فصل
(وفرائضه) أي: التيمم عن حدث أصغر (أربعة) أشياء:
(مسح جميع وجهه ولحيته) لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ (^١) واللحية من الوجه، لمشاركتها له في حصول المواجهة (سوى ما تحت شعره ولو خفيفًا، و) سوى (مضمضة، واستنشاق) فلا يدخل التراب فمه، وأنفه، قال في "الإنصاف": قطعًا (بل يكرهان) لما فيهما من التقذير.
(فإن بقي من محل الفرض شيء لم يصله التراب، أمرَّ يده عليه ما لم يفصل راحته) لأن الواجب تعميم المسح، لا تعميم التراب، لقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا﴾ (فإن فصلها) أي: الراحة (وقد كان بقي عليها غبار، جاز أن يمسح بها) ما بقى من محلّ الفرض؛ لأنه غبار طهور (وإن لم يبق عليها شيء) من الغبار (ضرب ضربة أخرى) ليحصل مسح باقي محلّ الفرض بالتراب.
(وإن نوى) استباحة ما يتيمم له (وأمر وجهه على التراب) ومسحه به، صح.
(أو) نوى ثم (صمده) أي: وجهه (للريح، فعم التراب) الوجه (ومسحه به صح) التيمم، إذا أتمه؛ لوجود المسح بالتراب الطهور بعد النية، كما لو صمد أعضاء الوضوء بعد نيته لمطر، أو ميزاب، حتى جرى الماء عليها.
و(لا) يصح تيممه (إن سفته) أي: التراب (ريح قبل النية، فمسح به) ما يجب مسحه، لمفهوم قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ (^١) لأنه لم يقصده.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٦.
[ ١ / ٤١١ ]
(و) الفرض الثاني (مسح يديه إلى كوعيه) لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيكُمْ﴾ (^١) وإذا علق حكم بمطلق اليدين، لم يدخل فيه الذراع، كقطع السارق، ومس الفرج، ولحديث عمار قال: "بعثَنِي النبيُّ - ﷺ - في حاجةٍ، فأجْنَبْتُ، فلم أجد ماءً، فتمرغتُ في الصَّعيدِ كما تتمرَّغُ الدابة، ثمَّ أتيتُ النَّبي - ﷺ - فذكرتُ ذلكَ لهُ. فقال: إنما كانَ يكفيكَ أن تقول بيديكَ هكَذا، ثم ضربَ بيَديهِ الأرضَ ضربةً واحدةً، ثمَّ مسح الشمالَ على اليمينِ، وظاهر كفيهٍ ووجهَهُ" متفق عليه (^٢).
وفي لفظ: أن النبي - ﷺ - "أمرهُ بالتيمُّمِ للوَجهِ والكَفَّينِ" (^٣) صححه الترمذي.
وأما رواية أبي داود: "إلى المرفقين" (^٤) فلا يعول عليها، لأنه إنما رواها سلمة، وشك فيها. ذكر ذلك النسائي، فلا تثبت مع الشك مع أنه قد أنكر عليه، وخالف به سائر الرواة الثقات.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية: ٦.
(٢) البخاري في التيمم، باب ٨، حديث ٣٤٧، ومسلم في الحيض، حديث ٣٦٨.
(٣) رواه الترمذي في الطهارة، باب ١١٠، حديث ١٤٤، وأبو داود في الطهارة، باب ١٢٣، حديث ٣٢٧، وابن أبي شيبة (١/ ١٥٩)، وأحمد (٤/ ٢٦٣)، والدارمي في التيمم باب ٦٥، حديث ٧٥١، وابن الجارود (١٢٦)، وأبو يعلى (٣/ ١٨٣)، حديث ١٦٠٨، وابن خزيمة (١/ ١٣٤) حديث ٢٦٧، وابن المنذر في الأوسط (٢/ ٥١) حديث ٥٤٥، والطحاوي (١/ ١١٢)، وابن حبان "الإحسان" (٤/ ١٢٧، ١٣٢) حديث ١٣٠٣، ١٣٠٨، والدارقطني (١/ ١٨٢، ١٨٣)، والبيهقي (١/ ٢١٠)، وقال الترمذي: حسن صحيح، وقد روي عن عمار من غير وجه، ونقل تصحيحه عن إسحاق بن راهويه. وقال الدارمي: صح إسناده.
(٤) سنن أبي داود الطهارة، باب ١٢٣، حديث ٣٢٨، ورواه -أيضًا- الدارقطني (١/ ١٨٢)، والبيهقي (١/ ٢١٠)، وفي سنده رجل لم يسم، ولذا قال البيهقي: فهو منقطع. وبه أعله ابن القطان في بيان الوهم والإيهام (٢/ ٤٣١، ٥٤٥).
[ ١ / ٤١٢ ]
(فلو قطعت يده من الكوع لا من فوقه، وجب مسح موضع القطع) لبقاء بعض محل الفرض، كما لو قطعت من دون الكوع.
(وتجب التسمية) في تيمم، وظاهره: ولو عن نجاسة ببدن (كوضوء، وتقدم) في باب الوضوء.
(و) الفرض الثالث، والرابع: (ترتيب، وموالاة في غير حدث أكبر) يعني في حدث أصغر؛ لأن التيمم مبني على الطهارة بالماء، والترتيب والموالاة فرضان في الوضوء فكذا في التيمم القائم مقامه، وخرج التيمم لحدث أكبر، ونجاسة ببدن، فلا يعتبر فيه ترتيب، ولا موالاة.
(وهي) أي: الموالاة (هنا) أي: في التيمم أن لا يؤخر مسح عضو عما قبله (زمنًا بقدرها في الوضوء) أي: بحيث لو قدر مغسولًا لجف بزمن معتدل.
(ويجب تعيين النية لما يتيمم له) كصلاة، وطواف، ومس مصحف (من حدث أصغر، أو أكبر، أو نجاسة على بدنه) لأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح الصلاة، فلم يكن بد من التعيين تقويه لضعفه.
وصفة التعيين: أن ينوى استباحة صلاة الظهر مثلًا من الجنابة إن كان جنبًا، أو من الحدث إن كان محدثًا، أو منهما إن كان جنبًا محدثًا. وما أشبه ذلك.
(وإن كان) التيمم (عن جرح في عضو من أعضائه، نوى التيمم عن غسل ذلك العضو) الجريح، إن لم يمكن مسحه بالماء بلا ضرر، وإن كان الجريح جنبًا فهو مخير؛ إن شاء قدَّم التيمم على الغسل، وإن شاء أخَّره، بخلاف ما إذا كان التيمم لعدم ما يكفيه لجميع أعضائه. فإنه يلزمه استعمال الماء أولًا. كما تقدم.
[ ١ / ٤١٣ ]
(فإن نوى جميعها) أي: نوى استباحة الصلاة من الحدث الأكبر، والأصغر، والنجاسة ببدنه (صح) تيممه (وأجزأه) لأن كل واحد يدخل في العموم. فيكون منويًا.
(وإن نوى أحدها) أي: المذكورات (لم يجزئه عن الآخر) أي: عن الذي لم ينوه لحديث: "وإنما لكل امرئٍ ما نوى" (^١) (فلو تيمم للجنابة) ونحوها (دون الحدث) الأصغر (أبيح له ما يباح للمحدث، من قراءة ولبث في مسجد. ولم تبح له صلاة، و) لا (طواف، و) لا (مس مصحف) لأنه لم ينو الاستباحة من الحدث الأصغر.
(وإن أحدث) من تيمم للجنابة، ونحوها (لم يؤثر ذلك في تيممه) لأن حكمه حكم مبدله، وهو الغسل.
(وإن تيمم للجنابة والحدث، ثم أحدث بطل تيممه للحدث، وبقي تيمم الجنابة) حتى يخرج الوقت، أو يوجد موجب الغسل.
وكذا لو تيمم للحدث والخبث ببدنه، وأحدث، بطل تيممه للحدث، وبقي تيممه للخبث.
(ولو تيممت بعد طهرها من حيضها) أو نفاسها (لحدث الحيض) أو النفاس (ثم أجنبت) أو أحدثت (لم يحرم وطؤها) لبقاء حكم تيممها.
(وإن تنوعت أسباب أحد الحدثين ونوى) الاستباحة من (أحدها أجزأ) التيمم (عن الجميع) لأنَّ حكمها واحد، وهو إما إيجاب الوضوء، أو الغسل وكطهارة الماء، لكن لو نوى الاستباحة من أحدها على أن لا يستبيح من غيره، لم يجزئه على قياس ما تقدم في الوضوء، وأولى.
(ومن نوى) بتيممه (شيئًا) أي: استباحة شيء تشترط له الطهارة
_________________
(١) تقدم تخريجه ص/ ١٩٣ تعليق رقم ٢.
[ ١ / ٤١٤ ]
(استباحه) لأنه منوي (و) استباح (مثله) فمن نوى بتيممه صلاة الظهر مثلًا، فله فعلها، وفعل مثلها، كفائتة. لأنهما في حكم صلاة واحدة (و) استباح (دونه) أي: دون ما نواه، كالنفل في المثال، لأنه أخف. ونية الفرض تتضمنه.
و(لا) يستبيح من نوى شيئًا (أعلى منه) فمن نوى النفل لا يستبيح الفرض. لأنه ليس منويًا لا صريحًا، ولا ضمنًا.
(فإن نوى نفلًا) لم يصل إلَّا نفلًا، لما تقدم.
(أو أطلق النية للصلاة) بأن نوي استباحة الصلاة، ولم ينو فرضًا، ولا نفلًا (لم يصل إلا نفلًا) لأن التعيين شرط، ولم يوجد في الفرض، وإنما أبيح النفل، لأنه أقل ما يحمل عليه الإطلاق. والطواف كالصلاة فيما تقدم.
(وإن نوى) بتيممه (فرضًا) كظهر، أو عصر (فعله، و) فعل (مثله، كمجموعة وفائتة، و) فعل ما (دونه) كمنذورة ونافلة، لما تقدم (فأعلاه) أي: أعلى ما يباح بالتيمم (فرض عين) كالصلوات الخمس (فنذر) صلاة (فـ) ـفرض (كفاية، فنافلة، فطواف نفل).
قال في "الشرح": وإن نوى نافلة أبيح له قراءة القرآن، ومس المصحف، والطواف، لأن النافلة آكد من ذلك كله، لكون الطهارة مشترطة لها بالإجماع. قال: وإن نوى فرض الطواف استباح نفله. ولا يستبيح الفرض منه بنيه النفل، كالصلاة.
وقال في "المبدع": ويباح الطواف بنية النافلة في الأشهر، كمس المصحف.
قال الشيخ تقي الدين (^١): ولو كان الطواف فرضًا، خلافًا لأبي المعالي.
_________________
(١) انظر مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٤٠ - ٤٤١).
[ ١ / ٤١٥ ]
(فمس المصحف، فقراءة، فلبث) وسكوتهم عن الوطء يعلم أنه دون الكل.
(ولو تيمم صبي لصلاة فرض، ثم بلغ، لم يجز له أن يصلي به فرضًا، لأن ما نواه كان نفلًا) وهو دون الفرض.
[ ١ / ٤١٦ ]