لم يصدر إسحاق بن منصور كتابه بمقدمة يشير إلى منهجه في التأليف ولعل السبب في ذلك يعود إلى أنهم في ذلك الزمن المتقدم لم يتعودوا أن يقدموا لمؤلفاتهم توطئه يبينون فيه عملهم في الكتاب.
وأثناء خدمتي للكتاب، وتتبعي لطريقة المؤلف، وعمله تبين لي أن المؤلف ينهج في كتابه النهج الآتي:
١- في الغالب الأعم يوجه السؤال إلى الإمام أحمد بلفظ "قلت لأحمد" أو "قلت" ويكتفي بمعرفة المسئول من السياق١.
أو يقول: سئل أحمد، أو سئل عن كذا دون ذكر المسئول٢، أو يقول: قيل لأحمد٣.
وأكثر المسائل سئل عنها بلفظ "قلت لأحمد" أو قلت فقط، والذي يظهر لي أنه فرق بين ما سأل الإمام أحمد بنفسه فعبر فيه بلفظ قلت، وبين ما سأله غيره، وسمع السؤال والإجابة عليه فعبر عنه بلفظ "سئل أحمد" أو "قيل للإمام أحمد".
_________________
(١) ١ راجع المسائل ١٢-٢٦-٣٢-٤٠-٦٠. ٢ راجع المسائل ٤-٩-١٣-١٥-١٨. ٣ راجع المسائل: ٢٣٧، ٤٥٠
[ ١ / ٢١٩ ]
٢- وأحيانًا يعرض عليه حديثًا نبويًا، ثم يعقبه باستفسار عن بعض الأحكام التي يستفاد من الحديث١.
٣- كما يعرض عليه قول صحابي، أو تابعي للوقوف على رأي الإمامين فيه٢.
٤- وعرض على الإمامين آراء كثير من الفقهاء، وأغلب من عرض رأيهم: سفيان الثوري، والأوزاعي، والنخعي، والقاضي شريح، وابن شبرمة، وابن أبي ليلى، وعطاء، والإمام مالك، والحسن البصري، وقتادة، وإياس بن معاوية، وابن شهاب الزهري، وقد أكثر من عرض مسائل عن الإمام الأوزاعي في كتاب الجهاد دون بقية الأبواب ولعل السبب في ذلك وجود كتاب للأوزاعي باسم سير الأوزاعي، وللأسف الكتاب لم يصل إلينا، والذي وصل إلينا، وبقى منه هو ما ضمنه أبو يوسف الأنصاري كتابه الرد على سير الأوزاعي وما جاء ضمن كتاب الأم للإمام الشافعي بعنوان سير الأوزاعي٣.
وأما قول الإمام سفيان الثوري فيعرضه غالبًا قبل نهاية كل باب وأحيانًا يخالف هذا المنهج، فيأتي بقوله في بداية الباب، أو وسطه.
_________________
(١) ١ انظر المسالة رقم ١-٦. ٢ انظر المسألة ٣٨. ٣ انظر تاريخ التراث العربي ١/٣/٢٤٤
[ ١ / ٢٢٠ ]
والسبب من إكثار عرض أقوال الثوري على الإمامين، أن الثوري كان من العلماء الذين جمع لهم الفقه، والحديث فكان من فقهاء المحدثين الذين اعتنى العلماء بجمع أقوالهم، وتدوينها، فنرى أن عبد الرزاق الصنعاني قد ضمن كتابه كثيرًا من آرائه، وفتاويه الفقهية، وكذلك فعل ابن أبي شيبة في مصنفه، إلا أنه لم يكثر كما فعل عبد الرزاق، وصدر ابن نصر المروزي كتابه، وبداية كل مسألة فيه بآرائه، وأقواله كما اهتم بنقل أقواله ابن المنذر في كتابيه الأوسط والإشراف.
فكان للثوري مكانته العلمية المرموقة في ذلك الزمن، وكان يرأس مدرسة فقهاء أهل الحديث في زمانه، ولذا أكثر ابن منصور من عرض أقواله على الإمامين ليرى رأيهما فيه من حيث الموافقة والمخالفة.
٥- وكان يعرض السؤال، وجواب الإمام أحمد وغيره من الأئمة على الإمام إسحاق بن راهويه.
والذي يظهر من أسلوب ابن منصور في الكتاب أنه كان قد سأل هذه المسائل الإمام أحمد، ودوّن إجاباته ثم ذهب إلى الإمام إسحاق، وعرض عليه تلك المسائل فما وافق فيه إسحاق أحمد كتب تحت المسألة "قال إسحاق كما قال" وإذا خالف إسحاق أحمد بين رأيه.
فلذا نراه يقدم أحمد ويذكر قوله بالتفصيل، بخلاف جواب إسحاق إذا كان موافقًا، وفعل ذلك ابن منصور ليعرف مذهبهما في المسألة وليثبت وجه الاتفاق، والاختلاف بينهما، باعتبارهما إمامي أهل السنة
[ ١ / ٢٢١ ]
وفقيهي أهل الحديث في زمانهما.
٦- أتى بجواب الإمام إسحاق على أربعة نماذج:
أ- موافقة الإمام إسحاق للإمام أحمد، فيذكر إسحاق بن منصور موافقته هذه بعبارة: قال إسحاق كما قال، أو كما قال أحمد.
ب- موافقته على قول الإمام أحمد، وتعقيبه عليه، بما يبين المسألة ويوضحها، والاستدلال لها.
جـ- موافقته لقول من عرض رأيه على الإمام أحمد كسفيان الثوري أو الأوزاعي، ويسوقه بعبارة قال إسحاق كما قال سفيان وقد يعقب عليه بما يوضحه ويبينه.
د- مخالفته لقول الإمام أحمد، فيذكر رأيه، وغالبًا يستدل على رأيه، أو بيان وجه مخالفته.
٧- يذكر أحيانًا قول الإمام أحمد ولا يتبعه بقول الإمام إسحاق وأحيانًا يذكر قول الإمام إسحاق، ولا يذكر قول الإمام أحمد وغالبًا ما يكون ذلك في نهاية الباب، أو الكتاب١.
٨- يوضح المعنى المراد من قول الإمامين أحمد وإسحاق٢.
٩- يحاور الإمام أحمد، ويكرر عليه السؤال، ويعترض على جوابه
_________________
(١) ١ انظر المسالة رقم ٥٤-٦٢-٦٣. ٢ انظر المسالة رقم ١٧٣.
[ ١ / ٢٢٢ ]
بجزئيات قد يتغير من أجلها الحكم الذي قاله الإمام أحمد١.
١٠- كتب روايته عن الإمامين بأسلوب موجز لم يلجأ فيه إلى التطويل، فوردت عباراته على شكل أسئلة، وأجاب عنها الإمامان أحمد وإسحاق، وكانت إجاباتهم مختصرة دقيقة.
١١- يشير إلى الدليل بأوجز عبارة.
فقد سأل الإمام أحمد عن المتاع يصيبه العدو، ثم يفيئه الله على المسلمين، فأجاب الإمام أحمد: أنه يرد على صاحبه ما لم يقسم، قال إسحاق بن منصور: احتج -الإمام أحمد- على قوله بحديث العضباء حيث أخذها النبي ﷺ من المرأة، والحديث طويل اقتصر منه بشهرته لديهم، وموضع الشاهد منه.٢
وأحيانًا يذكر اسم راوي الحديث، أو إلى رجل من الإسناد أو يشير إلى كلمة من متن الحديث، أو معنى فيه.
هذا من ناحية طريقته، وأسلوبه في إلقاء الأسئلة، وترتيب الكتاب، أما طريقته في اختيار الأسئلة ففي الغالب الأعم وردت أسئلته في أمور خلافية بين الفقهاء، إما لاختلاف الآثار الواردة فيها، وإما لورود حديثين في المسألة، ويختلف درجتهما من الصحة فيريد ابن منصور أن يقف على
_________________
(١) ١ انظر المسألة رقم ٣٩٢. ٢ انظر المسألة رقم ٩-٥٤.
[ ١ / ٢٢٣ ]
رأي الإمامين أحمد وإسحاق، وبأيهما يأخذان.
وإما أن يجتهد بعض الصحابة في بعض المسائل اجتهادًا يتعارض مع ما يبدو من ظاهر بعض النصوص فيسأل الإمامين عن رأيهما في هذا الاجتهاد١.
وإما أن يكون الأئمة اختلفوا في آية أهي منسوخة، أم غير منسوخة؟
فقد سأل ابن منصور الإمام أحمد: أيقتل الأسير، أو يفادى أحب إليك؟
وهنا خلاف بين الأئمة مرجعه اختلافهم في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ ٢.
هل هي منسوخة أو هي محكمة يعمل بها؟ ٣
وقد يقع السؤال في حديث عام، وله صور شتى تشملها بعمومها ويسأل عن جزئية من العموم هل يشملها العموم في النهي أو أن هناك
_________________
(١) ١ انظر المسألة رقم ٣٢. ٢ سورة محمد ﷺ آية رقم (٤) . ٣ انظر المسألة رقم ٣٥، وراجع الخلاف في: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٦/٢٢٧، ونواسخ القرآن لابن الجوزي ص٤٦٦، ومصنف عبد الرزاق ٥/٢٠٥، والمغني ٨/٣٧٢.
[ ١ / ٢٢٤ ]
دليلًا خاصًا يخرجها من دليل العموم.
فقد نهى رسول الله ﷺ عن قتل الأطفال والذراري والنساء، وغير المقاتلين.
فسأل ابن منصور عن حكم شن الغارة على المشركين ليلًا وقد يصاب الذراري، والأطفال، ومن لا يجوز قتلهم، فأجاب الإمامان: أن هذا لا يدخل في عموم لفظ النهي إذا لم يقصدوا قتلهم، وأن العموم هنا مخصوص بحديث الصعب بن جثامة.١
وبعد: كان هذا سردًا موجزًا لأسلوب الحافظ إسحاق بن منصور المروزي تبين لي ذلك أثناء تتبعي طريقته في إلقائه لأسئلته، وترتيب كتابه ومراجعتي لكتب الفقه والآثار في كل مسئلة قمت بتحقيقها.
_________________
(١) ١ انظر المسألة رقم ٣٧، وراجع المسألة رقم ١١.
[ ١ / ٢٢٥ ]