ويُشترطُ لإخراجِها نيَّةٌ مِنْ مكلَّفٍ (^١). ولهُ تقديمُها بيسيرٍ (^٢)، والأفضلُ قرنُها بالدَّفعِ (^٣)، فينوِي الزَّكاةَ، أو الصَّدقةَ الواجبةَ. ولا يجزئُ أن ينويَ صدقةً مطلَقةً، ولو تصدَّقَ
(^١) وهذا إن كان المخرج لها مكلفا، وغير المكلف ينوي عنه وليه؛ لأن العبادات لا تصح إلا بنية؛ لقوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات».
(تتمة) يستثنى من شرط النية في إخراج الزكاة: ١ - إذا أخذها الإمام قهرا؛ لامتناعه، وتكفي نية الإمام وأجزأته ظاهرا فقط، فلا يؤمر بها ثانيا، ولا تجزئه باطنا لعدم النية، ٢ - أو أن يغَيِّب ماله، فتؤخذ منه الزكاة حيث وُجد المال، وتجزئ بلا نية كمأخوذة قهرا، وتجزئ في الظاهر فقط، ٣ - أو أن يتعذر الوصول إلى المالك - كأن يكون محبوسًا مثلًا -، فيأخذها الساعي من ماله، وتجزئه ظاهرًا وباطنًا.
(^٢) أي: يجوز تقديم النية على الإخراج بزمنٍ يسير، ومقداره كمقدار تقديم نية الصلاة عن التحريمة كما في الإقناع والمنتهى، وهو ما لا تفوت به الموالاة في الوضوء، قال الشيخ منصور في شرح المنتهى: (ولو عزل الزكاة لم تكف النية إذن مع طول الزمن).
(^٣) أي: أن تُقرَنَ النِّيةُ بالدفع.
[ ١ / ٥١٥ ]
بجميعِ مالِهِ (^١).
ولا تجبُ نيَّةُ الفرضيَّةِ (^٢)، ولا تعيِينُ المالِ المزكَّى عنهُ (^٣).
وإن وكَّلَ في إخراجِها مسلمًا (^٤)، أجزأت نيَّةُ الموكِّلِ، مَعَ
(^١) تناول المؤلف الصيغة التي إذا نواها أجزأته، فإذا أراد أن يخرج زكاة ماله، فنوى أنها زكاة، أو أنها صدقة واجبة، أجزأه، وكذلك لو نوى صدقة المال، أو صدقة الفطر، أما لو نوى صدقة مطلقة - فلم ينوِ أنها الواجبة -، لم يجزئه عن الفرض ولو تصدق بكل ماله، كما لو نوى صلاة مطلقة فلا تجزئ عن الفرض.
قال في المعونة: (والنية هنا أن ينوي أنها زكاة ماله، أو زكاة من يُخرج عنه من صبي أو مجنون، ومحلها القلب؛ لأنه محل الاعتقادات كلها).
(^٢) فلا يجب أن ينوي الشخص بزكاته أنها فريضة، بل يكفيه أن ينوي أنها زكاة ماله كما تقدم.
(^٣) ومثاله: أن يجب على شخص خمسمائة ريال زكاة ماله الذي في الرياض، وخمسمائة ريال زكاة ماله الذي في الأحساء. فإذا أخرج الألف لم يجب عليه أن يعين أن خمسمائة منها للمال الذي في الرياض وخمسمئة للمال الذي في الأحساء.
(^٤) قوله: (مسلما) يفهم منه: أنه لا يجوز توكيل كافر، وهو كذلك على المذهب؛ لاشتراط النية من قبل الوكيل، وكذا الموكل مع بعد الإخراج عن وقت التوكيل، ومع ذلك قال في الغاية: (ويتجه: ولو مع كفر وكيل؛ لأنه مناول إذن، ومع بعد =
[ ١ / ٥١٦ ]
قُربِ الإخراجِ، وإلا نوَى الوكيلُ أيضًا (^١).
= زمن إخراج فلابد من نية موكل حال دفع) ووافقه الشطي، انظر: المطالب (٢/ ١٢٤)، بخلاف التوكيل في الأضحية فتجزئ مع الكراهة. (فرق فقهي).
(تتمة) ذكر الشارح التغلبي في نيل المآرب: (مكلفا) أي: يشترط أن يكون الوكيل مكلفا، وذكر هذا الشرط ابن النجار في شرحه على منتهاه، وتبعه في الغاية وقال: (خلافا له)، وهو الذي صححه المرداوي في تصحيح الفروع، قال البهوتي في الكشاف: (وهو - أي: تصحيح الفروع - متأخر عن الإنصاف فما فيه يخالف الإنصاف كالرجوع عنه)، وفي الإقناع صحة توكيل المميز، وهو وجه جعله المرداوي المذهب في الإنصاف.
(^١) الوكالة: هي التفويض في إخراج الزكاة، ولا يخلو الحال فيها مما يلي:
١ - إما أن يكون الوكيل المدفوع إليه الذي سيوصلها لمستحقيها هو الإمام فهو وكيل الفقراء، وحينئذ يشترط نية الموكل عند دفعها للإمام، ولا تشترط نية الإمام عند دفعها لمستحقيها وإن طال الزمن؛ لأن الإمام وكيل الفقراء، ولا ضمان عليه إن تلفت من غير تفريط.
قال في الإقناع وشرحه: (وإن دفعها رب المال (إلى الإمام طوعا ناويا) أنها زكاة (وإن لم ينو الإمام حال دفعها إلى الفقراء) مثلا (جاز، وإن طال) الزمن (لأنه) أي الإمام =
[ ١ / ٥١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= (وكيل الفقراء) لا رب المال.)
٢ - وإما أن يكون الوكيل غير الإمام، فالوكيل نائب عن المخرج للزكاة، وعليه فيشترط ما ذكره المؤلف في النية: إن قرب الإخراج من التوكيل كفت نية الموكل، وإن بعد الإخراج من قبل الوكيل للزكاة عن وقت التوكيل فلا بد من نية أخرى من قبل الوكيل عند دفعها لمستحقيها.
قال في الإقناع: (فإن دفعها إلى وكيله أجزأت النية من موكل مع قرب زمن الإخراج ومع بعده لا بد من نية الموكل حال الدفع إلى الوكيل ونية الوكيل عند الدفع إلى المستحق ولا تجزئ نية الوكيل وحده).
ومقدار القُرب هنا كمقدار الزمن اليسير الذي يجوز فيه تقديم نية الصلاة عن التحريمة، فمن وكَّل شخصًا ليخرج زكاة ماله خلال زمن يسير، فإن نية الموكِّل كافية إذَن، أما لو كان الإخراج سيكون في اليوم التالي مثلًا، فيجب إذَن على الوكيل أن ينوي أيضًا أنها زكاة. (فرق فقهي)
(تتمة) مع كون الإمام وكيل الفقراء فلا يجوز له تأخير إخراج الزكاة لمستحقيها، قال في الإقناع: (وإن أخر الساعي قسمة زكاة عنده بلا عذر كاجتماع الفقراء أو الزكاة لم يجز، ويضمن ما تلف لتفريطه كوكيل في إخراجها يؤخره)، ومنه يؤخذ: عدم جواز العمل بأموال الزكاة بل يجب إيصالها لمستحقيها فورا.
(تتمة) مسألة مهمة: وهي إعطاء الزكاة للجمعيات الخيرية، =
[ ١ / ٥١٨ ]
والأفضلُ جعلُ زكاةِ كلِّ مالٍ في فقراءِ بلدِهِ (^١).
ويحرُمُ نقلُها إلى مسافةِ قصرٍ، وتجزئُ (^٢).
ويصحُّ تعجيلُ الزكاةِ لحولينِ فقط (^٣)، إذا كمُلَ
= وحقيقة تلك الجمعيات أنها في دور الوكيل، لكن هل هي وكيل عن رب المال، أو عن الفقراء؟
الظاهر: أنها إن كانت مرخصة من ولي الأمر فهي وكيل عن الفقراء، وإن لم تكن مرخصة فهي وكيل عن رب المال، والله أعلم.
(^١) لحديث معاذ ﵁، حيث قال ﷺ في الزكاة: «فأعلمهم بأن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فتُرَدُّ على فقرائهم» متفق عليه، لكن هذا مقيد بما إذا لم تتشقص زكاة سائمة، فإن أدى إلى التشقيص فيخرجها في بلد واحد كما لو كان له عشرون شاة في بلدين متقاربين فيخرج شاة في أي البلدين شاء، ولا يلزمه أن يخرج نصفا في بلد، ونصفا في البلد الثاني.
(^٢) أي: يحرم أن تُنقل إلى مسافة قصر من البلد الذي فيه المال، كمن يكون ماله في الرياض، فيخرج زكاته في الأحساء، -هذا الحكم التكليفي-، فإن فعل، أثم، لكنها تجزئه -وهذا الحكم الوضعي-.
(^٣) قوله (يصح): هذا الحكم الوضعي، أما الحكم التكليفي: فإن تعجيل الزكاة مباح، وليس مستحبًا بل الأفضل تركه، والدليل على صحة تعجيل الزكاة لحولين - لا أكثر من ذلك - أن الرسول ﷺ تعجل من العباس ﵁ صدقة سنتين رواه أبو عبيد =
[ ١ / ٥١٩ ]
النِّصابُ (^١)، لا منهُ للحولينِ (^٢).
= في الأموال وحسنه الألباني.
(تتمة) مما لا يصح تعجيل زكاته: لا يصح تعجيل الزكاة في ربح التجارة؛ لأنه لم يوجد فكأنه - لو عجل - قد عجل زكاة عما ليس في ملكه، ولا نِتاج السائمة، ولا الركاز، ولا المعدن ولا الزروع والثمار قبل حصولها، ولا عن التمر قبل طلوع الطلع، ولا عن الزبيب قبل طلوع الحصرم؛ لأنه تقديم زكاة قبل وجود سببها.
(^١) وهذا شرط لصحة تعجيل الزكاة.
(^٢) الضابط: أن المعجلَّ إذا كان لحول واحد فحكمه حكم الموجود في ملكه، وإن كان المعجل للحول الثاني فحكمه حكم المعدوم من ملكه ويتأثر بذلك النصاب.
وإن عجل عن النصاب منه لحولين فلا يصح لا للحول الأول ولا للثاني لنقصان النصاب، وكذا لو عجل للحول الثاني فقط فلا يصح؛ لأن النصاب ينقص، ولو عجل للحولين من غير النصاب صح وأجزأه.
ويترتب على ما تقدم تقريره: أنه يصح أن تُعجل الزكاةُ من نفس النصاب لسنة واحدة، لا لسنتين. ومثاله: أن يكون للشخص أربعون من الغنم، فلو عجَّل من النصاب قبل الحول شاة واحدة عن سنة واحدة، جاز، أما لو عجَّل شاتين من نفس النصاب عن سنتين، فلا يصح. وذلك أن المُعَجَّل لسنة واحدة في حكم الموجود، فلا ينقص به النِّصاب عن =
[ ١ / ٥٢٠ ]
فإن تلِفَ النِّصابُ أو نَقَصَ، وقعَ نفلًا (^١).
= الأربعين. قال في الإقناع: (وإن عجل زكاة النصاب فتم الحول وهو ناقص قدر ما عجله أجزأ إذ المعجل في حكم الموجود. انتهى)، أما المعجَّل عن سنتين، فهو في حكم المفقود، فيحول الحول إذَن على أقل من نصاب.
(^١) أي: فإن تلف النصاب المعجل زكاته أو نقص قبل الحول وقع المعجل نفلا ثم لا يخلو الحال: ١ - إما أن يكون المعجل بيد الساعي فللمخرج الرجوع عليه، ٢ - وأما إن كانت بيد الفقير فلا رجوع لِلْمُعَجِّلِ عليه سواءً كان هو الدافع أو غيره؛ لأنها صارت صدقة نافلة مقبوضة وهي تلزم بالقبض.
[ ١ / ٥٢١ ]