فصل
(ولا يعفى عن يسير نجاسة ولو لم يدركها الطرف) أي: البصر (كالذي يعلق بأرجل ذباب، ونحوه) لعموم قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ (^١) وقول ابن عمر: "أمرنَا أن نغسِل الأنجَاسَ سبعًا" (^٢) وغير ذلك من الأدلة (إلا يسير دم، وما تولد منه) أي: من الدم (من قيح، وغيره) كصديد (وماء قروح) فيعفى عن ذلك (في غير مائع، ومطعوم) أي: يعفى عنه في الصلاة، لأن الإنسان غالبًا لا يسلم منه، وهو قول جماعة من الصحابة، والتابعين، فمن بعدهم، ولأنه يشق التحرز منه، فعفي عن يسيره، كأثر الاستجمار، وأما المائع، والمطعوم فلا يعفى فيه عن شيء من ذلك.
(وقدره) أي: قدر اليسير المعفو عنه هو (الذي لم ينقض) الوضوء أي: ما لا يفحش في النفس، والمعفو عنه من القيح، ونحوه أكثر مما يعفى عن مثله من الدم، وإنما يعفى عن ذلك إذا كان (من حيوان طاهر من آدمي) سواء المصلي، وغيره (من غير سبيل) فإن كان من سبيل لم يعف عنه؛ لأنه في حكم البول، أو الغائط (حتى دم حيض، ونفاس، واستحاضة) لقول عائشة: "ما كانَ لإحدانَا إلا ثوبٌ تحيضُ فيهِ، فإذا أصابَه شيءٌ من دمٍ قالتْ بريقِهَا، فقصعتْهُ بظفرهَا" (^٣) أي: حركته وفركته، قاله في "النهاية" (^٤).
(أو من غير آدمي) سواء كان من حيوان (مأكول اللحم) كإبل، وبقر (أو
_________________
(١) سورة المدثر، الآية: ٤.
(٢) تقدم تخريجه ص/ ٤٣٠ تعليق رقم ١.
(٣) رواه البخاري في الحيض، باب ١١، حديث ٣١٢.
(٤) (٤/ ٧٣) ولفظه: "أي مضغته ودلكته بظفرها".
[ ١ / ٤٤٩ ]
لا، كهر) بخلاف الحيوان النجس، كالكلب، والخنزير، فلا يعفى عن شيء من دمه، وكذا دم الحمار، والبغل.
(ويضم متفرق في ثوب) من دم، ونحوه، فإن فحش، لم يعف عنه، وإلا عفي عنه.
و(لا) يضم متفرق بـ (ـأكثر) من ثوب، بل يعتبر ما في كل ثوب على حدته، لأن أحدهما لا يتبع الآخر، ولو كانت النجاسة في شيء صفيق قد نفذت فيه من الجانبين، فهي نجاسة واحدة، وإن لم تتصل، بل كان بينهما شيء لم يصبه الدم، فهما نجاستان إذا بلغا لو جمعا قدرا لا يعفى عنه لم يعف عنها، كجانبي الثوب.
(ودم عرق مأكول بعد ما يخرج بالذبح، وما في خلال لحمه طاهر ولو ظهرت حمرته نصًا) لأنه لا يمكن التحرز منه (كدم سمك) لأنه لو كان نجسًا لتوقفت إباحته على إراقته بالذبح، كحيوان البر، ولأنه يستحيل ماء (ويؤكلان) أي: دم عِرقِ المأكول ودم السمك كالكبد.
(وكدم شهيد عليه) فهو طاهر (ولو كثر) فإن انفصل عنه، فنجس، كغيره (بل يستحب بقاؤه) أي: بقاء دم الشهيد عليه، حتى على القول بنجاسته، فيعايى بها. ذكره ابن عقيل. ويأتي في الجنائز: يجب بقاء دم شهيد عليه.
(وكدم بق، وقمل، وبراغيث، وذباب، ونحوها) من كل ما لا نفس له سائلة، فإنه طاهر.
(والكبد، والطحّال) من مأكول طاهران لحديث: "أُحلَّ لنا ميتَتَانِ ودمَانِ" (^١).
_________________
(١) رواه ابن ماجه في الصيد، باب ٩، حديث ٣٢١٨، وفي الأطعمة، باب ٣١، حديث ٣٣١٤، والشافعي "ترتيب مسنده" (٢/ ١٧٣)، وأحمد (٢/ ٩٧)، وعبد بن =
[ ١ / ٤٥٠ ]
(ودود القز) وبزره طاهر (والمسك وفأرته) وهي سرة الغزال طاهر (والعنبر) طاهر، ذكر البخاري عن ابن عباس "العنبرُ شيءٌ دسرهُ البحرُ" (^١) أي: دفعه ورمى به.
(وما يسيل من فم وقت النوم) طاهر (والبخار الخارج من الجوف) طاهر؛ لأنه لا تظهر له صفة بالمحل، ولا يمكن التحرز منه.
(والبلغم) ولو أزرق طاهر، وسواء كان من الرأس، أو الصدر، أو المعدة، لحديث مسلم عن أبي هريرة مرفوعًا: "فإذا تنخّعَ أحدُكم فليتنخّعْ عن يسارِهِ، أو تحتَ قدمِهِ، فإن لم يجدْ فليقُلْ هكذَا -ووصفه القاسم- فتفلَ في
_________________
(١) = حميد (٢/ ٤١) حديث ٨١٨، وابن حبان في المجروحين (٢/ ٥٨)، وابن عدي في الكامل (١/ ٣٨٨، ٤/ ١٥٠٣)، والدارقطني (٤/ ٢٧١)، والبيهقي (١/ ٢٥٤، ٩/ ٢٥٧، ١٠/ ٧)، وفي معرفة السنن والآثار (١٣/ ٤٦٦) حديث ١٨٨٥٣، والبغوي في شرح السنة (١١/ ٢٤٤) حديث ٢٨٠٣، من طرق عن زيد ابن أسلم عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا. ورواه البيهقي (١/ ٢٥٤) وفي المعرفة (١٣/ ٤٦٦) حديث ١٨٨٥٥ من طريق ابن وهب، ثنا سليمان بن بلال، عن زيد بن أسلم، عن عبد الله بن عمر ﵄ موقوفًا، وقال: هذا إسناد صحيح، وهو فى معنى المسند، وقال فى المعرفة: وهذا أصح، وهو في معنى المرفوع، وتعقبه ابن التركماني في الجوهر النقي، ومال إلى تصحيح المرفوع. وحسنه ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٣٩٢) وقال: هذا الموقوف في حكم المرفوع، لأن قول الصحابي: أحل لنا كذا، وحرم علينا، ينصرف إلى إحلال النبي - ﷺ -، وتحريمه.
(٢) البخاري في الزكاة، باب ٦٥، معلقًا، ورواه الشافعي "ترتيب مسنده" (١/ ٢٢٩)، وابن أبي شيبة (٣/ ١٤٢)، والبيهقي (٤/ ١٤٦) موصولًا عن ابن عباس ﵄.
[ ١ / ٤٥١ ]
ثوبِهِ، ثم مسح بعضهُ ببعضٍ" (^١) ولو كانت نجسة لما أمر بمسحها في ثوبه، وهو في الصلاة، ولا تحت قدمه.
(وبول سمك طاهر) يؤكل قاله في "الفروع".
(لا العلقة التي يخلق منها الآدمي أو) يخلق منها (حيوان طاهر) فإنها نجسة، لأنها دم خارج من الفرج.
(ولا البيضة المذرة) أي: الفاسدة (أو) البيضة (التي صارت دمًا) فإنها نجسة، أما التي صارت دمًا، فلأنها في حكم العلقة. وأما المذرة، فذكره أبو المعالي، وصاحب "التلخيص" وقال ابن تميم: الصحيح طهارتها، كاللحم إذا أنتن.
(وأثر الاستجمار نجس) لأنه بقية الخارج من السبيل (يعفى عن يسيره) بعد الإنقاء واستيفاء العدد، بغير خلاف نعلمه، قاله في "الشرح"، المراد في محله. وقال أحمد في المستجمر يعرق في سراويله: لا بأس به. ذكره في "الشرح" (وتقدم) في باب الاستنجاء.
(و) يعفى (عن يسير طين شارع تحققت نجاسته) لمشقة التحرز منه.
(و) يعفى عن (يسير سلس بول، مع كمال التحفظ) منه للمشقة.
(و) يعفى عن (يسير دخان نجاسة، وغبارها، وبخارها، ما لم تظهر له صفة) في الشيء الطاهر. وقال جماعة: ما لم يتكاثف، لعسر التحرز عن ذلك.
(و) يعفى عن (يسير ماء نجس) بما عفي عن يسيره كما يأتي، لأن كل نجاسة نجست الماء، فحكم هذا الماء المتنجس بها حكمها؛ لأن نجاسة
_________________
(١) مسلم في المساجد، حديث ٥٥٠، باختلاف يسير فى الألفاظ.
[ ١ / ٤٥٢ ]
الماء ناشئة عن نجاسة الواقع فيه، فهو فرعه.
(و) يعفى (عما في عين من نجاسة) أي نجاسة كانت للتضرر بغسلها (وتقدم) في باب الوضوء.
(وعن حمل نجس كثير في صلاة خوف. ويأتي) في صلاة الخوف.
(وما تنجس بما يعفى عن يسيره ملحق به في العفو عن يسيره) لما تقدم في الماء النجس.
(وما عفي عن يسيره) كالدم ونحوه (عفي عن أثر كثيره على جسم صقيل بعد المسح) لأن الباقي بعد المسح يسير، وإن كثر محله، فعفي عنه كيسير غيره.
(والمذي، والقيء) نجس. قال في "الفروع": ومن غسل فمه من قيء بالغ لغسل كل ما هو في حد الظاهر. فإن كان صائمًا فهل يبالغ ما لم يتيقن دخول الماء، أو ما لم يظن، أو ما لم يحتمل؟ يتوجه احتمالات. قال في "تصحيح الفروع": الظاهر الثاني؛ لأن غالب الأحكام منوطة بالظنون.
(والحمار الأهلي، والبغل منه، وسباع البهائم، وجوارح الطير) من كل ما لا يؤكل، وهو أكبر من الهر خلقة: نجسة، لما تقدم من أنه - ﷺ - "سئلَ عن الماءِ وما ينوبهُ من السِّباع فقال: إذا بلغَ الماءُ قلتيْنِ لم ينجسْ" (^١) ولو كانت طاهرة لم يحده بالقلتين. وقال - ﷺ - في الحمر يوم خيبر: "إنها رِجسٌ" (^٢).
قال فى "المغنى": والصحيح عندى طهارة البغل، والحمار؛ لأن النَّبيَّ
_________________
(١) تقدم تخريجه ص/ ٦٦ تعليق رقم ١.
(٢) جزء من حديث أنس بن مالك ﵁، رواه البخاري في الذبائح والصيد، باب ٢٨، حديث ٥٥٢٨، ومسلم في الصيد، حديث ١٩٤٠.
[ ١ / ٤٥٣ ]
- ﷺ - كان يركبهما. ويركبان في زمنه، وفي عصر الصحابة، فلو كان نجسًا لبين لهم النَّبيُّ - ﷺ - ذلك. وأما الحمار الوحشي والبغل منه فطاهر مأكول، ويأتي.
(وريقها، وعرقها) أي: البغل، والحمار، وسباع البهائم، وجوارح الطير نجسان، لتولدهما من النجس (فدخل فيه) أي: في عرق السباع (الزباد) بوزن سحاب، فهو نجس (لأنه من حيوان بري، غير مأكول، أكبر من الهر) قال ابن البيطار (^١) في "مفرداته" (^٢): قال الشريف الإدريسي (^٣): الزباد نوع من الطيب يجمع من بين أفخاذ حيوان (^٤) معروف، يكون بالصحراء، يصاد ويطعم اللحم (^٥)، ثم يعرق فيكون من عرق بين فخذيه حينئذ (^٦). وهو أكبر من الهر الأهلي. اهـ ومقتضى كلامه في "الفروع" طهارته. قال: وهل الزباد لبن سنور بحري أو عرق سنور بري؟ فيه خلاف.
(وأبوالها وأرواثها) أي: البغال، والحمير، وسباع البهائم، والطير الجوارح: نجسة.
(وبول الخفاش، والخطاف، والخمر، والنبيذ المحرم) أي: المسكر
_________________
(١) ابن البيطار هو: ضياء الدين عبد الله بن أحمد الأندلسي المالكي المعروف بابن البيطار المتوفى سنة ٦٤٦ هـ -رحمه الله تعالى-. انظر عيون الأنباء في طبقات الأطباء ص/ ٦٠١، وفوات الوفيات (٢/ ١٥٩).
(٢) الجامع لمفردات الأدوية والأغذية (٢/ ١٥٦).
(٣) الشريف الإدريسي: أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس الإدريسي الحسني الطالبي المتوفى سنة ٥٦٠ هـ -رحمه الله تعالى- انظر الوافي بالوفيات (١/ ١٦٣).
(٤) في المفردات: "هر".
(٥) في المفردات: "قطع اللحم".
(٦) فى المفردات: "حينئذ هذا الطيب".
[ ١ / ٤٥٤ ]
أو الذي غلا وقذف بزبده، أو أتت عليه ثلاثة أيام بلياليها (والجلالة قبل حبسها) ثلاثًا تطعم فيها الطاهر. نجسة. لما تقدم من النهي عن أكلها، وألبانها.
(والودي) ماء أبيض يخرج عقب البول.
(والبول، والغائط) من آدمي وما لا يؤكل (نجسة) من غيره - ﷺ - ومن غير سائر الأنبياء، فالنجس منا طاهر منهم عليهم الصلاة والسلام (ولا يعفى عن يسير شيء منها) أي: من المذي، وما عطف عليه؛ لأن الأصل عدم العفو عن النجاسة إلا ما خصه الدليل.
وعنه في المذي والقيء، وريق البغل، والحمار، وسباع البهائم، والطير وعرقها، وبول الخفاش والنبيذ: أنه كالدم يعفى عن يسيره، لمشقة التحرز منه.
(ويغسل الذكر والأنثيان من المذي) ما أصابه سبعًا كسائر النجاسات. وما لم يصبه مرة، لما روي عن علي قال: "كنتُ رجلًا مذَّاءً فاستحييتُ أن أسألَ النَّبيَّ - ﷺ - فأمرتُ المقدادَ بنَ الأسودِ، فسألهُ، قال: يغسلُ ذكَرَهُ وأنثَييهِ ويتَوضَّأ" رواه أبو داود (^١).
(وطين الشارع، وترابه طاهر) وإن ظنت نجاسته، لأن الأصل الطهارة (ما لم تعلم نجاسته) فيعفى عن يسيره، وتقدم.
قال في "الفروع": ولو هبت ريح، فأصاب شيئًا رطبًا غبار نجس من طريق، أو غيره، فهو داخل في المسألة. وذكر الأزجي النجاسة به. وأطلق أبو
_________________
(١) في الطهارة، باب ٨٣، حديث ٢٠٦ - ٢٠٩، وقد رواه البخاري في الوضوء، باب ٣٤، حديث ١٧٨، وفي الغسل، باب ١٣، حديث ٢٦٩، ومسلم في الحيض، حديث ٣٠٣، بنحوه بدون "أنثييه".
[ ١ / ٤٥٥ ]
المعالي العفو عنه، ولم يقيده باليسير؛ لأن التحرز لا سبيل إليه. وهذا متوجه.
(ولا ينجس الآدمي، ولا طرفه، ولا أجزاؤه) كلحمه، وعظمه، وعصبه (ولا مشيمته) بوزن فعيلة -كيس الولد (ولو كافرًا بموته) لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (^١) ولقوله - ﷺ -: "إن المسلم لا ينجُسُ" متفق عليه (^٢) من حديث أبي هريرة. وقال البخاري: قال ابن عباس: "المسلمُ لا ينجسُ حيًّا ولا ميتًا" (^٣) (فلا ينجس ما وقع فيه) آدمي أو شيء من أجزائه (فغيّره، كريقه) أي: الآدمي (وعرقه، وبزاقه، ومخاطه، وكذا ما لا نفس) أي: دم (له سائلة) لخبر أبي هريرة مرفوعًا: "إذا وقَع الذبابُ في شرابِ أحدكُم فليغمِسْه كلّه، ثم ليطرحْهُ؛ فإن في أحدِ جناحَيهِ شفاءً وفي الآخرِ داءً" رواه البخاري (^٤). والظاهر موته بالغمس، لاسيما إذا كان الطعام حارًا. ولو نجس الطعام لأفسده. فيكون أمرًا بإفساد الطعام. وهو خلاف ما قصده الشارع؛ لأنه قصد بغمسه إزالة ضرره، ولأنه لا نفس له سائلة. أشبه دود الخل إذا مات فيه.
والذي لا نفس له سائلة (كذباب، وبق، وخنافس) جمع خنفساء بضم
_________________
(١) سورة الإسراء، الآية: ٧٠.
(٢) البخاري في الغسل، باب ٢٣، ٢٤، حديث ٢٨٣، ٢٨٥، ومسلم في الحيض، حديث ٣٧١.
(٣) البخاري في الجنائز، باب ٨، معلقًا، ورواه ابن أبي شيبة (٣/ ٢٦٧) وسعيد بن منصور كما في فتح الباري (٣/ ١٢٧) موصولًا عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس ﵄، قال: لا تنجسوا موتاكم فإن المؤمن ليس بنجس حيًا ولا ميتًا. وقال الحافظ: إسناده صحيح. ورواه الدارقطني (٢/ ٧٠)، والحاكم (١/ ٣٨٥) من طريق ابن عيينة به مرفوعًا، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(٤) في بدء الخلق، باب ١٧، حديث ٣٣٢٠، وفي الطب، باب ٥٧، حديث ٥٧٨٢.
[ ١ / ٤٥٦ ]
الخاء وفتح الفاء والمد، ويقال: خنفسة، ذكره في حاشيته (وعقارب، وصراصر، وسرطان ونحو ذلك، وبوله، وروثه) أي: ما لا نفس له سائلة طاهران، قال في "الإنصاف": فبوله وروثه طاهر في قولهما أي: الشيخين. قاله ابن عبيدان، وقال بعض الأصحاب: وجهًا واحدًا، ذكره ابن تميم. وقال (^١): وظاهر كلام أحمد نجاسته إذا لم يكن مأكولًا (^٢).
(ولا يكره ما) أي: طعام، أو غيره (مات فيه) ما لا نفس له سائلة لظاهر الخبر المتقدم.
ومحل طهارة ما لا نفس له سائلة (إن لم يكن متولدًا من نجاسة كصراصر الحُش) ودود الجرح (فإن كان متولدًا منها فنجس حيًا، وميتًا) لأن الاستحالة غير مطهرة.
(وللوزغ نفس سائلة نصًا، كالحية، والضفدع، والفأرة) فتنجس بالموت، بخلاف العقرب.
(وإذا مات في ماء يسير حيوان، وشك في نجاسته) بأن لم يدر: أله نفس سائلة أم لا؟ (لم ينجس) الماء؛ لأن الأصل طهارته، فيبقى عليها، حتى يتحقق انتقاله عنها. وكذا إن شرب منه حيوان يشك في نجاسة سؤره وطهارته.
(وبول ما يؤكل لحمه وروثه) طاهران. لأنه - ﷺ - "أمر العرَنيين أن يلحقُوا بإبل الصدقَةِ فيشربوا من أبوَالها وألبانِهَا" (^٣) والنجس لا يباح شربه، ولو أبيح
_________________
(١) الإنصاف (٢/ ٣٤٧).
(٢) فقد قال أحمد في رواية المروذي: صراصر الكنيف والبالوعة إذا وقع في الإناء أو الحُب صُبَّ، وصراصر البئر ليست بقذرة ولا تأكل العذرة. المغنى (١/ ٦٢).
(٣) رواه البخاري في الوضوء، باب ٦٦، حديث ٢٣٣، وفي الحدود، باب ١٥، حديث ٦٨٠٢، وباب ١٧، حديث ٦٨٠٤، ومسلم في القسامة، حديث ١٦٧١، من حديث أنس ﵁.
[ ١ / ٤٥٧ ]
للضرورة لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة، وكان - ﷺ - "يصلِّي في مرابِضِ الغَنَمِ" (^١) وأمر بالصلاة فيها (^٢)، وطاف على بعيره (^٣).
(وريقه) أي: ما يؤكل لحمه (وبزاقه، ومخاطه، ودمعه، ومنيه طاهر) كبوله وأولى (كمني الآدمي) لقول عائشة: "كنتُ أفركُ المنيّ من ثوبِ الرسولِ - ﷺ - ثم يذهبُ فيصلِّي فيه" متفق عليه (^٤)، وقال ابن عباس: "امسحه عنكَ
_________________
(١) رواه البخاري في الوضوء باب ٦٦، حديث ٢٣٤، وفي الصلاة، باب ٤٨، حديث ٤٢٨، وباب ٤٩، حديث ٤٢٩، وفي مناقب الأنصار، باب ٤٦، حديث ٣٩٣٢، ومسلم في المساجد، حديث ٥٢٤ من حديث أنس ﵁.
(٢) رواه ابن ماجه في المساجد والجماعات، باب ١٢، حديث ٧٦٩، والطيالسي ص / ١٢٣، حديث ٩١٣، والشافعي (ترتيب مسنده ١/ ٦٧)، وعبد الرزاق (١/ ٤٠٩) حديث ١٦٠٢، وابن أبي شيبة (١/ ٣٨٤)، وأحمد (٤/ ٨٥، ٨٦، ٥/ ٥٤، ٥٥)، وعبد بن حميد (١/ ٤٥٠) حديث ٥٠٠، والطحاوي (١/ ٣٨٤)، وابن حبان "الإحسان" (٤/ ٦٠١) حديث ١٧٠٢، والبيهقي (٢/ ٤٤٩)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٤٠٤) حديث ٥٠٤ عن عبد الله بن مغفل ﵁. حسنة النووي في الخلاصة (١/ ٣١٧) حديث ٩٢٢، وفي المجموع (٣/ ١٥٢) ورمز السيوطي في الجامع الصغير (٤/ ٢٠٠) لصحته، وقال المناوي في فيض القدير (٤/ ٢٠٠) قال مغلطاي: حديث صحيح.
(٣) رواه البخاري في الحج، باب ٥٨، ٦١، ٦٢، ٧٤ حديث ١٦٠٧، ١٦١٢، ١٦١٣، ١٦٣٢، وفي الطلاق باب ٢٤، حديث ٥٢٩٣، ومسلم في الحج، حديث ١٢٧٢، من حديث ابن عباس ﵄. ورواه مسلم -أيضًا- في الحج حديث ١٢٧٣، ١٢٧٤، من حديث جابر، وعائشة ﵄.
(٤) رواه مسلم في الطهارة، حديث ٢٨٨ بلفظ: ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - فركًا، فيصلي فيه، وأما البخاري فرواه في الوضوء، باب ٦٤، حديث ٢٢٩، ٢٣٠، ٢٣١، ٢٣٢، بلفظ: كنت أغسله -أي المني- من ثوب رسول الله - ﷺ - فيخرج إلى الصلاة، وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء. ورواه مسلم حديث ٢٨٩، بنحوه.
[ ١ / ٤٥٨ ]
بإذخرةٍ، أو خرقَةٍ، فإنما هو بمنزلةٍ المخاطِ، والبُصَاقِ" رواه سعيد (^١)، ورواه الدارقطني مرفوعًا (^٢).
وفارق البول والمذي بأنه بدء خلق آدمي.
ويستحب غسله، أو فركه إن كان مني رجل لما تقدم. قال في "المبدع": وظاهره لا فرق بين ما أوجب غسلًا، أو لا، وصرح به في "الرعاية".
(ولو خرج) المني (بعد استجمار) لعموم ما سبق. قال في "الإنصاف": سواء كان من احتلام، أو جماع، من رجل، أو امرأة، لا يجب فيه فرك ولا غسل. ثم قال: وقيل مني المستجمر نجس دون غيره.
(وكذا رطوبة فرج المرأة) طاهرة للحكم بطهارة منيها، فلو حكمنا بنجاسة رطوبة فرجها، لزم الحكم بنجاسة منيها.
(ولبن غير مأكول) كلبن الهر، والحمار (وبيضه) أي: بيض غير المأكول، كبيض الباز، والعقاب، والرخم (ومنيه من غير آدمى: نجس) كبوله وروثه.
_________________
(١) ورواه -أيضًا- ابن أبي شيبة (١/ ٨٥)، والدارقطني (١/ ١٢٥)، والبيهقي (٢/ ٤١٨)، وقال: هذا صحيح عن ابن عباس من قوله، وقد روي مرفوعًا، ولا يصح رفعه.
(٢) (١/ ١٢٤)، ورواه -أيضًا- الطبراني في الكبير (١١/ ١٤٨) حديث ١١٣٢١، والبيهقي (٢/ ٤١٨) وقال: ورواه وكيع عن ابن أبي ليلى موقوفًا على ابن عباس ﵄ وهو الصحيح. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد": (١/ ٢٧٩)، وقال: رواه الطبراني في "الكبير"، وفيه محمد بن عبيد الله العرزمي، وهو مجمع على ضعفه . هكذا فى المجمع: "وفيه محمد بن عبيد الله العرزمي" وهو خطأ فليس في سنده محمد بن عبيد الله العرزمي بل فيه شريك بن عبد الله النخعي، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وفي حفظهما شيء.
[ ١ / ٤٥٩ ]
(وسؤر) بضم السين وبالهمز (الهر) ويسمى الضيون بضاد معجمة وياء ونون، والسنور، والقط (وهو) أي: سؤره (فضلة طعامه، وشرابه) طاهر.
(و) سؤر (مثله خلقة) أي: مثل الهر في الخلقة (و) سؤر ما (دونه) أي: الهر في الخلقة (من طير، وغيره طاهر) لما روى مالك، وأحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه عن أبي قتادة أن النَّبيَّ - ﷺ - قال في الهر: "إنها ليست بنجس، إنها من الطوافينَ عليكُم والطوافاتِ" (^١) مشبها بالخدم أخذًا من قول الله ﷿: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ (^٢) ولعدم إمكان التحرز منها، كحشرات الأرض، كالحية، قاله القاضي. فطهارتها من النص. ومثلها وما دونها من التعليل.
_________________
(١) رواه الإمام مالك: (١/ ٢٢)، حديث ١٣، والإمام أحمد: (٥/ ٢٩٦، ٣٠٣، ٣٠٩)، وأبو داود في الطهارة، باب ٣٨، حديث ٧٥، والترمذي في الطهارة، باب ٦٩، حديث ٩٢، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه -أيضًا-، النسائي في الطهارة، باب ٥٤، حديث ٦٨، وفي المياه، باب ٨، حديث ٣٣٩، وابن ماجه في الطهارة، باب ٣٢، حديث ٣٦٧، وعبد الرزاق (١/ ١٠٠، ١٠١)، والحميدي حديث ٤٣٠، وابن أبي شيبة (١/ ٣١، ٣٢)، والدارمي في الطهارة، باب ٥٧، حديث ٧٤٢، وابن الجارود حديث ٦٠، وابن خزيمة (١/ ٥٥) حديث ١٠٤، والطحاوي (١/ ١٨)، وابن حبان "الإحسان" (٤/ ١١٤) حديث ١٢٩٩، والدارقطني (١/ ٧٠)، والحاكم (١/ ١٦٠)، والبيهقي (١/ ٢٤٥)، والبغوي في شرح السنة (٢/ ٦٩) حديث ٢٨٦، وقال الحاكم: حديث صحيح. . . وهذا الحديث مما صححه مالك واحتج به في الموطأ. ووافقه الذهبي. وقال البغوي: هذا حديث حسن صحيح، وقال النووي في المجموع (١/ ٢١٥): صحيح. وقال ابن حجر في التلخيص الحبير (١/ ٤١): وصححه البخاري، والترمذى والعقيلي، والدارقطني.
(٢) سورة النور، الآية: ٥٨.
[ ١ / ٤٦٠ ]
(فلو أكل) هر، ونحوه (نجاسة، ثم ولغ في ماء يسير، فطهور، ولو لم يغب) الهر، ونحوه بعد أكله نجاسة، لأن الشارع عفا عنها مطلقًا لمشقة التحرز (وكذا فم طفل، وبهيمة) إذا أكلا نجاسة ثم شربا من ماء يسير. قال ابن تميم: فيكون الريق مطهرًا لها. ودل كلامه أنه لا يعفى عن نجاسة بيدها، أو رجلها، نص عليه.
(ولا يكره سؤرهن نصًا) قال في "المبدع": نص عليه في الهر، ولعموم البلوى بنقر الفأر وغيره (وفي المستوعب وغيره: يكره سؤر الفأر؛ لأنه يورث النسيان.
ويكره سؤر الدجاجة إذا لم تكن مضبوطة نصًا) لأن الظاهر نجاسته.
(وسؤر الحيوان النجس) كالكلب، والبغل، والحمار، على القول بنجاستهما (نجس) أما الشراب فلأنه مائع لاقى النجاسة. وأما الطعام فلنجاسة ريقها الملاقي له.
[ ١ / ٤٦١ ]