الأولى بالإمامة الأقرأ العالم فقه صلاته، ثم الأفقه، ثم الأسن، ثم الأشرف، (ثم الأقدم هجرة)، ثم الأتقى، ثم من قرع، وساكن البيت وإمام المسجد أحق إلا من ذي سلطان. وحر وحاضر ومقيم وبصير من ضدهم.
ولا تصح خلف فاسق ككافر (*) ولا امرأةٍ وخُنْثَى للرِّجال،
ــ
(*) قوله: (ولا تصحُّ خلفَ فاسقٍ ككافرٍ). قال في المقنع: وهل تَصْلُح إمامةُ في الشَّرح الكبير: والفاسقُ ينقسمُ على قسمين: فاسقٌ من جهةِ الاعتقادِ، وفاسقٌ من جهةِ الأفعال. فأمَّا الفاسقُ من جهةِ الاعتقادِ فمتى كان يعلن بِدعتَه ويتكلمُ بها ويدعو إليها ويناظرُ لم تصحَّ إمامتُه، وعلى قال أحمدُ: لا يُصَلَّى خلفَ أحدٍ من أهل الأهواءِ إذا كان داعيةً إلى هواه، وقال: لا يُصَلَّى خَلف المُرْجِئ إذا كان داعيةً. وقال الحسنُ والشافعيُّ: الصلاةُ خلفَ أهلِ البدعِ جائزةٌ بكلِّ حالٍ لقول النبيِّ - ﷺ -: (صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قال لا إله إلا الله) (١)، وقال نافع كان ابنُ عمرَ يُصلِّي خلفَ الخَشَبِيَّة (٢) والخوارج زمنَ ابنِ الزبيرِ وهم يَقْتتلون، فقيل له: أتصلي مع هؤلاء وبعضُهم يقتلُ بعضًا؟ فقال: من قال: حيَّ على الصلاةِ أجبتُه، ومن قال: حيَّ على قتل أخيكَ المسلمِ وأَخْذِ مالِهِ قلتُ: لا. رواه سعيد. وكان ابنُ عمر يصلِّي مع الحَجَّاج.
وأما الجُمَعُ والأعيادُ فتُصلَّى خلفَ كلّ بَرٍ وفاجرٍ، وقد كان أحمدُ يشهدُها مع المعتزلة، وكذلك من كانَ من العلماءِ في عَصْرِه. اهـ ملخصًا.
_________________
(١) رواه الدارقطني في باب صفة من تجوز الصلاة معه والصلاة عليه، من كتاب الصلاة ٢/ ٥٦. وأبونعيم في أخبار أصبهان (٢/ ٢١٧) وهو عند الألباني في إرواء الغليل واهٍ جدًا ٢/ ٣٠٥.
(٢) الخَشَبِيَّة: هم أصحاب المختار بن أبي عُبيد قاله ابن الأثير. انظر: اللسان والتاج: مادة "خشب". والرواية عن ابن عمر فيهما.
[ ٧٨ ]
ولا صَبيّ لبالغ (*)، ولا أخرسَ، ولا عاجزٍ عن ركوعٍ أو سجودٍ أو قعودٍ أو قيامٍ إلا إمامَ الحيِّ المَرْجُوَّ زوالُ علتِّه (*)، ويصلُّون وراءه جلوسًا ندبًا، وإن ابتدأ بهم قائمًا ثم اعتلَّ فجلس أَتَمُّوا خَلْفَهُ قيامًا وجوبًا.
وتصحُّ خلفَ من به سَلَسُ البولِ بمثله، ولا تصحُّ خلفَ مُحدِثٍ ولا مُتنجسٍ يَعلمُ ذلك. فإن جَهِل هو المأْمُومُ حتى انقضتْ صحَّتْ لمأمومٍ وحدَه (*)،
ــ
(*) قوله: (ولا صبيٍ لبالغ). هذا المذهبُ، وهو قولُ مالكٍ وأبي حنيفةَ وأجازهُ الحسنُ والشافعيُّ وإسحاقُ وابنُ المنذرِ لحديثِ عمرو بنِ سَلَمَةَ (١)، قال في سُبُلِ السَّلام: وتقديمُه وهو ابنُ سبْعِ سنينَ دليلٌ لما قاله الحسنُ البصريُّ والشافعيُّ وإسحاقُ من أنَّه لا كراهةَ في إمامةِ المُمَيِّز، وكرهَها مالكٌ والثوريُّ، وعن أحمدَ وأبي حنيفةَ روايتان والمشهورُ عنهما الإجزاءُ في النوافلِ دون الفرائضِ، قال: ويحتاجُ من ادَّعى التفرقةَ بين الفرضِ والنَّفْلِ إلى دليل.
(*) قوله: (إلا إمامَ الحيِّ المَرْجُوَّ زوالُ عِلَّتِه)، قال البخاري: (باب إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليُؤْتَّم به) وصلَّى النبيُّ - ﷺ - في مرضِه الذي تُوفِّي فيه بالنَّاسِ وهو جالسٌ- إلى أن قال- قال الحُميدي قولُه: (إذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا) هو في مرضِه القديم، ثم صلَّى بعد ذلك النبيَّ - ﷺ - جالسًا والناسُ خلفَه قيامٌ لم يأمرْهم بالقعودِ، وإنما يُؤخذُ بالآخِر فالآخِرِ من فِعْلِ النبيِّ - ﷺ -.
(*) قولُه: (ولا تصحُّ خلفَ مُحدِثٍ ولا مُتنجِّسٍ يَعلمُ ذلك، فإنْ جِهِلَ هو والمأمومُ حتى انقضتْ صحَّتْ لمأمومٍ وحده)، وهو قولُ الشافعيِّ ومالكٍ، وقال =
_________________
(١) قال الخطابي: في معالم السنن ١/ ١٦٩ كان أحمد يضعِّف أمرَ عمرو بن سلمة، وقال مرة: دعه ليس بشيء بَيِّن. وقال أبو داود: قيل لأحمد: حديث عمرو بن سلمة؟ قال لا أدري أي شيء هذا. وانظر المغني لابن قدامة ٣/ ٧٠.
[ ٧٩ ]
ولا تصحُّ إمامةُ الأُمِّي وهو مَنْ لا يُحْسِنُ الفاتحةَ أو يُدْغِمُ فيها ما لا يُدْغَمُ، أو يبدل حرفًا (*)، أو يَلْحنُ فيها لَحْنًا يُحيلُ إلا بِمثْلِه، وإنْ قَدَرَ على إصلاحهِ لم تصحَّ صلاتُه. وتُكرهُ إمامةُ اللحَّانِ والفَأْفَاءِ والتَّمْتَامِ ومَنْ لا يُفْصِحُ ببعضِ الحروف، وأَنْ يَؤُمَّ أجنبيةً فأكثرَ لَا رجلَ معهن (*)، أو قومًا
ــ
= أبو حنيفة: يُعيدونَ جميعًا. قال في الشرح الكبير: ولنا إجماعُ الصحابةِ ﵃، فَرُوي أنَّ عمرَ صلَّى بالناس الصُّبْحَ ثم خَرجَ إلى الجُرْفِ فأهْراقَ الماءَ فوجَدَ في ثوبِهِ احتلامًا، فأعاد ولم يُعدِ الناسُ (١). وعن البراءِ بن عازبٍ أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قال: (إذا صَلَّى الجنبُ بقومٍ أعادَ صلاتَه وتمَّت للقومِ صلاتُهم) رواه أبو سليمانُ محمدُ بن الحسين الحرَّاني (٢).
(*) قوله: (أو يبدلُ حرفًا)، قال في الفروع: وإن قرأ: (غيرِ المغضوبِ عليهم ولا الضالين) بظاء فالوجه الثالث يصح مع الجهل. قال في تصحيح الفروع: (أحدها) لا تَبْطُل الصلاةُ، اختاره القاضي والشيخُ تقيُّ الدين، وقَدَّمه في المغني (٣) والشرح وهو الصواب ا. هـ.
(*) قوله: (وأنْ يؤمَّ أجنبيةً فأكثرَ لا رجلَ معهن)، قال في الشرح: لنَهْيهِ ﵇ أنْ يَخْلُوَ الرجلُ بالأجنبيةِ (قلت): والظاهرُ أن النَّهْيَ فيما شَيْءٌ خلا بها وحدَها، ولفظ الحديث: (لا يَخْلو رجلٌ بامرأةٍ إلا والشيطانُ ثالثُهما) (٤)، وأما إذا كُنَّ =
_________________
(١) أخرجه البيهقي في باب الرجل يجد في ثوبه منيًّا ولا يذكر احتلامًا، من كتاب الطهارة ١/ ١٧٠، من المدينة نحو الشام، كانت به أموال لعمر بن الخطاب ولأهل المدينة، معجم البلدان ٢/ ٦٢. وانظر: المغني لابن قدامة ١/ ٢٦٩.
(٢) انظر: المغني لابن قدامة المقدسي ٢/ ٥٠٥.
(٣) انظر: المغني لابن قدامة المقدسي ٣/ ٣٢.
(٤) أخرجه البخاري في: باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم، من كتاب النكاح ٧/ ٤٨، ومسلم مع محرم إلى حج وغيره، من كتاب الحج ٢/ ٩٧٨.
[ ٨٠ ]
أكثرُهم يكرهه بِحقٍّ. وتَصحُّ إمامةُ ولدِ الزِّنا والجُنْديِّ إذا سَلِمَ دينُهما، ومن يُؤدِّي الصلاةَ بمنْ يَقْضيها، وعكسُه، لا مُفْترِضٌ بِمُتنفِّلٍ (*)، ولا مَنْ يصلِّي الظهرَ بمن يصلِّي العصرَ أو غيرَها.