لأن نصيب كل واحدة من خصم طلقة وربع، ومن ست طلقة ونصف، ومن سبع طلقه وثلاثة أرباع، ويكمل الكسر في الجميع، ومن الثمان كل واحدة طلقتان.
(و) إن قال للأربع: أوقعت بينكن أو عليكن (تسعًا) أي: تسع طلقات (فأكثر)؛ كأوقعت بينكن أو عليكن عشر تطليقات، (أو) قال أوقعت بينكن أو عليكن (طلقة وطلقة وطلقة: وقع) بكل واحدة من الأربع (ثلاث) أي: ثلاث طلقات؛ لأنه لما عطف وجب قسم كل (^١) طلقه على حدتها؛ (كـ) قوله: (طلقتكن ثلاثًا).
قال في " شرح المقنع ": ويستوي فى ذلك المدخول بها وغيرها في قياس المذهب؛ لأن الواو لا يقتضي نصف طلقة، وثلث طلقة، وسدس طلقه، فكذلك؛ لأن هذا يقتضي وقوع ثلاث على ما قدمنا. انتهى.
وإن قال: أوقعت بينكن طلقة فطلقة فطلقة، أو أوقعت بينكن طلقة فطلقة فطلقة، أو أوقعت بينكن طلقة ثم طلقة ثم طلقة: طلقن ثلاثًا، إلا التي لم يدخل بها فإنها لا تطلق إلا واحدة؛ لأنها بانت بالأولى فلم يلحقها ما بعدها.
(و) من قال لزوجته: (نصفُك، ونحوه)؛ كثلثك وربعك وخمسك طالق، (أو بعضك) طالق، (أو جزء منك) ولو زاد من مائة ألف جزء طالق:
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ٩ / ٣٩٧ ]
طلقت؛ لأنه أضاف الطلاق إلى جملة لا تتبعض في الحل والحرمة، وجد فيها ما يقتضي التحريم والإباحة. فغلب فيها حكم التحريم؛ كما لو اشترك مسلم ومجوسي في قتل صيد.
(أو) قال: (دمُك) طالق، (أو) قال: (حياتُك) طالق، (أو) قال: (يدُك) طالق، (أو) قال: (إصبعك طالق ولها يد أو) لها (إصبع: طلقت)؛ لأنه أضاف الطلاق إلى جزء ثابت استباحه بعقد النكاح. فأشبه الجزء الشائع. بخلاف زوَّجتك نصف بنتي أو يدها ونحوهما فإنه لا يصح النكاح. (و) إن قال: (شعرك) طالق، (أو) قال: (ظفرك) طالق، (أو) قال: (سنك) طالق، (أو) قال: (ريقك) طالق، (أو) قال: (دمعك) طالق، (أو) قال: (لبنك) طالق، (أو) قال: (منيك) طالق، (أو) قال: (روحك) طالق، (أو) قال: (حملك) طالق، (أو) قال: (سمعك) طالق، (أو) قال: (بصرك) طالق، (أو) قال (سوادُك) طالق، (أو) قال: (بياضك) طالق، (أو) قال: (نحوها) أي: نحو هذه الأشياء؛؟ كقوله: طولك طالق، أو قصرك طالق: لم تطلق. وهذا على المنصوص في الروح والشعر والظفر والسن.
قال أبو بكر: لا يختلف قول أحمد أنه لا يقع طلاق وظهار وعتق وحرام بذكر الشعر والظفر والسن والروح. وبذلك أقول. انتهى.
ولأن الروج ليست عضوًا ولا شيئًا يستمتع به. أشبهت السمع والبصر والسواد والبياض ونحو ذلك.
ولأن الشعر والظفر ونحوهما جزء ينفصل عنها (^١) حال السلامة. فلا تطلق بإضافة الطلاق إليه؛ كالحمل.
(أو) قال لها: (يدُك- ولا يد لها- طالق، أو) قال لها: (إن قمتِ فهى) أي: فيدك (طالق، فقامت وقد قُطعت) يدها قبل قيامها: (لم تطلق) في
_________________
(١) في ب: فيها.
[ ٩ / ٣٩٨ ]
الأصح في الصورتين، لأن الطلاق في الصورة الأولى أضيف إلى ما ليس منها. فلم يقع، كما لو أضافه إلى غيرها، وفي الثانية وجد الشرط ولا يد لها. فلم يقع، كما لو نجزه حينئذ.
) وعِتقٌ في ذلك) أي: فيما تقدم من الصور؛ (كطلاق). فتعتق الأمة إذا أضاف العتق إلى ما تطلق به الزوجة، ولا تعتق إذا أضاف العتق إلى ما لا تطلق به الزوجة.
[ ٩ / ٣٩٩ ]
[فصل: فيما تخالف المدخول بها غيرها]
(فصل. فيما تخالف به) الزوجة (المدخول بها غيرها) وهي الزوجة التي
لم يدخل بها في الطلاق.
(تَطلُق) زوجة (مدخول بها بـ) قولى زوجها: (أنت طالق، أنت طالق) مرتين (ثنتين، إلا أن ينوي بتكراره تأكيدًا متصلًا، أو إفهامًا) لها أن الأولى قد وقعت بها. وإنما يقع عليه طلقتان إذا لم ينو تأكيدًا ولا إفهامًا؛ لأن هذا اللفظ للإيقاع ويقتضي الوقوع بدليل ما لو لم يتقدمه مثله. وإنما ينصرف عن ذلك بنية التأكيد أو الإفهام فإذا لم يوجد شيء من ذلك وقع مقتضاه، كما يجب العمل بالعموم في العام إذا لم يوجد المخصص، وبالإطلاق في المطلق إذا لم يوجد المقيد.
وأما (^١) غير المدخول بها فلا تطلق إلا واحدة، سواء نوى الإيقاع بالثانية أو
لم ينو، وسواء قال ذلك متصلًا أو منفصلًا. وروي ذلك عن علي وزيد بن ثابت وابن مسعود.
وعلم من قول المتن ": متصلًا أنه لو قال: أنت طالق ثم مضى زمن يمكنه الكلام فيه، ثم أعاد ذلك للمدخول بها: طلقت طلقة ثانية ولم يقبل قوله: نويت التأكيد؛ لأن التأكيد تابع للكلام. فشرطه: أن يكون متصلًا به؛ كسائر التوابع من العطف والصفة والبدل.
(وإن أكَّد أولى بثالثة)؛ كما لو قال لمدخول بها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وقال: أردت بالثالثة تأكيد الأولى: (لم يُقبل) منه ذلك؛ للفصل بينهما بالثانية، (وبهما) يعني: ولو قال: أردت تأكيد الأولى بالثانية والثالثة، (أو) قال: أردت (ثانية بثالثة: قُبل) منه ذلك؛ لعدم الفصل.
_________________
(١) في الأصول: وإنما. ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ٩ / ٤٠٠ ]
(وإن أطلق التأكيد) بأن قال: أردت التأكيد ولم يعين تأكيد أولى ولا ثانية: (فواحدة) أي: فيقع عليه طلقة واحدة؛ لانصراف ما زاد عليها بنية التأكيد. وهذا في الأصح.
قال في " الإنصاف ": جزم به فى " المغني " و" الشرح " وقدمه في " الرعاية ".
وقيل: ثلاث.
(و) إن قال: (أنت طالق وطالق وطالق، فثلاث) أي: وقع عليه ثلاث طلقات
(معًا)؛ لأن الواو تقتضى الجمع ولا ترتيب فيها. فيكون موقعًا للثلاث جميعًا، (ويُقبل) منه (حكمًا) أي: في الحكم في الأصح (تأكيد ثانية بثالثة) لمطابقتها فى لفظها في دعوى تأكيد ثانية بثالثة، (لا أولى بثانية.
وكذا " الفاء ") أي: وكذا لو قال: أنت طالق فطالق فطالق وقال: أردت تأكيد الثانية بالثالثة لمطابقتها في لفظها.
(و) كذا (" ثم ") أى: وكذا لو قال: أنت طالق ثم طالق ثم طالق. وقال: أردت تأكيد الثانية بالثالثة فإنه يُقبل منه؛ لمطابقتها في لفظها.
(وإن غايَر الحروف) بأن قال: أما طالق وطالق فطالق، أو أنت طالق فطالق
ثم طالق، أو أنت طالق وطالق ثم طالق، أو أنت طالق فطالق وطالق، أو أنت طالق ثم طالق وطالق: (لم يقبل) قوله فى إرادة التأكيد؛ لعدم المطابقة في اللفظ. قال في " الإنصاف ": قولًا واحدًا.
(ويُقبل حكمًا تأكيد) ادعاء زوج (في) قوله: (أنت مطلقة، أنت مسرحة، أنت مفارقة) إذا قال: أردت تأكيد الأولى بالثانية والثالثة؛ لأنه لم يغاير بينها بالحروف الموضوعة للمغايرة بين الألفاظ بل أعاد اللفظ بمعناه. ومثل هذا يعاد توكيدًا.
(لا (^١) مع " واو " أو " فاء " أو " ثم ") يعني: لا إن قال: أنت مطلقة ومسرحة ومفارقة، أو أنت مطلقة فمسرحة فمفارقة، أو أنت مطلقة ثم مسرحة ثم
_________________
(١) في ب: إلا.
[ ٩ / ٤٠١ ]
مفارقة فإنه لا يُقبل منه دعوى التأكيد؛ لأن حروف (^١) العطف تقتضي المغايرة. فأشبه ما لو كان بلفظ واحد.
(وإن أتى بشرط) عقب جملة اختص بها. فلو قال: أنت طالق أنت طالق
إن دخلت الدار: طلقت الأولى في الحال، والثانية إذا دخلت الدار.
(أو) أتى بـ (استثناء) عقب جملة اختص بها. فلو قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق إلا واحدة، اختص الاستثناء بالجملة الأخيرة. فيقع الثلاث؛ كما لو قال: أنت طالق طلقة إلا طلقة.
(أو) أتى بـ (صفة عقب جملة اختص بها). فلو قال: أنت طالق أنت طالق صائمة: طلقت الأولى في الحال، والتانية إذا كانت صائمة. (بخلاف معطوف ومعطوف عليه)، فإن الشرط والاستثناء والصفة لا يختص عقب ذلك بالجملة الأخيرة. فلو قال: أنت طالق ثم أنت طالق (^٢) إن قدم زيد: لم تطلق حتى يقدم زيد فيقع طلقتان، ولو قال: أنت طالق وطالق صائمة: طلقت بصيامها طلقتين.
(و) من قال لامرأته الواحدة: (أنت طالق، لا بل أنت طالق: فواحدة) أي: طلقت طلقة واحدة.
قال ابن رجب في القاعدة التاسعة والخمسين بعد المائة: وهاهنا مسألة حسنة نص عليها أحمد في رواية ابن منصور: إذا قال لامرأته: أنت طالق، بل أنت طالق، قال: هي تطليقتان هذا كلام مستقيم. وإن قال: أنت طالق، لا بل أنت طالق هي واحدة. ثم ذكر صاحب " القواعد " توجيه حكم الأولى على ما يأتى. ثم قال: وأما إذا قال: أنت طالق، لا بل أنت طالق فقد صرح بنفي الأول ثم أثبته بعد نفيه. فيكون المثبت هو المنفى بعينه وهو الطلقة الأولى فلا يقع به طلقة ثانية. وهو قريب من معنى الاستدراك كأنه نسي أن الطلاق الموقع لا ينفى. فاستدرك وأثبته؛ لئلا يتوهم السامع أن الطلاق قد ارتفع بنفيه، فهذا
_________________
(١) في أ: حرف.
(٢) في ب زيادة: ثم أنت طالق، وقد أثبتت في أثم حذفت.
[ ٩ / ٤٠٢ ]
إعادة الأول لا استئناف طلاق (^١) ٠ انتهى.
(و) إن قال لها: (أنت طالق فطالق، أو) قال: أنت طالق (ثم طالق،
أو) قال: أنت طالق (بل طالق، أو) قال: أنت طالق (بل أنت طالق، أو) قال: أنت طالق (طلقة بل طلقتين، أو) طالق طلقة (بل طلقة) فإنها تطلق طلقتين في جميع ذلك؛ لأن حروف العطف تقتضي المغايرة، و" بل " من حروف العطف إذا كان بعدها مفرد وهي هنا كذلك؛ لأن اسم الفاعل من " المفردات " وإن كان متحملًا لضمير بدليل أنه يعرب والجُمل لا تعرب.
ولأنه لا يقع صلة ولو كان جملة لوقع صلة، وحينئذ فيكون ما بعده معطوفًا على ما قبله، كما لو أتى بالواو أو بثم.
(أو) طالق (طلقة قبل طلقة، أو) طالق طلقة (قبلها طلقة ولم يُرد: في نكاح) قبل هذا، (أو من زوج قَبل ذلك. ويُقبل) ذلك منه (حكمًا) أي: في الحكم: (إن كان وُجد) نكاح قبل هذا، أو زوج كان لها قبله.
(أو) قال لها: أنت طالق طلقة (بعد طلقة، أو) طلقة (بعدها طلقة ولم يُرد) بقوله: بعدها طلقة (سيُوقِعُها) عليها بعد، (ويُقبل) منه (حكمًا) دعواه ذلك: (فثنتان) أي: فإنه يقع عليه طلقتان وهذا كله في المدخول بها. وإلى ذلك أشير بقوله:
(إلا غير مدخول بها فتبين بالأولى، ولا يلزمـ) ها (^٢) (ما بعدها)؛ لأنها
إذا بانت بالأولى صارت كالأجنبية فلا يلحقها طلاق بعدها.
(و) من قال لزوجته: (أنت طالق طلقة معها طلقة، أو) طالق طلقة (مع طلقة، أو) طالق طلقة (فوقها طلقة، أو) طلقة (فوق طلقة، أو) طلقة (تحتها طلقة، أو) طلقة (تحت طلقة، أو) أنت (طالق وطالق: فثنتان) أي: طلقت طلقتين، سواء كانت مدخولأ بها أو غير مدخول بها؛ لأنه أوقع الطلاق بلفظ يقتضي وقوع طلقتين معًا. فوقعا؛ كما لو قال: أنت طالق طلقتين.
_________________
(١) في ب: وطلاق.
(٢) ها زيادة من أ.
[ ٩ / ٤٠٣ ]
(و) إن قال لها: أنت (طالق طالق طالق، فواحدة) أي: طلقت طلقة واحدة؛
لأنه لم يبنها بلفظ يقتضي المغايرة: (مما لم ينو أكثر) من واحدة فيقع ما نواه. (ومحلَّق في هذا) الذي تقدم ذكره (كمنجَّز.
فـ) لو قال لها: (إن قمت فأنت طالق وطالق وطالق) فقامت طلقت ئلاثًا،
(أو أخَّر الشرط)؛ كما لو قال: أنت طالق وطالق وطالق إن قمت فقامت: طلقت ثلاثًا معًا. ويقبل حكمًا تأكيد ثانية بثالثة، لا تأكيد أولى بثانية. وتقدم ذلك.
(أو كرَّره ثلاثًا بالجزاء)؛ كما لو قال لها: إن قمت فأنت طالق، إن قمت
[فأنت طالق، إن قمت فأنت طالق] (^١)، (أو) قال لها: إن قمت (فأنت طالق طلقة معها طلقتان، أو) طالق طلقة (مع طلقتين فقامت) في صورة مما تقدم: (فثلاث) أي: طلقت ثلاثًا.
أما كونها تطلق ثلاثًا في قوله: طالق وطالق وطالق؛ فلأن الواو تقتضي الجمع ولا ترتيب فيها. فيكون موقعًا للثلاث جميعًا.
وأما كونها طلق ثلاتًا في قوله: طلقة معها طلقتان أو مع طلقتين؛ لأنه أتى بلفظ يقتضى وقوعهن معًا. فوقعن كلهن؛ كما لو قال: ثلاثًا.
(و) من قال لزوجته: (إن قمت فأنت طالق فطالق، أو) قال: إن قمت فأنت طالق (ثم طالق فقامت فطلقة) يعني: فإنه يقع بها طلقة واحدة: (إن لم يدخل بها)؛ لأنها تبين بقوله: فأنت طالق.
(وإلا) بأن كانت مدخولًا بها: (فثنتان) يعني: فإنه يقع بها طلقتان؛ كما
لو قال لها: أنت طالق ثم طالق (^٢)، ولم يذكر شرطًا.
(وإن قصَد الزوج إفهامًا، أو) قصد (تأكيدًا في مكررٍ مع جزاء)؛ كما لو
قال لها: إن قمت فأنت طالق، إن قمت فأنت طالق وأراد إفهامها أو أراد التأكيد: (فواحدة) أي: فإنه يقع عليه طلقة واحدة.
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في أ: إن قمت فأنت طالق، إن قمت فأنت طالق. وهو تصحيف.
[ ٩ / ٤٠٤ ]
[باب: الاستثناء في الطلاق]
هذا (باب الاستثناء في الطلاق).
الاستثناء: استفعال من الثني وهو الرجوع، يقال: ثنى رأس البعير إذا عطفه إلى ورائه فكأن المستثني رجع في قوله إلى ما قبله.
(وهو) فى الاصطلاح: (إخراج بعض الجملة) أي: بعد مدخول اللفظ (بإلا) أي: بلفظ إلا، (أو ما قام مقامها) أي: مقام إلا وهو: غير وسوى ونحوهما (من متكلم واحد)؛ لما يأتي من أنه يشترط لصحة الاستثناء نيته قبل تمام المستثنى منه، وذلك لا يصح أن يكون من متكلمين.
(وشُرط) بالبناء للمفعول (فيه) أي: في الاستثناء: (اتصال معتاد)؛
لأن غير المتصل لفظ يقتضي وقوع ما وقع بالأول والطلاق إذا وقع لا يمكن رفعه. بخلاف المتصل فإن الاتصال يجعل اللفظة جملة واحدة فلا يقع الطلاق قبل تمامها ولولا ذاك لما صح التعليق.
ثم إن الاتصال قد يكون (لفظًا)؛ كما لو أتى به متواليًا، (أو) يكلون متصلًا (حكمًا؛ كانقطاعه) أي: انقطاع جملة ذلك (بتنفس، ونحوه)؛ كسعال أو عطاس. بخلاف ما لو كان انقطاعه بكلام معترض أو زمن طويل فإنه يمنع صحة الاستثناء.
(و) شرط لصحة الاستثناء أيضًا (نيته) أي: نية الاستثناء (قبل تمام مستثنى منه). فإذا أراد أن يقول: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة فيشترط لصحة الاستثناء الواحدة أن ينويه قبل تمام قوله: أنت طالق ثلاثًا.
(وكذا شرط ملحَق) يعني: يشترط (^١) لصحة التعليق على الشرط
_________________
(١) زيادة من ب.
[ ٩ / ٤٠٥ ]
الملحق " كما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار نية التعليق قبل تمام قوله: أنت طالق.
(و) كذا (عطف مغيَّر) يعني: أنه إذا قال لزوجته: أنت طالق أوْ لا اشترط لعدم وقوع الطلاق أن ينوي قبل تمام قوله: أنت طالق أن يقول: بعده أوْ لا. وكذا الاستثناء بالمشيئة ونية العدد في المواضع التي يقول أن لها تأثيرًا فيها؛ لأن هذه صوارف للفظ عن مقتضاه وإطلاقه. فوجب مقارنتها لفظًا ونية.
(ويصح) الاستثناء (في نصف) في الأصح (فأقلَّ) منه على المنصوص؛
لأنه كلام متصل أبان به أن المستثنى غير مراد بالأول. فصح؛ كما لو أتى بما عدا المستثنى بدون الاستثناء. ولولا ذاك لما صح قول سيدنا إبراهيم ﵊: ﴿إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧] يريد به البراءة من غير الله ﷿.
ولما صح قوله ﷾: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] وهو يريد تسعمائة وخمسين.
(من مطلَّقات)؛ كقوله: زوجتاي طالقتان إلا إحداهما، أو قال زوج
أربع: نسائي طوالق إلا ثنتين، أو زوج ثلاث: نسائي طوالق إلا واحدة، فإن الاستثناء يصح بشروطه المتقدمة.
(و) يصح استثناء النصف فأقل من عدد (طلَقات) في الأصح أيضًا.
وقيل: والأكثر.
وقيل: لا يصح الاستثناء في عدد الطلاق ولا عدد مطلقات.
(فـ) يتفرع على المذهب: أن من قال لزوجته: (أنت طالق ثنتين) أي:
طلقتين (إلا طلقة، يقع) عليه (طلقة) واحدة.
(و) إن قال لها: أنت طالق (ثلاثًا إلا طلقة، أو) قال لها: أنت طالق
ثلاثًا (إلا ثنتين إلا طلقة، أو) قال لها: أنت طالق ثلاثًا) إلا واحدة إلا واحدة، أو) قال لها: أنت طالق ثلاثًا (إلا واحدة وإلا واحدة، أو) قال: أنت طالق
[ ٩ / ٤٠٦ ]
(طلقة وثنتين إلا طلقة، أو) قال لها: أنت طالق (أربعًا إلا ثنتين)، فإنه (يقع) عليه في هذه الصوركلها (ثنتان) في الأصح، بناء على صحة استثناء النصف. فإن قيل: كيف أجزتم استثناء الثنتين من الثلاث وهي أكثرها في قوله: أنت طالق ثلاثًا إلا ثنتين إلا واحدة؟
قلنا: لأنه لم يسكت عليها بل وصلها بأن استثنى منها طلقة، فصار عبارة
عن واحدة.
(و) من قال لزوجته: أنت طالق (ثلاثًا إلا ثلاثًا، أو) أنت طالق ثلاثًا (إلا ثنتين، أو) أنت طالق ثلاثًا، (إلا جزء طلقة؛ كنصف وثلث، ونحوهما)؛ كقوله: أنت طالق ثلاثًا إلا ربع طلقة، أو إلا خمس طلقة، أو إلا سدس طلقة، (أو) أنت طالق ثلاثًا (إلا ثلاثًا إلا واحدة، أو) أنت طالق (خمسَا) إلا ثلاثًا، (أو) أنت طالق (أربعًا إلا ثلاثًا، أو) أنت طالق أربعًا (إلا واحدة، أو) أنت (طالق وطالق وطالق إلا واحدة، أو) أنت طالق وطالق وطالق (إلا طالقًا، أو) أنت طالق (ثنتين وطلقة إلا طلقة، أو) أنت طالق (ثنتين ونصفًا إلا طلقة، أو) أنت طالق (ثنتين وثنتين إلا ثنتين، أو) أنت طالق ثنتين وثنتين (إلا واحدة) فإنه (يقع) عليه (ثلاث) أي: ثلاث تطليقات في هذه الثلاث عشرة (^١) مسألة في الأصح؛ (كعطفه بالفاء، أو) عطفه بـ (ثم). يعني كما لو قال: أنت طالق ثنتين فثنتين إلا ثنتين أو إلا واحدة فإنه يقع عليه بذلك ثلاث في الأصح أيضًا؛ لأن الكلام صار جملتين للترتيب الحاصل بالعطف بالفاء أو ثم؛ لأن الاستثناء إن عاد إلى الرابعة فقد بقي بعدها ثلاث، وإن عاد إلى الواحدة الباقية من الاثنتين كان استثناء للجميع وهو ممنوع.
ولأن القاعدة في الاستثناء: أن الاستثناء إنما يرجع إلى ما يملكه المستثني.
ويأتي ذلك في المتن.
وإن فرق من أراد الاستثناء بين المستثنى والمستثنى منه، فقال: أنت طالق
_________________
(١) فى ب: عشر.
[ ٩ / ٤٠٧ ]
واحدة وواحدة وواحدة إلا واحدة وواحدة وواحدة، فقال (^١) في " الترغيب ": وقعت الثلاث على الوجهين.
(و) من قال لزوجته: (أنت طالق ثلاثًا واستثنى بقلبه: إلا واحدة تقع) الطلقات (الثلاث)؛ لأن العدد نص فيما يتناوله لا يحتمل غيره. فلا يرتفع بالنية ما ثبت بنص اللفظ فإن اللفظ أقوى من النية. ولو نوى بالثلاث اثنتين كان مستعملًا للفظ فى غيرما يصلح له فوقع مقتضى اللفظ ولغت نيته.
(و) من له أربع نسوة فقال: (نسائي الأربع طوالق واستثنى واحدة بقلبه: طَلَقن) جميعهن، لما تقدم من أن العدد نص فيما يتناوله. فلا يرتفع منه شيء بمجرد النية، لأنها أضعف من اللفظ.
(وإن لم يقل الأربع) يعني: وإن لم يذكر العدد، (لم تَطلِّق المستثناة) بقلبه.
والفرق بينهما أن قوله: نسائي من غير ذكر عدد اسم عام يجوز التعيين به عن بعض ما وقع له. وقد استعمل العموم بالخصوص كثيرًا. فإذا أراد به البعض صح؛ لأن استعمال اللفظ العام في الخصوص سائغ في الكلام. فيكون اللفظ بنيته منصرفًا إلى ما أراده دون ما لم يرده.
(وإن) سألته إحداهن أن يطلقها، فقال: نسائي طوالق و(استثنى من سألته طلاقها: دُيِّن) فيما بينه وبين الله تعالى، لأن كل لفظ عام يحتمل التخصيص، (ولم يُقبل) ذلك منه (حكمًا) أي: في الحكم، لأن طلاقه جواب سؤالها الطلاق لنفسها. فلا يصدق في الحكم في صرفه عنها، لأنه يخالف الظاهر.
ولأنها سبب الطلاق، وسبب الحكم لا يجوز إخراجه من العموم بالتخصيص.
(وإن) كانت قد (قالت له: طلِّق نساءك، فقال: نسائي طوالق: طَلَقت)
_________________
(١) في أ: قال.
[ ٩ / ٤٠٨ ]
القائلة أيضًا، لأن اللفظ عام فيها ولم يرد به غير مقتضاه. فوجب العمل بعمومه.
ومحل ذلك: (ما لم يستثنها) ولو بقلبه. ويقبل حكمًا، لأن خصوص السبب يقدم على عموم اللفظ.
(وفي) كتاب (" القواعد ") للعلامة زين الدين عبد الرحمن بن رجب تغمده الله تعالى برحمته: (قاعدة المذهب: أن الاستثناء يرجع إلى ما يملكه، والعطف بالواو يُصَيِّر الجملتين واحدة) أي: جمله واحدة. (وقاله) أي: قال ما قاله ابن رجب (جمع).
قال (المنقح: وليس) أي: وليس ما قاله ابن رجب وجمع (على إطلاقه). والله ﷾ أعلم.
***
[ ٩ / ٤٠٩ ]
[باب: حكم الطلاق في الماضي والمستقبل]
هذا (باب) حكم (الطلاق في الماضي والمستقبل) يعني: إذا قيده بالزمن الماضي أو الزمن المستقبل.
ومن صورة تقييده بالزمن الماضي: (إذا قال) لزوجته: (أنت طالق أمس، أو) قال لها: أنت طالق (قبل أن أتزوَّجَك ونوى) بذلك (وقوعه) أي: وقوع الطلاق (إذًا) أي: إيقاعه الآن: (وقع) في الحال؛ لأنه مقر على نفسه بما هو أغلظ في حقه.
(وإلا) أي: وإن لم ينو وقوعه في الحال: (لم يقع) على الأصح، لما روي
عن أحمد فيمن قال لزوجته: أنت طالق أمس وإنما تزوجها اليوم: ليس بشيء. ولأن الطلاق رفع للاستباحة ولا يمكن رفعها في الزمن الماضي. فلم يقع؛
كما لو قال: أنت طالق قبل قدوم زيد بيومين فقدم اليوم.
حتى (ولو مات أو جَّن أو خَرِس قبل العلم بمراده) في الأصح. وحكي عن
أبي بكر: أنه يقع إذا قال: قبل أن أتزوجك، ولا يقع إذا قال: أنت طالق أمس. وعلى القول بوقوعه إذا قال: أردت أن زوجًا قبلي طلقها، أو طلقتها أنا في نكاح قبل هذا: قبل منه إن احتمل الصدق، ما لم تكذبه قرينة من غضب، أو سؤالها الطلاق ونحوه.
(و) من قال لزوجته: (أنت طالق ثلاثًا قبل قدوم زيد بشهر، فلها النفقة) يعني: لم تسقط نفقتها بالتعليق بل يستمر عليه النفقة بعد التعليق كما قبله إلى أن يتبين وقوع الطلاق.
قال في " الإنصاف ": قلت: فيعايا بها.
ثم تنظر (فإن قدم) زيد (قبل مضيِّه) أي: مضي الشهر لم يقع عليه طلاق
[ ٩ / ٤١٠ ]
بغير خلاف بين أصحابنا، (أو) قدم (معه) أي: مع مضي الشهر: (لم يقع) أيضًا في الأصح؛ لأنه لابد من جزء يقع الطلاق فيه بعد مضي الشهر.
(وإن قدم) زيد (بعد شهر وجزءٍ تطلق فيه) أي: يتسع لوقوع الطلاق فيه:
(تَبَيَّن وقوعه)؛ لأنه أوقع الطلاق في زمن على صفة. فإذا خلصت الصفة وقع؛ كما لو قال: أنت طالق قبل شهر رمضان بشهر، أو قبل موتك بشهر.
(و) تبين (أن وطأه) بعد التعليق (محرَّم، و) أن (لها المهر).
قال في " القواعد الأصولية " في هذه المسألة: جزم بعض أصحابنا بتحريم
وطئها من حين عقد الصفة.
وقال في " المستوعب ": قال بعض أصحابنا: يحرم عليه وطؤها من حين
عقد هذه الصفة إلى حين موته؛ لأن كل شهر يأتي يحتمل أن يكون شهر وقوع الطلاق فيه. ولم يذكر خلافه.
(فإن خالعها بعد اليمين بيوم) مثلًا، (وقدم) زيد (بعد شهر ويومين:
صح الخلع، وبطل الطلاق) المعلق؛ لأن محل وقوع الطلاق صادفها بائنًا بالخلع. (وعكسُهما) بأن خالعها بعد اليمين بيومين، وقدم زيد (بعد شهر وساعة)
من حين اليمين فإنه يقع الطلاق ويبطل الخلع.
(وإن لم يقع الخلع) يعني: وحيث لم يصح الخلع: (رجعت) الزوجة (بعوضه) أي: عوض الخلع التي سألت زوجهًا عليه.
(إلا الرجعيَّة) يعني: إلا إذا كان قوله: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر
رجعيًا بأن كان لم يذكر فيه الثلاث ولم يكن مكملًا لعدد ما يملكه: (فـ) إنه (يصح خلعها) ولو كان بعد اليمين بيومين في الصورة المتقدمة.
(وكذا حكم) من قال لزوجته: أنت طالق (قبل موتي بشهر). فلو مات أحدهما قبل مضي شهر لم يقع طلاق؛ لأن الطلاق يقع في الماضي. وإن مات بعد عقد اليمين بشهر وساعة تبينا وقوع الطلاق في تلك الساعة.
[ ٩ / ٤١١ ]
(ولا إرث لبائن) يعني: إن كان الطلاق الذي وقع بائنًا، (لعدم تُهمة. يحرمانها الميراث.
وكذا إذا قال لها: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر وقدم بعد شهر وساعة وقد مات أحدهما بعد شهر ويومين أو نحو ذلك، فإنهما لا يتوارثان إن كان الطلاق بائنًا، لأنا تبينا أن الطلاق قد كان وقع قبل موت الميت منهما. فلم يرثه صاحبه، إلا أن يكون رجعيًا، ويكون الموت في العدة.
(و) من قال لزوجته: (إن متُّ فأنت طالق قبله بشهر، ونحوه)، كيوم أو ساعة: (لم يصح) التعليق، لأنه أوقع الطلاق بعد الموت. فلم يقع قبله؛ لمضيه.
(ولا تطلُق) أيضًا (إن قال): أنت طالق (بعد موتي، أو معه) أي: مع موتى بلا نزاع بين الأصحاب. ونص عليه، لأن البينونة حصلت بالموت فلم يبق نكاح يزيله الطلاق، لكن قال في " القواعد ": يلزم على قول ابن حامد الوقوع هنا في قوله: مع موتي، لأنه أوقع الطلاق مع الحكم بالبينونة فإيقاعه مع سبب الحكم أولى. انتهى.
(وإن قال): أنت طالق (يوم موتي، طَلَقت أوِّله) أي: أول اليوم الذي يموت فيه في الأصح، لأن كل جزء من ذلك اليوم يصلح لوقوع الطلاق فيه، ولا مقتضي لتأخيره عن أوله فوقع في أوله.
(و) من قال لزوجته: أنت طالق (قبل موتي، يقع في الحال)، لأن ما
قبل موته من حين عقد الصفة محل للطلاق في أوله.
وإن قال: قبل موتك أو قبل موت زيد فكذلك.
وإن قال: أنت طالق قبيل موتي مصغرًا لم يقع في الحال وإنما يقع ذلك في الجزء الذي يليه الموت، لأن التصغير يقتضي كون الذي بقي جزء يسير.
وإن قال: أنت طالق قبل قدوم زيد. فقال القاضي: يطلق في الحال، سواء قدم زيد أو لم يقدم، بدليل قول الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧] ولم يوجد الطمس في المأمورين.
[ ٩ / ٤١٢ ]
ولو قال لغلامه: اسقني قبل أن أضربك فسقاه في الحال عد ممتثلًا وإن لم يضربه،
وإن قال لها: أنت طالق قبل موت زيد وعمرو بشهر، فقال القاضي: تتعلق الصفة بأولهما موتًا؛ لأن اعتباره بالثانى يفضي إلى وقوعه بعد موت الأول واعتباره بالأول لا يفضي إلى ذلك فكان أولى.
(وإن قال) لزوجتيه (^١): (أطولكما حيًا ة طالق، فبموت إحداهما يقع
بالأخرى) في الأصح.
وقيل: وقت يمينه.
(وإن تزوَّج أمة أبيه، ثم قال) لها: (إذا مات أبى أو اشتريتُك فأنت طالق فمات أبوه، أو اشتراها: طلقت) فى الأصح؛ لأن الموت أو الشراء سبب ملكها وطلاقها (^٢)، وفسخ النكاح يترتب على الملك فيوجد الطلاق في زمن الملك السابق على الفسخ فيثبت حكمه.
(ولو قال) لها: (إن ملكتُك فأنت طالق، فمات أبوه أو اشتراها: لم تطلُق) وجهًا واحدًا؛ لأن الطلاق يقع عقيب (^٣)، الملك وقد صادفها مملوكة فلا يقع.
(ولو كانت مدبَّرة) للأب، (فمات أبوه وقع الطلاق والعتق معًا: إن خرجت من الثلث)؛ لأن النكاح لم ينفسخ بموت الأب فتطلق؛ لأنها زوجة. وإن لم تخرج من الثلث فالحكم فيها كما لو كانت باقية على الرق؛ لأنه مالك لبعضها. وتقدم حكم ذلك.
_________________
(١) في ب: لزوجته.
(٢) في ب: فطلاقها.
(٣) فى ب: عقب.
[ ٩ / ٤١٣ ]
[فصل: في تعليق الطلاق بالقسم]
(فصل. ويُستعمل طلاق، ونحوه)، كعتق وظهار (استعمال القسم) بالله. (ويجعل جوابُ القسم جوابَه) أي: جواب الطلاق ونحوه (في غير المستحيل). فإذا قال: أنت طالق لأقومن وقام لم تطلق امرأته. فإن لم يقم في الوقت الذي عينه حنث. وهذا الصحيح الذي عليه أكثر أهل العلم.
وقال شريح: يقع طلاقه وإن قام، لأنه طلق طلاقًا غير معلق بشرط. فوقع؛ كما لو لم يقم.
ولنا: أنه حلف قدير فيه. فلم يحنث؛ كما لو حلف بالله تعالى.
وإن قال: أنت طالق إن أخاك لعاقل وكان أخوها عاقلًا لم يحنث، وإن لم يكن عاقلًا حنث؛ كما لو قال: والله إن أخاك لعاقل. وإن شُك في عقله لم يقع الطلاق، لأن الأصل بقاء النكاح. فلا يزول بالشك.
وإن قال: أنت طالق لا أكلت هذا الرغيف فأكله حنث وإلا فلا.
وإن قال: أنت طالق ما أكلته لم يحنث إن كان صادقًا ويحنث إن كان كاذبًا؛ كما لو قال: والله ما أكلته.
وإن قال: أنت طالق لولا أبوك لطلقتك وكان صادقًا لم تطلق، وإن كان كاذبًا طلقت.
ولو قال: إن حلفت بعتق عبدي فأنت طالق، ثم قال: عبدي حر لأقومن: طلقت المرأة.
(وإن علَّقه) أي: علق طلاق امرأته أو عتق عبده (بفعل مستحيل عادة) أي: في العادة، (كـ) ما لو قال لزوجته: (أنت طالق إن) صعدت السماء، (أو) أنت طالق (لا صعدت السماء، أو) أنت طالق إن (شاء الميت) أو أنت
[ ٩ / ٤١٤ ]
طالق لا شاء الميت، (أو) أنت طالق إن شاءت (البهيمة)، أو أنت طالق لا شاءت البهيمة، (أو) أنت طالق إن (طرت) أو أنت طالق لا طرت، (أو) أنت طالق إن (قلبت الحجر ذهبًا)، أو أنت طالق لا قلبت الحجر ذهبًا ونحو ذلك لم تطلق وجهًا واحدًا.
وإن علقه على فعل مستحيل لذاته وهو ما أشير إليه بقوله:
(أو مستحيل لذاته، كـ) قوله: أنت طالق (إن رددت أمس، أو) أنت طالق إن (جمعت بين الضدَّين، أو) أنت طالق إن (شربت ماء الكوز ولا ماء فيه) أي: في الكوز: (لم تطلَّق) في الأصح؛ (كحلفه بالله عليه) أي: على المستحيل عادة أو لذاته؛ لأنه علق الطلاق بصفة لم توجد فلم يقع بذلك طلاق. ولأن ما يقصد تبعيده تعلق على المحال (^١) .
قال الله ﷾ في حق الكفار: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ [الأعراف: ٤٠].
وقال الشاعر:
إذا شاب الغراب أتيت أهلي وصار القار كاللبن الحليب
أي: لا أتيتهم أبدًا.
وقيل: إن علقه على المستحيل لذاته وقع في الحال، لأنه لا وجود له فلم تتعلق به الصفة، وبقي مجرد الطلاق فوقع.
(وإن علَّقه) أي: علق الطلاق ونحوه (على نفيه) أي: نفي الفعل المستحيل لذاته أو في العادة، (كـ) قوله: (أنت طالق لأشربنَّ ماء الكوز) ولا ماء فيه، (أو إن لم أشربه ولا ماء فيه) أي: في الكوز، (أو) أنت طالق (لأصعدن السماء، أو) أنت طالق (إن لم أصعدها، [أو) أنت طالق (لا طلعت الشمس] (^٢)، أو) أنت طالق (لأقتُلنَّ فلانًا فإذا هو ميت، علمه) أي: علم موته (أو لا، أو) أنت طالق (لأطيرنَّ، أو) أنت طالق (إن لم أطِرْ،
_________________
(١) في ب: تعلق بالمحال.
(٢) ساقط من ب.
[ ٩ / ٤١٥ ]
ونحوه) أي: نحو ذلك من التعليق على نفي الفعل المستحيل: (وقع) الطلاق
أو العتاق أو نحوهما (في الحال) في الأصح؛ كما لو قال: أنت طالق إن لم أبع عبدي فمات العبد.
ولأنه علق الطلاق على عدم فعل المستحيل، وعدمه معلوم في الحال وما بعده.
ولأن الحالف على فعل الممتنع كاذب حانث، لأن فعل المحلوف عليه
متحقق العدم. فيجب أن يتحقق الحنث، وإذا تحقق الحنث تعين طلاقها عنده؛ كما لو حلف أن يطلق اليوم فمضى اليوم ولم يطلق.
ولأن المحلوف عليه إذا (^١) كان متعذر الفعل كان قول الحالف: لأفعلن كذا
لغوًا، فيبقى قوله: أنت طالق وذلك يقتضي طلاقها في الحال.
وقيل: لا يقع.
وقيل: يقع في المستحيل لذاته في الحال، ويقع في المستحيل عادة في آخر حيًا ته.
وقيل: إن وقَّته الحالف وقع في آخر وقته.
(وعِتق، وظِهار، وحرام، ونذر، ويمين بالله) ﷾ فيما تقدم
، (كطلاق.
و) قول الزوج لزوجته. (أنت طالق اليوم: إذا جاء غدٌ، لغوٌ) لا يقع به
شيء؛ لعدم تحقق شرطه؛ لأن مقتضاه وقوع الطلاق إذا جاء غد ولا يأتي غد (^٢)
إلا بعد ذهاب اليوم وذهاب محل الطلاق.
وقيل: يقع في الحال.
وقيل: إذا جاء الغد.
(و) من قال لزوجته. (أنت طالق ثلاثًا على مذهب السنَّة والشيعة واليهود والنصارى، أو على سائر المذاهب: يقع ثلاث)؛ لقصده التأكيد.
***
_________________
(١) في ب: إن.
(٢) في ب: غدًا.
[ ٩ / ٤١٦ ]
(فصل: في الطلاق في زمن مستقل)
(إذا قال) زوج لزوجته: (أنت طالق غدًا، أو) أنت طلاق (يوم كذا: وقع) الطلاق (بأولهما) أي: طلوع الفجر؛ لأنه جعل الغد أو يوم كذا ظرفًا للطلاق. فإذا وجد ما يكون ظرفًا له طلقت؛ كما لو قال: إذا دخلت الدار فأنت طالق، فإذا دخلت أول جزء من الدار طلقت.
(ولا يُدَيَّن ولا يقبل) منه (حكمًا) أي: فى الحكم (إن قال: أردت آخرَهما) على الأصح؛ لأن لفظه لا يحتمله.
(و) إن قال: أنت طالق (في غدٍ، أو في رجب يقع بأولهما) وذلك فى رجب ونحوه من حين تغرب الشمس من آخر الشهر الذي قبله؛ لأنه جعل الشهر ظرفًا للطلاق. فإذا وجد ما يكون ظرفًا له طلقت فيه.
(ولى) أي: وللزوج (وطءٌ) للمعلق منها (قبل وقوع ٍ) أي: وقوع الطلاق؛ كنظائرها.
(و) إن قال: أنت طالق (اليوم، أو في هذا الشهر يقع في الحال)؛ لما تقدم من التعليل.
(فإن (^١) قال: أردت) أن الطلاق إنما يقع (في آخر هذه الأوقات)، أو في وقت كذا من اليوم، أو في يوم كذا من الشهر (دُيِّن) فيما بينه وبين الله ﷾، (وقُبل) منه (حُكمًا) على الأصح؛ لأن آخر هذه الأوقات وأوسطها منها، فإرادته لذلك لا يخالف ظاهر لفظه. فأما إن قال: أنت طالق في أول شهر كذا، أو في غرته، أو في رأسه، أو استقباله، أو مجيئه، فإنه لا يقبل قوله: أردت أوسطه ولا آخره؛ لأن لفظه لا يحتمله.
_________________
(١) في ب: فإذا.
[ ٩ / ٤١٧ ]
(و) من قال لزوجته: (أنت طالق اليوم أو غدًا، أو قال) لها: أنت طالق (في هذا الشهر، أو) في الشهر (الآتي: وقع) الطلاق (في الحال).
قال في " الإنصاف ": لو قال: أنت طالق اليوم أو غدًا، أو أنت طالق غدًا
أو بعد غد: طلقت في أسبق الوقتين. قاله الأصحاب. انتهى.
فائدة:
قال في " بدائع الفوائد ":
ما يقول الفقيه أيده الله وما زال عنده إحسان
في فتى علق الطلاق بشهر قبل ماقبل قبله رمضان
في هذا البيت ثمانية أوجه:
أحدها: هذا.
والثانى: ما بعد ما بعد بعده.
والثالث: قبل ما بعد بعده.
والرابع: بعد ما قبل قبله. فهذه أربعة متقابلة.
الخامس: قبل ما بعد قبله.
والسادس: بعد ما قبل بعده.
والسابع: بعد ما بعد قبله (^١) .
والثامن: قبل ما قبل بعده.
وتلخيصها: أنك إن قدمت لفظة " بعد " جاء أربعة:
أحدها: أن كلها بعد.
الثانى: بعدان وقبل.
الثالث: قبلان وبعد.
_________________
(١) في ب: بعد ما قبل بعده. وهو وهم.
[ ٩ / ٤١٨ ]
الرابع: بعدان بينهما قبل.
وإن قدمت لفظة: " قبل " فكذلك.
وضابط الجواب عن الأقسام: أنه إذا اتفقت الألفاظ فإن كانت " قبل " وقع الطلاق في الشهر الذي تقدمه رمضان بثلاثة شهور. فهو ذو الحجة فكأنه قال: أنت طالق في ذي الحجة، لأن المعنى أنت طالق في شهرِ رمضان قبل قبل قبله. فلو كان رمضان قبله طلقت في شوال.
ولو قال: " قبل قبله " طلقت في ذي القعدة.
وإن كانت الألفاظ كلها " بعد " طلقت في جمادى الآخرة " لأن المعنى:
أنت طالق في شهر يكون رمضان بعد بعده.
ولو قال: " رمضان بعده " طلقت في شعبان.
ولو قال: " بعد بعده " طلقت في رجب.
وإن اختلفت الألفاظ وهي ست مسائل فضابطها: أن كل ما اجتمع فيه
" قبل " و" بعد " فألغهما، نحو: " قبل بعده " و" بعد قبله " واعتبر الثالث. فإذا قال: " قبل ما بعد بعده "، أو " بعد ما قبل قبله " فألغ اللفظين الأولين، يصير كأنه قال أولًا بعده رمضان فيكون شعبان.
وفي الثانى كأنه قال: " قبله رمضان " فيكون شوالًا.
وإن توسطت لفظة بين مضادين لها نحو: " قبل بعد قبله "، أو " بعد قبل بعده " (^١) فألغ اللفظين الأولين. ويكون شوالًا في الصورة الأولى، كأنه قال: في شهر قبله رمضان وشعبان في الثانية، كأنه قال: بعده رمضان.
وإن قال: " بعد بعد قبله "، أو " قبل قبل بعده " وهما تمام الثانية طلقت
في الأولى في شعبان، كأنه قال: بعده رمضان. وفي الثانية في شوال؛ كأنه قال: قبله رمضان.
_________________
(١) في ب: قبل بعد قبله. وهو وهم.
[ ٩ / ٤١٩ ]
(و) من قال لزوجته: (أنت طالق اليوم، وغدًا، وبعد غدٍ، أو) أنت طالق (في اليوم، وفي غد، وفي بعده، فواحدة) يعني: فإنها تطلق طلقة واحدة (في) الصورة (الأولى) وهي قوله: أنت طالق اليوم وغدًا وبعد غد في الأصح، لأنها إذا طلقت اليوم كانت طالقًا غدًا وبعد غدٍ، (كقوله): أنت طالق (في كل يوم. و) يقع عليه (ثلاث في) الصورة (الثانية) وهي قوله: أنت طالق في اليوم وفي غد وفي بعده في الأصح، لأن (^١) إتيانه. بـ " في " وتكرارها يدل على تكرار الطلاق؛ (كقوله): أنت طالق (في كل يوم.
و) إن قال لها: (أنت طالق اليوم إن لم أطلقك اليوم، أو أسقط اليوم الأخير)، كقوله: أنت طالق اليوم إن لم أطلقك، (أو) أسقط اليوم (الأول)، كقوله: أنت طالق إن لم أطلقك اليوم ولم يطلِّقها في يومه: وقع بآخره) في الأصح، لأن خروج اليوم يفوت به طلاقها. فوجب وقوعه قبله في آخر وقت الإمكان؛ كموت أحدهما في اليوم. وذلك؛ لأن معنى يمينه إن فاتني طلاقك اليوم فأنت طالق فيه، فإذا بقي من اليوم ما لا يتسع لتطليقها فقد فاته طلاقها فيه وقع حينئذ.
(و) إن قال لها: (أنت طالق يوم يقدُم زيد)، فإنه (يقع) بها الطلاق (يوم قدومه: من أوله) أي: أول يوم قدومه. وفي الأصح: (ولو ماتا) أي: الزوجان (غدوة وقدم) زيد (بعد موتهما من ذلك اليوم)، لأنه قد تبين أن طلاقها وقع من أول اليوم، لأنه لو قال: أنت طالق يوم الجمعة مثلًا طلقت من أوله فكذا إذا قال: أنت طالق يوم يقدم زيد.
(ولا يقع) الطلاق: (إذا قُدِم به) أي: بزيد (ميتًا أو مكرهًا)، [لأنه لم يقدم وإنما قدم به] (^٢)، (إلا بنية) وهي كون الحالف أراد بقدومه انتهاء سفره.
(ولا) يقع طلاق أيضًا (إذا قدم) زيد (ليلًا مع نيته) أي: نية المعلق إذا
قدم (نهارًا)؛ لأن الليل خرج بنية تخصيصه بالنهار.
_________________
(١) في الأصول: لأنه. وانظر " شرح البهوتى " ٣: ١٠٨.
(٢) زيادة من أ.
[ ٩ / ٤٢٠ ]
(و) إن قال لها: (أنت طالق في غدٍ إذا قَدِمَ زيد)، أو أنت طالق في شهر
كذا إذا قدم زيد، (فماتت) في الغد أو في الشهر (قبل قدومه: لم تطلُق) في الأصح؛ لأن قدومه شرط فلا يتقدمه المشروط. بدليل ما لو قال: أنت طالق إن قدم زيد فإنها- لا تطلق قبل قدومه بالاتفاق، وكما لو قال: إذا قدم زيد.
(و) إن قال لها: (أنت طالق اليوم غدًا فواحدة) أي: طلقت واحدة (في الحال)، لأن من طلقت اليوم فهي طالق غدًا. (فإن نوى: في كل يوم) طلقة، (أو) نوى أنها لطلق (بعض طلقة اليوم وبعضها غدًا، فثنتان)؛ كما لو قال: أنت طالق بعض طلقة وبعض طلقة. (وإن نوى بعضها) أي: أنها تطلق بعض طلقة (اليوم وبقيتها غدًا، فواحدة) أي: فتطلق واحدة فقط في الأصح؛ كما لو قال: أنت طالق بعض طلقة وبقية الطلقة.
ولأنه لم يبق من الطلقة بقية تقع غدًا؛ لأن من طلق بعض طلقة وقعت كاملة.
(و) إن قال: (أنت طالق إلى شهر، أو) أنت طالق إلى (حول، أو)
أنت طالق (الشهر، أو) أنت طالق (الحول، ونحوه)؛ كانت طالق الأسبوع أو إلى الأسبوع: (يقع) الطلاق (بمضيِّه)؛ لأنه قد روي نحو ذلك عن ابن عباس وأبي ذر.
ولأن هذا يحتمل أن يكون توقيتًا لإيقاعه؛ كقول الرجل: أنا خارج إلى سنة
أي: بعد سنة. وإذا احتمل الأمرين لم يقع الطلاق بالشك. وقد ترجح ما ذكرناه بكونه جعل الطلاق (^١) غاية ولا غاية لآخره وإنما الغاية لأوله.
(إلا أن ينوي وقوعه إذًا) يعني: في الحالة الراهنة: (فيقع) في الحال؛
(كـ) قوله: أنت طالق (بُعْدِ مكة أو إليها) أي: إلى مكة، (ولم ينو بلوغها) فإنه يقع في الحال.
(و) إن قال لها: (أنت طالق في أول الشهر، فـ) أنها تطلق (بدخوله).
ويدخل بغروب شمس آخر يوم من الذي قبله.
_________________
(١) فى أ: للطلاق.
[ ٩ / ٤٢١ ]
(و) إن قال: أنت طالق (في آخره) أي: آخر الشهر، (فـ) إنها تطلق
(في آخر جزء منه) أي: عند غروب شمس آخر يوم من الشهر في الأصح. وقيل: يقع بطلوع فجر آخر يوم منه. فيحرم أن يطأها في تاسع عشرين؛ لاحتمال أن يكون هو آخر الشهر فيتبين أنها طلقت من أوله. ذكره في " المذهب ". قال في " الفروع ": ويتوجه تخريج. انتهى.
(و) أنت طالق (في أول آخره) أي: آخر الشهر، (فـ) ـإنه يقع (بفجر
آخر يوم منه) أي: من الشهر؛ لأنه آخره.
(و) إن قال: أنت طالق (في آخر أوله، فـ) ـإنه يقع (بفجر أول يوم منه)
أي: من الشهر في الأصح.
وقيل: بغروب شمس أول يوم منه.
وقيل: بغروب شمس (^١) اليوم الخامس عشر منه.
(و) من قال لزوجته: (إذا مضى يوم فأنت طالق، فإن كان) تلفظه بذلك (نهارًا وقع: إن عاد النهار إلى مثل وقته) الذي تلفظ فيه من أمس ذلك النهار، (وإن كان) تلفظه بذلك (ليلا: فـ) إنها تطلق (بغروب شمس الغد) أي: غد تلك الليلة.
(و) إن قال لها: (إذا مضت سنة) فأنت طالق، (فـ) إنها تطلق (بمضي
اثني عشر شهرًا)؛ لقوله ﷾: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] يعني: شهور السنة، وتكون (بالأهلة) على الأصح.
(و) متى كاد حلفه في أثناء شهر فإنه (يكمل ما حلف في أثنائه، بالعدد) ثلاثين يوما؛ لأن الشهر اسم لما بين هلالين فإن (^٢) تفرَّق كان ثلاثين يومًا.
وعنه: تعتبر الشهور كلها بالعدد.
_________________
(١) في الأصول زيادة: منه. وهي زيادة غير مناسبة.
(٢) في ب: فإذا.
[ ٩ / ٤٢٢ ]
والأول أصح.
ووجهه: أنه أمكن استيفاء أحد عشر شهرًا بالأهلة. فوجب الاعتبار بها؛ كما لو كانت يمينه في أول شهر. وذلك؛ لقوله ﷾: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩].
فلو قال: أردت بقولي: سنة، إذا انسلخ ذو الحجة قُبل؛ لأنه مقر على نفسه بما هو أغلظ.
(و) إن كان قال: (إذا مضت السنة، فـ) إنها تطلق (بانسلاخ ذي الحجة) من تلك السنة التي علق فيها؛ لأنه لما عرفها بلام التعريف رجع في ذلك إلى السنة المعروفة التي آخرها ذو الحجة (^١) .
(و) إن قال لها: (إذا مضى شهر) فأنت طالق، فـ) إنها تطلق (بمضي ثلاثين يومًا.
و) إن قال: أنت طالق (إذا مضى الشهر، فـ) إنها تطلق (بانسلاخه.
و) إن قال: (أنت طالق كلَّ يوم طلقة، وكان تلفظه) بذلك (نهارًا. وقع إذا) أي: في الحال (طلقة، و) وقعت الطلقة (الثانية بفجر اليوم الثانى، وكذا) تقع الطلقة (الثالثة) بفجر اليوم الثالث.
(وإن قال) لها: أنت طالق (في مجيء ثلاثة أيام، فـ) إنها تطلق (في أول) اليوم (الثالث)؛ لأنه مجيئها.
(و) إن قال: (أنت طالق في كل سنة طلقة)، فإنه (تقع) الطلقة (الأولى في الحال)؛ لأن كل أجل ثبت بمطلق العقد ثبت عقيبه.
ولأنه جعل السنة ظرفًا للطلاق فتقع في أول جزء فيها.
(و) تقع الطلقة (الثانية في أول المحرم) أي: أول محرم يجيء، (وكذا) تقع الطلقة (الثالثة) يعني: في المحرم الذي يأتي بعد ذلك.
_________________
(١) في ب: ذي الحجة.
[ ٩ / ٤٢٣ ]
ومحل وقوع الطلقة الثانية والثالثة: (إن كانت في عِصْمته)؛ ليصادف
الطلاق محلًا للوقوع.
(ولو بانت) بالطلقة الأولى (حتى مضت) السنة (الثالثة) ولم ينكحها في
السنة الثانية والثالثة (ثم تزوجها) بعدهما: (لم يقعا) أي: الطلقة الثانية والثالثة.
(ولو نكحها) أي: نكح من قال لها ما ذكر (في) السنة (الثانية، أو) في
السنة (الثالثة: طلقت عقبه) أي: عقب نكاحها؛ لأنه جزء من السنة التى. جعلها ظرفًا للطلاق ومحلًا له، وكان سبيله أن يقع في أولها. فمنع منه؛ كونها غير محل للطلاق؛ لعدم نكاحه حينئذ فإذا عادت الزوجية (^١) وقع في أولها.
(وإن قال فيها) أي: في هذه الصورة (وفي) ما إذا قال: (إذا مضت
السنة) فأنت طالق (أردت بالسنة اثني عشر شهرًا، دين)؛ لأنها سنة حقيقية (^٢)، (وقُبل) منه (حُكمًا) أي: في الحكم؛ لأن لفظه يحتمل ذلك.
(وإن قال: أردت كون ابتداء السنين المحرَّم، دُيِّنَ)؛ لأنه أدرى بقصده
فيما بينه وبين الله ﷾، (ولم يُقبل حُكمًا)؛ لأنه خلاف الظاهر. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في ب: فإن عادت الزوجة.
(٢) في ب: حقيقة.
[ ٩ / ٤٢٤ ]
[باب: تعليق الطلاق بالشروط]
هذا (باب تعليق الطلاق بالشروط) جمع شرط.
(وهو) أي: وتعليق الطلاق ونحوه مما يجوز تعليقه على (ترتيب شيء
غير حاصل)؛ كالطلاق والعتق والنذر (على شيء حاصل)؛ كإن كنت دخلت الدار فأنت طالق، (أو) على شيء (غير حاصل)؛ كإن دخلت الدار فأنت طالق، (بـ) حرف (إن، أو إحدى أخواتها) من أدوات الشرط. وسيأتى تعدادها في المتن.
(ويصح) التعليق (مع تقدم شرط) بصريح طلاق؛ كإن دخلت الدار فأنت طالق، وبكناية الطلاق مع قصده؛ كإن دخلت الدار فأنت خلية. وينوي بلفظة: خلية الطلاق.
(و) يصح التعليق أيضًا مع (تأخُره) أي: تأخر الشرط (بصريح)؛ كقوله: أنت طالق إن دخلت الدار، (وبكناية مع قصد)؛ كقوله: أنت خلية إن دخلت الدار.
(ولا يضرُ) أي: ولا يقطع التعليق (فصلٌ بين شرط و) بين (حكمه، بكلام منتظم؛ كأنت طالق يا زانية إن قمت)، أو إن قمت يا زانية فأنت طالق. (ويقطعُه) أي: يقطع التعليق (سكوته) بين شرط وحكمه سكوتًا يمكنه فيه الكلام.
(و) يقطعه أيضًا (تسبيحه) أي: تسبيح المعلق بين شرط وحكمه، (ونحوه) أي: ونحو التسبيح مما لا يكون الكلام معه منتظمًا. ومتى انقطع صار الطلاق منجزًا.
(و) من قال لزوجته: (أنت طالق مريضة رفعًا ونصبًا) أي: برفع مريضة
[ ٩ / ٤٢٥ ]
وبنصبها (^١): (يقع) الطلاق عليه (بمرضها)، لوصفها بالمرض حين الوقوع. أشبه الشرط، فكأنه قال: أنت طالق إذا مرضت.
(و" مَن " و" أيٌ ") بالتنوين (المضافة إلى الشخص، يقتضيان عموم ضميرهما)، سواء كان (فاعلًا) " كقوله: من دخل داري، أو أي رجل دخل داري فأكرمه، فإنه يعم كل داخل، (أو) كان (مفعولًا)؛ كقوله: من لقيت من الناس فأعطه درهمًا، أو أي رجل لقيته فأعطه درهمًا، فإنه يعم كل من يلقاه. كما تقتضي " أي " المضافة إلى الوقت عموم ضميرها. فمن قال لامرأته: أي وقت دخلت الدار فأنت طالق، عم كل الأوقات.
(ولا يصحُ) التعليق (إلا من زوج) يصح تنجيز الطلاق منه حين التعليق.
(فـ) من قال: (إن تزوجت) امرأة فهي طالق، (أو عَيَّن ولو عتيقَته) فقال: إن تزوجت فلانة، أو تزوجت عتيقتي فلانة (فهى طالق: لم يقع) الطلاق (بِتزَوُجِها) على الأصح. وهو قول أكثر أهل العلم. روي ذلك عن ابن عباس وسعيد بن المسيب. وبه قال عطاء والحسن وعروة والشافعي وأبو ثور وابن المنذر.
ورواه الترمذي عن علي رضي الله تعالى عنه وجابر بن عبد الله وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين وشريح (^٢) .
ويدل لذلك قوله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]. فدل على أن الطلاق لا يكون إلا بعد النكاح.
وما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ: " لانذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق فيما لا يملك، ولا طلاق فيما لا يملك " (^٣) . رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال:
_________________
(١) في أ: أو بنصبها.
(٢) ر. " جامع الترمذي " ٣: ٤٨٦.
(٣) أخرجه أبو داود في " سننه " (٠ ٢١٩) ٢: ٢٥٨ أبواب الطلاق، باب في الطلاق قبل النكاح. وأخرجه الترمذي في " جامعه ") ١٨١ ١) ٣: ٤٨٦ كتاب الطلاق، باب ما جاء لا طلاق قبل النكاح. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٦٧٨١) ٢: ٠ ٩ ١.
[ ٩ / ٤٢٦ ]
حديث حسن. وهو أحسن شيء روي في هذا الباب.
ولابن ماجه منه: " لا طلاق فيما لا يملك " (^١) .
وعن المسور بن مخرمة أن النبي ﷺ قال: " لا طلاق قبل نكاح، ولا عتق
قبل ملك " (^٢) . رواه ابن ماجه.
ولأنه لو نجز الطلاق في هذا الحال لم يقع فكذلك تعليقه " لأن كل من لا يقع
طلاقه بالمباشرة لم تنعقد له صفة الطلاق، كالصبي والمجنون، وعكسه الزوج.
ولأنه تعليق للطلاق قبل ملك النكاح فلم يقع.
(و) لهذا (إن قال) لامرأة: (إن قمت فأنت طالق، وهي) أي: المقول
لها ذلك (أجنبية فتزوّجها، ثم قامت) وهي زوجة: (لم يقع) عليه طلاق.
قال في " شرح المقنع ": بغير خلاف نعلمه. انتهى.
وذلك (كحلفه) بالطلاق: (لا فعلت كذا، فلم تبق له زوجة) يعني: بأن
بانت منه تلك الزوجة أو ماتت، (ثم تزوَّجَ أخرى وفعل) ما حلف لا يفعله فإنه لايقع.
(ويقع ما علق زوج) من طلاق (بوجود شرط) علق عليه، (لا قبله)،
لأن الطلاق إزالة ملك بني على التغليب والسراية (^٣) . أشبه العتق.
(ولو قال) الزوج: (عجَّلتُه) أي: عجلت ما علقته لم يتعجل، لأن
الطلاق تعلق بالشرط فلم يكن له تغييره. فإن أراد تعجيل طلاق سوى الطلاق المعلق وقع، فإذا جاء الزمن الذي علق الطلاق به وهي زوجته وقع أيضًا.
(وإن قال) الزوج المعلق: (سبق لسانى بالشرط ولم أُرِدْه، وقع) الطلاق
(إذًا) أي: في الحال؛ لأنه أقر على نفسه بما هو أغلظ من غير تهمة، وهو يملك إيقاعه في الحال فلزمه.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٤٧ ٢٠) ١: ٦٦٠ كتاب الطلاق، باب لا طلاق قبل النكاح.
(٢) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢٠٤٨) الموضع السابق.
(٣) في ب: أو السراية.
[ ٩ / ٤٢٧ ]
[فصل: في أدوات الشرط]
(فصل. وأدوات الشرط) يعني: والألفاظ التي يؤدى بها معنى الشرط، (المستعملة غالبًا في طلاق وعتاق: ست) وهي:
(إن) بكسر الهمزة وسكون النون، (وإذا، ومتى، ومَن) بفتح الميم وسكون النون، (وأَيّ) بفتح الهمزة وتشديد الياء، (وكلَّما.
وهي) أي: وكلما (وحدها) أي: دون " متى " في الأصح: (للتكرار).
وإنما قيل غالبًا لأن هناك حروفًا تستعمل في الشرط أيضًا، لكن لا غالبًا
مثل: مهما وحيثما وأمثالهما. وإنما كانت كلما للتكرار؛ لأنها تعم الأوقات فهي بمعنى كل وقت. فإذا قلت: كلما قمتِ قمتُ فهي) (^١) بمعنى كل وقت تقوم فيه أقوم فيه، فلذلك وجب فيها التكرار. وإنما لم يجب في " متى " في الأصح، لأنها اسم زمان بمعنى: أي وقت، وبمعنى إذا فلا تقتضي ما لا يقتضيانه. وكونها تستعمل للتكرار في بعض الأحيان لا يمنع استعمالها في غيره مثل: إذا، وأي وقت، فإنهما يستعملان في الأمرين.
قال الله ﷾ (^٢): ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤].
﴿وَإِذَا جَاءكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٨].
﴿وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُواْ لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا﴾ [الأعراف: ٢٠٣].
وقال الشاعر:
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافات ووحدانا
_________________
(١) في أ: فهو.
(٢) في ب: قال ﷾.
[ ٩ / ٤٢٨ ]
وكذلك أى وقت وأي زمان، فإنهما يستعملان للتكرار. وسائر الحروف يجازى بها، إلا أنها لما كانت تستعمل للتكرار وغيره لا تحمل على التكرار إلا بدليل كذلك متى.
(وكلها) أي: كل أدوات الشرط الست، (ومهما) وحيثما (بلا " لم ") أي: بدون لم (أو نية فوْر، أو قرينته) أي: قرينة الفور (للترإخي. و) هي (مع " لم " للفور إلا " إن ") فإنها ولو كانت معها لم لا تكون للفور (مع عدم نية فور أو قرينته).
(فـ) من قال لزوجته: (إن) قمت، (أو إذا) قمت، (أو متى) قمت،
(أو مهما) قمت، (أو من) قامت منكن، (أو أيتكن قامت فطالق، وقع) الطلاق المعلق (بقيامٍ) أي: عقب القيام المعلق عليه الطلاق، وإن بعد القيام عن زمان الحلف.
(ولا يقع) الطلاق (بتكرُّره) أي: تكرر القيام (إلا مع " كلَّما ") " لأن معناها التعليق على كل قيام.
(ولو قُمن) نسائه الأربع، (أو أقام الأربع في) قوله: (أيتكن) قامت
فهي طالق، (أو) في قوله: (من قامت) منكن فهي طالق، (أو) في قوله: من (أقمتها) منكن فهي طالق، (طلّقن) كلهن، لأنه علق الطلاق على إيقاع فعل القيام في قوله: من قامت منكن، وعلى إيقاع فعل الإقامة قي قوله: من أقمتها منكن على كل واحدة منهن. فإذا وجد الفعل المعلق عليه الطلاق في كلٍّ منهن طلقن كلهن.
وعلى قياس هذا في الطلاق العتق. فلو قال: أي عبيدي (^١) ضربك، أو من ضربك من عبيدي فهو حر، فضربوه كلهم عتقوا، لوجود ما علق عتق كل واحد منهم علية فيوجد المعلق لذلك.
(ولو قال) لنسائه الأربع: (أيتكن لم أطأ اليوم فضرّاتها طوالق،
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ٩ / ٤٢٩ ]
ولم يطأ) في يومه واحدة منهن: (طلقن) كلهن (ثلاثًا ثلاثًا).
بيان ذلك: أنه إذا لم يطأ واحدة فقد وجد التعليق فيها فتطلق كل واحدة من ضراتها طلقة ولا تطلق هي، وكذلك إذا لم يطأ ثانية فإنما تطلق كل واحدة من ضرائرها (^١) طلقة، ولا تطلق هي، فبترك الوطء في أولى تطلق الثانية والثالثة والرابعة طلقة طلقة، لأنهن ضرائراها، وبتركه في ثانية تطلق الأولى والثالثة والرابعة طلقتين طلقتين، وفي الأولى والثانية طلقة طلقة. وإذا لم يطأ ثالثة طلقت الأولى والثانية والرابعة طلقة طلقة فيتكمل الطلاق في الأولى والثانية طلقتين طلقتين، وفي الرابعة ثلاثًا وبترك الوطء في رابعة طلقت كل واحدة من ضراتها طلقة، فيكمل الطلاق في كل واحدة من الأولى والثانية والثالثة ثلاثًا، لأنه كان قد وقع بكل واحدة قبل هذا طلقتان.
(فإن وطئ واحدة) منهن ثم لم يطأ في يومه غيرها: (فـ) ـإنه يقع عليها (ثلاث بعدم وطء ضراتها، و) يطلقن (هن) أي: ضراتها (ثنتين ثنتين.
وإن وطئ ثنتين) منهن ثم لم يطأ في يومه غيرها: (فـ) ـإنه يقع بالموطوءتين (ثنتان ثنتان) بعدم وطء ضرتيهما، (وهما) أي: ويقع باللتين لم يطأهما (واحدة واحدة.
وإن وطئ ثلاثًا) منهن ثم لم يطًا في يومه غيرهن: (وقع بالموطوءات فقط واحدة واحدة) بعدم وطء ضرتهن، ولم يقع بالتي لم توطأ شيء؛ لوطء ضراتها كلهن. وإن وطئ الأربع لم تطلق واحدة منهن، لعدم المقتضي وهو وجود الصفة (^٢) .
(وإن أطلق) بأن قال: أيتكن لم أطأ اليوم ولا بعده، أو أيتكن لم أطأها ابدًا فضراتها طوالق: (تقيد بالعمر) فيطلقن كلهن ثلاثًا إذا مات ولم يطأ واحدة منهن. قال في " الرعاية ": وإن أطلق وقت الوطء ولا نية له فطول عمره. انتهى.
_________________
(١) في ب: ضراتها.
(٢) في ب: للصفة.
[ ٩ / ٤٣٠ ]
(ولو قال) زوج لزوجته أو غيرها: (كلَّما أكلت رمانة) أو قال: تفاحة،
أو قال: ما يشبههما (فأنت طالق، وكلما أكلت نصف رمانة)، أو قال: نصف تفاحة، أو قال: نصف ما علق الطلاق على أكل كله بكلما (فأنت طالق، فأكلت رمانة)، أو تفاحة كاملة أو ما علق الطلاق على أكل كله ونصفه بـ " كلما ": (فثلاث) أي: فإنه يقع بها الطلاق الثلاث، لوجود صفة النصف مرتين والجميع مرة فيطلق بكل نصف طلقة وبالكامل طلقة.
(ولو كان بدل " كلَّما " أداة غيرها) أي: غير " كلما "، كما لو قال: إن
أكلت رمانة فأنت طالق، وإن أكلت نصف رمانة فأنت طالق، أو قال: متى أكلت رمانة فأنت طالق، ومتى أكلت نصف رمانة فأنت طالق، أو نحو ذلك فأكلت رمانة: (فثنتان) يعني: فإنها تطلق طلقتين فقط بصفة النصف مرة وبصفة الكامل مرة، ولا تطلق بالنصف الآخر، لأنها لا تقتضي التكرار.
(وإن علقه) أي: علق الزوج الطلاق (على صفات، فاجتمعن) أي: الصفات (في عين) واحدة، (كـ) قوله: (إن رأيتِ رجلًا فأنت طالق، وإن رأيتِ أسود فأنت طالق، وإن رأيت فقيها فأنت طالق، فرأت رجلًا أسود فقيها: طلقت ثلاثًا)، لأن الطلاق معلق على كل واحدة من هذه الصفات. فإذا وجد. وقع به الطلاق، كما لو وجدت في ثلاثة أعيان، لأنها تطلق طلقة، لكونها رأت رجلًا، وطلقة لكونها رأت أسود، وطلقة لكونها رأت فقيها، كما لو رأت ثلاثة رجال أحدهم (^١) فقيه، والآخر أسود، والثالث فقيه.
(و) من قال لزوجته: (إن لم أطلقك) فأنت طالق، (أو) قال لها: إن
لم أطلقك (فضرتك طالق، فمات أحدهما) في صورة ما إذا قال: إن لم أطلقك فأنت طالق، (أو) مات (أحدهم) في صورة ما إذا قال: إن لم أطلقك فضرتك طالق: (وقع) الطلاق: (إذا بقي من حيًا ة الميت ما لا يتسع لإيقاعه)، لأنه علق الطلاق على ترك الطلاق فإذا مات الزوج فقد وجد الترك منه، وإن ماتت هي
_________________
(١) في أ: أحدهما.
[ ٩ / ٤٣١ ]
فكذلك؛ لأن طلاقها فات بموتها. وكذا تطلق الضرة فيما إذا قال: فضرتك طالق بموت أحدهم؛ لأنه إن كان هو الميت فقد فات الطلاق الذي تنحل به يمينه وهو طلاق المحلوف عليها، وإنما كان وقوعه إذا بقي من حيًا ة الميت ما لا يتسع لإيقاعه؛ لأن ما علق بحرف " إن " على التراخي فكان له تأخيره ما دام وقت الإمكان باقيًا. فإذا ضاف على الفعل تعين فإذا نقص الزمان عنه فات؛ لعدم إمكان الفعل فيما بقي.
(ولا يرث) الزوج زوجة (بائنًا) أي: بانت منه بالطلاق المعلق؛ كما لو أبانها عند موتها، (وترثه) أي: ترث الزوجة الزوج إن كان هو الميت؛ كما لو أبانها عند موته.
قال أحمد في رواية أبي طالب. إذا قال الزوج لزوجته: أنت طالق ثلاثًا إن
لم أتزوج عليك ومات ولم يتزوج عليها ورثته وإن (^١) ماتت لم يرثها. وذلك؛ لأنها تطلق في آخر حياته. فأشبه طلاقه لها في تلك الحال.
(وإن نوى) بقوله: إن لم أطلقك فأنت طالق ونحوه (وقتًا) معينًا تعلق
به، (أو قامت قرينة بفور: تعلق به). فلو لم يطلقها حتى مضى الوقت المعين في الصورة الأولى أو مضى زمن يمكن إيقاع الطلاق فيه في الصورة الثانية وقع الطلاق المعلق.
أما من حلف ليفعلن شيئًا ولم يعين له وقتًا بلفظه ولا نيته كان على التراخي؛ لأن (^٢) لفظه مطلق بالنسبة إلى الزمان كله فلا يتقيد بوقت دون وقت.
وقال الله ﷾ في الساعة: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [سبًا ٣٠].
وقال ﷾: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧].
وكذلك روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه في نوبة الحديبية قال: " قلت
_________________
(١) في ب: فإن.
(٢) في أ: لأنه.
[ ٩ / ٤٣٢ ]
للنبي ﷺ: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؛ قال: بلى. فأخبرتك أنك آتيه العام؛ قلت: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به (^١) .
قال في " شرح المقنع ": وهذا لا خلاف فيه نعلمه.
(و) من قال لزوجته: (متى لم) أطلقك، (أو إذا لم) أطلقك، (أو أيَّ وقت لم أطلِّقك فأنت طالق، أو) قال لزوجاته: (أيتكن لم) أطلِّقها، (أو من لم أطلِّقها فهى طالق، فمضى زمن يمكن إيقاعه) أي: إيقاع " الطلاق (فيه، ولم يفعل) يعني: ولم يطلقها: (طلقت) في الأصح.
(و) من قال لزوجته: (كلَّما لم أطلقك فأنت طالق، فمضى ما) أي:
زمن (يمكن إيقاع ثلاث) أي: ثلاث طلقات (مرتَّبة) أي: واحدة بعد واحدة (فيه) أي: في الزمن الذي مضى، (ولم يطلقها) فيه (طلقت ثلاثًا)، لأن " كلما " تقتضي التكرار.
قال الله ﷾: ﴿كُلَّ مَا جَاء أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ [المؤمنون: ٤٤] فيقتضي تكرار الطلاق تكرار (^٢) الصفة
والصفة عدم طلاقه، فإذا مضى زمن يمكن فيه أن يطلقها ولم يفعل فقد وجدت الصفة، فيقع واحدة وثانية وثالثة.
ومحل ذلك: (إن) كان (دخل بها.
وإلا) أي: وإن لم يكن دخل بها: (بانت بـ) ـالطلقة (الأولى) ولم يلزمها ما بعدها، لأن إلبائن لا يقع عليها طلاق (^٣) .
***
_________________
(١) أخرجه البخاري في " صحيحه " (٥٨١ ٢) ٢: ٩٧٩ كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط.
(٢) في أ: تكرر.
(٣) في ب: الطلاق.
[ ٩ / ٤٣٣ ]
[فصل: في تعليق الطلاق بلفظ: " إن "]
(فصل. وإن قال عامي) أي: غير نحوي لزوجته: (أن قمتِ بفتح الهمزة) أي: همزة أن (فأنت طالق، فشرطٌ) في الأصح (كنيته) أي: كما لو قاله نحوي ونوى الشرط؛ لأن العامي لا يريد بذلك إلا. الشرط ولا يعرف أن مقتضاها التعليل فلا يريده ولا يثبت له حكم ما لا يعرفه ولا يريده؛ كما لو نطق بكلمة الطلاق أعجمي لا يعرف معناها، وإن كان نحويًا وقع طلاقه في الحال؛ لأن أن المفتوحة في اللغة إنما هي للتعليل فمعناه: أنت طالق لأنك قمت أو لقيامك.
قال الله ﷾: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات: ١٧].
وقال ﷾: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ [مريم].
وقال ﷾ ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ [الممتحنة: ١].
وقيل: إن حكم النحوي حكم العامي في أنه: لا يقع طلاقه بذلك إلا أن ينويه. وقيل: تطلق في الحال في حقهما جميعًا.
(وإن قاله) أي: قال: أن قمت فأنت طالق بفتح الهمزة (عارف بمقتضاه)
من أن معنى " أن " للتعليل، (أو قال) إنسان لزوجته: (أنت طالق إذ قمت، أو) أنت طالق (وإن قمت، أو) أنت طالق (ولو قمت: طلقت في الحال)؛ لأن الواو ليست جوابًا للشرط.
(وكذا) تطلق في الحال إذا قال: (إن) قمت وأنت طالق، (أو) قال:
(لو قمت وأنت طالق. فإن قال) فيما تقدم: (أردت) بقولي: وأنت طالق (الجزاء، أو) أردت (أن قيامها وطلاقها شرطان لشيء، ثم أمسكت دين) فيما
[ ٩ / ٤٣٤ ]
بينه وبين الله ﷾ وعلى الأصح، (وقبل) منه (حكمًا)، لأن ما قاله يحتمله لفظه وهو أعلم بمراده. وإن جعل لهذا جزاء فقال: إن دخلت الدار وأنت طالق فعبدي حر: صح ولم يعتق العبد حتى تدخل الدار وهي طالق " لأن الواو هنا للحال. لقول (^١) الله ﷾: ﴿لَا تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥].
ولو قال: إن دخلت الدار طالقًا فأنت طالق فدخلت وهي طالق طلقت أخرى
وإن دخلتها غير طالق لم تطلق؛ لأن هذا حال فجرى مجرى قوله: إن دخلت الدار راكبة.
(و) قوله: (أنت طالق لو قمت؛ كـ) قوله: أنت طالق (إن قمت) في الأصح فلا تطلق حتى تقوم.
وفي " الكافي ": وإن قال: أنت طالق لو دخلت طلقت؛ لأن لو تستعمل
بعد الإثبات لغير المنع؛ لقوله ﷾: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة: ٧٦].
وإن قال: أردت الشرط قبل، لأنه يحتمل. انتهى.
(وإن قال) لزوجته: (إن دخلت الدار فأنت طالق، وإن دخلت ضرتك،
فمتى دخلت الأولى: طلقت)، سواء دخلت الأخرى أو لا، (لا الأخرى) يعني: ولا تطلق الأخرى (بدخولها.
فإن قال: أردت جعل الثانى) أي: الدخول الثانى وهو دخول الضرة (شرطًا لطلاقها أيضًا) يعني: وإن دخلت ضرتك فأنت طالق أيضًا ودخلت الأخرى: (طلقت) الأولى (ثنتين)، طلقة بدخولها وطلقة بدخول ضرتها. (وإن قال: أردت أن دخول الثانية شرط لطلاقها) أي: طلاق الثانية، (فـ) الأمر (على ما أراد). فمن دخلت منهما طلقت طلقة.
(و) إن قال: (إن دخلت الدار وإن دخلت هذه فأنت طالق، لم تطلق إلا
_________________
(١) في ج: كقول.
[ ٩ / ٤٣٥ ]
بدخولهما) في الأصح؛ لأنه جعل دخولهما شرطًا للطلاق.
(و) إذا ألحق شرطًا بشرط، كما لو قال لزوجته: (إن قمتِ فقعدتِ)
فأنتِ طالق، (أو) إن قمت (ثم قعدت) فأنت طالق، (أو إن قمت متى قعدت) فأنت طالق، (أو إن قعدت إذا قمت، أو) إن قعدت (متى قمت) فأنت طالق، (أو إن قعدت إن قمت فأنت طالق: لم تطلق حتى تقوم ثم تقعد)، لأن لفظ ذلك يقتضي تعليق الطلاق على القيام معقبًا بالقعود.
(وإن عكس ذلك) بأن قال: إن قعدت فقمت، أو إن قعدت ثم قمت،
[أو إن قعدت متى قمت] (^١)، أو إن قمت إذا قعدت، أو إن قمت إن قعدت فأنت طالق: (لم تطلق حتى تقعد ثم تقوم)، لأنه جعل القعود شرطًا لتعليق الطلاق على القيام، والشرط لا بد أن يتقدم المشروط. فلهذا لا بد من تقدم القعود " ليوجد مشروطه وهو: تعليق القيام. فإذا وُجِد القيام بعد ذلك وقع الطلاق؛ لوجود شرطه وهو: القيام.
(و) لو قال: (أنت طالق إن قمتِ وقعدتِ، أو) أنتِ طالق (لا قمت وقعدت،
تطلق بوجودهما) أي: وجود القيام والقعود، (كيفما كان) أي: سواء تقدم القيام على القعود، أو تقدم القعود على القيام، لأن الواو لا تقتضي ترتيبًا. ولا تطلق بوجود أحدهما على الأصح؛ لأن الواو للجمع فلا تطلق قبل وجودهما.
(و) إن قال: (إن قمتِ أو قعدتِ فأنت طالق، أو) قال: (إن قمتِ وإن قعدتِ) فأنت طالق، (أو) قال: أنت طالق (لا قمت ولا قعدت، تطلُق بوجود أحدهما)، لأن " أو " لأحد الشرطين.
ولأن باقي الأمثلة تقتضي تعليق الجزاء على واحد من المذكورين.
(و) إن قال: (إن أعطيتُك إن وعدتُك إن سألتني فأنت طالق لم تطلُق حتى تسأله، ثم يَعِدَها، ثم يُعطيها).
وهذا المثال ونحوه من الأمثلة المتقدمة؛ كقوله: إن قمت إن قعدت ونحو
ذلك، كإن أكلت إن لبست، أو إن أكلت إذا لبست يسميه النحويون: اعتراض
_________________
(١) في أوب: أو إن قمت متى قعدت. وهو تصحيف.
[ ٩ / ٤٣٦ ]
الشرط على الشرط. فيقتضي تقديم المتأخر وتأخير المتقدم؛ لأنه جعل الثانى في اللفظ شرطًا للذي قبله، والشرط يتقدم المشروط.
قال الله ﷾: ﴿وَلَا يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤].
فكأنه قال: إن سألتني فوعدتك فأعطيتك (^١) فأنت طالق.
ولا فرق في ذلك بين كون الشرط بـ " إذا " أو بـ " إن " في الأصح. وهو
قول أبي حنيفة والشافعي.
(و) إن قال: (كلَّما أجنبتُ فإن اغتسلتُ من حمَّام فأنت طالق، فأجنب ثلاثًا) أي: ثلاث مرات، (واغتسل مرة فيه) أي: في الحمام: (فطلقة) أي: فإنه يقع عليه طلقة واحدة في الأصح.
(ويقع) الطلاق (ثلاثًا مع فعل لم يتردَّد مع كل جنابة؛ كموت زيد وقدومه). فلو قال: كلما أجنبت ومات زيد فأنت طالق فأجنب (^٢) ثلاث مرات ومات زيد طلقت ثلاثًا، وكذا إذا قال: كلَّما أجنبت وقدم زيد فأنت طالق.
(وإن أسقط) المعلق (الفاء من جزاء متأخر)؛ كقوله: إن دخلت الدار
أنت طالق (فكبقائها) أي: فكبقاء الفاء. فلا تطلق حتى تدخل؛ لأنه أتى بحرف الشرط فدل ذلك أنه أراد التعليق. وإنما حذف الفاء وهي مرادة كما يحذف المبتدأ تارة والخبر أخرى؛ لدلالة الكلام على المحذوف. ويجوز أن يكون حذف الفاء على التقديم والتأخير فكأنه قال: أنتِ طالق إن دخلت الدار فقدم الشرط، ومراده التأخير. ومهما أمكن حمل كلام العاقل على فائدة وتصحيحه عن الفساد وجب. فأما إن قال: أردت الإيقاع في الحال وقع؛ لأنه يقر على نفسه بما هو (^٣) أغلظ فيؤخذ (^٤) به.
_________________
(١) في ب: فأعطيتني.
(٢) في ب: فأجنبت.
(٣) ساقط من أ.
(٤) في ب: فيؤاخذ.
[ ٩ / ٤٣٧ ]
(فصل: في تعليقه بالحيض)
(إذا قال) لزوجته: (إذا حضتِ فأنت طالق)، فإن الطلاق (يقع بأوله) أي: أول الحيض: (إن تبين) كون الدم (حيضًا)، لأن الصفة وجدت ولذلك حكمنا بأنه حيض في المنع من الصلاة والصيام.
(وإلا) أي: وإن لم يتبين أنه حيض كما لو لم يتم لها تسع سنين، أو نقص
عن أقل الحيض: (لم يقع) عليه طلاق، لأن الصفة لم توجد.
(ويقع) الطلاق (في) ما إذا قال: (إذا حضت حيضة) فأنت طالق، (بانقطاعه من أول حيضة تستقبلها. ويدل لذلك قوله: (ولا يُعتدُّ بحيضة علَّق فيها).
ووجه ذلك: أنه علق الطلاق بالمرة الواحدة من الحيض بحرف " إذا " وهو اسم للزمان المستقبل، فيعتبر ابتداء الحيضة وانتهاؤها بعد التعليق. فإن كانت حائضًا حين التعليق لم تطلق حتى تطهر ثم تحيض حيضة مستقبلة وينقطع دمها. ولأنه إذا انقطع دمها فقد انتهت الحيضة فيقع بها الطلاق حينئذ. وهذا هو الأصح. وقيل: لا تطلق حتى تغتسل من الحيض المستقبلة.
(و) إن قال لها: (كلما حضت) فأنت طالق، (أو زاد حيضة) بأن قال لها: كلما حضت حيضة فأنت طالق فإنها تطلق طلقة بشروعها في حيضة مستقبلة، وكذا تطلق الثانية والثالثة، فـ (تفرغ عدتها بآخر حيضة رابعة).
وفي " الفر وع ": بأول حيضة رابعة.
قال ابن نصر الله: وقوله: بأول حيضة رابعة غير ظاهر الآية، إلا على القول
بأن القروء الأطهار (^١) .
_________________
(١) في أوج: والأطهار. ولعل الصواب ما أثبتناه.
[ ٩ / ٤٣٨ ]
وقال في " الرعاية ": فحاضت ثلاث حيضات طلقت ثلاثًا فإذا حاضت أخرى فرغت عدتها، وإنما كان كذلك لأن الرجعية إذا طلقت بنت على عدة الطلاق الأول رواية واحدة. انتهى.
(وطلاقُه) أي: طلاق من قال لزوجته: كلما حضت فأنت طالق (في) حيضة (ثانية غير بِدْعِي).
قال في " الفروع ": وطلاقه في الثانية مباح. انتهى.
وذلك؛ لأنه لا أثر له في تطويل العدة.
(و) من قال لزوجته: (إذا حضت نصف حيضة فأنت طالق، فـ) -إنه (إذا مضت حيضة مستقرَّة تبيَّنا وقوعه لنصفها) على الأصح، لأنه علقه بنصف الحيضة والنصف لا يعرف إلا بوجود الجميع، لأن أيام الحيض قد تطول وقد تقصر فإذا حاضت ثم طهرت تبينا مدة الحيضة فحكمنا بوقوع الطلاق في نصفها. فأما قبل انقضاء الحيضة وقبل تبين نصف مدتها فإنا نحكم بوقوع الطلاق ظاهرًا بمضي نصف عادتها في الأصح، لأن الظاهر أن حيضها على السواء.
ولأن الأحكام تتعلق بالعادة فيتعلق بها وقوع الطلاق.
(ومتى ادعت حيضًا) من علق طلاقها على حيضها (وأنكر) زوجها حيضها: (فقولها) يعني: فإنه يقبل قولها في ذلك على الزوج، وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي من غير يمين على الأصح؛ لأنها أمينة على نفسها، وذلك لقول الله ﷾: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قيل: هو الحيض والحمل. ولولا أن قولها فيه مقبول لما حرم عليها كتمانه، إذ لا فائدة فيه مع عدم القبول.
ومثل ذلك: قوله ﷾: ﴿وَلَا تَكْتُمُواْ الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣]
لما حرم كتمانها دل على قبولها. كذا هاهنا.
ولأنه معنى فيها لا يعرف إلا من جهتها. فوجب الرجوع إلى قولها فيه.
(كـ) قول زوجها لها: (إن أضمرتِ بُغضي فأنت طالق، وادَّعته) أي:
[ ٩ / ٤٣٩ ]
وادعت إضمارها بغضه وأنكرها فإنها تطلق، لأنه لا يعرف علم ذلك إلا من جهتها. فوجب الرجوع إلى قولها فيه.
و(لا) يقبل قولها عليه (في ولادةٍ) علق طلاقها عليها، لأن ذلك قد يعرف
من غير جهتها.
ومحل ذلك: (إن لم يُقرَّ بالحمل)، لأن إقراره بالحمل يرجح قولها.
و(لا) يقبل قولها عليه (في قيام، ونحوه)، كدخول الدار، وكلام زيد، وأكل شيء علق طلاقها على وجوده في وقت معين أو مطلقًا؛ لإمكان حصول علم ذلك من غير جهتها.
(ولو أقرَّ) الزوج (به) أي: بوجود ما علق عليه الطلاق: (طلقت، ولو أنكرته) الزوجة؛ لأنه أقر بما يوجب طلاقها فطلقت. أشبه ما لو قال: قد طلقتها.
(و) من قال لزوجته: (إذا طُهرتِ فأنت طالق وهي حائض) حين قوله لها ذلك: (فـ) -إنها تطلق (إذا تقطع الدم) أي: دم حيضها على الأصح. نص عليه أحمد في رواية إبراهيم الحربي؛ لقول الله ﷾ ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي ينقطع مدهن ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾] البقرة: ٢٢٢ [أي: اغتسلن.
ولأنه قد ثبت لها أحكام الطاهرات في وجوب الصلاة وصحة الطهارة وصحة الصيام.
ولأنها ليست حائضًا. فوجب أن تكون طاهرًا؛ لأنهما ضدان على التغيير. فيلزم من انتفاء أحدهما وجود الآخر.
(وإلا) أي: وإن لم تكن حائضًا حين قوله: إذا طهرت فأنت طالق: (فـ) -إنها تطلق (إذا طهرت) أي: انقطع دمها (من) حيضة (مستقبَلة)؛ لأن إذا اسم لزمن مستقبل يقتضي فعلًا مستقبلًا، وهذا الطهر والحيض مستدام غير متجدد، ولا يفهم من إطلاق حاضت المرأة وطهرت إلا ابتداء ذلك فتعلقت الصفة به.
[ ٩ / ٤٤٠ ]
(و) من قال لزوجته: (إن حضتِ فأنت وضرَتُكِ طالقتان، فقالت: حضت وكذَّبها: طلَقت وحدها) أي: دون ضرتها؛ لأن قولها مقبول على نفسها. وأما الضرة فلا تُطلَّق إلا أن تقيم بينة على حيض المقول لها ذلك. وإن أقر بحيض المقول لها ذلك طلقتا بإقراره وكذا لو كذبتاه (^١) .
(و) من قال لزوجته: (إن حضتما فأنتما طالقتان، وأدَّعتاه) أي: ادعت
كل واحدة منهما أنها حاضت، (فصدَّقهما: طلقتا)؛ لأنه بتصديقه مقر بوقوع الطلاق عليه.
(وإن أكذبهما: لم تطلقا) أي: لم تطلق واحدة منهما؛ لأن طلاق كل واحدة منهما متعلق بشرطها وهما حيضها وحيض ضرتها، وإقرار كل واحدة منهما على ضرتها غير مقبول فلا تطلق بقولها.
(وإن أكذب إحداهما: طلقت وحدها)، لأن قولها مقبول في حقها [وقد صدق الزوج ضرتها فوجد الشرطان في حقهما. ولم تطلق المصدقة؛ لأن قول ضرتها غير مقبول في حقها] (^٢) ولم يصدقها الزوج. فلم يوجد شرط (^٣) طلاقها. (وإن قاله لأربع) أي: قال الزوج لنسائه الأربع: إن حضتن فأنتن طوالق، (فادَّعينه) أي: ادعى الأربع أنهن حضن، (وصدَّقهن: طلِّقن) جميعهن؛ لأنه قد علق طلاق كل واحدة على حيض الأربع. فإذا صدقهن طلقن كلهن؛ لأنه قد وجد حيضهن بتصديقه (^٤) .
(وإن صدَّق ثلاثًا) منهن: (طلقت المكذَّبة) وحدها؛ لأن قولها مقبول في حيضها وقد صدق الزوج صواحبها فوجد حيض الأربع في حقها فطلقت. وإنما لم تطلق المصدقات، لأن قول المكذَّبة غير مقبول في حقهن.
(وإن صدَّق دون ثلاث: لم يقع شيء) من الطلاق. يعني: أنه متى صدق
_________________
(١) في أ: ولو أكذبتاه.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: فلو يوجد شرطًا.
(٤) في ج: بتصديقهن.
[ ٩ / ٤٤١ ]
واحدة أو اثنتين فقط لم تطلق واحدة منهن، لأنه لم يوجد شرط الطلاق " لكون قول كل واحدة منهن لم يعمل به إلا في حق نفسها.
(وإن قال) لنسائه الأربع: (كلما حاضت إحداكن) فضراتها طوالق، (أو) قال لنسائه الأربع: (أيتُكن حاضت فضرَّاتها طوالق، فادَّعينه) أي: ادعت كل واحدة منهن أنها حاضت، (وصدقهن: طلقن كاملًا) أي: ثلاثًا ثلاثًا " لأنه مقر بحيض كل واحدة. فيقع بكل واحدة تحيض كل واحدة من ضرائرها الثلاث طلقة، فيطلقن ثلاثًا ثلاثًا.
(وإن صدق واحدة) [من الأربع وكذب تلاثًا] (^١): (لم تطلق)، لأنه
لا يقبل قول ضرائرها عليها، (وطلق ضراتها طلقة طلقة)، لأن لهن صاحبة ثبت حيضها بإقراره. بخلاف المصدقة، لأنها ليس لها من صواحبها من ثبت حيضها.
(وإن صدَّق ثنتين: طلّقتا طلقة طلقة)، لأن لكل واحدة منهما ضرة مصدقة، (و) طلقت (المكذبتان ثنتين ثنتين)، لأن لكل واحدة منهن ضرتين مصدقتين.
(وإن صدق) من الأربع (ثلاثًا: طلقن ثنتين ثنتين)، لأن لكل واحدة منهن ضرتين مصدقتين، (و) طلقت (المكذبة ثلاثًا)، لأن لها ثلاث ضرائر مصدقات.
(و) من قال لزوجتيه: (إن حضتما حيضة) فأنتما طالقتان، (طلقتا بشروعهما في حيضتين) في الأصح، الأشهر من الأربعة أوجه (^٢) .
قال في " الإنصاف ": قاله القاضي أبو يعلى وغيره.
قال في " الفروع ": والأشهر تطلق بشروعهما. وأطلقهن في " القواعد
الأصولية ". انتهى.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في أ: الأوجه.
[ ٩ / ٤٤٢ ]
ووجه ذلك: أن وجود الحيضة الواحدة منهما محال فيلغو قوله: حيضة، ويصير كقوله: إن حضتما فأنتما طالقتان.
ومن قال لزوجتيه: إن حضتما فأنتما طالقتان طلقتا بشروعهما في حيضتين. والوجه الثاني: لا يطلقان إلا بحيضة من كل واحدة؛ لأن الحيضة الواحدة منهما لا تمكن فيكون كأنه قال: إن حضتما كل واحدة حيضة فأنتما طالقتان.
والوجه الثالث: تطلقان بحيضة من إحداهما؛ لأن الشيء يضاف إلى جماعة وقد فعله واحد منهم، فيقال: قتل الجيش فلانًا وقد قتله أحدهم.
وقال ﷾: (يخرج مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) [الرحمن: ٢٢] وإنما
يخرج من أحدهما. فلما كان هذا الفعل لا يمكن اشتراكهما فيه؛ لأنه واحد كان وجوده من إحداهما وجودًا منهما؛ لأن الاشتراك في الحيضة الواحدة غير مراد؛ لاستحالته، فتوجد الصفة بوجودها من إحداهما فيطلقان.
والوجه الرابع: لا تنعقد الصفة فلا تطلق واحدة منهما بوجود حيض منهما؛
لأنه تعليق بالمستحيل. فلا يقع؛ كقوله: أنتما طالقتان إن صعدتما السماء. قال في " الإنصاف ": هذه المسألة مبنية على قاعدة أصولية وهي: ما إذا لم ينتظم الكلام إلا بارتكاب مجاز: إما بارتكاب مجاز الزيادة، أو بارتكاب مجاز النقصان. فارتكاب مجاز النقصان أولى؛ لأن الحذف في كلام العرب أكثر من الزيادة. ذكره جماعة من الأصوليين. انتهى.
***
[ ٩ / ٤٤٣ ]
(فصل في تعليقه بالحمل والولادة)
(إذا قال) لزوجته: (إن كنتِ حاملًا فأنت طالق، فبانت حاملًا زمن حلف: وقع) الطلاق (منه) أي: زمن الحلف، ويتبين كونها حاملًا زمن حلف بأن تلد لدون ستة أشهر من (^١) حين حلف ويعيش، أو لدون أربع سنين ولم يطأها بعد حلفه؛ لأن بوضعها في هاتين الصورتين تبينا أنها كانت حاملًا حين اليمين فتطلق بذلك.
(وإلا) أي: وإن لم يتبين كونها حاملًا حين اليمين بأن تلده لأكثر من أربع سنين من حين حلفه، (أو وطئ بعده) أي: بعد حلفه (وولدت لستة أشهر فأكثر من أول وطئه: لم تطلُق) في الأصح؛ لأنها إذا ولدت لستة أشهر فأكثر أمكن أن يكون الولد من هذا الوطء، وأمكن أن يكون من غيره فيكون الطلاق مشكوكًا فيه. والأصل عدم الوقوع مع الشك.
(و) إن قال لها: (إن لم تكوني حاملًا) فأنت طالق، (فبالعكس) يعني: فيكون الحكم على عكس قوله: إن كنت حاملًا فأنت طالق. فكل صورة قلنا في تلك المسألة: لا تطلق، نقول هاهنا: تطلق، وفي كل موضع قلنا هناك: تطلق، نقول هنا: لا تطلق. فإذا ولدت بعد ما مضى ليمينه أكثر مدة الحمل طلقت؛ لأنا نتبين بذلك أن الحمل لم يكن موجودًا عند اليمين؛ لأن أكثر مدة الحمل انقضت ولم تلد. فعلمنا أن الولادة من حملٍ بعده، وإلا فلا تطلق في الأصح.
(ويحرُم وطؤها) أي: وطء الزوج لمن قال لها: إن كنت حاملًا فأنت طالق، أو قال لها: إن لم تكونى حاملًا فأنت طالق (قبل استبراءٍ: فيهما)
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٩ / ٤٤٤ ]
أي: في صورة الإثبات وصورة النفي، (وقبل زوال ريبة، أو ظهور حمل في) الصورة (الثانية) وهي ما إذا قال لها: إن لم تكونى حاملًا فأنت طالق؛ لجواز أن تحمل من الوطء الصادر بعد الحلف. فيطُهر أن الطلاق لم يقع وقد كان وقع، فيكون ذلك ذريعة إلى إباحة المحرم.
ومحل تحريم الوطء: (إن كان) الطلاق (بائنًا). نص عليه أحمد وهو الأصح.
وقال القاضي: يحرم وإن كان رجعيًا، سواء قلنا أن الرجعية مباحة أو محرمة. وقيل: لا يحرم الوطء مطلقًا؛ لأن الأصل بقاء النكاح.
(ويحصل) الاستبراء (بحيضة موجودةٍ، أو مستقبَلةٍ أو ماضيةٍ لم يطأ بعدها) أي: بعد الحيضة الماضية. وهذا على الأصح.
قال أحمد في رواية أبي طالب: متى قال لامرأته: إذا حملت فأنت طالق
لا يقربها حتى تحيض، فإذا طهرت وطئها، فإن تأخر حيضها أريت النساء من أهل المعرفة. وذلك؛ لأن المقصود معرفة براءة رحمها وهو يحصل بحيضة بدليل قوله ﷺ: " لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة " (^١) . يعني: يعلم براءة رحمها من الحمل (^٢) بحيضة.
وقيل: تستبرأ بثلاثة قروء.
(و) من قال لامرأته: (إن) حملتِ فأنت طالق (^٣)، (أو إذا حملت) فأنت طالق، أو متى حملت فأنت طالق: (لم يقع) عليه طلاق (إلا بـ) حمل (متجدد) في الأصح.
وعنه: تطلق إن بانت حاملًا.
والأول، المذهب؛ لأنه علق طلاقها على وجود أمرٍ في زمن مستقبل يقتضي سببًا وهو الوطء. فلا تطلق بوجوده قبله.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١١٦١٤) ٣: ٦٢.
(٢) في ج: الحيضة.
(٣) فى أ: الطلاق.
[ ٩ / ٤٤٥ ]
(ولا يطؤ) ها (إن كان وطئ في طُهر حلفه قبل حيض)؛ لجواز أن يكون الوطء سببًا وقدحصل، فيحصل مسببه وهو الطلاق.
(ولا) يطؤها (أكثر من مرة كل طُهر)؛ لجواز أن تحمل من المرة الأولى فيكون وطؤه في المرة الثانية في أجنبية؛ لأن محل تحريم الوطء أكثر من مرة في كل طُهر إذا كان الطلاق بائنًا.
(و) لو قال لها: (إن كنت حاملًا بذكر فـ) أنت طالق (طلقة، و) إن كنت حاملًا (بأنثى فـ) أنت طالق (ثنتين، فولدت ذكرين: فـ) ـإنها تطلق (طلقة) واحدة في الأصح؛ لأنه جعل الطلقة الواحدة مع وصف حملها بالذكورية، والطلقتين مع وصفه بالأنوثية، ولم توجد الأنوثية فلا تطلق أكثر من طلقة.
(و) إن ولدت (أنثى) فأكثر (مع ذكر فأكثر: فثلاث) يعني: فإنه يقع عليه ثلاث طلقات بأنثى فأكثر وبالذكر فأكثر واحدة؛ لأنه علق على وجود الحمل بالذكر واحدة وعلى وجوده بالأنثى طلقتين، وقد وجد المعلق عليه فيهما. فيقع المعلق وهو الثلاث.
(وإن قال) لها: (إن كان حملُك) ذكرًا فأنت طالق واحدة، وإن كان حملك أنثى فأنت طالق ثنتين، (أو) قال لها: إن كان (ما في بطنك) ذكرًا فأنت طالق واحدة، وإن كان ما في بطنك أنثى فأنت طالق ثنتين، (فولدتهما) أي: ولدت ذكرًا وأنثى: (لم تطلق)، لأن قوله: إن كان حملك ذكرًا، وقوله: إن كان ما في بطنك ذكرًا يقتضي حصر الحمل في الذكورة، لأنه جعل قوله: ذكرًا خبرًا عن الحمل أو عن ما في بطنها. فيقتضي عدم الأنوثية فيه " ليكون الخبر حقًا. فإذا وجدت الأنوثة لم تطلق، لأن حملها لم تتمحض ذكوريته فلا يكون المعلق عليه موجودًا.
وإذا قال: إن كان حملك أنثى، أو قال: إن كان ما في بطنك أنثى يقتضي حصر الحمل في الأنوثة، لأنه جعل قوله: أنثى في الصورتين خبرًا عن الحمل أو عما في بطنها. فيقتضي عدم الذكورة فيه، ليكون الخبر حقًا. فإذا وجدت
[ ٩ / ٤٤٦ ]
الذكورية لم تطلق؛ لأن حملها لم تتمحض أنوثيته. فلا تطلق؛ لعدم وجود المعلق عليه.
(ولو أسقط " ما ") من قوله: إن كان ما في بطنك، بأن قال: إن كان في بطنك ذكر فأنت طالق واحدة وإن كان في بطنك أنثى فأنت طالق ثنتين فولدت ذكرًا وأنثى: (طلقت ثلاثًا) لوجود الصفة؛ لأنه قد تبين أنه كان في بطنها ذكرًا وأنثى. (وما علق) من طلاق (على ولادة: يقع بإلقاء ما تصير به أمة أمَّ ولد) وهو
ما تبين فيه بعض خلق إنسان، لأنها قد ولدت ما يسمى ولدًا كما ذكر في باب أمهات الأولاد. فيقع الطلاق؛ لوجود الصفة.
ولا تطلق بإلقاء علقة ونحوها، لأنها لا تسمى ولدًا، ويجوز أن لا يكون ابتداء خلق إنسان. فلا يقع الطلاق بالشك.
(و) من قال لزوجته: (إن ولدت ذكرًا فـ) أنت طالق (طلقة، و) إن ولدت (أنثى فـ) أنت طالق (ثنتين، فثلاث بمعيَّة) يعني: فإنها تطلق ثلاث تطليقات إذا ولدت ذكرًا وأنثى معًا بحيث لا يسبق أحدهما الآخر؛ لأنها طلقت بولادتها للذكر طلقة وللأنثى طلقتين.
(وإن سبق أحدهما) أي: أحد الولدين الآخر (بدون ستة اشهر: وقع ماعلق به) أي: بالسابق منهما؛ لأنه صفة علق عليها الطلاق فوقع بوجودها. ثم إن كان السابق الذكر طلقت به طلقة، (وبانت بـ) ـالولد (الثاني) الذي هو الأنثى، وإن كان السابق الأنثى طلقت بها طلقتين وبانت بالولد الثانى الذي هو الذكر، (ولم تطلق به) أي: بالثانى في الأصح؛ لأن العدة انقضت بوضعه فصادفها الطلاق بائنًا. فلم يقع، وكما لو قال: إن مت فأنت طالق. وقد نص أحمد فيمن قال: أنت طالق مع موتى: أنها لا تطلق فهذا أولى، و(كـ) ما لو قال: (أنت طالق مع انقضاء عدِّتك)؛ لوجوب (^١) تعقب الوقوع الصفة.
(و) إن سبق أحدهما الآخر (بستة أشهر فأكثر وقد وطئ بينهما: فثلاث)
_________________
(١) في ج: لوجود.
[ ٩ / ٤٤٧ ]
يعني: فإنها تطلق ثلاث طلقات؛ لوجوب (^١) العدة بالوطء بينهما. فيكون الثانى من حمل مستأنف بلا خلاف بين الأمة. فلا يمكن ادعاء أن تحمل بولد بعد ولد. قاله في " الخلاف " وغيره في الحامل لا تحيض.
(ومتى أشكل سابق) فيما إذا ولدتهما متعاقبين وجهل: هل سبق الذكر الأنثى فتطلق به وتبين بها، أو الأنثى الذكر فتطلق بها وتبين به: (فطلقة) يعني: فإنها تقع عليها طلقة واحدة (بيقين، ويلغو ما زاد) فلا تلزمه الطلقة الثانية للشك فيها في الأصح. والورع: أن يلتزم الطلقة الثانية؛ لاحتمال سبق الأنثى.
وقال القاضي: قياس المذهب: أن يقرع بينهما.
(ولا فرق بين) كون (من تلده حيًَّا أو ميتًا)؛ لأن الشرط ولادة ذكر أو أنثى
وقد وجدت.
ولأن العدة تنقضى به وتصير به الأمة أمَّ ولد فيكون معتبرًا. كذلك هنا.
(و) من قال لزوجته: (إن ولدتِ ذكرين، أو) ولدت (انثيين، أو) ولدت (حييّن، أو) ولدت (ميتيّن فأنت طالق، فلا حنث بذكر وأنثى) يعني: فلا تطلق إن ولدت ذكرًا وأنثى: (أحدهما فقط حي) يعني: والآخر ميت؛ لأن الصفة لم توجد.
(و) من قال لزوجته: (كلَّما ولدت) فأنت طالق، (أو زاد: ولدًا) بأن قال: كلما ولدت ولدًا (فأنت طالق، فولدت ثلاثة) أي: ثلاثة أولاد (معًا) أي: غير متعاقبين: (قثلاث) أي: فإنها تطلق ثلاثًا؛ لأن الولادة متعددة بالنسبة إلى كل واحد من الأولاد، وكما تنسب الولادة إلى الواحد منهم تنسب إلى كل واحد من الآخرين، وقد علق الطلاق بكل ولادة فيقيع بكل ولادة طلقة.
(و) إن ولدت الثلاثة (مُتعاقبَين) بأن ولدت ولدًا (^٢) ثم آخر ثم آخر:
_________________
(١) في ج: لوجود.
(٢) في ج: واحدًا.
[ ٩ / ٤٤٨ ]
(طلّقت بأول) طلقة (وبثان) طلقة، (وبانت بثالث) ولم تطلق به؛ لأن العدة انقضت بوضعه.
(و) إن قال: كلما ولدت فأنت طالق فـ (ولدت اثنين) متعاقبين، (و) كان قد (زاد: للسنة)، بأن قال: كلما ولدت فأنت طالق للسنة، (فـ) ـإنه يقع بها (طلقة بطهر) من نفاسها، (ثم) طلقة (أخرى بعد طُهرٍ من حيضة). ذكره القاضي.
***
[ ٩ / ٤٤٩ ]
[فصل: تعليق الطلاق بالطلاق]
(فصل في تعليقه) أي: تعليق الطلاق (بالطلاق.
إذا قال) زوجٌ لزوجته: (إن طلقتك فأنت طالق، ثم أوقعه) أي: أوقع عليها الطلاق (بائنًا) يعني: على عوض، أو كانت غير مدخول بها: (لم يقع ما عُلِّق) يعني: لم يقع الطلاق المعلق؛ لأنه لم يصادف عصمة؛ (كمعلق) يعني: كما لو علق الطلاق (على خلع) فإنه لا يقع إذا وجد الخلع؛ لوجوب تعقب الوقوع الصفة.
(وإن أوقعه) أي: أوقع الزوج الطلاق (رجعيًّا) وقع ثنتان، طلقة بالمباشرة وأخرى بوجود الصفة؛ لأنه جعل تطليقها شرطًا لوقوع طلاقها. فإذا وجد الشرط وقع الطلاق.
(أو علقه بقيامها ثم بوقوع طلاقها) بأن قال لها: إن قمت فأنت طالق، ثم
قال لها: إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق (فقامت: وقع ثنتان)، طلقة بقيامها وأخرى بوقوع الطلاق عليها؛ بوجود الصفة وهي قيامها. وإن كانت غير مدخول بها طلقت واحدة فقط؛ بوجود قيامها وقد بانت.
(وإن علقه) أي: علق طلاقها (بقيامها ثم بطلاقه لها) بأن قال: إن قمت فأنت طالق، ثم قال لها: إن طلقتك فأنت طالق فقامت: طلقت طلقة واحدة بقيامها، ولم تطلق بتعليق الطلاق؛ لأنه لم يطلقها.
(أو إيقاعه) بأن قال لها: إن قمت فأنت طالق، ثم قال لها: إن أوقعت عليك طلاقي فأنت طالق (فقامت: فواحدة) أي: فتطلق واحدة بقيامها. ولم تطلق بتعليق الإيقاع؛ لأنه لم يوقع عليها طلاقًا بعد التعليق.
(وإن علقه) أي: علق طلاقها (بطلاقها ثم بقيامها) بأن قال: إذا طلقتك
[ ٩ / ٤٥٠ ]
فأنت طالق، ثم قال: إن قمت فأنت طالق (فقامت: فثنتان)، واحدة بقيامها وأخرى بتطليقها الحاصل بالقيام؛ لأن طلاقها بوجود الصفة تطليق لها.
(و) إن قال لها: (إن طلقتك فأنت طالق، ثم قال: إن وقع عليك طلاقي
فأنت طالق، ثم نجَّزه) أي: نجز طلاقها، حال كونه (رجعيًّا)، بأن كان الطلاق مما يملكه الزوج، وكانت الزوجة مدخولًا بها: (فثلاث)، واحدة بالمباشرة واثنان بالوقوع والإيقاع في الأصح.
وقال القاضي: التعليق مع وجود الصفة ليس تطليقًا.
(فلو قال: أردت إذا طلقتُك طلقت ولم أُردْ عقد صفة، دُيَّن) فيما بينه وبين
الله ﷾ (^١)؛ لأن كلامه يحتمله، (ولم يقبل) منه (^٢) (حكمًا)؛ لأنه خلاف الظاهر.
(و) من قال لزوجته المدخول بها: [(كلَّما طلقتك فأنت طالق، ثم قال)
لها: (أنت طالق: فثنتان)، طلقة بالخطاب وطلقة بالتعليق؛ لأن الطلاق معلق على تطليقها، ولم تطلق أكثر من ذلك؛ لأن التطليق لم يوجد إلا مرة واحدة.
(و) لو قال لها] (^٣): (كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، ثم وقع) عليها
طلاقه (بمباشرة)؛ كما لو قال لها: أنت طالق، (أو سببٍ)؛ كما لو علق طلاقها على فعل شيء ففعلته. ولا فرق بين كون التعليق بعد ما قال لها ذلك أو قبله: (فثلاث) يعني: فإنها تطلق ثلاثًا؛ لأن الثانية طلقة واقعة عليها فتقع بها الثالثة. ومحل ذلك: (إن وقعت) الطلقة (الأولى و) الطلقة (الثانية رجعيَّتين)؛
لأنها إذا طلقت بائنًا لم يلحقها ما علق عليه.
(ومن علق) الطلاق (الثلاث بتطليق يملك فيه الرجعة)؛ كما لو قال:
كلما طلقتك طلاقًا أملك فيه رجعتك فأنت طالق ثلاثًا، (ثم طلَّق واحدة) وهي
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) زيادة من ج.
(٣) ساقط من أ.
[ ٩ / ٤٥١ ]
مدخول بها: (وقع الثلاث) في الأصح، لأن امتناع الرجعة هاهنا لعجزه عنها،
لا لعدم ملكها.
(و) من قال لزوجته: (كلَّما) وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا،
(أو إن وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثًا، ثم قال لها: أنت طالق: فثلاث)، منها (طلقة بالمنجَّز، وتتمتُها من المعلَّق. ويلغو قوله: قبله). وهذا قول أبي بكر والقاضي وهو الأصح؛ كما لو قال لها: إذا طلقتك فأنت طالق ثلاثًا، ثم قال لها: أنت طالق.
وقال ابن عقيل: تطلق بالطلاق المنجز ويلغو المعلق، لأنه طلاق في زمن ماض.
وقال أبو العباس بن سريج الشافعي ومن تبعه: لا تطلق أبدًا، لأن وقوع الواحدة يقتضي وقوع ثلاث قبلها، وذلك يمنع وقوعها. فإثباتها يؤدي إلى نفيها فلا تثبت.
ولأن إيقاعها يفضي إلى الدور، لأنها إذا وقعت وقع قبلها ثلاث فيمتنع وقوعها، وما أفضى إلى الدور وجب قطعه من أصله.
(وتسمى) هذه المسألة (السُّرَيجيَّة)؛ لأن ابن سريج أول من قال بها.
ولنا: أنه طلاق من مكلف مختار في محل نكاح صحيح. فيجب أن يقع،
كما لو لم يعقد هذه الصفة.
ولأن عمومات النصوص تقتضي وقوع الطلاق مع بقاء العصمة في كل صورة، من ذلك قوله ﷾: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ﴾ [البقرة: ٢٣٠].
وقوله ﷾: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]
وقوله ﷾: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) [البقرة: ٢٣٧].
وكذا سائر النصوص.
ولأن. الله ﷾ شرع الطلاق لمصلحة تتعلق به. وما قاله من
[ ٩ / ٤٥٢ ]
لا يرى وقوعه يمنعه بالكلية ويبطل مشروعيته ويفوت مصلحته، فلا يجوز ذلك بمجرد الرأي والتحكم.
وما ذكره ابن سريج ومن تبعه من التعليل والإفضاء إلى الدور فغير مسلَّم فإنا إذا
قلنا: لا يعلق الطلاق المعلق فله وجه؛ لأنه أوقعه في زمن ماض ولا يمكن وقوعه في الماضي فلم يقع؛ كما لو قال: أنت طالق قبل قدوم زيد بيوم فقدم في اليوم. ولأنه جعل الطلقة الواقعة شرطًا لوقوع الثلاث، ولا يوجد المشروط قبل شرطه (^١) .
فعلى هذا لا يمنع وقوع الطلقة المباشرة ولا يفضي إلى دور ولا غيره.
وكون الطلاق المعلق قبله بعده محال لا يصح الوصف به فلغت الصفة ووقع الطلاق؛ كما لو قال: إن طلقتك فأنت طالق ثلاثًا لا تلزمك، فإن قوله: لا تلزمك لغو.
وما تقدم من وقوع الثلاث بطلقة بالمنجز وتتمتها من المعلق فهو في المدخول بها.
(ويقع بمن لم يدخل بها، المنجَّزة فقط)؛ لبينونتها بالمنجز.
(و) من قال لزوجته: (إن وطئتُك وطئًا مباحًا) فأنت طالق قبله ثلاثًا (^٢)،
(أو إن أبنتك) فأنت طالق قبله ثلاثًا، (أو) إن (فسختُ نكاحك) فأنت طالق قبله ثلاثًا، (أو إن ظاهرت منك) فأنت طالق قبله ثلاثًا، (أو) قال لرجعية:
(إن راجعتك فأنت طالق قبله ثلاثًا، ثم وُجد شيء مما عُلِّق عليه) الطلاق: (وقع الثلاث، ولغا قوله: قبله).
قال في " الفروع ": ففي (^٣) " الترغيب " تلغو صفة القبلية، وفي إلغاء الطلاق من أصله الوجهان، ويتوجه الأوجه.
_________________
(١) في ج: شروعه.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: وفي.
[ ٩ / ٤٥٣ ]
وفي " الرعاية ": احتمال في الثانية والثالثة: يقعان معًا. انتهى.
فقوله: ففي " الترغيب " كذا مقتصرًا عليه يدل على رضاه به، وأنه ليس عنده ما يخالفه.
وقال في " الرعاية " بعد قوله: طلقت ثلاثًا، وقيل: لا تطلق في: أبنتك وفسخت نكاحك، بل تبين بالإبانة والفسخ. انتهى.
وقد ظهر من كلام صاحب " الرعاية " على القول الثانى: بل تبين بالإبانة والفسخ أنها لا تبين بقوله: أبنتك وفسخت نكاحك على القول المقدم، وإذا لم تبن بذلك فلا إشكال في وقوع الطلاق المعلق على ذلك مع إلغاء قوله: قبله. وهذا بخلاف قوله (^١): إذا ثبت أو إذا انفسخ نكاحك فأنت طالق قبله ثلاثًا ثم بانت منه بخلع [أو غيره] (^٢)، أو فسخت نكاحها (^٣) لمقتضٍ فإنها لا تطلق؛ لأنها إذا بانت لم يبق للطلاق محل يقع فيه.
(و) من قال لزوجته: (كلما طلقتُ ضرتك فأنت طالق، ثم قال مثله للضرّة، ثم طلَّق الأولى) بأن قال لها: أنت طالق: (طَلقت الضرَّة طلقة) واحدة بالصفة الموجودة بطلاق الضرة، (و) طلقت (الأولى ثنتين)، واحدة بالمباشرة وواحدة بالصفة؛ لأن وقوعه بالضرة تطليق؛ لأنه أحدث فيها طلاقًا بتعليقه طلاقها ثانيًا.
(وإن طلَّق الضرَّة) التي قال لها ثانيًا مثل ما قال للأولى (فقط) يعني: ولم يطلق الأولى بعد أن قال لهما ما قال: (طلقتا) أي: الأولى والأخرى (طلقة طلقة)، الضرة بالمباشرة والأولى بالصفة، ولم يقع بالثانية طلقة أخرى؛ لأن طلاق الأولى إنما وقع بالتعليق السابق على تعليق طلاق الثانية. فلم يحدث بعد تعليق طلاق الثانية طلاقها.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
(٣) في أ: لنكاحها.
[ ٩ / ٤٥٤ ]
(ومثل ذلك): إذا قال زوج حفصة وعمرة مثلًا: (إن) طلقت حفصة فعمرة طالق، (أو) قال: (كلما طلَّقت حفصة فعمرة طالق، ثم قال: إن) طلقت عمرة فحفصة طالق، (أو) قال: (كلما طلقت عمرة فحفصة طالق فحفصة) هنا (^١) (كالضرة فيما قبل.
وعكس ذلك قوله لعمرة: إن طلقتُك فحفصة طالق، ثم) قوله (لحفصة: إن طلقتك فعمرة طالق، فحفصة هنا كعمرة هناك).
قال ابن عقيل في المسألة الأولى: أرى متى طلقت عمرة طلقة بالمباشرة وطلقة بالصفة: أن يقع على حفصة أخرى بالصفة في حق عمرة فيقع الثلاث عليهما، وأن قول أصحابنا: في كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق ووجد رجعيًا يقع ثلاث يعطي استيفاء الثلاث في حق عمرة؛ لأنها طلقت طلقة بالمباشرة وطلقة بالصفة، والثالثة بوقوع الثانية. وهذا بعينه موجود في طلاق عمرة المعلق بطلاق حفصة. انتهى.
وعبارته في " شرح المقنع ": إذا قال: إن طلقت حفصة فعمرة طالق، ثم قال: إن طلقت عمرة فحفصة طالق ثم طلق حفصة: طلقتا معًا، حفصة بالمباشرة وعمرة بالصفة، ولم ترد كل واحدة منهما على طلقة. وإن بدأ بطلاق عمرة طلقت طلقتين وطلقت حفصة طلقة واحدة؛ لأنه إذا طلق حفصة طلقت عمرة بالصفة؛ لكونه علق طلاقها على طلاق حفصة ولم يعد على حفصة طلاق آخر؛ لأنه ما أحدث في عمرة طلاقًا، وإنما طلقت بالصفة السابقة على تعليقه طلاقها. وإن بدأ بطلاق عمرة طلقت حفصة؛ لكون طلاقها معلقًا على طلاق عمرة، ووقوعه بها تطليق لها؛ لأنه أحدث فيها طلاقًا بتعليقه طلاقها على تطليق عمرة بعد قوله. إن طلقت حفصة فعمرة طالق. ومتى وجد التعليق والوقوع معًا فهو تطليق. وإن وجدا معًا بعد تعليق الطلاق بطلاقها وقع الطلاق المعلق بطلاقها، وطلاق عمرة هاهنا معلق بطلاقها، فوجب القول بوقوعه. ولو قال
_________________
(١) زيادة من ج.
[ ٩ / ٤٥٥ ]
لعمرة: كلما طلقت حفصة فأنت طالق، ثم قال لحفصة: كلما طلقت عمرة فأنت طالق، ثم قال لعمرة: أنت طالق: طلقت طلقتين، وطلقت حفصة طلقة واحدة. وإن طلق حفصة ابتداء لم يقع بكل واحدة منهما إلا طلقة، لأن هذه المسألة كالتي قبلها سواء، فإنه بدأ بطلاق عمرة على تطليق حفصة ثم ثنى بتعليق طلاق حفصة على تطليق عمرة. ولو قال لعمرة: إن طلقتك فحفصة طالق، ثم قال لحفصة: إن طلقتك فعمرة طالق، ثم طلق حفصة: طلقت طلقتين، وطلقت عمرة طلقة. وإن طلق عمرة طلقت كل واحدة منهما طلقة، لأنها عكس التي قبلها. ذكر هاتين المسألتين القاضي في " المجرد ". انتهى.
(و) إن قال زوج (لأربع: أيتكن وقع عليها طلاقي فصواحبُها طوالق، ثم أوقعه) أي: أوقع طلاقه (على إحداهن) أي: إحدى الأربع: (طلقن كاملًا) أي: ثلاثًا ثلاثًا؛ لأنه لما أوقعه على إحداهن طلقت بإيقاعه طلقة، وطلقت كل واحدة من صواحبها بوقوعه عليها طلقة، وصار إذا وقع بواحدة طلقة يقع بكل واحدة من صواحبها طلقة وقد وقع الطلاق على جميعهن فطلقت كل واحدة طلاقًا كاملًا.
(و) لو قال لهن: (كلَّما طلَّقت واحدة فعبد) من عبيدي (حر، و) كلما طلقت (ثنتين فاثنان) من عبيدي حران، (و) كلما طلقت (ثلاثًا) منكن (فثلاثة) من عبيدي أحرار، (و) كلما طلقت (أربعًا) منكن (فأربعة) من عبيدى أحرار، (ثم طلَّقهن ولو) كان طلاقه لهن (معًا) " كما لو قال لهن: أنتن طوالق: (عتََق خمسة عشر عبدًا) في الأصح، لأن فيهن أربع صفات، هن أربع فيعتق أربعة وهن أربعة آحاد، فيعتق أربعة وهن اثنتان واثنتان، فيعتق بذلك أربعة وفيهن ثلاث فيعتق بهن ثلاثة. وإن شئت قلت: يعتق بالواحدة واحد وبالثانية ثلاثة؛ لأن فيها صفتين هي واحدة وهي مع الأولى اثنتان ويعتق بالثالثة أربعة " لأنها واحدة وهي مع الأولى والثانية ثلاث ويعتق بالرابعة سبعة، [لأن فيها ثلاث صفات هي واحدة، وهي مع الأولى والثانية ثلاث. ويعتق بالرابعة سبعة، لأن فيها ثلاث صفات هي واحدة، وهي مع الأولى ثنتان. ويعتق بالثالثة أربعة، لأنها واحدة، وهي مع الأولى والثانية ثلاث ويعتق بالرابعة
[ ٩ / ٤٥٦ ]
سبعة] (^١)؛ لأن فيها ثلاث صفات هي واحدة، وهي مع الثالثة اثنتان، وهي مع الثلاث التي قبلها أربع.
وقيل: يعتق سبعة عشر؛ لأن صفة الثانية قد وجدت ثلاث مرات فإنها توجد بضم الأولى إلى الثانية، وبضم الثانية إلى الثالثة وبضم الثالثة إلى الرابعة.
وقيل: يعتق عشرون. وهو قول أبي حنيفة، لأن صفة الثالثة وجدت مرة ثانية بضم الثانية والثالثة إلى الرابعة.
وقيل: لا يعتق إلا عشرة، بالواحدة واحد، وبالثانية اثنان، وبالثلاث ثلاثة، وبالأربع أربعة.
وقيل: لا يعتق إلا أربعة؛ كما لو قال: كلما طلقت أربعًا فأربعة أحرار.
(وإن أتى) الزوج (بدل) قوله: (كلَّما، بـ) قوله: (إن أو نحوها) أي: نحو إن مثل: إذا؛ كقوله: إذا طلقت واحدة فعبد من عبيدي حر، [وإذا طلقت ثنتين فعبدان حران] (^٢)، وإذا طلقت ثلاثًا فثلاثة أحرار، وإذا طلقت أربعة فأربعة أحرار، ثم طلق الأربع: (عتَق عشرة) أعبد فقط؛ لعدم تكرارها.
(و) من قال لزوجته: (إن أتاكِ طلاقي فأنت طالق، ثم كتب إليها: إذا أتاك كتابي فأنت طالق، فأتاها) الكتاب (كاملًا، ولم يَنْمَحِ ذكرُ الطلاق) منه: (فثنتان) يعني: فإنها تطلق طلقتين، طلقة بتعليقها على الكتاب، وطلقة بتعليقها على إتيان الطلاق؛ لأن الطلاق أتاها بكتابه إليها المعلق عليه الطلاق.
(فإن قال: أردت أنك طالق بـ) -الطلاق (الأول، دُيِّن) فيما بينه وبين الله ﷾؛ لأن كلامه يحتمله وهو أعلم بنيته، (وقُبل حُكمًا)؛ لظهوره.
(ومن كتب) إلى امرأته: (إذا قرأتِ كتابي فأنت طالق، فقُرىّ عليها وقع) الطلاق: (إن كانت أمِّيِّة) وهي التي لا تقرأ المكتوب، لأن ذلك هو المراد بقرائتها.
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) ساقط من أ.
[ ٩ / ٤٥٧ ]
(وإلا) أي: وإن لم تكن أميَّة: (فلا) تطلق بقراءة الكتاب عليها في الأصح؛ لأنها لم تقرأه. والأصل في اللفظ كونه للحقيقة إلا مع التعذر؛ كما لو كانت أمية.
ومن حلف: لا يقرأ كتاب فلان فقرأه في نفسه ولم يحرك شفتيه به حنث؛
لأن هذه قراءة الكتب في عرف الناس، فتنصرف يمينه إليه، إلا أن ينوي حقيقة القراءة فلا يحنث إلا بها.
[ ٩ / ٤٥٨ ]
(فصل في تعليقه بالحلف)
(إذا قال) لزوجته: (إن حلفتُ بطلاقكِ فأنت طالق، ثم علَّقه) أي: علق طلاقها (بما) أي: بشئ (فيه حثُّ) على فعل، كقوله: إن لم أدخل الدار فأنت طالق.
(أو منعُ) من فعل؛ كقوله: إن دخلت الدار فأنت طالق.
(أو تصديق خبر)؛ كقوله: أنت طالق لقد قمت، وإن لم يكن هذا القول
حقا فأنت طالق.
(أو تكذيبه)؛ كقوله: أنت طالق إن لم يكن هذا القول كذبا: (طلقت في الحال).
وهذا كله في الحقيقة ليس بيمين. وإنما سمي حلفًا تجوزًا؛ لما فيه من المعنى المقصود بالحلف وهو الحنث أو الكف أو التأكيد.
(لا إن علَّقه بمشيئتها) أو مشيئة سواها.
(أو) علقه بـ (حيض، أو) بـ (طُهر، أو طلوع الشمس، أو قدوم الحاج، ونحوه)؛ كخسوف القمر، ومجيء المطر، ونبات الشجر.
(و) من قال لزوجته: (إن حلفت بطلاقكِ) فأنت طالق، (أو) قال لها:
(إن كلمتك فأنت طالق وأعاده) لها (مرة) أخرى: (فطلقة) يعني: فإنها تطلق طلقة؛ لأن إعادته حلف. (و) إن أعاده (مرتين: فثنتان) يعني: فتطلق طلقتين. (و) إن أعاده (ثلاثًا) أي: ثلاث مرات: (فثلاث) يعني: فإنها تطلق ثلاثًا؛ لأن كل مرة (^١) يوجد بها شرط الطلاق وينعقد شرط طلقة أخرى.
_________________
(١) في ج: من.
[ ٩ / ٤٥٩ ]
وذلك " لأنه تعليق للطلاق على شرط يمكن فعله وتركه. فكان حلفًا " كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق.
ومحل ذلك: (ما لم يقصد إفهامَها في) قوله: (إن حلفت) بطلاقك فأنت طالق، لا في قوله. إن كلمتك، لأنه تكليم قُصد به الإفهام أو لا.
قال في " الفر ع ": وإن قصد بإعادته إفهامها لم يقع. ذكره أصحابنا. بخلاف ما لو أعاده من علقه بالكلام. وأخطأ بعض أصحابنا وقال فيها كالأولى. ذكره في " الفنون ".
ومحل ذلك أيضًا: إذا كانت الزوجة مدخولًا بها.
(وتَبين غير مدخول بها) إذا أعاده مرة أخرى (^١) (بطلقة.
ولم تنعقد يمينه الثانية والثالثة في مسألة الكلام) في غير المدخول بها في الأصح؛ لبينونتها بشروعه في الكلام فلم يحصل جواب الشرط إلا وهي بائن. بخلاف مسألة الحلف فإنها لا تبين إلا بعد انعقاد اليمين. فتنعقد بحيث أنه لو تزوجها بعد ثم حلف بطلاقها طلقت " لوجود الحنث باليمين المنعقدة في النكاح السابق. ولذلك مأخذان:
أحدهما: وهو مأخذ القاضي ومن تبعه: أن الكلام يحصل بالشروع في الإعادة قبل إتمامها فيقع الطلاق قبل إنهاء الإعادة فلا ينعقد؛ لأن إتمام اليمين حصل بعد البينونة.
والمأخذ الثانى: أن الطلاق وإن وقف وقوعه إلى ما بعد إنهاء الإعادة إلا أن الإعادة تترتب عليها البينونة فيقع انعقاد اليمين مع البينونة. فيخرج على الخلاف في ثبوت الحكم مع المانع أو مع سببه. والأصح عند الموفق عدمه.
(و) من قال لزوجتيه: (إن حلفت بطلاقكما فأنتما طالقتان، وأعاده:
وقع بكل) من الزوجتين (طلقة)؛ لما تقدم.
(وإن لم يدخُل بإحداهما) أي: إحدى الزوجتين، (فأعاده بعدُ) أي:
_________________
(١) ساقط من أ.
[ ٩ / ٤٦٠ ]
بعد أن وقع بكل واحدة طلقة: (فلا طلاق)، لأن الحلف بطلاق البائن لايمكن.
(ولو نكح البائن، ثم حلف بطلاقها: طلقتا أيضًا طلقة طلقة) فتصير كل واحدة منهما مطلقة طلقتين في الأصح، لأن الصفة الثانية منعقدة في حقهما جميعًا. ذكره الأصحاب.
وأُورد عليه: أن طلاق كل واحدة منهما معلق بشرط الحلف بطلاقها مع طلاق الأخرى، فكل واحد من الحلفين جزء علة لطلاق كل واحدة منهما، فكما أنه لابد من الحلف بطلاقها في زمن يكون فيه أهلًا لوقوع الطلاق كذلك الحلف بطلاق ضرتها؛ لأنه جزء علة لطلاق نفسها ومن تمام شرطه فكيف يقع (^١) بهذه التي جدد نكاحها الطلاق وإنما حلف بطلاق ضرتها وهي بائن؟
وأجيب عنه: بأن وجود الصفة كلها في النكاح لا حاجة إليه، ويكفي وجود آخرها فيه ليقع الطلاق عقبه (^٢) .
(و) إن أتى (بـ " كلما " بدل) قوله: (" إن ") بأن قال لزوجتيه: كلما حلفت بطلاقكما فأنتما طالقتان وأعاده وكانت إحداهما غير مدخول بها، ثم أعاده حال بينونتها، ثم نكح البائن وأعاده: طلقتا (ثلاثًا ثلاثًا: طلقة عقب حلفه ثانيًا، وطلقتين لما نكح البائن وحلف بطلاقها)، لأن اليمين الأولى لم تنحل باليمين الثانية؛ لأن كلما للتكرار واليمين الثانية باقية، فتكون اليمين الثالثة التي تكملت بحلفه على التي جدد (^٣) نكاحها شرطًا لليمين الأولى والثانية فيقع بها طلقتان لذلك. وهذا بخلاف ما لو كان التعليق بـ " أن "، فإن اليمين الأولى تنحل بالثانية، لعدم اقتضائها التكرار فتبقى اليمين الثانية فقط، فإذا أعادها بعد الثانية مرة أخرى وجد شرط الثانية فانحلت أيضًا وتنعقد الثالثة.
(ومن قال لزوجتيه حفصة وعمرة: إن حلفتُ بطلاقكما فعمرة طالق، ثم
_________________
(١) ساقط من أ.
(٢) في ج: عقيبه.
(٣) في ج: تجدد.
[ ٩ / ٤٦١ ]
أعاده: لم تطلق واحدة منهما)؛ لأن هذا حلف بطلاق عمرة وحدها. فلم يوجد الحلف بطلاقهما.
) ولو قال بعده. إن حلفت بطلاقكما فحفصة طالق: طلقت عمرة)؛ لأنه حلف بطلاقهما بعد تعليقه طلاقها عليه.
(ثم إن قال) بعد ذلك: (إن حلفت بطلاقكما فعمرة طالق: لم تطلق واحدة منهما)؛ لأنه لم يحلف بطلاقهما، وإنما حلف بطلاق عمرة وحدها. (ثم إن قال) بعد ذلك: (إن حلفت بطلاقكما فحفصة طالق. طلقت حفصة) وحدها.
(و) إن قال (لمدخول بهما " كلما حلفت بطلاق إحداكما، أو) قال: كلما حلفت بطلاق (واحدة منكما فأنتما طالقتان، وأعاده: طلقتا ثتنين ثنتين)؛ لأن قوله ذلك حلف بطلاق كل واحدة منهما، وحلفه بطلاق كل واحدة يقتضي طلاق الثنتين، فطلقتا بحلفه بطلاق واحدة طلقة طلقة، وبحلفه بطلاق الأخرى طلقة طلقة.
(وإن قال) لهما: كلما حلفت بطلاق إحداكما، أو قال: كلما حلفت بطلاق واحدة منكما (فهى) طالق، (أو) قال: (فضرَّتها طالق، وأعاده: فطلقة طلقة) يعني: فإن كل واحدة منهما تطلق طلقة؛ لأن حلفه بطلاق واحدة إنما اقتضى طلاقها وحدها، وما حلف بطلاقها إلا مرة فلا تطلق إلا طلقة.
(وإن قال) لهما: كلما حلفت بطلاق واحدة منكما، أو قال: كلما حلفت بطلاق إحداكما (فإحداكما طالق) وأعاده، (فـ) يقع (طلقة بإحداهما تُعين بقرعة)؛ كما لو قال: إحداكما طالق.
(و) إن قال (لإحداهما: إن حلفت بطلاق ضرَّتكِ فأنت طالق، ثم قاله للأخرى) أي. قال للأخرى مثل ما قال للأولى: (طلَقت الأولى)؛ لأنه قد حلف بطلاق ضرتها. (فإن أعاده للأولى: طلقت الأخرى)؛ لأنه قد حلف بطلاق ضرتها.
***
[ ٩ / ٤٦٢ ]
(فصل في تعليقه بالكلام والإذْن والقربان)
(إذا قال) لزوجته: (إن كلمتك فأنت طالق، فتحقَّقي) ذلك، (أو زجَرها فقال: تنحِّي، أو اسكُتي، أو مُرِّي ونحوه) اتصل ذلك بيمينه أوّلًا في الأصح.
(أو قال لها) بعد التعليق بالكلام: (إن قمت فأنت طالق: طلقت) بذلك
وإن لم تقم؛ لأنه طلاق خارج عن اليمين وقد وجد بعدها فيحنث به.
ومحل ذلك: (ما لم ينو غيره) يعني: إلا أن ينوي أن لا أكلمك بعد انقضاء كلامي هذا، أو ينوي بذلك ترك محادثتها، أو ترك الاجتماع بها ونحو ذلك لم تطلق حتى يوجد ما نواه.
ولو سمعها تذكره بسوء، فقال: الكاذب عليه لعنة الله: حنث. نص عليه؛ لأنه كلمها.
(و) لو قال لها: (إن بدأتُكِ بكلام فأنت طالق، فقالت: إن بدأتُكَ به فعبدي حر: انحلت يمينه)؛ لأنها كلمته. فلم يكن كلامه لها بعد ذلك ابتداء. ومحل ذلك: (إن لم تكن له نية) يعني: إلا أن ينوي أنه لا يبدأها في مرة أخرى وبقيت يمينها معلقة. وإلى ذلك أشير بقوله:
(ثم إن بدأته) بكلام (حنِثَت، وإن بدأها) بكلام بعد قولها: إن بدأتك
به (^١) فعبدي حر: (انحلت يمينها) أيضًا.
(وإن علَّقه) أي: علق طلاقها (بكلامها زيدًا) بأن قال لها: إن كلمت زيدًا فأنت طالق، (فكلمته) أي: كلمت زيدًا (فلم يسمع) زيد كلامها،
_________________
(١) في ج: بدأتك بكلام.
[ ٩ / ٤٦٣ ]
(لغفلة) من زيد، (أو شغل) عنها، (ونحوه)؛ كخفض صوتها وكانت منه بحيث لو رفعت صوتها سمعها، (أو) كلمته (وهو مجنون، أو) وهو (سكران، أو) وهو (أصم يسمع لولا المانع): حنث؛ لأنها كلمته، (أو كاتبْتُه أو راسلَتْه ولم ينو مشافَهتها): حنث؛ وذلك لقوله ﷾: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١].
ولأن القصد بالترك لكلامها إياه هجرانها ولا يحصل ذلك مع مواصلتها بالكتب والرسل.
(أو كلمت غيره) أي: غير زيد، (وزيد يسمع، تقصدُه به: حنث)؛ لأنها قد قصدته وأسمعته كلامها. أشبه ما لو خاطبته.
أما لو أرسلت إنسانًا يسأل أهل العلم عن مسألة أو حديث فجاء الرسول فسأل المحلوف عليه لم يحنث بذلك؛ لأنها لم تقصده بإرسال الرسول.
وكذا (لا) يحنث (إن كلمته)، حال كونه (ميتًا أو غائبًا أو مُغمىً عليه أو نائمًا) في الأصح؛ لأن التكليم فعل يتعدى إلى المتكلم، ولا يكون ذلك إلا في حالة يمكنه الاستماع فيها.
وكذا لا يحنث إذا كلمته في حالة أشير إليها بقوله:
(أو وهي مجنونة)؛ لأنها لا قصد لها، (أو أشارت إليه) أي: إلى زيد؛
لأن الإشارة ليست بكلام عند أهل الشرع.
(و) من قال لزوجتيه: (إن كلَّمتُما زيدًا وعمرًا فأنتما طالقتان، فكلمت
كل واحدة واحدًا) بأن كلمت إحداهما زيدًا وكلمت الأخرى عمرًا: (طلقتا) في الأصح؛ لأن المعلق عليه الطلاق وجود الكلام منهما لهما، وقد وجد بالتعليق فيقع الطلاق.
(لا إن قال) لزوجتيه: (إن كلَّمتُما زيدًا وكلَّمتُما عمرًا) فأنتما طالقتان فإنه
لا يحنث (حتى يكلِّما كلًا منهما) أي: كلًا من زيد وعمرو؛ لأنه علق طلاقهما بكلامهما لكل واحد منهما.
[ ٩ / ٤٦٤ ]
(و) من قال لزوجته: (إن خالفت أمري فأنت طالق، فنهاها، فخالفته
ولا نية) له تخالف لفظه: (لم يحنث، ولو لم يعرف حقيقتهما) أي: حقيقتي الأمر والنهي في الأصح، لأنها خالفت نهيه لا أمره، فأما إن نوى مطلق المخالفة فيحنث، لوجود الصفة وهي المخالفة.
(و) من قال لزوجته: (إن خرجت) بغير إذني، (أو زاد: مرة) بأن قال: إن خرجت مرة (بغير إذنى، أو إلا بإذني، أو حتى آذَنَ لك فأنت طالق، فخرجت ولم يأذن) لها في الخروج: طلقت، لوجود الصفة.
(أو أذن) لها (ثم نهاها) ثم خرجت ولم يأذن لها بعد أن نهاها: طلقت، لخروجها بعد نهيه بغير إذنه في الأصح، لأن هذا الخروج يجري مجرى خروج ثان. (أو أذن) لها (ولم تعلم) فخرجت طلقت، لأن الإذن هو الإعلام ولم يعلمها، (أو) أذن لها و(علمت) فخرجت (ثم خرجت بلا إذنه: طلقت) على الأصح؛ لأنها خرجت بغير إذنه.
وعنه: لا تطلق حتى ينوي الإذن في كل مرة.
(إلا إن أذن) لها (فيه) أي: في الخروج (كلما شاءت). نص عليه،
فلا يحنث بخروجها بعد ذلك بغير حلف متجدد.
(أو قال): إن خرجت (إلا بإذن زيد) فأنت طالق، (فمات زيد ثم خرجت) فإنه لا يحنث.
قال في " الإنصاف ": على الصحيح من المذهب. وحنثه القاضي وجعل المستثنى محلوفًا عليه. انتهى.
فعلى هذا يكون المعنى على قول القاضي: إن حصل منك خروج بدون إذن
زيد فأنت طالق فيفوت المحلوف عليه بموته.
(و) إن قال لها: (إن خرجت إلى غير حمام بلا إذني فأنت طالق، فخرجت له) أي: للحمام (ولغيره) طلقت في الأصح، لأنها إذا خرجت للحمام ولغيره فقد صدق عليها أنها خرجت إلى غير الحمام.
[ ٩ / ٤٦٥ ]
(أو) خرجت (له) أي: للحمام (ثم بدا لها غيره: طلقت) أيضًا في الأصح؛ لأن ظاهر هذه اليمين المنع من غير الحمام. فكيف ما صارت إليه حنث؛ كما لو خالفت لفظه.
نقل الفضل بن زياد عن أحمد أنه سئل: إذا حلف بالطلاق أنه لا يخرج من
بغداد إلا لنزهة فخرج إلى النزهة ثم مر إلى مكة. فقال: النزهة لا تكون إلى مكة. وظاهر هذا أنه حنثه.
(ومتى قال) الزوج بعد خروجها وحلفه: (كنت أذنت) في خروجها
وأنكرت الزوجة، (قُبل) منه إن أتى (ببينة)، لا بدونها؛ لوقوع الطلاق في الظاهر.
(و) من قال لزوجته: (إن قرُبت) بضم الراء (دار كذا فأنت طالق، وقع)
الطلاق على زوجته (بوقوفها تحت فنائها) أي: فناء الدار التي حلف عليها، (ولصوقِها) أي: لصوق الزوجة (بجدارها) أي: جدار الدار التى حلف عليها.
(و) إن قال لها: إن قرِبت دار فلان (بكسر راء قرِبت: لم يقع) عليه
طلاق (حتى تدخُلَها) زوجته.
قال في " الفروع ": لأن مقتضاهما ذلك. ذكرهما في " الروضة "،
واقتصر في " الفروع " على ذلك.
***
[ ٩ / ٤٦٦ ]
(فصل في تعليقه بالمشيئة)
(إذا قال) الزوج لزوجته: (أنت طالق إن) شئت، (أو إذا) شئت، (أو
متى) شئت، (أو أنى) شئت، (أو أين) شئت، (أو كيف) شئت، (أو
حيث) شئت، (أو أيّ وقت شئت، فشاءت) أي: فقالت زوجته: شئت
(ولو) كانت (كارهة).
وعبارته في " التنقيح ": مكرهة. والصواب: كارهة غير مكرهة.
(أو) كانت مشيئتها (بعد تراخ، أو) كانت مشيئتها (بعد رجوعه) عن
تعليق طلاقها على مشيئتها: (وقع) الطلاق المعلق على المشيئة، لأنها صفة
معلق عليها الطلاق. فوقع بوجودها وكان على التراخي، كسائر التعاليق.
ولأنه إزالة ملك معلق على المشيئة. فكان على التراخي؛ كالعتق.
فإن قَيد المشيئة بوقت، فقال: أنت طالق إن شئت اليوم تقيد به فإن خرج
اليوم قبل مشيئتها لم تطلق.
و(لا) يقع (إن (^١) قالت: شئتُ إن شئتَ) ولو شاء، (أو) قالت: شئت
(إن شاء أبي ولو شاء) أبوها؛ لأن المشيئة أمر حقيقي لا يصح تعليقه على
شرط. وكذلك إن قالت: قد شئت إن طلعت الشمس. نص على هذا أحمد.
قال أبن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا
قال لامرأته: أنت طالق إن شئت، فقالت: قد شئت إن شاء فلان: أنها قد
ردت الأمر، ولا يلزمها الطلاق وإن شاء فلان. وذلك، لأنه لم يوجد منها
مشيئة إنما وجد منها تعليق مشيئتها بشرط، وليس تعليق المشيئة بشرط مشيئة.
_________________
(١) فى ب: إذا.
[ ٩ / ٤٦٧ ]
(و) إن قال لها: (أنت طالق إن شئتِ وشاء أبوك، أو) أنت طالق (إن
شاء زيد وعمرو، لم يقع حتى يشاءا) أي: تشاء هي وأبوها، أو يشاء (^١) زيد وعمرو في الأصح ولو شاء أحدهما على الفور والآخر على التراخي؛ لأن المشيئة [قد وجدت منهما جميعًا.
(و) إن قال لها: (أنت طالق إن شاء زيد، فشاء) زيد (ولو) في حالة كونه (مميزًا يعقلها) أي: يعقل المشيئة] (^٢)، (أو) في حال كونه (سكران، أو) كانت المشيئة (بإشارة مفهومة ممن خَرَسَ، أو كان) زيد (أخرس) وشاء بإشارة مفهومة: (وقع) الطلاق.
أما الصبي العاقل والسكران؛ فلصحة الطلاق منهما؛ لأنهما إذا صح طلاقهما صح أن يشاآه لغيرهما.
وأما من خرس أو كان أخرس؛ لأن طلاقهما في أنفسهما يقع بالإشارة. فصح طلاق من علقه بمشيئة واحد منهما أو بمشيئتهما.
(لا إن مات) زيد، (أو غاب أو جن قبلها) أي: قبل المشيئة فلا تطلق؛
لأن (^٣) شرط الطلاق لم يوجد.
(ولو قال) لزوجته: أنت طالق (إلا أن يشاء) زيد، (فمات) زيد (أو جُنَّ، أو أباها) أي: أبى المشيئة زيد، (وقع) الطلاق (إذًا)؛ لأنه أوقع الطلاق وعلق رفعه بشرط ولم يوجد.
(وإن خرس) زيد (وفهمت إشارته: فكنطقه). فلو قال: شئت أن لا تطلق لم يقع.
(وإن نَجَّزَ) طلقة بأن قال: أنت طالق طلقة إلا أن تشائي، أو يشاء زيد ثلاثًا، (أو علق طلقة) بأن قال: هي طالق طلقة إن دخلت الدار (إلا أن تشاء
_________________
(١) في ب: ويشاء.
(٢) ساقط من أوب.
(٣) في أوب: ولأن.
[ ٩ / ٤٦٨ ]
هي، أو) يشاء (زيد ثلاثًا، أو) قال: هي طالق (ثلاثًا) إلا أن تشاء أو يشاء زيد واحدة، أو قال: هي طالق ثلاثًا إن دخلت الدار (إلا أن تشاء أو يشاء) زيد (واحدة، فشاءت أو شاء) زيد (ثلاثًا في) المسألة (الأولى: وقعت) الثلاث في الأصح؛ (كواحدة) أي: كما يقع طلقة واحدة إن شاءت واحدة أو شاء زيد واحدة (في) المسألة (الثانية.
وإن شاءت) هي (أو شاء) زيد (ثنتين) أي: طلقين في المسألتين؛ (فكما لو لم يشاءا) أي: لا هي ولا زيد؛ لأنه لم يقل: إلا أن تشاء هي أو يشاء زيد ثنتين.
(و) من قال لزوجته: (أنت طالق وعبدى حر إن شاء زيد، ولا نية) لقائل ذلك، تخالف ظاهر لفظه. (فشاءهما) أي: شاء زيد الطلاق والعتق: (وقعا) على الأصح.
(وإلا) أي: وإن لم ينو زيد شيئًا: (لم يقع شيء) يعني: وإن لم يشاءهما
لم يقع واحد منهما؛ لأن المعطوف والمعطوف عليه كالشيء الواحد، وقد وليهما التعليق فيتوقفان عليه، ولا تحصل المشيئة بواحد من العتق أو الطلاق؛ لأن الطلاق والعتق جملة واحدة، فلا تحصل المشيئة بأحد جزئيها دون الأخر. (و) من قال لزوجته (ياطالق) إن شاء الله طلقت. قاله في " الترغيب ". وقال: إنها أولى بالوقوع من قوله: أنت طالق إن شاء الله.
(أو) قال لها: (أنت طالق) إن شاء الله: طلقت.
(أو) قال: (عبدي حر إن شاء الله): عتق.
(أو قدم الاستثناء)؛ كما لو قال: إن شاء الله أنت طالق، أو قال: إن شاء الله عبدي حر: عتق (^١)
(أو قال): أنت طالق إلا أن يشاء الله، أو قال: عبدي حر (إلا أن يشاء الله.
أو) قال: أنت طالق إن لم يشأ الله، أو قال: عبدي حر [(إن لم) يشأ الله.
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ٩ / ٤٦٩ ]
(أو) قال: أنت طالق ما لم يشأ الله، أو قال عبدي حر] (^١) (ما لم يشأ الله: وقعا) أي: الطلاق والعتق على-الأصح، لقصده بقول: إن شاء الله تأكيد الوقوع. وقد نص أحمد على وقوعهما فى رواية الجماعة، وذكر قول قتادة: قد شاء
الله الطلاق حين أذن فيه.
ولأنه تعليق إلى ما لا سبيل إلى علمه. فبطل " كما لو علقه على شيء من المستحيلات.
ولأنه إن شاء حكم في محل. فلم يرتفع بالمشيئة " كالبيع والنكاح، ولتضاد الشرط والجزاء في قوله: أنت طالق، أو عبدي حر إن لم يشأ الله.
(و) من قال لزوجته: (إن قمت) فأنت طالق إن شاء الله، (أو) قال لها: (إن لم تقومي فأنت طالق) إن شاء الله.
(أو) قال سيد لأمته: إن قمت، أو قال: إن لم تقومي فأنت (حرة إن شاء الله.
أو) قال لزوجته: (أنت طالق) إن قمت إن شاء الله، أو أنت طالق إن لم تقومي إن شاء الله، أو أنت طالق لتقومين إن شاء الله، أو أنت طالق لا قصت إن شاء الله.
(أو) قال لأمته: أنت (حرة إن قمت) إن شاء الله، (أو) أنت حرة (إن
لم تقومي) إن شاء الله، (أو) أنت حرة (لتقومين) إن شاء لله، (أو) أنت حرة (لا قمت إن شاء الله).
ففي هذه الصور كلها للأصحاب سبع طرق حررها العلامة ابن رجب ونقلها
عنه في " الإنصاف "، أصحها ما أشير إليه بقوله:
(فإن نوى ردَّ المشيئة إلى الفعل: لم يقع) الطلاق (به) أي: بفعل ما حلف على تركه، أو بترك ما حلف على فعله، لأن الطلاق هاهنا يمين، إذ هو تعليق على ما يمكن فعله وتركه فإذا أضافه إلى مشيئة الله ﷾ لم (^٢) يقع
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) في أ: ما لم، وفي ب: فلم.
[ ٩ / ٤٧٠ ]
عليه طلاق؛ لما روى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: " من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فلا حنث عليه " (^١) . رواه الخمسة إلا أبا داود.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: " من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث " (^٢) . رواه الترمذى وابن ماجه.
وقال: " فله ثُنْيَاه " (^٣) .
فإذا نوى رد المشيئة إلى الفعل لم تطلق؛ لأن الفعل بمشئية الله ﷾ فإذا رد المشيئة إليه لم يحنث.
فمن قال لزوجته: أنت طالق لتدخلن الدار إن شاء الله لم تطلق، دخلت أو
لم تدخل؛ لأنها إن دخلت فقد فعلت المحلوف عليه، وإن لم تدخل علمنا أن الله ﷾ لم يشاءه؛ لأنه لو شاءه لوجد فإن ما شاء الله ﷾ كان وما لم يشأه لم يكن.
وكذلك إن قال: أنت طالق لا تدخلى الدار إن شاء الله.
(وإلا) أي: وإن لم ينو رد المشيئة إلى الفعل: (وقع) الطلاق على الأصح.
وقال في " شرح المقنع ": وإن لم تعلم نيته فالظاهر رجوعه إلى الدخول، ويحتمل أن يرجع إلى الطلاق. انتهى.
(وإن حلف: لا يفعل) كذا (إن شاء زيد، لم تنعقد يمينه حتى يشاء) زيد
(أن لا يفعله) الحالف.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في " سننه " (٣٢٦٢) ٣: ٢٢٥ كتاب الأيمان والنذور، باب الاستثناء في اليمين. بلفظ: " من حلف فاستثنى فإن شاء رجع، وإن شاء ترك غير حنث ". وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٥٣١) ٤: ١٠٨ كتاب النذور والأيمان، باب ما جاء في الاستثناء في اليمين. وأخرجه النسائي في " سننه " (٣٧٩٣) ٧: ٤ كتاب الأيمان والنذور، من حلف فاستثنى. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢١٠٥) ١: ٦٨٠ كتاب الكفارات، باب الاستثناء في اليمين. بلفظ: " من حلف واستثنى، إن شاء رجع، وإن شاء ترك، غير حانث ". وأخرجه أحمد في " مسنده " (٤٥١٠) ٢: ٦.
(٢) أخرجه الترمذي في " جامعه " (٥٣٢ ١) ٤: ٩ ٠ ١ كتاب النذور والأيمان، باب ما جاء في الاستثناء في اليمين.
(٣) أخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢١٠٤) ١: ٦٨٠ كتاب الكفارات، باب الاستثناء في اليمين.
[ ٩ / ٤٧١ ]
(و) من قال لزوجته: (أنت طالق لرضا زيد، أو) أنت طال لـ (مشيئته) أي: مشيئة زيد، (أو) قال لها: أنت طالق (لقيامك، ونحوه)، كقوله: أنت طالق لسوادك، أو لسمنك، أو لقصرك: (يقع) الطلاق (في الحال)، لأن معناه أنت طالق لكون زيد رضي بطلاقك، أو لكونه شاء طلاقك، أو لكونك قمت، أو لكونك سوداء، أو لكونك سمينة، أو لكونك قصيرة. (بخلاف قوله): أنت طالق (لقدوم زيد) فإنها لا تطلق حتى يقدم زيد، (أو) أنت طالق (لغد) فإنها لا تطلق حتى يأتي الغد.
(ونحوه)؛ كقوله: أنت طالق لحيضك وهي طاهر فإنها لا تطلق حتى تحيض.
(فإن قال فيما ظاهره التعليل)، كقوله: أنت طالق لتكليمك زيدًا: (أردت الشرط) أي: أردت إذا كلمته دين، و(قُبل منه حكمًا) في الأصح؛ لأن لفظه يحتمله.
ولأن ذلك يستعمل للشرط؛ كقوله: أنت للسُّنة، أو قال: للبدعة.
(و) من قال لزوجته: (إن رضي أبوك فأنت طالق، فأبى) أبوها الطلاق
(ثم رضي) بعد إبائه: (وقع) الطلاق؛ لأن الشرط مطلق فكان متراخيًا.
قال في " الفر وع ": ذكره في الفنون، وأن قومًا قالوا: ينقطع بالأول. انتهى.
(و) من قال لزوجته: (أنت طالق إن كنت تُحبين أن يعذبك الله بالنار،
أو) إن كنت (تبغضين الجنة، أو) إن كنت تبغضين (الحياة، ونحوهما)؛ كقوله: أنت طالق إن كنت تبغضين الخبز أو الأطعمة اللذيذة، أو تبغضين العافية (فقالت: أحبُّ) يعني: لشيء علق طلاقها على محبته مما تقدم، (أو) قالت (أُبغضُ) لشيء علق طلاقها على بغضها له مما تقدم: (لم تطلق إن قالت: كذبت، ولو قال): إن كنت تحبينه بقلبك، أو إن كنب تبغضينه (بقلبك)؛ لاستحالته في العادة كقوله: إن كنت تعتقدين أن الجمل يدخل في (^١) خرم الإبرة
_________________
(١) في ب: من.
[ ٩ / ٤٧٢ ]
فأنت طالق، فقالت: أنا أعتقده فإن عاقلًا لا يجوزه فضلأ عن اعتقاده.
(ولو قال) زوج لزوجته: (إن كان أبوك يرضى بما فعلته فأنت طالق، فقال: ما رضيت، ثم قال: رضيت طلقت)؛ لأنه علقه على رضى مستقبل وقد وجد،
(لا إن قال: إن كان أبوك راضيًا به) أي: بما فعلته فأنت طالق؛ لأنه ماضٍ
(وتعليق عتق) فيما تقدم (كطلاق.
ويصح) تعليق العتق (بالموت) وهو التدبير. بخلاف تعليق الطلاق.
[ ٩ / ٤٧٣ ]
(فصل: في مسائل متفرقة)
يعلق فيها الطلاق
(إذا قال) لزوجته: (أنت طالق إذا رأيت الهلال، أو) قال: أنت طالق
(عند رأسه) أي: رأس الهلال: (وقع) الطلاق (إذا رؤي) الهلال (وقد غربت الشمس) في الأصح.
وقيل: تطلق برويتها له قبل الغروب.
(أو تمت العدَّة) بتمام ثلاثين يومًا؛ لأن الروية للهلال في عرف الشرع:
العلم به في أول الشهر، بدليل قوله ﷺ: " إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا " (^١) . والمراد به: روية البعض وحصول العلم. فانصرف لفظ الحالف إلى عرف الشرع، كما إذا قال: إذا صليت فأنت طالق فإنه ينصرف إلى الصلاة الشرعية لا إلى الدعاء. وفارق ما إذا علق طلاقها على روية زيد فإن ذلك لم يثبت له عرف شرعي يخالف الحقيقة. ولذلك لو لم يره أحد لكن ثبت الشهر بتمام العدد طلقت؛ لأنه قد علم طلوعه.
(وإن نوى العِيان) بأن قال المعلق: نويت إذا عوين الهلال بأن لم يحصل
دون معاينته غيم أو قتر، (أو) نويت (حقيقة رؤيتها)، دُيَّنَ فيما بينه وبين الله، و(قبل) منه ذلك (حكمًا)؛ لأن لفظه يحتمله.
(. وهو هلال) يعني: أنه يسمى هلالًا (إلى) ليلة (ثالثة) من الشهر، (ثم يُقّمِرُ) أي: ثم بعد الثالثة يسمى قمرًا في الأصح.
وقيل: يسمى قمرًا إذا استدار.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (٠٨١ ١) ١: ٧٦٢ كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال. . .
[ ٩ / ٤٧٤ ]
وقيل: إذا بهر (^١) ضوءه. فلو لم ير الهلال حتى أقمر ولا نية له تخالف لفظه: لم تطلق.
(و) من قال لزوجته: (إن رأيت زيدا فأنت طالق، فرأته) مطاوعة (لا مكرهة ولو) كان زيد عند رويتها إياه (ميتا، أو) كان (في ماء، أو) كان في (زجاج شفاف: طلقت)؛ لأنها رأته حقيقة في حال طواعيتها. فوجدت الصفة المعلق عليها طلاقها.
(إلا مع نية أو قرينة) تخص الروية بحالة فلا تطلق برويتها إياه في غير تلك الحالة. (ولا تطلق: إن رأت خياله في ماء، أو) رأت خياله في (مرآة)؛ لأنها لم تره، (أو جالسته) أي: جالست زيدًا حال كونها (عمياء) يعني: فإنها لا تطلق في الأصح؛ لأنها لم تره ما لم تكن نيته أن لا تجمع به.
(و) من له زوجتان فأكثر وقال: (من بَّشْرتني، أو) قال من: (أخبرتني بقدوم أخي فهى طالق فأخبره) بذلك (عدد) أي: اثنتان فأكثر من زوجاته (معًا) أي: لم تسبق واحدة غيرها: (طلقن) أي: طلق ذلك العدد الذي أخبره معًا؛ لأن لفظة " من " تقع على الواحد فما زاد.
قال الله ﷾: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧]
وقال ﷾: ﴿وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١].
لأنه قد حصل التبشير أو الخبر بالعدد معا. فطلق؛ لوجود الصفة به.
(وإلا) أي: وإن لم يبشره أو " يخبره إلا واحدة بعد واحدة: (فسابقة) يعني: فإنه تطلق السابقة وحدها.
ومحل ذلك: إن (صُدِّقت)؛ لأن التبشير حصل بإخبار السابقة.
(وإلا) أي: وإن لم تصدق الأولى: (فـ) تطلق (أول صادقة)؛ لأن السرور أو الغم إنما حصل بخبرها.
_________________
(١) في ب: أبهر.
[ ٩ / ٤٧٥ ]
(ومن حلف عن شيء) لايفعله (ثم فعله)، حال كونه (مكرهًا) لم يحنث. نص عليه. واختاره الأكثر؛ لعدم إضافة الفعل إليه. بخلاف ما لو فعله ناسيًا على ما يأتي.
(أو) فعله حال كونه (مجنونًا، أو) حال كونه (مغمى عليه، أو) حال "
كونه (نائمًا: لم يحنث)؛ لكونه مغطى على عقله في هذه الأحوال.
(و) من فعل ما حلف لا يفعله، حال كونه (ناسيًا) لحلفه، (أو) كونه
، (جاهلًا) وجود الحنث بفعله، أو جاهلًا أنه الفعل المحلوف عليه؛ كمن حلف لا يدخل دار زيد ثم دخل دار زيد جاهلًا أنها دار زيد، (أو عقدها) أي: عقد اليمين (يظُن صدْقَ نفسه) فيما حلف عليه، (فبان بخلاف): فإنه (يحنث في)
ما إذا كان حلفه بـ (طلاق وعتق فقط)؛ لأن كلا من الطلاق والعتاق معلق بشرط فيقع بوجود شرطه من غير قصد، وكذا إذا بان. بخلاف ظنه؛ لتبين كذبه.
ولأن هذا تعلق به حق آدمي. فتعلق به؛ كالإتلاف.
وقوله: فقط أخرج به اليمين المكفرة؛ لأن حلفه على ما يظنه وفعل ما حلف
على تركه لم يقصد به المخالفة. فلم يحنث به؛ كما لو فعله نائمًا أو مجنونًا.
ولأنه أحد طرفي اليمين. فاعتبر فيه القصد؛ كحالة الابتداء باليمين.
وهذا التفصيل هو المنصوص عن أحمد في رواية الجماعة.
وعنه: يحنث في الجميع.
وعنه: لا يحنث في الجميع.
(و) من حلف على شيء (ليفعلنه، فتركه مكرهًا) على تركه: لم يحنث
في الأصح؛ لعدم إضافة الترك إليه، (أو) تركه (ناسيًا: لم يحنث) على ما قطع به في " التنقيح ".
وعبارة " الفروع " في هذه المسألة: وإن حلف ليفعلنه فتركه مكرهًا لم
يحنث كالتي قبلها على كلام القاضى وابن عقيل وجماعة. وكذا ناسيًا على كلام جماعة. وكلام جماعة: يقتضي حنثهما. انتهى.
[ ٩ / ٤٧٦ ]
قال في " تصحيح الفروع " بعد ذكر عبارته، أحدهما: لا يحنث فيهما،
وهو الصواب خصوصًا المكره.
والقول الآخر: يحنث وهو قوي في الناسي. انتهى.
فلم ينسب لأحد تصحيحًا في شيء من ذلك، إلا أنه لما قطع بذلك في
" التنقيح " تبعته عليه، لقوله في خطبته: أن ما وضعه في " التنقيح " عن تحرير. (ومن يمتنع بيمينه) أي: يمين الحالف، كزوجته وولده وغلامه ونحوهم، (وقصد) بيمينه (منعه كهو) أي: كالحالف. فمن حلف على زوجته أو نحوها لا تدخل دارًا فدخلتها ناسية أو جاهلة يمينه كان فيها التفصيل السابق في الحالف إذا فعل ما حلف على تركه ناسيًا أو جاهلًا بين كون اليمين بطلاق وعتاق (^١) أو غيرهما.
(و) من حلف: (لا يدخل على فلان بيتًا، أو) حلف (لا يكلمه، أو) حلف لا (يسلُم عليه) أي: على فلان، (أو) حلف لا (يُفارقه حتى يقضيه) حقه، (فدخل بيتًا هو) أي: فلان (فيه) ولم يعلم، (أو سلَّم عليه أو على قوم) هو أي: فلان (فيهم ولم يعلم به، أو قضاه) فلان (حقَّه ففارقه فخرج رديئًا، أو أحاله) فلان (به) أي: بحقه (ففارقه ظنًا منه أنه بَرّ: حنث) الحالف بما ذكر، لأنه فعل ما حلف عليه قاصدًا لفعله. فحنث، كما لو تعمد ذلك على الأصح.
(إلا في السلام) أي: إلا إذا سلم على قوم هو فيهم ولم يعلم.
(و) إلا في مسألة (الكلام) يعني: إذا حلف لا يكلم فلانًا فسلم على قوم هو فيهم
ولم يعلم فإنه لا يحنث على الأصح؛ لأنه لم يقصد سلامه أو كلامه عين المحلوف عليه وإنما دخل فيهم من حيث لم يعلم الحالف به فهو بمنزلة المستثنى منهم.
(وإن علم به) أي: علم الحالف بالمحلوف عليه (في سلام) أو كلام أنه فيهم، (ولم ينوه) بالسلام أو الكلام، (ولم يستثنه بقلبه: حنث) على
_________________
(١) ساقط من ب.
[ ٩ / ٤٧٧ ]
الأصح؛ لأنه سلم عليه وهو منهم ولم يستثنه. فصار؛ كما لو سلم عليه منفردًا أو كلمه منفردًا.
(و) من حلف: (ليفعلن شيئًا، لم يبرَّ حتى يفعل جميعه). فمن حلف
ليًا كلن هذا الرغيف لم يبر حتى يأكله كله. ومن حلف ليدخلن هذه الدار لم يبر حتى يدخلها بجملته؛ لأن اليمين تناولت فعل الجميع. فلم يبر إلا بفعله؛ كما لو أمره الله ﷾ بشيء لم يخرج من عهدة الأمر إلا بفعل جميعه؛ لأن اليمين على فعل شيء إخبار بفعله في المستقبل مؤكد بالقسم، والخبر بفعل شيء يقتضي فعله كله.
(و) من حلف على شيء (لا يفعله، أو) حلف على (من يمتنع بيمينه؛ كزوجة وقرابة) لا يفعل شيئًا، (وقصد منعه) من فعله، (ولا نية) تخالف ظاهر ذلك، (ولا سبب، ولا قرينة) يقتضى فعل جميعه (ففعل) المحلوف عليه (بعضه) أي: بعض ما حلف عليه أن لا يفعله: (لم يحنث) على الأصح. نص عليه فيمن حلف على امرأته لا تدخل بيت أختها لم تطلق حتى تدخل كلها. ألا ترى أن عوف بن مالك قال: " كلى أو بعضي " (^١)؛ لأن الكل لا يكون بعضًا والبعض لا يكون كلًا.
و" لأن النبي كان يخرج رأسه وهو معتكف إلى عائشة فترجله وهي حائض " (^٢) . والمعتكف ممنوع من الخروج من المسجد [والحائض ممنوعة من اللبث فيه] (^٣) .
(فـ) يتفرع على ذلك: (من حلف على) إنسان (ممِسك مأكولًا:
لا أكَلَه، ولا ألقاه، ولا أمسكَه، فأكل بعضًا ورمى الباقي) لم يحنث؛ لأنه لم يأكله كله، ولم يلقه كله، ولم يمسكه كله.
(أو) حلف: (لا يدخل دارًا، فأدخلها بعض جسده، أو دخل طاقَ بابها)
لم يحنث؛ لأنه لم يدخلها بجملته.
_________________
(١) أخرجه أحمد في " مسنده " (١٧ ٢٤٠) ٦: ٢٣.
(٢) أخرجه أحمد في " مسنده " (٢٤٧٢٧) ٦: ١٠٠.
(٣) زيادة من ج.
[ ٩ / ٤٧٨ ]
(أو) حلف على امرأة: (لا يلبس ثوبًا من غزلها، فلبس ثوبًا فيه منه) أي: في الثوب شيء من غزلها لم يحنث؛ لأنه لم يلبس ثوبًا كله من غزلها.
(أو) حلف: (لا يشرب ماء هذا الإناء، فشرب بعضه) لم يحنث. فإن
من شرب بعض ماء الإناء لا يقال: شرب مائه، وإنما يقال: شرب بعض مائه. (أو) حلف: (لا يبيع عبدَه ولا يهبُه، فباع أو وهب بعضه) أو باع بعضه ووهب بعضه لم يحنث، لأنه لم يبعه كله ولم يهبه كله.
ويلحق (^١) بذلك في عدم الحنث ما أشير إليه بقوله:
(أو لا يستحق علىَّ فلان شيئًا) يعني: أن من ادعى عليه بشيء فأجاب بعدم الاستحقاق وحلف: أنه لا يستحق عليه المدعي شيئًا مما ادعاه، (فقامت بينة بسبب الحق: من قرض أو نحوه) على المدعى عليه (دون أن يقولا) أي: الشاهدين: (وهو) أي: والدين باقٍ (عليه: لم يحنث) المدعى عليه؛ لإمكان صدقه بدفع ذلك، أو براءته منه، لكنه يحكم عليه بما شهدا به؛ لأن الأصل بقاؤه.
(و) من حلف: (لا يشرب ماء هذا النهر، فشرب منه) حنث وجهًا واحدًا، لأن شرب جميعه ممتنع فلا ينصرف يمينه إليه. وكذلك إذا حلف لا يأكل الخبز، أو لا يشرب الماء، وما أشبهه مما علق على اسم جنس، أو علق على اسم جمع؛ كالمسلمين والمساكين والمقاتلين فإنه يحنث بالبعض.
وكذا من حلف: لا يشرب من الفرات فشرب من نهر يأخذ من ماء الفرات
فإنه يحنث في الأصح.
(أو) حلف على امرأة: (لا يلبس من غَزْلها، فلبس ثوبًا فيه منه) أي:
من غزلها: (حنث)؛ لأنه لبس من غزلها. بخلاف ما لو قال: ثوبًا من غزلها. وتقدم: أنه لا يحنث.
_________________
(١) في أ: ويلتحق.
[ ٩ / ٤٧٩ ]
(و) من قال لزوجته: (إن لبستُ ثوبًا أو لم يقل: ثوبًا) بأن قال: إن لبست (فأنت طالق، ونوى) بيمينه ثوبًا (معيّنًا: قُبِل) منه ذلك (حُكمًا) أي: في الحكم؛ لأن لفظه يحتمله، ولإمكان صدقه، (سواء) كان يمينه (بطلاق أم غيره.
و) من حلف: (لا يلبس ثوبًا أو لا يأكل طعامًا، اشتراه) أي: اشترى الثوب زيد، (أو نسجه أو طبخه) أي: طبخ الطعام (زيد، فلبس) الحالف (ثوبًا نسجه هو) أي: زيد (وغيره، أو) لبس ثوبًا أو أكل طعامًا (اشترياه) أي: اشتراه زيد هو وغيره، (أو) اشتراه (زيد لغيره، أو أكل من طعام طبَخاه: حنث) على الأصح، كما لو حلف: أن لا يلبس من غزل فلانة فلبس ثوبًا من غزلها وغزل غيرها.
(وإن (^١) اشترى غيره) أي: غير زيد (شيئًا) انفرد بشرائه، (فخلطه) زيد (بما اشتراه فأكل) الحالف منه (أكثر مما اشترى شريكه) أي: شريك زيد في الشراء: (حنث) وجهًا واحدًا، لأنه أكل مما اشتراه زيد يقينًا.
(وإلا: فلا) أي: وإن لم يأكل أكثر مما اشتراه شريك زيد لم يحنث.
وعلم مما تقدم أنه إذا أكل قدر ما اشترى شريك زيد: أنه لا يحنث في الأصح، لأن الأصل عدم الحنث ولم يتيقن.
(و) من حلف: (لا بِتُّ عند زيد، حنث بـ) مبيته عنده (أكثر الليل)،
لأن ذلك يسمى مبيتًا.
(لا إن حلف: لا أقمت عنده) أي: عند زيد (كلَّ الليل، أو نواه) أى:
نوى بقوله: لا بِتُّ عنده إرادة جميع الليل، (فأقام) عنده (بعضه) أي: بعض الليل ولو كان البعض أكثره.
(ولا إن حلف: لا بات) ببلد، (أو) لا (أكل ببلد، فبات أو أكل خارج بنيانه) أي: بنيان البلد فإنه لا يحنث. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في ب: فإن.
[ ٩ / ٤٨٠ ]
[باب: التأويل في الحلف]
هذا (باب) يذكر فيه (التأويل في الحلف.
وهو) أي: والتأويل في الحلف: (أن يريد) الحلف (بلفظٍ) أي: باللفظ الصادر منه (ما) أي: معنى (يخالف ظاهره) أي: ظاهر لفظه.
(ولا ينفع) التأويل في الحلف (ظالمًا) بحلفه؛ (لقول رسول الله ﷺ:
" يمينكَ على ما يُصدِّقُكَ به صاحبُك) " (^١) . رواه مسلم وأبو داود.
فالظالم كالذى يستحلفه الحاكم على حقَّ عنده، فهذا تنصرف يمينه إلى ظاهر الذي عناه المستحلف.
ولا ينفع الحالف تأويله؛ لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ:
" اليمينُ على نية المستحْلِف " (^٢) . رواه مسلم.
ولأنه لو ساغ التأويل للظالم لبطل المعنى المبتغى باليمين، إذ المقصود منها تخويف الحالف؛ ليرتدع عن الجحود خوفًا من عاقبة اليمين الكاذبة، فمتى ساغ التأويل له انتفى ذلك، وصار التأويل وسيلة إلى جحد الحقوق.
_________________
(١) أخرجه مسلم في " صحيحه " (١٦٥٣) ٣: ١٢٧٤ كتاب الأيمان، باب يمين الحالف على نية المستحلف. وأخرجه أبو داود في " سننه " (٣٢٥٥) ٣: ٢٢٤ كتاب الأيمان والنذور، باب المعاريض في اليمين. وأخرجه الترمذي في " جامعه " (١٣٥٤) ٣: ٤٩٢ كتاب الأحكام، باب ما جاء أن اليمين على ما يصدقه صاحبه. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢١٢١) ١: ٦٨٦ كتاب الكفارات، باب من ورى في يمينه. وأخرجه أحمد في " مسنده " (٠ ٨٣٦) ٢: ٣٣١.
(٢) أخرجه مسلم في الموضع السابق. وأخرجه ابن ماجه في " سننه " (٢١٢٠) ١: ٦٨٥ كتاب الكفارات، باب من ورى في يمينه.
[ ٩ / ٤٨١ ]
(ويباح) التأويل (لغيره) أي: لغير الظالم يحلفه، سواء كان مظلومًا أو
كان لا ظالمًا ولا مظلومًا في ظاهر كلام أحمد. فإنه روي أن مهنا والمروذي كانا عند الإمام أحمد هما وجماعة معهما، فجاء رجل يطلب المروذي ولم يرد المروذي أن يكلمه فوضع مهنا إصبعه في كفه، [وقال: ليس المروذي هاهنا وما يصنع المروذي هاهنا. يريد ليس المروذي في كفه] (^١) . فلم ينكر أحمد ذلك.
وروي أن مهنا قال لأحمد: إني أريد الخروج يعني: السفر إلى بلده وأحب
أن تسمعني الجزء الفلاني. فأسمعه إياه. ثم رآه بعد ذلك. فقال: ألم تقل أنك تريد الخروج؟ فقال له مهنا. قلت: إني أريد الخروج الآن. فلم ينكر ذلك عليه أحمد.
وروى أنس: " أن رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! احملني. فقال: إنا حاملوك على ولد الناقة. فقال: وما أصنع بولد الناقة؟ قال رسول الله ﷺ: وهل تلد الإبل إلا النوق؟ (^٢) . رواه أبو داود.
و" قال لامرأة وقد ذكرت له زوجها: أهو الذي في عينيه بياض؟ فقالت:
يا رسول الله لِلَّهِ إنه لصحيح العين " (^٣) . وأراد النبى ﷺ البياض حول الحدقة. وقد " كان النبي ﷺ يمزح ولا يقول إلا حقًا " (^٤) .
ويروى عن سفيان: أن رجلًا خطب امرأة وتحته أخرى، فقالوا:
لا نزوجك حتى تطلق امرأتك. فقال: اشهدوا أنى قد طلقت ثلاثًا. فزوجوه فأقام على امرأته. فقالوا: قد طلقت ثلاثًا. قال: ألم تعلموا أنه كان لي ثلاث
_________________
(١) ساقط من ب.
(٢) أخرجه أبو داود في " سننه " (٤٩٩٨) ٤: ٠ ٣٠ كتاب الأدب، باب ما جاء في المزاح. وأخرجه أحمد في " مسنده " (١٣٨٤٠) ٣: ٢٦٧.
(٣) قال العراقي: رواه الزبير بن بكار في " كتاب الفكاهة والمزاح " [عن زيد بن أسلم]، ورواه ابن أبي الدنيا من حديث عبد الله بن سهم الفهري مع اختلاف. " تخريج الإحياء " ٣: ١٢٩.
(٤) أخرجه الطبرانى في " المعجم الصغير " ٢: ٧ عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ: " إني لأمزح ولا أقول إلا حقًا ".
[ ٩ / ٤٨٢ ]
نسوة فطلقتهن؟ قالوا (^١): بلى. قال: قد طلقت ثلاثًا. قالوا: ما هذا أردنا فذكر ذلك شقيق لعثمان فجعلها نيته.
ويروى عن الشعبي: أنه كان في مجلس فنظر إليه رجل ظن أنه يطلب منه التعريف به والثناء عليه، فقال الشعبي: إن له بيتًا وشرفًا. فقيل للشعبي بعد ما ذهب الرجل: أتعرفه؛ قال: لا. ولكنه نظر إليَّ. قيل: فكيف أثنيت عليه؟ قال: شرفه إناؤه وبيته الذي يسكنه.
إذا تقرر هذا (فلو حلف آكل مع غيره تمرًا أو نحوه) مما له نوى، كمشمش وخوخ على غيره: (لتميَّزن نوى ما أكلت، أو) حلف (لتخبرنَّ بعدده) أي: عدد نوى كل ما أكلت (فأفرد) المحلوف عليه (كلَّ نواة) وحدها فيما إذا حلف: ليميزن نوى ما أكلت، (أو عدَّ) المحلوف عليه: لتخبرن بعدد نوى ما أكلت (من واحد إلى عددٍ يتحقق دخول) نوى (ما أكل فيه) أي: فيما عده بَرَّ.
(أو) حلف إنسان (ليطبخنَّ قدرًا برطل ملح، ويأكل منه) أي: مما طبخه برطل ملح (فلا يجد طعم الملح، فصَلَق به بيضًا وأكله) برَّ.
(أو) حلف إنسان: أنه (لا يأكل بيضًا ولا تفاحًا، وليأكلن مما في هذا الوعاء فوجده بيضًا وتفاحًا، فعمل من البيض ناطفًا ومن التفاح شرابًا، وأكله) بر؛ لأن ذلك ليس بيضًا ولا تفاحًا.
(أو) حلف (مَن على سُلَّم: لا نزلتُ إليك، ولا صعدتُ إلى هذه، ولا أقمتُ مكاني ساعة فنزلت العليا، وصعدت السفلى وطلع، أو نزل): لم يحنث.
(أو) حلف مَن على سُلَّم: (لا أقمتُ عليه، ولا نزلتُ منه، ولا صعدتُ فيه، فأنتقل إلى سُلَّمٍ آخر: لم يحنث في الكل)؛ لأن الصفة المعلق عليها اليمين لم توجد.
(إلا مع حيلة أو قصد). فمن حلف: لتخبرنى بعدد نوى ما أكلت وقصده
_________________
(١) في ب: فقالوا.
[ ٩ / ٤٨٣ ]
الإخبار بكميته من غير نقص ولا زيادة لم يبر (^١) إلا بذلك، فلا يبر بالحيلة بأن يعد المحلوف عليه من واحد إلى عدد يتحقق دخول ما أكل فيه؛ لأن ذلك حيلة على عدم الحنث فلا يبر به؛ لأن ظاهر حال الحالف إرادته.
(أو) مع (سبب) يقتضي إرداة معرفة الكمية من غير نقص ولا زيادة فتنصرف اليمين إليه؛ لأنه العرف.
(و) من حلف: (ليقعُدنَّ على بارِيَّةِ بيته، ولا يُدخِلُه باريةً، فأدخله) أي: أدخل بيته (قصبًا ونسج) القصب (فيه، أو نسج قصبًا كان فيه) أي: في البيت فجعله بارية وقعد عليها أولًا: (حنث)؛ لحصول البارية في بيته.
(و) من حلف وهو في ماء: (لا أقمتُ في هذا الماء، ولا خرجتُ منه وهو) أي: والماء (جار: لم يحنث)، سواء أقام أو خرج؛ لأنه إنما يقف في غيره أو يخرج منه.
(إلا بقصد) أي. إلا أن يقصد أن لا يخرج من الماء مطلقًا، (أو) إلا
بـ (سبب) يقتضي عدم إرادة عين ذلك الماء.
(وإن كان) الماء (راكدًا: حنث ولو حُمل منه مكرهًا)؛ لأنه يمكنه الامتناع. فلم يكن مكرهًا حقيقة.
ويجوز التعريض في المخاطبة لغير ظالم ولو بلا حاجة في الأصح.
ومنه لحاجة ما أشير إليه بقوله:
(وإن استحلفه ظالم: ما لفلان عندك وديعة، وهي) أي: ووديعة فلان (عنده، فعنَى بـ " ما ": الذي) فيصير الكلام معناه الذي لفلان عندي وديعة، (أو نوى غيرها) أي: نوى غير الوديعة المطلوبة منه، (أو) نوى مكانًا (غير مكانها، أو استثناها بقلبه) بأن نوى: أنه ليس لفلان عنده وديعة إلا التي عنده: (فلا حنث) في جميع هذه الصور؛ لأنه صادق.
(وكذا لو استحلفه) ظالم (بطلاق أو عتاق: أن يفعل ما) أي: شيئًا
_________________
(١) فى ب: يبرأ.
[ ٩ / ٤٨٤ ]
(يجوز) له (فعله، أو) استحلفه ظالم إن (يفعل ما) أي: شيئًا (لا يجوز) له فعله، (أو أنه لم يفعل كذا) في الماضي (لشيء لا يلزمه الإقرار به، فحلف، ونوى بقوله): أن زوجته (طالق: من عمل) تعمله أي عمل كان؛ كالخياطة والغزل والتطريز، لا أنه طالق من عصمته، (و) نوى (بقوله: ثلاثًا) أي: طالق من عملها: (ثلاثة أيام، ونحوه)؛ كما لو نوى بقوله: طالق من رباط فإنه لا حنث عليه فيما بينه وبين الله ﷾ رواية واحدة.
(وكذا إن قال) له ظالم: (قل زوجتي) طالق إن فعلت كذا، (أو) قال له الظالم قل: (كلُّ زوجة لي طالق إن فعلت كذا، ونوى زوجته العمياء أو اليهودية أو الحبشية، ونحوه)؛ كالرومية ولم تكن له زوجة متصفة بهذه الأوصاف، (أو نوى) بقوله: (كل زوجة) يعني: (تزَّوجها بالصين، ونحوه) من الأقاليم البعيدة، (و) الحال: أن الحالف (لا زوجة) له بذلك المكان الذي نواه، (ولم يتزوج بما نواه) من الأمكنة لم يحنث.
(وكذا لو نوى) من استحلفه ظالم أنه لم يفعل كذا بقوله: (إن كنت فعلتُ
كذا بالصين، أو نحوه: من الأماكن التي لم يفعله فيها) فزوجته طالق: لم يحنث. (وكذا) لو قال له ظالم (قُل: نسائي طوالق إن كنتُ فعلت كذا، ونوى) بنسائه: (بناته، أو نحوهن)؛ كأخواته لم يحنث.
(ولو قال) له ظالم: (كلُّ ما أحلُفك به فقل: نعم، أو) قال له الظالم: (اليمين التي أحلفك بها لازمة لك، قل: نعم، فقال: نعم، ونوى بهيمة الأنعام): لم يحنث.
(وكذا) لو قال له الظالم (قُل: اليمين التي تحلِّفني بها) لازمة لي، (أو)
قال له الظالم قُل: (أيمان البيعة لازمة لي) يعني: إن كنت فعلت كذا وقد فعله، (فقال ونوى يده، أو) نوى (الأيدي التي تبسط عند البيعة) لم يحنث. (وكذا) لو قال له الظالم (قُل: اليمين يميني، والنية نيتك، ونوى بيمينه: يده، وبالنية) في قوله: والنية نيتك: (البضعة من اللحم): لم يحنث.
(وكذا) لو قال له الظالم (قُل: إن) كنت (فعلتُ كذا فزوجتي عليَّ كظهر
[ ٩ / ٤٨٥ ]
أمي، ونوى بالظهر: ما يركب من خيل ونحوها)؛ كالجمال والحمير: لم يحنث. (وكذا لو) قال له الظالم قل: إن كنت فعلت كذا فأنا مظاهر من زوجتى،
و(نوى بمُظاهر: انظر أيُّنا أشدُ ظهرًا): لم يحنث.
(وكذا) لو قال له الظالم (قل): إن لم أكن فعلت كذا، (وإلا فكل مملوك لي حر) وكان فعل ذلك الشيء، (ونوى بالمملوك: الدقيق الملتوت بالزيت أو السمن): لم يحنث.
(وكذا لو نوى بالحر: الفعلَ الجميل، أو الرمل الذي ما وُطى) فإنه لا يحنث.
(و) كذا لو قال له الظالم قل: إن كنت فعلت كذا فجاريتي حرة، أو فجواري حرائر، أو فمماليكي أحرار، فقال ذلك، ونوى (بالجارية: السفينة أو الريح، و) نوى (بالحرة: السحابة الكثيرة المطر، أو (^١) الكريمة من النوق، و) نوى (بالأحرار: البَقْل، و) نو ى (بالحرائر: الأيام) فإنه لا يحنث.
(ومن حلف) بالله ﷾ أو بطلاق أو غيرهما: (ما فلان هنا، وعين موضعًا ليس فيه) فلان: (لم يحنث)؛ لأنه صادق.
(و) من حلف (على زوجته: لا سرقت مني شيئًا، فخانته في وديعة: لم يحنث)؛ لأن الخيانة ليست بسرقة.
(إلا بنية) بأن ينوي بسرقتها خيانتها، (أو) بـ (سبب) وهو: أن تكون خيانتها هي المهيجة ليمينه.
***
_________________
(١) في ج زيادة: نوى.
[ ٩ / ٤٨٦ ]
[باب: الشك في الطلاق]
هذا (باب) يذكر فيه (الشك في الطلاق).
الشك هو: التردد بين شيئين لا يترجح أحدهما على الآخر.
(وهو هنا: مطلق التردد) يعني: والمقصود به هاهنا التردد بين وجود المشكوك فيه من لفظ الطلاق أو عدده أو شرطه، وعدمه. والبقاء على الأصل واجب إلى أن يثبت المزيل.
والأصل في هذا حديث عبد الله بن زيد عن النبي ﷺ: " أنه سئل عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة. فقال: لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا " (^١) . متفق عليه.
فأمره بالبناء على اليقين واطراح الشك فلهذا قلت:
(ولا يلزم) الطلاق (بشكٍ فيه، أو) بشك (فيما عُلِّق عليه) الطلاق، (ولو) كان المعلق عليه الطلاق (عَدَمِيًّا)؛ بأن قال: إن لم أدخل الدار يوم كذا فزوجتي طالق، ومضى اليوم وشك هل دخل الدار فيه أوْ لا، لأنه شك طرأ على يقين. فوجب اطراحه؛ كما لو شك المطهر في الحدث.
قال الموفق: والورع: التزام الطلاق.
وقال الخرقي: إذا طلق فلم يدر أواحدة طلق أم ثلاثًا اعتزلها. وعليه نفقتها
ما دامت في العدة. فإن راجعها في العدة استمر عليه وجوب نفقتها، ولم يطأها حتى يتيقن كم الطلاق.
_________________
(١) أخرجه البخاري قي " صحيحه " (١٧٥) ١: ٧٧ كتاب الوضوء، باب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين: من القبل والدبر. وأخرجه مسلم في " صحيحه " (٣٦١) ١: ٢٧٦ كتاب الحيض، باب الدليل على أن من يتقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته.
[ ٩ / ٤٨٧ ]
والأول المذهب.
قال أحمد في رواية ابن منصور في رجل لفظ بطلاق امرأته لا يدري واحدة أم ثلاثًا: أما الواحدة فقد وجبت عليه وهي عنده حتى يستيقن.
ووجه ذلك: أن ما زاد على القدر الذي تيقنه طلاق مشكوك فيه. فلم يلزمه؛ كما لو شك في أصل الطلاق. فتبقى أحكامه أحكام المطلق دون الثلاث من إباحة الرجعة.
قال في " شرح المقنع ": وظاهر قول سائر أصحابنا: إنه إذا راجعها حلت له. وهو قول أبي حنيفة والشافعي. وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن منصور؛ لأن التحريم المتعلق بما يتقنه يزول بالرجعة يقينا فإن التحريم أنواع: تحريم تزيله الرجعة، وتحريم يزيله نكاح جديد، وتحريم يزيله نكاح بعد زوج وإصابة.
ومن تيقن الأدنى لا يثبت فيه حكم الأعلى؛ كمن تيقن الحدث الأصغر
لا يثبت فيه حكم (^١) الأكبر ويزول تحريم الصلاة بالطهارة الصغرى. انتهى.
(وسن ترك وطء قبل رجعة) على الأصح.
(وتمام التورع: قطع شكٌ بها) أي: " بالرجعة، (أو بعقدٍ) جديد (أمكن) يعني: إن لم تكن قد بقيت في طلاقها على واحدة؛ لأنه على تقدير الوقوع لا تحل له بدونهما. فكان الأولى فعلهما؛ ليتيقن الحِل بذلك.
(وإلا) أي: وإن لم يكن ذلك: (فـ) يرفع الشك (بفرقة متيقنة)، وذلك (بأن يقول: إن لم تكن طلقت فهى طالق)؛ لأنه إذا استحب له ترك وطئها ولم يمكنه استباحته بالرجعة أو تجديد العقد كان الأولي الفرقة؛ لئلا تبقى معلقة ممنوعًا من وطئها بالتحرج منه.
ومتى فارقها على ذلك لم تحل لغيره فالأولى إيقاع الطلاق عليها بيقين وهو إيقاعه على تقدير: أن لا يكون وقع قبل ذلك.
_________________
(١) في ج: حدث.
[ ٩ / ٤٨٨ ]
(ويمنع حالف: لا يأكل تمرة، ونحوها)؛ كزبيبة ولوزة وفستقة (اشتبهت بغيرها من أكل واحدة) مما اشتبهت به؛ لاحتمال أن تكون المحلوف عليها، هذا (وإن لم نمنعه) أي: نمنع الحالف (بذلك) أي: بأكله واحدة مما اشتبهت المحلوف عليها به (من الوطء) أي: وطء زوجته التي حلف بالطلاق منها؛ لأن الباقي بعد المأكولة يحتمل أن المحلوف عليها فيه ويقين النكاح ثابت فلا يزول بالشك.
وقال الخرقي: يمنع من وطئها؛ لأنه شاكٌ في حلها. فحرمت عليه؛ كما
لو اشتبهت امرأة بأجنبيةٍ. ووافق على بقاء أحكام النكاح من لزوم النفقة والكسوة والمسكن، وإن كانت يمينه ليأكلن هذه التمرة مثلًا فلا يتحقق بره حتى يعلم أنه أكلها، أو يأكل الثمر (^١) التي اختلطت به كله (^٢) .
(ومن شك في عدده: بنى على اليقين).
وقال الخرقي: إذا طلق فلم يدر أواحده طلق أم ثلاثًا: لم يحل له وطئها حتى يتيقن.
(فـ) يتفرع على ذلك أن من قال لزوجته: (أنت طالق بعدد ما طلق زيد زوجته، وجُهل) بأن لم يعلم عدد ما طلق فلان زوجته: (فطلقة) أي: فإنه يقع عليه طلقة واحدة؛ لأنها المتيقنة.
(و) من قال (لامرأتيه: إحداكما طالق وثَمَّ مئويَّة) أي: وهناك من نواها منهما بالطلاق: (طلقت) المنوية وحدها؛ لأنه عيّنها بنيته. فأشبه ما لو عينها بلفظه. فلو ادعته إحداهما وقال: إنما عينت ضرتك قبل منه؛ لأن ما قاله محتمل، ولا يعرف إلا من جهته.
(وإلا) أي: وإن لم ينو واحدة بعينها: (أُخرجت) المطلقة (بقرعة).
_________________
(١) في ب: الثمرة.
(٢) زيادة من ج.
[ ٩ / ٤٨٩ ]
نص عليه في رواية الجماعة، (كمُعيَّنَةٍ مَنْسِيَّة) يعني: كما لو عينها ثم أنسيها فإنها تخرج بقرعة.
(وكقوله) أي: وكما لو قال زوج حفصة وعمرة (عن طائر: إن كان غُرابّا فحفصة طالق، وإلا) أي: وإن لم يكن غرابّا (فعمرة) طالق، ثم ذهب الطائر (وجُهل) هل كان غرابّا أوْ لا؟ فإنه يقرع بينهما على الأصح. فتطلق من أخرجتها القرعة، لأنه لا سبيل إلى معرفة المطلقة منهما عينا فهما سواء. والقرعة طريق شرعي لإخراج المجهول. فشرعت القرعة، كما في المبهمة.
(وإن مات) قبل أن يقرع (أقرَعَ ورثته)، لقيامها مقامه، (ولا يطأ) أي: ويحرم وطؤه (قبلها) قبل القرعة إن كان الطلاق بائنًا، (وتجب النفقة) أي: نفقة الزوجتين إلى حين القرعة، لأن كل واحدة منهما محبوسة لحقه في حكم الزوجية. فوجبت نفقتهما، كسائر الزوجات.
(ومتى ظهر) أن المطلقه غير المخرجة بأن ذكر من طلق واحدة وأنسيها (أن المطلقة غير المخرّجة) بالقرعة، (رُدّت) إلى الزوج، لأنها زوجته.
ولأنه لم يقع عليه الطلإق بصريح ولا كناية.
ولأن القرعة لا حكم لها مع الذكر فإذا علم المطلقة عينًا رجع إلى قوله في ذلك، لأنه لا يعرف إلا منه.
ولأنه إنما منع منها بالاشتباه. فإذا زال عنها ردت إليه، كما لو عُلمت المذكاة المشتبهة بالميتة فإنه يحل له أكلها. كذلك هذا.
ومحل ذلك: (ما لم تتزّوج) المخرجة بالقرعة؛ لتعلق حق غيره بها. فلا
يقبل قوله في إبطاله، كما في سائر الحقوق، (أو يحكم بالقرعة). نص عليه في رواية الميمونى، فقال: إن كان الحاكم أقرع بينهن قلا أحب أن ترجع إليه " لأن الحاكم في ذلك أكبر منه. وذلك، لأن الفرقة من جهة الحاكم بالقرعة لا يمكن الزوج دفعها فتقع الفرقة بينهما بالقرعة.
(و) من قال (لزوجتيه أو أمتيه: إحداكما طالق) غدًا، (أو) قال:
[ ٩ / ٤٩٠ ]
(حرة غدًا، فماتت إحداهما) أي: إحدى الزوجتين، (أو زال ملكه عنها) أي: عن أحد الأمتين (قبله) أي: قبل الغد: (وقع) الطلاق أو العتق (بالباقية)؛ لأن الميتة من الزوجتين أو من الأمتين وقت الوقوع ليست محلًا للطلاق ولا للعتق. وكذا إذا زال ملكه عن إحدى الأمتين؛. أشبه ما لو قال لزوجته وأجنبية: [إحداكما طالق، أو قال لأمته وأجنبية] (^١): إحداكما حرة. وهذا الأصح.
وقيل: يقرع بين الميتة والباقية.
(ومن زوَّج بنتًا من بناته، ثم مات وجُهلت) المزوجة: (حرُم الكل)؛
لأن كل واحدة منهن يحتمل أن تكون هي المزوجة.
(ومن) له زوجتان حفصة وعمرة و(قال عن طائر: إن كان غُرابّا فحفصة طالق، وإن كان حماما فعمرة) طالق، ومضى (وجُهل) حاله: (لم تطلُق واحدة منهما) أي: من حفصة وعمرة؛ لاحتمال كون الطائر ليس غُرابّا ولا حمامًا.
ولأنه متيقن الحال وشاك في الحنث. فلا يزول عن يقين النكاح بالشك.
(وإن قال) من له زوجة أو أمة عن طائر: (إن كان غُرابّا فزوجتي طالق ثلاثًا، أو) قال: فـ (أمتي حرة. وقال آخر: إن لم يكن غُرابّا مثله) يعني: إن لم يكن غُرابّا فزوجته طالق أو فأمته حرة، (ولم يعلما) كون الطائر غرابّا أو ليس بغراب: (لم يطلُقا) زوجاتهما، (ولم يعتقا) أمتاهما؛ لأن الحانث منهما ليس معلومًا ولا يحكم به في حق واحد منهما بعينه، بل تبقى في حقه أحكام النكاح من النفقة والكسوة والسكنى؛ لأن كل واحد منهما يقين نكاحه باق ووقوع طلاقه مشكوك فيه.
(وحرُم عليهما الوطء)؛ لأن أحدهما حانث بيقين وامرأته محرمة عليه وقد أشكل. فحرم الوطء عليهما جميعًا؛ كما لو حنث في إحدى امرأتيه لا بعينها. ويستثنى من ذلك ما أشير إليه بقوله:
_________________
(١) ساقط من أوب.
[ ٩ / ٤٩١ ]
(إلا مع اعتقاد أحدهما خطأ الآخر) فإن المعتقد خطأ رفيقه لا يحرم عليه وطء زوجته أو أمته، ولا يحنث فيما بينه وبين الله ﷾؛ لأنه ممكن صدقه. وإن أقر كل واحد منهما: أنه الحانث طلقت زوجتاهما أو عتقت أمتاهما بإقرارهما على أنفسهما.
وإن أقر أحدهما حنث وحده فإن ادعت امرأة أحدهما عليه الحنث فأنكر، فالقول قوله.
(أو يشتري أحدهما أمة الآخر: فيُقرع بينهما) أي: بين الأمتين (حينئذ)، فمن خرجت لها القرعة: عتقت.
(وإن كانت) الأمة (مشتركة بين موسرين، وقال كل منهما) أي: من الشريكين بأن قال أحدهما: إن كان غرابّا (فنصيبي حر)، وقال الآخر: إن لم يكن غرابّا فنصيبي حر (عَتَقَتْ) كلها (على أحدهما، ويميز) من عتقت عليه (بقرعة) والولاء له.
(و) من قال (لامرأته وأجنبية: إحداكما طالق) طلقت امرأته، أو قال لجماعة- ولو كانت لها بنت غير زوجته-: ابنتك طالق، (أو قال: سَلْمَى طالق واسمها) أى: اسم امرأته سلمى واسم الأجنبية سلمى: (طلقت امرأته) " لأنه لا يملك طلاق غيرها.
ولأنه إزالة ملك. أشبه ما لو باع ماله ومال غيره بغير إذنه فإنه يصح في ماله دون مال غيره.
(فإن قال: أودت الأجنبية دُيَّنَ) فيما بينه وبين الله ﷾؛ لاحتمال صدقه.
ولأن لفظه يحتمله.
(ولم يُقبل) منه ذلك (حكمًا) أي: في الحكم.
قال أحمد في رجل تزوج امرأة فقال لحماته: ابنتك طالق، وقال: أردت ابنتك الأخرى التي ليست بزوجتي فلا يقبل منه، وذلك لكون الزوجة محلًا للطلاق. بخلاف غيرها.
[ ٩ / ٤٩٢ ]
ويستثنى من ذلك صور أشير إليها (^١) بقوله:
(إلا بقرينة) دالة على إرادته الأجنبية، مثل: أن يدفع بذلك ظالمًا أو يتخلص بذلك من مكروه. فإنه يقبل منه ذلك في الحكم؛ لوجود الدليل الصارف إلى الأجنبية. وإن لم ينو زوجته ولا الأجنبية: طلقت زوجته؛ لأنها محل الطلاق. بخلاف الأجنبية.
(وإن نادى) من له زوجتان هند وعمرة (من امرأتيه هندًا) فقط (فأجابته) زوجته (عمرة، أو لم تجبه) عمرة (وهي الحاضرة) عنده دون هند (فقال: أنت طالق، يظنها المناداة) التي هي هند: (طلقت) هند فقط (دون عمرة) على الأصح؛ لأن المناداة هي المقصودة بالطلاق. فوقع بها؛ كما لو أجابته، وإنما لم تطلق عمرة على الأصح؛ لأنه لم يقصدها.
(وإن عَلِمَها) أي: علم كون المجيبة (غير المناداة: طلقتا) أي: طلقت المناداة؛ لأنها المقصودة بالطلاق، وطلقت المجيبة أيضًا؛ لأنه واجهها بالطلاق مع علمه أنها غير المناداة.
ومحل ذلك: (إن أراد طلاق المناداة) التي هي هند.
(إلا) أي: وإن لم يرد طلاق المناداة: (طلقت عمرة فقط) أي: دون هند التي هي المناداة؛ لأنها غير مواجهة ولا منوية بالطلاق فلا يقع بها شيء. (وإن قال) من له زوجة (لمن) أي: لامرأة (ظنَّها زوجته: فلانة) وسمى زوجته: (أنت طالق، أو لم يسمَّها) أي: يسم زوجته، بأن قال للأجنبية التي ظنها زوجته: أنت طالق من غير أن يقول: فلانة: (طلّقت زوجته)؛ لأن الاعتبار في الطلاق إنما هو بالقصد دون الخطاب.
(وكذا عكسها) على الأصح، وهي: ما إذا رأى زوجته فظنها أجنبية فقال لها: أنت طالق فإذا هي زوجته؛ لأنه واجهها بصريح الطلاق. فوقع؛ كما لو علم أنها زوجته. ولا اثر لظنه إياها أجنبية؛ لأنه لا يزيد على عدم إرادة الطلاق، ولو لم يرده في الزوجة المتحققة وقع فكذلك هاهنا.
_________________
(١) في أوب: إليه.
[ ٩ / ٤٩٣ ]
(ومثله) أي: ومثل الطلاق فيما تقدم: (العتق) إذا كان الرقيق بدل الزوجة فإن الحكم فيه كالحكم في الطلاق؛ لأن كلًا من الطلاق والعتق إزالة ملك مبني على التغليب والسراية فكانا بمعنى واحد.
قال أحمد فيمن قال: يا غلام أنت حر يعتق عبده الذي نوى.
وفي " المنتخب ": أو نسي أن له عبدًا أو زوجة فبان له.
(ومن أوقع بزوجته كلمة، وشَّك: هل هي) الكلمة (طلاق أو ظهار؟ لم يلزمه شيء) في الأصح. قدمه في " الفنون ".
قال في " تصحيح الفروع ": وقدمه في القاعدة الستين بعد المائة فقال: والمنصوص لا يلزمه شيء.
قال في رواية ابن منصور في رجل حلف بيمين لا يدري ما هي طلاق أو غيره، قال: لا يجب عليه طلاق حتى يعلم أو (^١) يستيقن. وتوقف في رواية أخرى.
وقال: في المسألة قولان آخران:
أحدهما: يقرع، فما خرج بالقرعة لزمه. قال: وهو بعيد.
والثاني: تلزمه كفارة، كل يمين شك فيها وجهلها. ذكرهما ابن عقيل في " الفنون ". وذكر القاضي في بعض تعاليقه: أنه استفتي في هذه المسألة فتوقف فيها ثم نظر فإذا قياس المذهب: أنه يقرع بين الأيمان كلها الطلاق، والعتاق، والظهار، واليمين بالله (^٢). فأيُ يمين وقعت عليها القرعة فهي المحلوف عليها. قال: ثم وجدت عن أحمد ما يقتضي أنه لا يلزمه حكم هذه اليمين. وذكر رواية ابن منصور. انتهى.
(وإن شكَّ) من له زوجة: (هل ظاهر) منها، (أو حَلَفَ بالله تعالى؛ لزمه بحنثٍ، أدنى كفارتَيِهْما) أي: كفارة الظهار واليمين؛ لأنه اليقين، وما عداه مشكوك فيه. والأحوط أعلاها. والله ﷾ أعلم.
_________________
(١) في ب: أن.
(٢) في ب: بالله تعالى.
[ ٩ / ٤٩٤ ]