فرضُ كفايةٍ: إذا تركها أهلُ بلدٍ، قاتلَهم الإِمامُ.
ووقتُها: كصلاةِ الضُّحى؛ من ارتفاعِ الشَّمس قَدْرَ رُمْحٍ إلى قبيلِ الزَّوال.
وتُسنُّ في صحراءَ قريبةٍ،
(باب) بالتنوين: خبرُ مبتدأ محذوفٍ، تقديرُه: هذا بابٌ.
(صلاةُ العيدين): تثنيةُ عيد، سُمِّيَ به؛ لأنَّه يعودُ ويتكرَّر لأوقاته، أو تفاؤلًا. وجمعُه أعياد (^١). وقوله: "صلاة العيدين" مبتدأٌ، خبرُه: (فرضُ كفايةٍ) لقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢] وكان النبي ﷺ والخلفاءُ بعدَهُ يُداومون عليها.
(إذا تركَها) أي: إذا اتَّفَقَ على تَرْكِها (أهلُ بلدٍ، قاتَلَهم الإمامُ) لأنَّها من أعلام الدِّين الظَّاهرة.
(ووقتُها: كصلاةِ الضُّحى) فأوَّلُه (من ارتفاعِ الشمسِ قَدرَ رُمْح) لأنَّه ﵊ ومَن بعدَه لم يصلُّوها إلا بَعدَ ارتفاعِ الشمسِ (^٢). ذكره في "المبدع" (^٣). ويستمرُّ الوقتُ (إلى قُبيلِ الزَّوال) أي: زوالِ الشَّمسِ، فإنْ لم يُعلم بالعيد إلا بعدَه، صلَّوا من الغدِ قضاءً، وكذا لو مضى أيامٌ.
(وتُسنَّ) صلاةُ العيدِ (في صحراءَ قريبةٍ) من البنيان عُرفًا؛ لقول أبي سعيدٍ: كان النبيُّ ﷺ يخرج في الفطرِ والأضحى إلى المصلَّى. متَّفقٌ عليه (^٤). وكذا الخلفاءُ بعدَه.
_________________
(١) "المطلع" ص ١٠٨.
(٢) أخرج أبو داود (١١٣٥)، وابن ماجه (١٣١٧) -وعلَّقه البخاري قبل حديث (٩٦٨) بصيغة الجزم- أن عبد الله بن بسر خرج مع الناس في يوم عيد فطر، أو أضحى، فأنكر إبطاء الإمام، فقال: إنَّا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه، وذلك حين التسبيح. قال النووي في "الخلاصة" ٢/ ٨٢٧: رواه أبو داود، وابن ماجه بإسناد صحيح على شرط مسلم.
(٣) ٢/ ١٧٨.
(٤) البخاري (٩٥٦)، ومسلم (٨٨٩) مطولًا.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
وتقديمُ صلاةِ الأضحى، وعكسُه الفِطرُ، وأكلُه قبلَها، عكسُ أضحى لمضحٍّ.
وتُكرَه في جامعٍ بلا عُذْرٍ.
(و) يُسَنُّ (تقديمُ صلاةِ الأضحى، وعكسُه الفِطرُ) فيؤخرها؛ لما رَوَى الشافعيُّ مرسلًا: أنَّ النبي ﷺ كتبَ إلى عمرو بن حزمٍ: "أنْ عجِّلِ الأضحى، وأخِّر الفِطْرِ، وذكِّرِ النَّاسَ" (^١).
(و) يُسَنُّ (أكلهُ قبلَها) أي: قبلَ الخروجِ لصلاةِ الفِطرِ؛ لقولِ بُرَيدَة: "كان النبيُّ
ﷺ لا يخرجُ يوم الفِطْرِ حتَّى يُفْطرَ، ولا يَطعمُ يومَ النَّحر حتَّى
يصلِّي" رواه أحمدُ (^٢).
والأفضلُ تمراتٌ وترًا (^٣)، والتوسعةُ على الأهل، والصدقةُ في العيدَين (عكسُ أضحى (^٤» فيُسَنُّ الإمساكُ فيه (لمضحِّ) حتَّى يصلِّي؛ ليأكلَ من أضحيَّته؛ لما تقدَّم، والأوْلَى من كَبِدها. وإنْ لم يضحِّ، خُيِّر في الأكلِ وعدمه.
(وتُكْرَه) صلاةُ العيد (في جامعٍ بلا عُذْرٍ) كخوفٍ ومطرٍ، إلا بمكَّةَ المشرَّفة (^٥)؛ لمخالفةِ فعله ﷺ. ويُسَنُّ للإمام أن يستخلفَ مَن يصلِّي بضَعَفةِ الناس في المسجد
_________________
(١) وقع في هامش (س) ما نصه: قوله: وذكَّر الناس، أي: عظ الناس، أي: في الخطبة. انتهى تقرير". والحديث عند الشافعي ١/ ١٥٢ ترتيب "مسنده"، وفي "الأم" ١/ ٢٠٥، وهو عند البيهقي ٣/ ٢٨٢، وقال: هذا مرسل، وقد طلبته في سائر الروايات في كتابه إلى عمرو بن حزم، فلم أجده والله أعلم. وضعفه النووى في "المجموع" ٥/ ٥، وفي "الخلاصة" ٢/ ٨٢٧، وابن حجر في "التلخيص الحبير" ٢/ ٨٣.
(٢) في "مسنده" (٢٢٩٨٣)، وهو عند الترمذي (٥٤٢)، وابن ماجه (١٧٥٦). قال الترمذي: حديث غريب. اهـ. وصححه الحاكم ١/ ٢٩٤ - ووافقه الذهبي- وصححه -أيضًا- ابن القطان في "بيان الوهم والإيهام" ٥/ ٣٥٦، وحسَّنه النووى في "المجموع" ٥/ ٧، و"الخلاصة" ٢/ ٨٢٦.
(٣) لما روى البخارى (٩٥٣) عن أنس قال: كان النبي ﷺ لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات. ثم علَّق بعده برواية: يأكلهن وترًا.
(٤) في (م) و(ح): "الأضحى".
(٥) بعدها في (ح) و(ز) و(م): "فلا يصلِّى بالصحراء".
[ ٢ / ٢٠٦ ]
ويخرجُ إليها على أحسنِ حال، يُبكِّر مأمومٌ ماشيًا، ويتأخَّر إمامٌ إلى الصَّلاة.
- لِفعلِ عليٍّ (^١) - ويخطبُ لهم (^٢). ولهم فعلُها قبلَ الإمام وبعدَه، وأيُّهما سبقَ، سقط به الفرضُ، وجازتِ التَّضحيةُ.
(ويخرجُ) نَدبًا مُصَلٍّ (إليها) أي: إلى صلاةِ العيدِ (على أحسن حالٍ) أي: لابسًا أجملَ ثيابه؛ لقولِ جابرٍ: "كان النبيِّ ﷺ يعتمُّ ويلبَسُ بُردَه الأحمرَ في العيدَين والجمعة" رواه ابنُ عبد البرِّ (^٣). إلا المعتكفَ، فيخرجُ في ثياب اعتكافه.
(و) سنَّ أن (يبكِّر مأمومٌ) بخروجه إليها بعد صلاة الصُّبحِ؛ ليحصلَ له الدُّنوُّ من الإمام، وانتظارُ الصَّلاة؛ فيكثرَ ثوابُه، حالَ كونِ الخارجِ لصلاة العيدِ (ماشيًا) لقول عليٍّ: من السُّنة أن يخرجَ إلى العيدِ ماشيًا. رواه الترمذيُّ (^٤)، وقال: العملُ على هذا عندَ أهلِ العلم.
(و) يُسنُّ أن (يتأخَّرَ إمامٌ إلى) وقتِ (الصَّلاة) لقولِ أبي سعيد: "كان النبيُّ ﷺ يخرجُ يومَ الفِطرِ إلى المصلَّى، فأوَّلُ شيءٍ يبدأ به الصَّلاةُ" رواه مسلم (^٥). ولأنَّ الإمامَ
_________________
(١) أخرج ابن أبي شبة ٢/ ١٨٤ - ١٨٥، والبيهقي ٣/ ٣١٠ أن عليًا أمر رجلًا أن يصلي بضعفة الناس في المسجد يوم فطر، أو يوم أضحى.
(٢) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: ويخطب لهم، أي: ويخطب المستخلف بالضعفاء، ولهم فعلها، أي: الضعفاء مع مستخلفهم. انتهى. تقرير المؤلف".
(٣) في "التمهيد" ٢٤/ ٣٦، وهو عند البيهقي ٣/ ٢٨٠، وأخرجه بنحوه ابن خزيمة (١٧٦٦). قال النووي في "الخلاصة": رواه ابن خزيمة والبيهقي، وإسناده ضعيف. وله شاهد من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ كان يلبس يوم العيد بردة حمراء. أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٧٦٠٩) قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ١٩٨: رواه الطبراني في "الأوسط" ورجاله ثقات.
(٤) في "سننه" (٥٣٠)، وهو عند ابن ماجه (١٢٩٦). قال الترمذي: هذا حديث حسن. وتعقَّبه النووي في "المجموع" ٥/ ١٣ فقال: وليس هو حسنًا، ولا يقبل قول الترمذي في هذا؛ فإن مداره على الحارث الأعور، واتفق العلماء على تضعيفه. قال الشعبي وغيره: كان الحارث كذَّابًا.
(٥) برقم (٨٨٩)، وهو عند البخاري (٩٥٦) واللفظ له، وسلف آنفًا عند قول أبي سعيد ﵁: كان النبي ﷺ يخرج في الفطر … الخبر.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
ومِنْ شَرْطِها اسْتيطان، وعددُ الجمعةِ، وَيرْجعُ مِنْ طريقٍ أُخرى. ويصلِّى قبلَ الخطبةِ ركعتَيْن،
يُنْتَظَر ولا يَنْتَظِر (^١).
(ومِنْ شَرْطِها) أي: شرطِ وجوبِ (^٢) صلاةِ العيد [-لا شرطِ صحَّتِها- كما ذكر ابن نصر الله. وقال المصنِّف: لعل المرادَ شرطُ ما يسقط به فرضُ الكفاية، بدليل أن المنفردَ تصحُّ صلاتُه بعد صلاةِ الإمام] (^٣) (استيطان) المصلِّين (^٤) (وعددُ الجمعةِ) [أي: وكونُهم أربعين، فلا تقامُ صلاةُ العيدِ إلا حيثُ تقامُ الجمعةُ] (^٥)؛ لأنَّ النبي ﷺ وافقَ العيد في يوم حجِّه، فلم يُصَلِّ (^٦).
(و) يُسَنُّ إذا غدا لصلاةِ العيدِ من طريقٍ، أنْ (يرجعَ مِن طريقٍ أُخرى) لما روى البخارىُّ (^٧) عن جابرٍ: "أن النبي ﷺ كان إذا خرج إلى العيد، خالفَ الطريقَ" وكذا الجمعة. قال في "شرح المنتهى" (^٨): ولا يمتنعُ أيضًا في غيرِ الجمعة. (ويُصلِّى) العيدُ (قَبلَ الخطبةِ) ركعتَين؛ لقول ابن عمرَ: "كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمرُ وعثمانُ يصلُّون العيدَ قَبلَ الخطبة" متَّفقٌ عليه (^٩). فلو قدَّم الخطبةَ، لم يُعتدَّ بها.
_________________
(١) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: ينتظر، الأول مبني للمفعول، والثاني للفاعل. انتهى تقرير المؤلف".
(٢) في الأصل و(س): "صحة".
(٣) ليست في الأصل و(س).
(٤) ليست في الأصل و(س).
(٥) ليست في الأصل و(س).
(٦) أخرجه أبو داود (١٠٧٠)، والنسائي في "المجتبى" ٣/ ١٩٤، وابن ماجه (١٣١٠)، وأحمد (١٩٣١٨) من حديث زيد بن أبي أرقم أنه سئل: شهدت مع رسول الله ﷺ عيدين اجتمعا؟ قال: نعم، صلى العيد أول النهار، ثم رخَّص في الجمعة … الخبر. وصحَّحه علي بن المديني كما نقله ابن حجر في "التلخيص الحبير" ٢/ ٨٨. وقال النووى في "الخلاصة" ٢/ ٨١٦: رواه أبو داود والنسائى بإسناد حسن.
(٧) في "صحيحه" (٩٨٦).
(٨) "معرفة أولي النهي" ٢/ ٣٢٧.
(٩) البخارى (٩٦٣)، ومسلم (٨٨٨)، وهو عند أحمد (٤٦٠٢) وليس فيه ذكر "عثمان"، وإنما وقع ذكره عند الشافعي في "الأم" ١/ ٢٠٩ من حديث ابن عمر ﵄ أيضًا. وأخرج البخاري (٩٦٢)، ومسلم (٨٨٤)، وأحمد (٢١١٧) عن ابن عباس ﵄ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ العيد، وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، فكلُّهم كانوا يصلّون قبل الخطبة. لفظ البخاري.
[ ٢ / ٢٠٨ ]
يكبِّرُ في الأولى -بعد استفتاحٍ، وقبلَ تعوُّذٍ، وقراءةٍ -ستًّا.
وفي الثانيةِ -قبلَ قراءةٍ- خمسًا، يرفعُ يدَيْه مع كل تكبيرة.
ويقول بَيْنَ كل تكبيرتين: اللهُ أكبر كبيرًا، والحمدُ لله كثيرًا، وسبحانَ الله بُكْرَةً وأصيلًا، وصلَّى الله على محمَّدٍ النبيِّ وآله وسلَّم تسليمًا، وإنْ أحبَّ
(يكبِّرُ في الأولى بعد) تكبيرةِ إحرامٍ، و(استفتاحٍ، وقبلَ تعوُّذٍ، وقراءةٍ ستًّا) أي: ستَّ تكبيراتٍ زوائد.
(و) يكبِّرُ (في) الرَّكعةِ (الثانيةِ قبلَ قراءةٍ خمسًا) لما روى أحمدُ عن عَمرِو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: "أن النبيَّ ﷺ كبَّر في عيدٍ اثنتي عَشرةَ تكبيرةً، سَبعًا في الأولى، وخَمْسًا في الأخيرة" إسنادُه حسن (^١). قال أحمد: اختلفَ أصحابُ النبي ﷺ في التَّكبيرِ، وكلُّه جائز.
(يرفعُ يدَيْه مع كلِّ تكبيرةٍ) لقولِ وائلِ بنِ حُجْرٍ: "إنَّ النبيَّ ﷺ كان يرفع يدَيْه مع التكبير" (^٢).
قال أحمد: فأرى أنْ يدخلَ فيه هذا كلُّه. وعن عمرَ أنَّه كان يرفعُ يدَيه في كل تكبيرةٍ في الجنازةِ والعيدِ. وعن زيدٍ كذلك، رواهما الأثرمُ (^٣).
(ويقولُ بَين كلِّ تكبيرتين: اللهُ أكبر كبيرًا، والحمدُ لله كثيرًا، وسبحانَ الله بُكرةً وأصيلًا، وصلَّى الله على محمَّدٍ النبي وآلِه وسلَّم تسليمًا. وإن أحبَّ،
_________________
(١) أحمد (٦٦٨٨)، وهو بنحوه عند أبي داود (١١٥١)، وابن ماجه (١٢٧٨). قال في "التلخيص الحبير" ٢/ ٨٤: وصححه أحمد وعلي -ابن المديني- والبخاري فيما حكاه الترمذي.
(٢) في (م): "التكبيرة"، والحديث أخرجه أبو داود (٧٢٥) من طريق عبد الجبار بن وائل، عن أهل بيته، عن أبيه، .. به. قال المنذري في "مختصره" ١/ ٣٥٣: عبد الجبار لم يسمع من أبيه، وأهل بيته مجهولون. وهو عند مسلم (٤٠١)، وأحمد (١٨٨٦٦) عن وائل بن حجر أنه رأى النبي ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة، كبَّر ثم التحف بثوبه … الخبر.
(٣) لعله في "سننه" ولم تطبع، وأثر عمر ﵁ أخرجه البيهقي ٣/ ٢٩٣، وقال: هذا منقطع. وضعفه أيضًا النووي في "الخلاصة" ٢/ ٨٣٤. ولم نقف عليه عن زيد.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
قال غيرَه.
ويقرأ بعدَ الفاتحةِ في الأُولى: بـ ﴿سَبِّحِ﴾، وفى الثانية: بالغاشية، فإذا (^١) سلَّم، خَطَبَ خُطبتَيْن كالجمعةِ، يستفتحُ الأُولى بتسعِ تكبيراتٍ، والثانيةَ بسبعٍ نَسَقًا.
والخطبتان،
قال غيرَه (^٢» أي: غيرَ ما ذُكر؛ لأنَّ الغَرَضَ الذِّكرُ بعدَ التَّكبيرِ.
وإذا شكَّ في عددِ التَّكبير، بنى على اليقين.
وإذا نسيَ التَّكبيرَ حتَّى قرأ، سقط؛ لأنَّه سنة فاتَ محلُّها.
وإنْ أدرك الإمامَ راكعًا، أَحرمَ، ثمَّ ركع، ولا يشتغلُ بقضاءِ التَّكبيرِ. وإذا أدْرَكه قائمًا بعد فراغِه من التَّكبيرِ، لم يقضه. وكذا إنْ أدركه في أثنائهِ، سَقَطَ ما فات.
(ويقرأُ) جَهرًا (بعدَ الفانحةِ في) الرَّكعة (الأُولى بـ ﴿سَبِّحِ﴾، وفي الثانية بالغاشية) لقولِ سَمُرةَ: "إنَّ النبي ﷺ كان يقرأ في العيدَين بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] و﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية: ١] رواه أحمد (^٣).
(فإذا سلَّم) مِن الصَّلاة (خَطَبَ خُطبتَين كـ) خطبتي (الجمعةِ) في أحكامِهما حتَّى في الكلامِ، إلا التَّكبيرَ مع الخاطب، (يستفتحُ الأولى بتسعِ تكبيراتٍ) نَسَقًا قائمًا (والثانية بسبعِ تكبيراتٍ نسقًا) بفتحِ السِّين المهملةِ -بمعنى منسوقة- أي: متتابعة.
(والخطبتان) سُنَّةٌ؛ لما روى عطاءٌ، عن عبد الله بن السائب، قال: شهدتُ مع النبي ﷺ العيدَ، فلما قضى الصَّلاة، قال: "إنَّا نخطبُ، فمَن أحبَّ أنْ يجلسَ للخطبةِ،
_________________
(١) في المطبوع: "وإذا".
(٢) جاء في هامش (ح) ما نصه: "وفي جواب للشيخ تقي الدين ابن تيمية: وإن شاء أن يقول بين التكبيرتين: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، اللهم اغفر لي، وارحمني. كان حسنًا كما جاء ذلك عن السلف".
(٣) في "مسنده" (٢٠٠٨٠)، وهو عند النسائي في "الكبرى" (١٧٨٧).
[ ٢ / ٢١٠ ]
والتكبيراتُ الزوائدُ، والذِّكْرُ بينهما (^١) سُنَّةٌ.
وكُرِهَ تنفُّلُه قبلَ الصَّلاةِ وبعدَها بموضِعِها.
ويُسنُّ التكبيرُ المُطْلَقُ، والجَهْرُ به في ليلتَي العيدَيْن، وفطرٍ آكدُ، وفي كلِّ عشرِ ذي الحِجَّة.
فليجلس، ومَنْ أحبَّ أن يذهبَ، فليذهبْ" رواهُ ابن ماجه، وإسنادُه ثقات (^٢)، ولو وجبت، لوجب حضورُها واستماعُها.
(والتكبيرات الزوائدُ) سنَّةٌ (والذِّكْرُ بينهما) أي: بين التَّكبيرات (سُنَّةٌ).
ولا يُسنُّ ذِكرٌ بعد التكبيرة الأخيرةِ في الرَّكعتَيْن.
(وكُرِهَ تنفُّلُه) أي: الحاضرِ، لصلاةِ العيدِ، وقضاءِ فائتةٍ (قَبلَ الصَّلاة وبعدها بموضِعِها) قبلَ مفارقتِه؛ لقولِ ابنِ عبَّاس: "خرج النبي ﷺ يومَ العيدِ فصلَّى ركعتَين، لم يُصَلِّ قبلَهما ولا بعدَهما" متَّفَقٌ عليه (^٣).
وسُنَّ لمن فاتته أو بعضُها، قضاؤُها [على صفتها] (^٤) (ويُسَنُّ التَّكبيرُ المطلَقُ) أي: الذي لم يقيَّد بأدبار الصَّلوات، وإظهارُه (والجَهرُ) لغيرِ أنثى (به في ليلتَي العيدَيْن) في البيوتِ، والأسواقِ، والمساجدِ، وغيرها، ويجهَرُ به في الخروجِ إلى المصلَّى إلى فراغِ الإمامِ من الخطبة.
(و) التكبيرُ في عيدِ (فِطْرٍ آكدُ) لقوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
(و) يُسَنُّ التكبيرُ المطلق أيضًا (في كلِّ عشر ذي الحجَّة) ولو لم يَرَ بهيمةَ الأنعامِ.
_________________
(١) في المطبوع: "بينها".
(٢) ابن ماجه (١٢٩٠)، وهو عند أبي داود (١١٥٥)، والنسائي في "المجتبى" ٣/ ١٨٥ عن الفضل بن موسى، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبد الله بن السائب، به. قال في "نصب الراية" ٢/ ٢٢١: قال النسائي: هذا خطأ، والصواب مرسل، ونقل البيهقي عن ابن معين أنه قال: غلط الفضل بن موسى في إسناده، وإنما هو عن عطاء عن النبي ﷺ، مرسل. اهـ ورواية المرسل عند البيهقي ٣/ ٣٠١.
(٣) البخارى (٩٨٩)، ومسلم (٨٨٤) (١٣)، وهو عند أحمد (٣٣٣٣).
(٤) ليست في الأصل و(س).
[ ٢ / ٢١١ ]
والمُقيَّدُ عَقِبَ كل فريضةٍ جماعةً في الأضحى مِنْ صبحِ يومِ عرفةَ، والمُحْرِمُ من ظُهْرِ يومِ النَّحْرِ إلى عَصْرِ آخرِ أيَّامِ التشريقِ.
(و) يُسَنُّ التكبيرُ (المقيَّدُ عَقِبَ كلِّ فريضةٍ) فعلت (جماعةً) لأنَّ ابنَ عمرَ كان لا يُكبِّرُ إذا صلَّى وحدَه (^١). وقال ابنُ مسعود: إنَّما التَّكبيرُ على مَن يصلِّي في جماعةٍ. رواه ابنُ المنذر (^٢). فيلتفتُ الإمامُ إلى المأمومين، ثم يكبِّر؛ لفعلِه ﷺ (في) عيدِ (الأضحى مِن) صلاةِ (صُبحِ يومِ عرفةَ) روي عن عمرَ (^٣)، وعليٍّ (^٤)، وابنِ عبَّاس (^٥)، وابنِ مسعود (^٦) ﵃.
(والمُحْرِمُ) يبتدئُ التكبيرَ المقيَّدَ (من) صلاة (ظُهرِ يومِ النَّحْرِ) لأنَّه قبلَ ذلك مشغولٌ بالتَّلبيةِ، فلو رمى جمرةَ العَقَبةِ قَبلَ الفجرِ، لم يكبِّر. ولو أخَّر الرَّميَ إلى ما بعدَ الظُّهر، كبَّر ولبَّى.
ويستمرُّ المقيَّدُ (إلى عَصرِ آخرِ أيام التَّشريقِ) والجهرُ به مسنونٌ، إلا للمرأة ويأتي
_________________
(١) أخرجه الطبراني في "الكبير" ١٢/ ٢٦٨ (١٣٠٧٤)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" ٦/ ٢٣٣. وأخرج ابن عبد البر في "التمهيد" ٩/ ١٧٩ عن أحمد بن حنبل قال: يروى عن ابن عمر أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده.
(٢) في "الأوسط" ٤/ ٣٠٦.
(٣) أخرج ابن أبي شيبة ٢/ ١٦٦، وابن المنذر في "الأوسط" ٤/ ٣٠٠، والحاكم ١/ ٢٩٩، والبيهقي ٣/ ٣١٤ عن الحجاج، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عمر ﵁ أنه كان يكبر بعد صلاة الفجر من يوم عرفة … وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وكذا صححه النووي في "المجموع" ٥/ ٤٠. وقال البيهقي: كذا رواه الحجاج بن أرطأة، عن عطاء، وكان يحيى بن سعيد القطان ينكره، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام -فيما نقله عنه البيهقي-: ذاكرت به يحيى بن سعيد فأنكره، قال: هذا وهم من الحجاج، وإنما الإسناد: عن عمر أنه كان يكبِّر في قبته بمنى.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ١٦٥، وابن المنذر في "الاوسط" ٤/ ٣٠١، والحاكم ١/ ٢٩٩، والبيهقي ٣/ ٣١٤، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وكذا صححه النووي في "المجموع" ٥/ ٤٠.
(٥) أخرجه ابن المنذر في "الأوسط" ٤/ ٣٠١، ٣٠٤ - ٣٠٥، والحاكم ١/ ٢٩٩، والبيهقي ٣/ ٣١٤. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وكذا صححه النووي في "المجموع" ٥/ ٤٠.
(٦) أخرجه ابن أبي شيبة ٢/ ١٦٥، وابن المنذر في "الأوسط" ٤/ ٣٠١، ٣٠٤، والطبراني في "الكبير" ٩/ ٣٠٦ (٩٥٣٤). قال في "مجمع الزوائد" ٢/ ١٩٧: رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله موثقون.
[ ٢ / ٢١٢ ]
وإنْ نسيَه، قضاهُ موضعَه، ما لم يُحدثْ أو يَخرجْ من المسجد، ولا يُسنُّ عَقِبَ صلاةِ العيدِ (^١).
وصفتُه شفعًا: اللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ، لا إله إلا الله، واللهُ أكبرُ اللهُ أكبرُ وللهِ الحمد.
به كالذِّكرِ عقِبَ الصَّلاة. وإذا فاتَتْه صلاةٌ مِنْ (^٢) عامه، فقضى فيها (^٣) جماعةً، كبَّر (وإنْ نسيَه) أي: التَّكبيرَ (قضاهُ موضعَه) فإنْ قام، أو ذهب، عاد، فجلسَ (ما لم يُحدِثْ أو يَخرجْ من المسجدِ) أو يَطُلِ الفَصْلُ، فلا يأتي به؛ لأنَّه سُنَّة فاتَ محلُّها. ويكبِّر مأمومٌ نسيَه إمامُه، ومسبوقٌ إذا فرغ، كذِكْرٍ ودعاءٍ.
(ولا يُسنُّ) التَّكبيرُ (عَقبَ صلاةِ العيدِ) لأنَّ الأثرَ إنَّما جاء في المكتوبات، ولا عَقِبَ نافلةٍ ولا فريضةٍ صلَّاها منفردًا؛ لما تقدَّم.
(وصفتُه) أي: التكبيرِ (شَفعًا) أي: مكرِّرًا التكبيرَ مرَّتين: (اللهُ أكبرُ الله أكبرُ، لا إله إلا الله، والله أكبرُ الله أكبرُ ولله الحمد) لأنَّه ﷺ كان يقولُ كذلك. رواه الدَّارقطنيُّ (^٤).
ولا بأس بقولهِ لغيره: تقبَّل اللهُ مِنَّا ومِنْكَ. كالجواب. ولا بالتَّعريف عشيَّةَ عرفةَ بالأمصار؛ لأنَّه دعاءٌ وذِكرٌ، وأوَّلُ مَنْ فعله ابنُ عباس (^٥)، وعمرُو بن حُرَيث (^٦).
_________________
(١) في المطبوع: "عيد".
(٢) في (م): "في".
(٣) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: فيها، أي: في أيام التشريق. انتهى تقرير المؤلف".
(٤) في "سننه" (١٧٣٧) عن عمرو بن شِمْر، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر وعبد الرحمن بن سابط، عن جابر مرفوعًا. قال في "التلخيص الحبير" ٢/ ٨٧: وفى إسناده: عمرو بن شمر، وهو متروك، [وقال السعدي كما "نصب الراية" ٢/ ٢٢٤: زائغ كذاب] عن جابر الجعفي، وهو ضعيف، عن عبد الرحمن ابن سابط، عنه، قال البيهقي: لا يحتج به.
(٥) أخرجه عبد الرزاق (٨١٢٢)، وابن أبي شيبة ٤/ ٣١٠ "نشرة العمروي".
(٦) أخرج ابن أبي شيبة ٤/ ٣١١ "نشرة العمروى"، عن موسى بن أبي عائشة قال: رأيت عمرو بن حريث يخطب يوم عرفة وقد اجتمع الناس إليه. اهـ وعمرو بن حريث هذا اختلف في صحبته، وقد أنكر البخاري أن يكون له صحبة، وقال أبو حاتم: حديثه مرسل. "الإصابة" ٧/ ٩٨ - ٩٩.
[ ٢ / ٢١٣ ]