وهم ثمانية سماهم الله تعالى، ولا نعلم خلافًا أنه لا يجوز دفعها إلى غيرهم، إلا ما روي عن أنس والحسن: "ما أعطيت في الجسور والطرق، فهي صدقة قاضية".
و(الفقراء) و(المساكين) صنفان فيها، وصنف في سائر الأحكام. وإذا ملك ما لا تتم به كفايته من غير الأثمان، لم يمنع من أخذها، نص عليه، ولا نعلم فيه خلافًا. وذكر أحمد قول عمر: "أعطوهم وإن راحت عليهم من الإبل كذا وكذا". وقال أصحاب الرأي: إن ملك نصابًا زكويًا لا تتم به كفايته، كالمواشي والحبوب، فليس له الأخذ، لأنها تجب عليه الزكاة، لحديث معاذ: "تؤخذ من أغنيائهم، وتُرد على فقرائهم إلخ". ١ ويجوز أن يكون الغنى الموجب للزكاة غير الغنى المانع عنها، جمعًا بين الأدلة. وإن ملك من غير الأثمان ما يقوم بكفايته، كمكسب أو أجرة عقار أو غيره، فلا يأخذ. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كان المال مما لا تجب فيه الزكاة، جاز الدفع إليه. ولنا: قوله ﷺ: "لا حظَّ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب". ٢ قال أحمد: ما أجوده من حديث! وإن كان من الأثمان فاختلف فيه، فعنه: خمسون درهمًا أو قيمتها من الذهب، أو وجود ما تحصل به الكفاية على الدوام، من مكسب أو تجارة أو أجرة عقار ونحو ذلك. ولو ملك من الحبوب أو العروض أو العقار أو السائمة ما لا تحصل به الكفاية، لم يكن غنيًا، وبه قال
_________________
(١) ١ البخاري: الزكاة (١٣٩٥)، ومسلم: الإيمان (١٩)، والترمذي: الزكاة (٦٢٥)، والنسائي: الزكاة (٢٤٣٥)، وأبو داود: الزكاة (١٥٨٤)، وابن ماجة: الزكاة (١٧٨٣)، وأحمد (١/٢٣٣)، والدارمي: الزكاة (١٦١٤) . ٢ النسائي: الزكاة (٢٥٩٨)، وأبو داود: الزكاة (١٦٣٣)، وأحمد (٤/٢٢٤، ٥/٣٦٢) .
[ ٢٤٥ ]
مالك والشافعي، لحديث: "لا تحل المسألة إلا لثلاثة إلخ "، ١ وحديث: "خمسين درهمًا أو قيمتها" ٢ فيه ضعف. ويجوز أن تحرم المسألة لا الأخذ. وقال أبو عبيد: الغنى أوقية، وهي: أربعون درهمًا، لقوله ﵇: "من سأل وله قيمة أوقية، فقد ألحف". ٣ وقال أصحاب الرأي: الغنى المانع منها هو الموجب لها، لحديث معاذ. ووجه الرواية الأولى: الجمع بين الحديثين، وهو: أن يكون الغنى المانع غير الغنى الموجب.
الثالث: (العاملون عليها)، وهم الذين يبعثهم الإمام لأخذها وحفظها، ومن يعينهم على ذلك. ولا يشترط كونهم فقراء، لأن الله جعلهم غير الفقراء والمساكين. وعنه: في قدر ما يعطى الثمن، وعنه: قدر عمالته.
الرابع: (المؤلفة قلوبهم)، وقال أبو حنيفة: انقطع سهمهم، لما روي: "أن مشركًا جاء يلتمس من عمر مالًا، فلم يعطه، وقال: من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، ولأنه لم ينقل عن عثمان ولا عن علي. ولنا: الآية، ومخالفة كتاب الله وسنة رسوله واطراحهما بلا حجة، لا يجوز. ولا يثبت النسخ بترك عمر وعثمان وعلي، فلعلهم تركوه لعدم الحاجة، لا لسقوط سهمهم؛، وهذا في الكفار، وأما المسلمون، كمثل سادات المسلمين الذين لهم نظراء في الكفار، فإذا أعطوا رجي إسلام نظرائهم، كما "أعطى أبو بكر عدي بن حاتم والزبرقان"، مع حسن نياتهما وإسلامهما، ومثل من يرجى قوة إيمانه ومناصحته في الجهاد، كما "أعطى النبي ﷺ عيينة بن حصن والأقرع بن حابس والطلقاء".
الخامس: (الرقاب)، لا نعلم فيه خلافًا. والمكاتبون منهم على قول الجمهور، وقال مالك: إنما يصرف في إعتاق العبيد. ويجوز أن يشتري بها
_________________
(١) ١ مسلم: الزكاة (١٠٤٤)، والنسائي: الزكاة (٢٥٧٩)، وأبو داود: الزكاة (١٦٤٠)، وأحمد (٣/٤٧٧، ٥/٦٠)، والدارمي: الزكاة (١٦٧٨) . ٢ الترمذي: الزكاة (٦٥٠)، والنسائي: الزكاة (٢٥٩٢)، وأبو داود: الزكاة (١٦٢٦)، وابن ماجة: الزكاة (١٨٤٠)، وأحمد (١/٣٨٨، ١/٤٤١، ١/٤٦٦)، والدارمي: الزكاة (١٦٤٠) . ٣ النسائي: الزكاة (٢٥٩٥)، وأبو داود: الزكاة (١٦٢٨)، وأحمد (٣/٩) .
[ ٢٤٦ ]
أسيرًا مسلمًا نص عليه. وهل يجوز أن يشتري منها رقبة يعتقها؟ فعنه: "يجوز"، وبه قال ابن عباس ومالك، لعموم قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ . ١ وعنه: لا، وهو قول الشافعين لأن الآية تقتضي صرفها إلى الرقاب، والعبد لا يدفع إليه شيء. قال أحمد: كنت أقولُ: يعتق من الزكاة، ولكن أهابه اليوم لأنه يجر الولاء. قيل له: فما يعجبك من ذلك؟ قال: يعين في ثمنها، فهو أسلم. وبه قال أبو حنيفة وصاحباه، لأنه ينتفع بالولاء، ولا يجوز أن يشتري منها من يعتق عليه، وأجازه الحسن.
السادس: (الغارمون)، وهم المدينون؛ فالغارمون لإصلاح نفوسهم لا خلاف في استحقاقهم، وأن العاجز عن وفاء ديْنه منهم. لكن من غرم في معصية، لم تدفع إليه قبل التوبة. والغارمون لإصلاح ذات البين، مثل من يحمل الدماء والأموال، وكانت العرب تعرف ذلك، فورد الشرع بإباحة المسألة فيها، وفي حديث أبي سعيد: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة"، ٢ فذكر منهم الغارم.
السابع: (في سبيل الله)، ولا خلاف فيهم، ولا خلاف أنهم الغزاة؛ وإنما يستحقه الذين لا ديوان لهم. قال أحمد: يعطى ثمن الفرس، ولا يتولى مخرج الزكاة شراء الفرس بنفسه، لأن الواجب إيتاء الزكاة؛ فإذا اشترى بنفسه فما أعطي إلا فرسًا. وقال في موضع آخر: إن دفع ثمن الفرس والسيف، فهو أعجب إلي، وإن اشتراه رجوت أن يجزئه. وقال: لا يشتري فرسًا يصير حبيسا في سبيل الله، ولا دارا ولا ضيعة للرباط، لأنه لم يؤت الزكاة لأحد،
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية: ٦٠. ٢ أبو داود: الزكاة (١٦٣٥)، وابن ماجة: الزكاة (١٨٤١)، وأحمد (٣/٥٦)، ومالك: الزكاة (٦٠٤) .
[ ٢٤٧ ]
ولا يغزو على الفرس الذي أخرجه من الزكاة. واختلفت الرواية عنه: هل يعطي منها في الحج؟
الثامن: (ابن السبيل)، ولا خلاف فيه، وهو: المسافر الذي ليس له ما يرجع به إلى بلده، وإن كان ذا يسار في بلده. وقال الشافعي: ومن يريد إنشاء السفر أيضًا يدفع إليه. ولنا: أن السبيل هو الطريق، وابنه الكائن فيه، ولا يفهم من ابن السبيل إلا الغريب. وإن كان يريد غير بلده، فقال أصحابنا: يدفع إليه، لكن بشرط كون السفر مباحًا. وإن كان للنزهة ففيه وجهان، قال شيخنا: ويقوى عندي أنه لا يجوز الدفع في السفر إلى غير بلده، لأنه لا نص فيه.
ويعطى الفقير والمسكين ما يكفي حولًا، والغارم والمكاتب ما يقضيان به ديْنهما، والغازي ما يحتاج إليه لغزوه. وإن أخرجها فضاعت قبل دفعها إلى الفقير، لم تسقط، وقال مالك: أراها تجزئه إذا أخرجها في محلها، وإن أخرجها بعده ضمن. وإن منعها أخذت منه وعُزر. وقال أبو بكر: يأخذها وشطر ماله، وبه قال إسحاق، لحديث: "إنا آخذوها وشطر ماله". ١ قال أحمد: صالح الإسناد.
والصبي والمجنون يخرج عنهما وليهما. وحكي عن الثوري والأوزاعي: تجب، ولا تخرج حتى يبلغ الصبي ويفيق المجنون. وقال أبو حنيفة: لا تجب الزكاة في أموالهما، إلا العشر وصدقة الفطر، لقولهصلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن ثلاثة"، ٢ والحديث أريد به رفع الإثم بدليل وجوب العشر وصدقة الفطر، وهي حق يتعلق بالمال أشبه أرش الجناية ونفقة الزوجة والأقارب. ويستحب له تفريقها بنفسه، وله دفعها إلى الساعي، وعنه:
_________________
(١) ١ النسائي: الزكاة (٢٤٤٤، ٢٤٤٩)، وأبو داود: الزكاة (١٥٧٥)، والدارمي: الزكاة (١٦٧٧) . ٢ الترمذي: الحدود (١٤٢٣)، وابن ماجة: الطلاق (٢٠٤٢)، وأحمد (١/١١٦، ١/١١٨، ١/١٤٠، ١/١٥٨) .
[ ٢٤٨ ]
يستحب أن يدفع إليه العشر ويتولى تفريق الباقي. قال أحمد: "قيل لابن عمر: إنهم يقلدون بها الكلاب، ويشربون بها الخمور، قال: ادفعها إليهم". ومن قال: يدفعها إلى الإمام: الشعبي والأوزاعي. "وكان ابن عمر يدفع زكاته إلى من جاءه من سعاة ابن الزبير أو نجدة الحروري". وقال مالك وأبو حنيفة: لا يفرق الأموال الظاهرة إلا الإمام، لأن أبا بكر طالبهم بها وقاتلهم عليها، وقال: "والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ، لقاتلتهم على منعها". وقال أصحاب الرأي: إذا مر على الخوارج فعشروه لا يجزئ عن زكاته، ويجزئ فيما غلبوا عليه. وقال أبو عبيد: على من أخذوا منه الزكاة الإعادة، لأنهم ليسوا بأئمة، أشبهوا قطاع الطريق. ولنا: قول الصحابة من غير خلاف علمناه في عصرهم.
ولا يعطى أحد مع الغنى إلا أربعة: العامل، والمؤلف، والغارم لإصلاح ذات البين، والغازي؛ وبه قال مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تدفع إلا لفقير، لعموم حديث معاذ. وابن السبيل تعتبر حاجته في مكانه وإن كان له مال في بلده. وإن أراد دفع الزكاة إلى الغارم سلمها إليه، فإن دفعها للغريم عن المدين، ففيه روايتان. ويحتمل أن تحمل رواية المنع على الاستحباب. وإن ادعى الفقر من عُرف بالغنى، لم يقبل قوله إلاّ ببينة، وهل يعتبر في البينة ثلاثة؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم. والثاني: يقبل اثنان، لأن الخبر ورد في حل المسألة فيقتصر عليه. وإن ادعى الفقر من لم يُعرف بالغنى قبل قوله، فإن رأوه جلدًا وذكر أنه لا كسب له، أعطاه من غير يمين بعد أن يخبره أنه لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب.
ومن غرم أو سافر في معصية، لم تدفع إليه، وإن تاب فعلى وجهين. ويستحب صرفها
[ ٢٤٩ ]
إلى جميع الأصناف، أو من أمكن منهم، للخروج من الخلاف. فـ"إن اقتصر على واحد أجزأه"، وهذا قول ابن عمر وابن عباس وغيرهما. وقال النخعي: إن كان المال كثيرًا يحتمل الأصناف، قسمه عليهم، وإن كان قليلًا جاز. وقال مالك: يتحرى موضع الحاجة منهم، ويقدم الأوْلى فالأولى. وقال الشافعي: يجب أن تقسم زكاة كل صنف على الموجودين من الأصناف الستة على السواء، ثم حصة كل صنف لا تصرف إلى أقل من ثلاثة إن وجدوا، فإن لم يوجد إلا واحد، صرف حصة ذلك الصنف إليه. وروي عن أحمد مثله. ولنا: قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ الآية، ١ وحديث معاذ؛ ولم يذكر في الآية والخبر إلا صنفًا واحدًا. و"أمر ﷺ بني زريق بدفع صدقاتهم إلى سلمة بن صخر، وقال لقبيصة: أقم حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها"، ٢ وما بلغنا أنه ﷺ فعل هذا ولا أحد من خلفائه، ولو فعلوه مع مشقة لنقل. والآية سيقت لبيان من يجوز الصرف إليه، بدليل أنه لا يجب تعميم كل صنف بها.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الذمي لا يعطى من الزكاة، لحديث معاذ، ولا يعطى الكافر ولا المملوك، لا نعلم فيه خلافًا، إلا أن يكون الكافر مؤلفًا.
وقال ابن المنذر: أجمعوا على أنها لا تدفع إلى الوالدين في الحال التي يجبر على النفقة عليهم، ولا إلى الزوجة. ولا نعلم خلافًا أن بني هاشم لا تحل لهم، وحكم مواليهم كذلك عند أحمد؛ وقال أكثر أهل العلم: يجوز. ولنا: حديث أبي رافع: "إنا لا تحل لنا الصدقة، وإن موالي القوم منهم". ٣ صححه الترمذي. ولهم الأخذ من صدقة التطوع ووصايا الفقراء والنذر، وفي الكفارة
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية: ٢٧١. ٢ مسلم: الزكاة (١٠٤٤)، وأبو داود: الزكاة (١٦٤٠)، وأحمد (٥/٦٠)، والدارمي: الزكاة (١٦٧٨) . ٣ الترمذي: الزكاة (٦٥٧)، والنسائي: الزكاة (٢٦١٢)، وأبو داود: الزكاة (١٦٥٠)، وأحمد (٦/٣٩٠) .
[ ٢٥٠ ]
وجهان. ولو أهدى المسكين منها إلى الهاشمي حل، "لأنه ﷺ أكل مما تُصُدِّق به على أم عطية، وقال: إنها قد بلغت محلها ". ١ متفق عليه.
وكل من حرم عليه صدقة الفرض من الأغنياء وقرابة المتصدق والكافر وغيرهم، تجوز له صدقة التطوع، قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ الآية، ٢ ولم يكن الأسير يومئذ إلا كافرًا، وقال لسعد: "إن نفقتك على أهلك: صدقة". ٣ متفق عليه. والأقارب غير الوالدين من لا يرث منهم، يجوز دفع الزكاة إليه.
الثاني: من يرث، كالأخوين اللذيْن يرث أحدهما الآخر، ففيه روايتان: إحداهما: يجوز، وهذا قول أكثر أهل العلم، لقوله: "وهي لذي الرحم: صدقة وصلة"، فلم يشترط نافلة ولا فرضًا. والثانية: لا، لأن على الوارث مؤنته. فإذا كان في عائلته من لا تجب عليه نفقته كاليتيم، فظاهر كلام أحمد أنه لا يجوز. وفي دفعها إلى الزوج روايتان: إحداهما: "يجوز"، لحديث ابن مسعود وامرأته. والثانية: لا. وحديث ابن مسعود وزوجته في صدقة التطوع، لقولها: أردت أن أتصدق بحلي لي، وقوله: "زوجك وولدك أحق"، ٤ والولد لا تدفع إليه الزكاة.
وهل يجوز دفعها إلى بني المطلب؟ على روايتين. وإن دفعها إلى من لا يستحقها وهو لا يعلم، ثم علم، لم تجزه، إلا لغني إذا ظنه فقيرًا، في إحدى الروايتين؛ وبه قال أبو حنيفة وأبو عبيد، "لأنه ﷺ أعطى الجلدين، وقال للذي سأله من الصدقة: إن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك"، ٥ ولو اعتبر حقيقة الغنى لما اكتفى بقولهم.
ويستحب أن يخص بالصدقة من اشتدت حاجته، لقوله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ . ٦ فإن
_________________
(١) ١ البخاري: الزكاة (١٤٩٤)، ومسلم: الزكاة (١٠٧٦)، وأحمد (٦/٤٠٧) . ٢ سورة الإنسان آية: ٨. ٣ أحمد (١/١٦٨) . ٤ البخاري: الزكاة (١٤٦٢) . ٥ أبو داود: الزكاة (١٦٣٠) . ٦ سورة البلد آية: ١٦.
[ ٢٥١ ]
تصدق بما ينقص مؤنة من تلزمه مؤنته أثم، لقوله: "كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت"، ١ فإن وافقوه على الإيثار فهو أفضل، لقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾، ٢ وقوله ﷺ: "أفضل الصدقة: جهد من مقلٍّ إلى فقير في السر". ومن أراد الصدقة بماله كله وكان وحده، أو كان لمن يمونه كفايتهم، أو كان مكتسبا، أو واثقا من نفسه بحسن التوكل والتعفف من المسألة، فله ذلك لما ذكرنا من الآية والخبر، ولقصة أبي بكر، و"إلا كره ذلك، لحديث جابر في الذي جاء بمثل بيضة من ذهب " الحديث.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال الشيخ: الفقر والمسكنة صفتان لموصوف واحد. واختار جواز الأخذ لشراء كتب علم لا بد لمصلحة دينه ودنياه منها. والذي يقبض للصغير من الزكاة والهبة والكفارة: وليه من أب ووصي وحاكم. قال في الفروع: لم أجد عن أحمد تصريحًا بأنه لا يصح قبض غير الولي مع عدمه، مع أن الموفق قال: لا نعلم فيه خلافًا، ثم ذكر أنه يحتمل أنه يصح قبض من يليه من أم وقريب وغيرهما عند عدم الولي. وذكر المجد: أنه منصوص أحمد. نقل هارون الحمال في الصغار يعطى أولياؤهم، فقلت له: ليس لهم ولي، قال: يعطى من يُعنى بأمرهم.
ويصح من المميز قبض الزكاة، قال المروذي: قلتُ لأحمد: يعطى غلامًا يتيمًا من الزكاة؟ قال: نعم. يدفعها إلى الغلام. قلت: أخاف أن يضيعه. قال: يدفعه إلى من يقوم بأمره.
قيل لأحمد: يكون عنده الزرع ليس عنده ما يحصده، أيأخذ من الزكاة؟ قال: نعم. قال الشيخ: وفي معناه: ما يحتاج إليه لإقامة مؤنته؛
_________________
(١) ١ مسلم: الزكاة (٩٩٦)، وأبو داود: الزكاة (١٦٩٢)، وأحمد (٢/١٦٠، ٢/١٩٣، ٢/١٩٤، ٢/١٩٥) . ٢ سورة الحشر آية: ٩.
[ ٢٥٢ ]
ومن أبيح له أخذ شيء أبيح له سؤاله. وعنه: يحرم السؤال لا الأخذ، على من له غداء أو عشاء. قال الأصحاب: إذا عمل الإمام أو نائبه، لم يكن له أخذ شيء، لأنه يأخذ رزقه من بيت المال. ونقل صالح: العامل هو السلطان الذي جعل الله له الثمن في كتابه، ونقل عبد الله نحوه. ولا يقضي منها ديْن ميت غرم لمصلحة نفسه أو غيره، واختار الشيخ الجواز، لأنه لا يشترط تمليكه، لأن الله قال: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾، ١ ولم يقل: وللغارمين. ولو دفع المالك إلى الغريم بلا إذن الفقير، فكلام الشيخ يقتضي الجواز. واختار جواز الأخذ من الزكاة للفقير ما يصير به غنيًا وإن كثر. واختار أنه إذا أسقط عن غريمه زكاة ذلك الديْن منه جاز، لأن الزكاة مواساة.
واختار جواز إعطاء عمودي نسبه إذا كان لغرم نفسه أو لكتابة أو ابن سبيل. وقال: بنو هاشم إذا منعوا خمس الخمس، جاز لهم الأخذ منها. وقال: يجوز لهم الأخذ من زكاة الهاشميين. انتهى. وقال: وفي تحريم الصدقة على أزواجه ﷺ وكونهن من أهل بيته روايتان: أصحهما: التحريم، وكونهن من أهل بيته. واختار أنه يعطى يتيمًا تبرع بنفقته.
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية: ٦٠.
[ ٢٥٣ ]