القول بصحته قول الأكثر. وعن شريح: لا حبس عن فرائض الله. قال أحمد: هذا مذهب أهل الكوفة.
ولا يصح إلا بشروط أربعة:
أحدها: أن تكون في عين يجوز بيعها، ويمكن الانتفاع بها مع بقاء عينها، كالعقار والحيوان والسلاح. قال أحمد: إنما الوقف في الدور والأرضين على ما وقف أصحاب رسول الله ﷺ. وقال فيمن وقف خمس نخلات على مسجد: لا بأس به؛ وهذا قول الشافعي. وقال أبو يوسف: لا يجوز وقف الحيوان ولا العروض، إلا الكراع والسلاح. وعن مالك في الكراع [والسلاح] ١ روايتان. ولنا: قوله: "أما خالد، فقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله". قال الخطابي: الأعتاد: ما يعدّ من مركوب وسلاح وآلة الجهاد. وقول أم معقل: "يا رسول الله، إن أبا معقل جعل ناضحه في سبيل الله، فقال: اركبيه، فإن الحج من سبيل الله". ويصح وقف المشاع، وقال محمد بن الحسن: لا يصح. ولنا: في حديث عمر: "أنه أصاب مائة سهم من خيبر، فأذن له رسول الله ﷺ في وقفها". "ويصح وقف الحلي على اللبس والعارية"، لما روي عن حفصة، وعنه: لا يصح، وأنكر حديث حفصة.
الثاني: أن يكون على بر، كالمساكين والمساجد والأقارب؛ ولا يصح على نفسه. قال أحمد فيمن وقف على نفسه، ثم على المساكين، فقال: ما أعرف ٢
_________________
(١) ١ زيادة في المخطوطة. ٢ في المطبوعة: (لا أعرف)، وهي عبارة الأصل.
[ ٦١٣ ]
الوقف إلا ما أخرجه لله تعالى أو في سبيله. وقال أبو يوسف وابن شريح: يصح، "لأن في صدقته ﷺ أن يأكل أهله منها بالمعروف". وإن وقف على غير معين، واستثنى الأكل منه مدة حياته، جاز، لما ذكرنا في وقف النبي ﷺ، احتج به أحمد، ولقول عمر: "لا جناح على من وليها أن يأكل"، ولأنه إذا وقف وقفًا عامًا كالمقبرة والمسجد جاز له الانتفاع به.
الثالث: أن يقفه على معيّن يملك، فلا يصح على عبده حتى يعتقه، ولا على مجهول كرجل.
الرابع: أن يقف ناجزًا، فإن علقه على شرط لم يصح، إلا إن قال: هو وقف بعد موتي. واحتج أحمد بقول عمر: "إن حدث بي حادث إن ثمغًا صدقة".
وإن وقف على من لا يجوز ثم على من يجوز، فمنقطع الابتداء، فإن لم يذكر مالًا فباطل. والوقف الصحيح: ما كان معلوم الابتداء والانتهاء غير منقطع، مثل أن يجعله على المساكين أو طائفة لا يجوز بحكم العادة انقراضهم. فإن كان غير معلوم الانتهاء، مثل أن يقف على قوم يجوز انقراضهم بالعادة، ولم يجعل آخره لجهة غير منقطعة، فهو صحيح أيضًا، وبه قال مالك والشافعي في أحد قوليه. والثاني: لا يصح، لأن الوقف مقتضاه التأبيد؛ فإن انقرضوا صرف إلى أقرباء الواقف. وعن أحمد: يصرف إلى المساكين، لأنهم مصرف الصدقات، فإذا وجدت صدقة غير معينة المصرف صرفت إليهم، وعنه: في بيت المال.
ولا يشترط إخراج الوقف عن يده، وعنه: ما يدل على اشتراطه، فإنه
[ ٦١٤ ]
قال: الوقف المعروف أن يخرجه عن يده، أو يوكل من يقوم به. ولنا: حديث عمر. ولا يجوز بيعه إلا أن تتعطل منافعه، لقوله: "لا يباع أصلها، ولا تورث، ولا توهب ". ١ فإن تعطلت منافعه بِيع. قال أحمد: إذا كان في المسجد خشبتان لهما قيمة، جاز بيعهما وصرف ثمنهما عليه، وقال: يحول المسجد خوفًا من اللصوص.
وإذا كان موضعه قذرًا، قال أبو بكر: روي عنه: أن المساجد لا تباع وإنما تنقل آلتها. قال: وبالقول الأول أقول، لإجماعهم على جواز بيع الفرس الحبيس. وقال مالك والشافعي: لا يجوز بيع شيء من ذلك، لقوله: "لا يباع أصلها، ولا يوهب". ٢ ولنا: ما روي: "أن عمر كتب إلى سعد لما بلغه أنه قد نقب بيت المال بالكوفة: أن انقل المسجد الذي بالتمارين، واجعل بيت المال في قبلة المسجد، فإنه لن يزال في المسجد مصلّ"، وهذا بمشهد من الصحابة ولم يظهر خلافه، فكان إجماعًا.
قال ابن عقيل: الوقف مؤبد، فإذا لم يكن تأبيده على وجه تخصيصه استوفينا الغرض، وهو الانتفاع على الدوام في عين أخرى، وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض. ويقرب هذا من الهدي إذا عطب، فإنه يذبح في الحال وإن اختص بموضع، فيستوفى منه ما أمكن. فإن لم يكن ثمن الفرس أعين به في فرس حبيس، نص عليه. وما فضل من حصر المسجد وزيته عن حاجته، جاز صرفه إلى مسجد آخر والصدقة به. وقال المروذي: قال أحمد: يتصدق به، وأرى أنه قد احتج بكسوة البيت إذا تخرقت يتصدق بها، وقال أيضًا: كان شيبة يتصدق بخلقان الكعبة.
ولا يغرس به شجرة، نص عليه، قال: إن غرست بعد أن صار مسجدًا، لا أحب الأكل منها؛ غرست بغير حق. فإن كانت
_________________
(١) ١ البخاري: الشروط (٢٧٣٧) والوصايا (٢٧٦٤، ٢٧٧٢)، ومسلم: الوصية (١٦٣٣)، والترمذي: الأحكام (١٣٧٥)، والنسائي: الأحباس (٣٥٩٧)، وأبو داود: الوصايا (٢٨٧٨)، وأحمد (٢/٥٥) . ٢ البخاري: الشروط (٢٧٣٧)، ومسلم: الوصية (١٦٣٣)، والترمذي: الأحكام (١٣٧٥)، وأبو داود: الوصايا (٢٨٧٨)، وابن ماجة: الأحكام (٢٣٩٦)، وأحمد (٢/٥٥) .
[ ٦١٥ ]
مغروسة فيه جاز الأكل منها. قال أحمد: لا بأس أن يبيعها من الجيران. وعنه: لا تباع وتجعل للمسلمين وأهل الدروب يأكلونها، وذلك، والله أعلم، لأن صاحب الأرض قد وقف الأرض والشجرة جميعًا ولم يعين مصرفها، فصارت كالذي لم يعيّن له مصرف.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال الشيخ: إذا قال واحد أو جماعة: جعلنا هذا المكان مسجدًا أو وقفًا، صار مسجدًا أو وقفًا بذلك، وإن لم يكملوا عمارته. وإذا قال كل واحد منهم: جعلت ملكي للمسجد أو في المسجد، صار بذلك حق للمسجد.
واختار صحة وقف الدراهم للقرض، قال: ولو وقف قنديلًا للنبي ﷺ، صرف لجيرانه قيمته.
وقال في النذور للقبور: هو للمصالح ما لم يعلم ربه، وفي الكفارة الخلاف، ومن الحسن صرفه في نظيره من المشروع.
واختار جواز تعليق الوقف على شرط، ولو شرط أن يبيعه أو يهبه أو يرجع فيه ما شاء، فاختار الشيخ الصحة، فإن لم يقبل الموقوف عليه، بطل في حقه دون من بعده، وهو مفرع على اشتراط القبول. قال الشيخ: ليس كالوقف المنقطع الابتداء، بل الوقف هنا صحيح قولًا واحدًا.
وإن قال: على أولادي ثم أولادهم، على أنه من توفي منهم من غير ولد فنصيبه لمن في درجته، استحق كل ولد نصيب أبيه، وكذلك لو قال: وقف على أولادي، ثم على أولادهم، ثم على الفقراء، فاختار الشيخ أنه ترتيب أفراد، فيستحق الولد نصيب أبيه بعده. فهو من ترتيب الأفراد بين كل شخص وأبيه. وقال: من ظن أن الوقف كالإرث، فإن لم يكن أبوه أخذ لم يأخذ، فلم ينقله أحد من الأئمة ولم يدر ما يقول؛ ولهذا لو انتفت الشروط في الطبقة الأولى أو بعضهم، لم تحرم الثانية
[ ٦١٦ ]
مع وجود الشروط فيهم إجماعًا. وقد وافق الشيخ على ذلك كثير من أرباب المذهب، وجعلوه من تخصيص العموم بالمفهوم، وهو أظهر. وصنف الشيخ في ذلك مصنفًا حافلًا خمس كراريس.
وقال: يجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه، وإن اختلف ذلك باختلاف الأزمان، حتى لو وقف على الفقهاء واحتيج إلى الجهاد صرف إلى الجند. وقال: وما يؤخذ من بيت المال فليس عوضًا وأجرة، وإنما هو رزق للإعانة على الطاعة، وكذلك المال الموقوف على أعمال البر والموصى به والمنذور له.
وقال: يجب عمارة الوقف بحسب البطون، وتقدم عمارة الوقف على أرباب الوظائف. وقال الشيخ: الجمع بينهما حسب الإمكان أولى، بل قد يجب. وقال: إذا وقف في صحته ثم ظهر عليه ديْن، فهل يباع لوفاء الدين؟ فيه خلاف. ومنعه قوي. وفي الاختيارات قال الشيخ: ليس بأبلغ من التدبير، وقد ثبت "أنه ﵇ باعه في الدين".
وجوز الشيخ بيع الوقف لمصلحة، وقال: هو قياس الهدي. وذكره وجهًا في المناقلة، وأومأ إليه أحمد: نقل صالح نقل المسجد لمصلحة الناس، واختاره صاحب الفائق وحكم به، ووافقه برهان الدين ابن القيم. وقال الشيخ: يد الواقف ثابتة على المتصل به ما لم تأت حجة تدفع موجبها، كمعرفة كون الغارس غرسه بماله بحكم إجارة أو إعارة، ويد المستأجر على المنفعة، فليس له دعوى البناء بلا حجة، ويد أهل الوصية المشتركة ثابتة على ما فيها بحكم الاشتراك، إلا مع بينة باختصاص.
[ ٦١٧ ]