(يقفُ اثنان فأكثر) من المأمومين (خلف إمامٍ نَدْبًا) يعني أن السنَّة وقوفُ إمامِ الجماعةِ الذكورِ متقدِّمًا عليهم؛ لأنَّه ﵊ كان إذا قام إلى الصَّلاة، تقدَّم، وقام أصحابُه خَلْفَه. ولمسلمٍ وأبي داود: أن جابرًا وجبّارًا وقف أحدهُما عن يمينه والآخرُ عن يساره، فأخذ بأيديهما حتَّى أقامهما خَلْفَه (^١). والسنَّةُ أيضًا توسُّطُه الصفَّ، وقربُه منه، إلَّا إمام عُراةٍ، فيقفُ بينهم وجوبًا.
(ويصحُّ) وقوفُ جماعة (عن يمينِه) أي: الإمامِ (و) يصحُّ أيضًا وقوفُهم (بجنبَيْه) بأن يقفَ الإمامُ بينهم؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ: "أنَّه صلَّى بين علقمةَ والأسودِ (^٢)، وقال: هكذا رأيتُ النبيَّ ﷺ فَعَلَ" رواه أحمد (^٣).
و(لا) يصحُّ أن يقفَ مأمومٌ فأكثرُ عن (يسارِه) أي: الإمامِ (فقط) أي: مع خلُوِّ يمينِ الإمام إنْ صلَّى ركعةً فأكثرَ؛ لأنَّه خالفَ موقفَه؛ لإدارته ﵊ ابنَ عباس وجابرًا لما وقفا عن يساره (^٤).
_________________
(١) "صحيح" مسلم (٣٠١٠)، و"سنن" أبي داود (٦٣٤) من حديث عبادة بن الصامت ﵁ مطولًا. وجبّار هو: أبو عبد الله جبار بن صخر بن أمية بن خنساء بن سنان، الأنصاري، ثم الأسلمي، ذكر في أهل العقبة، وأهل بدر. (ت ٣٠ هـ في خلافة عثمان ﵁). "الإصابة" ٢/ ٥٦ - ٥٧.
(٢) هو: أبو عمرو الأسود بن قيس النخعي الكوفي، خال إبراهيم النخعي، كان مخضرمًا أدرك الجاهلية والإسلام، (ت ٧٥ هـ). "السير" ٤/ ٥٠ - ٥٣. وعلقمة: هو أبو شبل علقمة بن قيس النخعي الكوفي، ولد في أيام الرسالة المحمدية، وعداده من المخضرمين. (ت ٦٢ أو ٦٥ هـ). "السير" ٤/ ٥٣ - ٦١.
(٣) في "مسنده" (٤٣٨٦). قال في "التمهيد" ١/ ٢٦٧: والصحيح عندهم فيه التوقيف على ابن مسعود. اهـ. وهو عند مسلم (٥٣٤).
(٤) حديث ابن عباس ﵄ أخرجه البخاري (١١٧)، ومسلم (٧٦٣)، وهو عند أحمد (١٨٤٣). وحديث جابر ﵁ أخرجه مسلم (٧٦٦)، وهو عند أحمد (١٤٧٨٩).
[ ٢ / ١٦٠ ]
أو قُدَّامِه، ولا الفذِّ خلْفَه، أو خلفَ صفٍّ، إلَّا امرأةً خَلْفَ رجلٍ. وتقفُ إمامةُ النِّساءِ في صفِّهنَّ ندبًا.
ويليه رجالٌ،
(أو) أي: ولا يصح وقوفُ مأمومٍ (قُدَّامه) أي: الإمامِ، فمتى تقدَّمه مأمومٌ ولو بإحرامٍ، لم تصحَّ لمأمومٍ، إلَّا في شدَّة خوفٍ إذا أمكنه متابعتُه، وفيما إذا تقابلا، أو تدابرا داخلَ الكعبة (^١)، لا إنْ جَعَلَ ظَهْرَه إلى وَجْهِ إمامهِ، وفيما إذا استدارَ الصَّفُّ حولَها، والإمامُ عنها أبعدُ ممن هو في غيرِ جهتِه، والاعتبارُ في التقدُّم والتأخُّر حالَ القيام بمؤخَّرِ القَدَم وهو العَقب، وفي قعودٍ بالألْيَة.
(ولا) يصحُّ وقوفُ (الفَذِّ) أي: الواحد (خَلْفَه) أي: الإمام (أو خلفَ صفٍّ) إن صلَّى ركعة فأكثرَ وحدَه (إلَّا امرأةً) وقفتْ (خَلْفَ رجلٍ) أو خَلْفَ صفِّ رجالٍ، فيصحُّ، بل ذلك هو السُّنَّة؛ لحديث أنسٍ أن جدَّته مُلَيكةَ دعت رسولَ الله ﷺ لطعامٍ صنَعَته، فأكلَ، ثمَّ قال: "قوموا لأصلِّي لكم" فقمتُ إلى حصيرٍ قدِ اسودَّ من طولِ ما لبث، فنضحتُه بماءٍ، فقام عليه رسولُ الله ﷺ، وقمتُ أنا واليتيمُ وراءَه، وقامتِ العجوزُ من ورائنا، فصلَّى لنا ركعتَيْن، ثمَّ انصرف. رواه الجماعةُ إلَّا ابنَ ماجه (^٢).
(وتَقفُ إمامةُ النِّساءِ في صفِّهنَّ) أي: بينهنَّ (نَدْبًا) روي عن عائشةَ (^٣). (ويليه) أي: الإمامَ نَدْبًا من أنواع مأمومين (رجالٌ) أحرارٌ بالغون، الأفضلُ فالأفضل، ثمَّ
_________________
(١) جاء في هامش (س) ما نصه: "قوله: داخل الكعبة. أي: وكانت الصلاة نفلًا؛ إذ الفرض لا يصح داخلها. انتهى. تقرير المؤلف".
(٢) البخاري (٣٨٠)، ومسلم (٦٥٨)، وأبو داود (٦١٢)، والترمذي (٢٣٤)، والنسائي في " المجتبى" ٢/ ٨٥، وهو عند أحمد (١٢٣٤٠). وورد في المصادر: "لُبسَ" بدل: "لبث"، قال ابن حجر في "فتح الباري" ١/ ٤٩٠: فيه أن الافتراش يسمى لبسًا. وقال العيني في "عمدة القاري" ٤/ ١١١: وأصل هذه المادة -لبس- تدل على مخالطة ومداخلة، وليس هاهنا "لبس" من لبست الثوب، وإنما هو من قولهم: لبستُ امرأةً: أي: تمتَّعت بها زمانًا، فحيئنذٍ يكون معناه: قد اسودَّ من كثرة ما تمتع به طول الزمان.
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٥٠٨٦) و(٥٠٨٧)، وابن أبي شيبة ٢/ ٨٩، والبيهقي ٣/ ١٣١.
[ ٢ / ١٦١ ]
ثم صبيانٌ، ثم نساءٌ، الأفضلُ فالأفضلُ، كجنائزِهم.
ومَنْ لم يَقِفْ معه إلَّا امرأةٌ، أو مَنْ عَلِمَ حدَثَه أو نَجَسَه، أو صبيٌّ في فرضٍ، ففذٌّ.
عبيدٌ بالغون، الأفضلُ فالأفضل؛ لحديث: "لِيلِني (^١) منكم أولو الأحلام والنُّهى" رواه مسلم (^٢).
(ثم صبيانٌ) أحرارٌ، ثمَّ أرقاءُ، الأفضلُ فالأفضل؛ لأنَّه ﷺ صلَّى فصفَّ الرِّجال، ثمَّ صفَّ خلفَهم الغلمانَ. رواه أبو داود (^٣).
(ثمَّ نساءٌ) بالغاتٌ أحرار، ثمَّ أرقاءُ، ثمَّ غيرُ البالغاتِ الأحرار، ثمَّ الأرقاءُ، الفُضلى فالفضلى، فيقدَّم من كل نوع (الأفضلُ فالأفضلُ، كجنائزهم) يعني أنَّه يقدَّمُ من جنائز إلى الإمام، وكذا إلى القبلة في قبرٍ حيث جاز: حرٌّ بالغ، فعبدٌ، فصبيٌّ، فامرأةٌ كذلك. (ومَن) أي: أيُّ مأموم (لم يقفْ معه) في صفِّه (إلَّا) كافرٌ أو (امرأةٌ) أو خنثى وهو ذَكَر، ففَذٌّ؛ لأنَّ صلاةَ الكافرِ غيرُ صحيحةٍ، والمرأة والخنثى ليسا مِنْ أهل الوقوف معه (أو) لم يقفْ معه إلَّا [(من عَلِم حدثَه، أو نَجَسَه) أو مجنون، ففذٌّ مطلقًا؛ لأنَّ وجودَهم كعدمهم. وكذا سائرُ من لا تصحُّ صلاتُه] (^٤).
(أو) لم يقفْ مع رجلٍ إلَّا (صبيٌّ في) صلاةِ (فرضٍ، ففذٌّ) أي: فردٌ؛ لأنَّه لا تصحُّ إمامتُه بالرَّجلِ في الفرض، فلا تصحُّ مصافَّتُه له، وتصحُّ مصافَّةُ مفترضٍ لمتنفلٍ
_________________
(١) في (م) و(ح): "ليليني".
(٢) برقم (٤٣٢)، وهو عند أحمد (١٧١٠٢) من حديث أبي مسعود الأنصاري ﵁.
(٣) في "سننه" (٦٧٧)، وهو عند أحمد (٢٢٩١١). قال النووي في "خلاصة الأحكام" ٢/ ٧١٤: رواه أبو داود والبيهقي [٣/ ٩٧] بإسناد حسن.
(٤) جاءت العبارة في (ح) هكذا: [(من) أي: شخص (علم) المأموم (حدثه) أي: حدث ذلك الشخص الذى لم يقف معه غيره (أو) علم (نجسه) أى: نجاسته، فقد قال المصنف: وكذا لو علم المضاف حدث أو نجس نفسه، قال في "الشرح": وكذا إذا وقف معه سائر من لا تصح صلاته، فدلَّ أن من صحت صلاته صحت مصافَّته. انتهى].
[ ٢ / ١٦٢ ]
ومن وجد فُرجةً، دخلها، وإلَّا، فعَنْ يمينِ إمامه، فإنْ لم يُمكنْه، نَبَّه من يقومُ معه.
ومَنْ صلَّى ركعةً فذًّا، لم تصحَّ.
وإنْ ركع فذًّا، ثم دخل الصَّفَّ، أو وقفَ معه آخرُ قَبْلَ سجودِ إمامه، صحَّتْ.
بالغٍ، كأمِّيٍّ، وأخرسَ، وعاجزٍ عن رُكن أو شرطٍ، وناقصِ طهارةٍ ونحوه، وفاسقٍ ومجهولٍ حدثُه أو نجسُه.
(ومَنْ) أراد الصَّلاةَ، وقد أُقيمتِ الصفوفُ، فإنْ (وَجَدَ فُرْجَةً) -بضمِّ الفاء وفتحها- أي: خَلَلًا في صفٍّ ولو بعيدةً (دَخَلها) أي: الفرجةَ. ويُكره مشيُه إليها عَرْضًا، وإن وجد الصَّفَّ غير مرصوص، وقف فيه، نصًّا (وإلَّا) أي: وإنْ لم يجد فُرجةً، وكان الصَّفُّ مرصوصًا (فـ) ـيقف (عن يمين إمامه) إن أمكنه؛ لأنَّه موقفُ الواحد.
(فإن لم يُمْكِنْه) الوقوفُ عن يمينِ الإمام (نبَّه) بِنَحْنَحةٍ، أو إشارةٍ، أو كلامٍ، كقوله: ليتأخَّرْ أحدُكم؛ أُكَوِّنْ معه صفًّا. (من يقوم معه) صفًّا؛ ليتمكَّن من الاقتداء، ولزم المنبَّهَ أنْ يتأخَّر؛ ليقفَ معه، وكُره تنبيههُ بجَذْبه.
(ومَنْ صلَّى ركعةً فَدًّا) خلف إمامٍ، أو صفٍّ، ولو امرأةً خلفَ امرأة (لم تصحَّ) صلاتُه، عالمًا كان أو جاهلًا، أو ناسيًا، أو عامدًا؛ لحديث وابصَة بن مَعْبَد "أن النبيَّ ﷺ رأى رجلًا يصلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، فأمره أن يعيدَ الصَّلاة" رواه أحمدُ والترمذيُّ (^١). وظاهرهُ: ولو زُحِمَ في ثانيةِ الجمعةِ، فخرج من الصَّفِّ، وبقي منفردًا، فينوي المفارقةَ، ويتمُّ لنفسه، وإلَّا، بطلتْ. وصحَّحه في "تصحيح الفروع" (^٢).
(وإنْ ركع فذًّا) لعذرٍ، كخوفِ فوتِ الركعة (ثمَّ دخل الصفَّ) قبل سجودِ الإمام،
_________________
(١) أحمد (١٨٠٠٠)، والترمذي (٢٣٠) و(٢٣١)، وهو أيضًا عند أبي داود (٦٨٢)، وابن ماجه (١٠٠٤). قال الترمذي: وحديث وابصة حديث حسن.
(٢) ٣/ ٣٨.
[ ٢ / ١٦٣ ]
فصل
يصحُّ اقتداءُ مأمومٍ بإمامٍ في مسجدٍ مطلقًا إنْ سمع التَّكبيرَ، وكذا خارجَه إن رأى الإمامَ، أو مَنْ وراءَه.
ويُكره علو إمامٍ عنه ذراعًا فأكثرَ،
صحَّتْ (أو) ركع فَذًّا لعذر، ثمَّ (وقفَ معه آخرُ قبل سجودٍ إمامه، صحَّتْ) صلاتُه؛ لأنَّ أبا بكرةَ -واسمُه نُفَيع- ركع دونَ الصَّفِّ، ثمَّ مشى حتَّى دخل الصَّفَّ، فقال له النبي ﷺ: "زادَكَ اللهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ" رواه البخاريُّ (^١). فإنْ لم يكنْ عُذْرٌ، لم تصحَّ؛ لأنَّ الرخصةَ وردتْ في المعذور؛ فلا يُلحَقُ به غيرُه. وقدَّم في "الكافي" (^٢): تصحُّ.