تجب العمرة على من يجب عليه الحج، وعنه: ليست بواجبة، وبه قال مالك، "لأنه ﷺ سئل عنها: أواجبة هي؟ قال: لا". صححه الترمذي، وقال الشافعي: ضعيف، لا تقوم بمثله الحجة.
وليس فيها شيء ثابت بأنها تطوع، قال ابن عبد البر: روي ذلك بأسانيد لا تصح. وليس على أهل مكة عمرة، نص عليه. وقال: "كان ابن عباس يراها واجبة ويقول: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة إنما عمرتكم طوافكم بالبيت"، ووجهه: أن ركنها الطواف، وهم يفعلونه.
ولو حج الصبي والعبد صح، ولم يجزهما عن حجة الإسلام، حكاه الترمذي إجماعًا، فإن بلغ الصبي وأعتق العبد بعرفة أو قبلها غير محرمين، فأحرما ووقفا وأتما المناسك، أجزأ بغير خلاف، وإن كان وهما محرمان أجزأ. وقال مالك: لا يجزئ، اختاره ابن المنذر. قال أحمد: قال ابن عباس: "إذا أعتق العبد بعرفة، أجزأت عنه حجته، فإن أعتق بجمع لم تجزئ عنه". وهؤلاء يقولون: لا يجزئ، ومالك يقوله أيضًا؛ وكيف لا يجزئه؟ وهو لو أحرم تلك الساعة كان حجه تامًا، وما أعلم أحدًا قال: لا يجزئه، إلا هؤلاء.
والصبي إن كان مميزًا أحرم بإذن وليه، وإن لم يكن مميزًا أحرم عنه، وبه قال مالك والشافعي، ومعناه: أن يعقد له الإحرام؛ فيصح للصبي دون الولي، كالنكاح. فإن أحرمت عنه أمه صح، لقوله ﷺ: "ولك أجر"، ولا يضاف إليها إلا لكونه
[ ٢٦٩ ]
تبعًا لها. وما عجز عنه، فعَله الولي عنه، لقول جابر: "فأحرمنا عن الصبيان"، وفي لفظ: "فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم". قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه: يرى الرمي عن الصبي الذي لا يقدر، "كان ابن عمر يفعله". وأما الطواف، فإن أمكنه المشي وإلا طيف به محمولًا، وتعتبر النية من الطائف. ويجرد كما يجرد الكبير، قال عطاء: يفعل به كما يفعل الكبير، ويشهد المناسك، إلا أنه لا يصلى عنه.
وليس للرجل منع امرأته من حج الفرض، ولا تحليلها إن أحرمت، بغير خلاف، حكاه ابن المنذر إجماعًا.
و(الاستطاعة): ملك الزاد والراحلة، قال ابن المنذر: العمل عليه عند أهل العلم. وقال عكرمة: هي الصحة. وقال الضحاك: إن كان شابًا فليؤجر نفسه بمأكله وعقبه. وعن مالك: إن كان يمكنه المشي وعادته السؤال، لزمه الحج. فإن تكلفه من لا يلزمه من غير ضرر يلحق بغيره، مثل من يمشي ويتكسب بصناعة ولا يسأل الناس، استحب له، لقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾، ١ فقدم الرجال.
ويجب الحج على الفور، وبه قال مالك. وقال الشافعي: يجب الحج وجوبًا موسعًا، وله تأخيره، "لأنه ﷺ أمر أبا بكر، وتخلف هو وأكثر المسلمين". فإن عجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر من بلده. وقال مالك: لا حج عليه إلا أن يستطع بنفسه، ولا أرى له ذلك. ويجوز أن تنوب المرأة عن الرجل، وكرهه الحسن بن صالح. وقال ابن المنذر: هذه غفلة عن ظاهر السنة، فـ"إنه ﷺ أمر المرأة أن تحج عن أبيها"، وعليه يعتمد من أجاز حج المرأة عن الرجل.
_________________
(١) ١ سورة الحج آية: ٢٧.
[ ٢٧٠ ]
ولا يجوز الحج والعمرة عن الحي إلا بإذنه.
ومن مات وعليه حج، أخرج عنه من ماله ما يحج به عنه، وبه قال الشافعي. وقال مالك: يسقط بالموت، فإن أوصى بها فهي من الثلث. ويستحب أن يحج عن أبويه إذا كانا عاجزين أو ميتين، "لأمره به ﷺ أبا رزين والمرأة".
ويشترط لوجوبه على المرأة وجود محرم، وهذا قول إسحاق وابن المنذر. وقال مالك والشافعي: ليس المحرم شرطًا، قال ابن المنذر: تركوا القول بظاهر الحديث، واشترط كل واحد شرطًا لا حجة معه عليه، واحتجوا بحديث الزاد والراحلة، وبحديث عدي: "يوشك أن تخرج الظعينة تؤم البيت. .. إلخ"؛ والأول محمول على الرجل بدليل أنهم شرطوا معها غيرها، فجعله المحرم الذي بينه ﷺ في أحاديثنا أولى، وكذلك اشترطوا قضاء الدين ونفقة العيال وغير ذلك، وهو غير مذكور في الحديث، واشترط كل واحد شرطًا في محل النزاع من عند نفسه، لا من كتاب ولا من سنة. وحديث عدي يدل على وجود السفر لا على جوازه، وكذلك لم يجز في غير الحج المفروض، ولم يذكر خروج غيرها معها.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
الصحيح من المذهب: أن العمرة تجب، واختار الشيخ أنها سنة، وعنه: على الأفقي، قال الشيخ: عليها نصوص. وتلزم طاعة الوالدين في غير معصية، قال الشيخ: هذا مما فيه نفع لهما ولا ضرر عليه، فإن شق عليه ولم يضره وجب عليه وإلا فلا. قال ابن الجوزي: من أمكنه المشي والتكسب بالصنعة فعليه الحج، واختار الشيخ عبد الحليم ولد المجد ووالد الشيخ تقي الدين بالقدرة على التكسب، وقال: هذا ظاهر على أصلنا، فإن عندنا: يجبر المفلس
[ ٢٧١ ]
على الكسب لا على المسألة، ولو قيل بوجوب الحج عليه إذا كان قادرًا على الكسب وإن بعدت المسافة، كان متوجهًا على أصلنا.
واختار الشيخ وجوب الكف عن طريق يستوي فيه احتمال السلامة والهلاك، وقال: فإن لم يكف، فيكون أعان على نفسه، فلا يكون شهيدًا. وقال: الخفارة تجوز عند الحاجة إليها في الدفع عن المخفر، ولا يجوز عند عدمها كما يأخذه السلطان من الرعايا. واختار أن كل امرأة آمنة تحج مع عدم محرم، وقوله: بنسب أو سبب مباح. واختار الشيخ يكون محرمًا بوطء الشبهة، وذكره قول أكثر العلماء، قال أحمد: لا يعجبني أن يأخذ دراهم ويحج عن غيره.
[ ٢٧٢ ]