١٧٦٢ - قال أصحابنا: الإقامة مثنى مثنى.
١٧٦٣ - وقال الشافعي: فرادى.
١٧٦٤ - لنا: حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد، الذي أُرِيَ الأذان في منامه، فقال بعد ذكر الأذان: ثم قام فقال مثل ذلك إلا أنه زاد فيه: قد قامت الصلاة، مرتين.
١٧٦٥ - وقولهم: إنه مرسل؛ لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلق عبد الله بن زيد خطأ؛ لأن أبا داود ذكره عن معاذ بن جبل عن عبد الله بن زيد، ولأن عبد الرحمن روى عن عمر، وعبد الله بن زيد مات في إمارة عثمان؛ فيجوز أن يكون رآه.
١٧٦٦ - ويدل عليه حديث أبي محذورة وأن النبي - ﷺ - لقنه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبعة عشر. وهذا خبر رجع إليه مخالفنا.
[ ١ / ٤١٧ ]
١٧٦٧ - وروى أبو عروبة بإسناده عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة أن النبي - ﷺ - قال: «الإقامة مثنى مثنى». وروى سويد بن غفلة أنه سمع بلالًا ببطحاء يؤذن بصوتين صوتين ويقيم مثل ذلك. ولأن الإقامة دعاء إلى جميع الصلوات، كالأذان. ولأنه قد ثبت فيها ما ليس في الأذان؛ فلأن لا يسقط ما هو ثابت في الأذان أولى. ولا معنى لقولهم: إن المقصود بالأذان دعاء الغائب والمقصود من الإقامة إعلام الحاضر؛ لأن هذا المعنى لم يمنع من زيادة الإقامة على الأذان، ولا يمنع من التسوية في سائر الألفاظ.
١٧٦٨ - وقولهم: إن الإقامة لما خفت عن الأذان في الصفة جاز أن تخف في الألفاظ يبطل بقوله: «قد قامت الصلاة»؛ لأن الإقامة تأكدت به على الأذان مع خفة صفتها؛ فيجوز أن تساوي في بقية الألفاظ وإن خفت صفتها. ولأن ألفاظ الإقامة لا يقتصر فيها على مرة، كقوله: قد قامت الصلاة.
١٧٦٩ - ولأن التكبير في آخرها مثنى، فكان في أولها على الضعف، كالأذان. ولأن التهليل في آخرها مرة، فكان في أولها على الضعف، كالأذان.
[ ١ / ٤١٨ ]
١٧٧٠ - احتجوا: بحديث أنس أن النبي - ﷺ - أمر بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
١٧٧١ - والجواب: أن الصحيح من هذا الخبر أن بلالًا أُمر، من غير ذكر أَمر رسول الله - ﷺ -، هكذا رواه أبو داود وغيره. وإذا لم يذكر الآمر لم يكن حجة؛ لجواز أن يكون أمر بعد النبي - ﷺ -، فيحتاج أن ينظر في صحة الأمر.
١٧٧٢ - وقولهم: هو مؤذن رسول الله - ﷺ -، فإذا قيل: أمر، فالنبي - ﷺ - أَمَرَهُ، لا يصح؛ لأنه أذّن بعده، وإنما كان يُقال ذلك لمن لا يؤذن إلا له، ولأنه يحتمل أن يكون المراد من أن يشفع الأذان: بالصوت، فيأتي بصوتين صوتين، ويوتر الإقامة في الصوت، ويحتمل بشفع الأذان بمعنى: يؤذن قبل الفجر وبعده، ويقتصر على إقامة واحدة.
١٧٧٣ - ولا يقال: لم يكن بلال يؤذن إلا مرة واحدة؛ لأنه إذا ثبت أن الأذان كان دفعتين جاز أن يتفق أمر بلال بفعلهما جميعًا، ويحتمل أن يشفع الأذان بالتثويب ويوتر الإقامة عن التثويب.
١٧٧٤ - قالوا: في الخبر أمر يشفع الأذان ويوتر الإقامة، إلا الإقامة.
١٧٧٥ - قلنا: هذا صحيح على التأويل الأول، وهو الإيتار في الصوت؛ لأنه
[ ١ / ٤١٩ ]
يقتصر على صوت صوت، إلا قوله: قد قامت الصلاة؛ فإنه يأتي به بصوتين؛ لاختصاصه بالإقامة، ولأنهم رووا عن بلال ما ذكروه، فروينا في أذان بلال حديث ابن أبي جحيفة، قال: كان بلال يؤذن لرسول الله - ﷺ - مثنى مثنى، ويقيم مثنى مثنى، فتعارض الروايتان، وقد تأولنا ما رووه، ولا يمكن تأويل ما رويناه، ولو تساويا كان فعل بلال بعد النبي - ﷺ - يشهد لخبرنا.
١٧٧٦ - وقد روى سويد بن غفلة: أنه رأى بلالًا ببطحاء بعد النبي - ﷺ - يقيم مثنى مثنى. والظاهر أنه بقي على ما كان عليه. وقولهم: إذا تعارضت الروايتان فخبرنا طارئ لأن قوله: أمر أن يوتر الإقامة يدل على أنها كانت شفعة، ليس بصحيح؛ لأنا بينا أن إيتار الإقامة يحتمل غير ما ذكروه، ولو لم يحتمل كان قوله: أمر أن يوتر الإقامة معناه: يفعلها وترًا، فلا يقتضي تقديم الشفع.
١٧٧٧ - قالوا: روى أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - أمر أبا محذورة أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
١٧٧٨ - قلنا: المشهور من خبر أبي محذورة ما ذكرناه من التثنية، وقد قيل: أنه لم ينقل في الإقامة أصح طريقًا منه، على أنه لو ثبت كان تأويله ما قدمناه.
١٧٧٩ - قالوا: روي عن ابن عمر أنه قال: كان الأذان على عهد رسول الله - ﷺ - مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة؛ غير أنه يقول: قد قامت الصلاة مرتين.
١٧٨٠ - قلنا: هذا خبر طعن عليه أهل النقل، وقالوا: رواه أبو جعفر مؤذن مسجد العريان عن أبي المثنى، وهما مجهولان.
[ ١ / ٤٢٠ ]
١٧٨١ - قالوا: رواه أبو جعفر مؤذن مسجد العريان عن أبي المثنى مؤذن المسجد الأكبر -يعني مسجد الكوفة-، ورواية المؤذن عن المؤذن أصح في النقل.
١٧٨٢ - قلنا: إذا كان المؤذن ممن يتعلق بنقله حكم، فأما إذا طعن عليه فلا، ولو ثبت احتمال أن يكون المراد به: كان الأذان مرتين مرتين، يعني قبل الفجر وبعده، والإقامة مرة. وقوله: غير أنه يقول: قد قامت الصلاة مرتين؛ إنما ذكره ليبين وجها آخر في مفارقة الإقامة للأذان.
١٧٨٣ - قالوا: روى عمر بن سعد القرظ عن أبيه قال: سمعته يقول: إن هذا الأذان أذان بلال الذي أمره رسول الله - ﷺ - وإقامته. وذكر إفراد الإقامة.
١٧٨٤ - قلنا: قد ذكر في هذا الخبر قوله: قد قامت الصلاة؛ مرة واحدة، وقد اتفقنا على سقوطه؛ فعلم أن ما نقله ليس بمضبوط عن أذان بلال.
١٧٨٥ - وقولهم: إن الإقامة إقامة أولاد أبي محذورة، وسعد القرظ، وأهل الحرمين، لا يصح؛ لأن هذا أمر غيره بنو مروان. قال مجاهد: هو شيء استخفته الأمراء، قال إبراهيم: كان أذان بلال وإقامته مثنى مثنى، فلما كان هؤلاء جعلوا الإقامة واحدة؛ لأجل السرعة. وروي الأسود، وإبراهيم، وعبد الرحمن بن أبي ليلى أن أذان بلال وإقامته مثنى مثنى.
١٧٨٦ - قيل لحماد: إبراهيم عمن، قال: عمن هو خير منك، وكان إقامة علي مثنى مثنى. وروي أنه مر برجل يفرد الإقامة فقال: ألا جعلتها
[ ١ / ٤٢١ ]
شفعًا، لا أم لك.
١٧٨٧ - قالوا: روى ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: «من أذن اثنتى عشرة سنة وجبت له الجنة، وكتب له بتأذينه في كل مرة ستون حسنة، وبإقامته ثلاثون حسنة»، وهذا يدل على أن الإقامة على النصف.
١٧٨٨ - قلنا: يجوز أن النقصان لنقصان المشقة في الإقامة؛ لأن يمد صوته في الأذان ويرتله ولا يرتل الإقامة.
١٧٨٩ - قالوا: الإقامة تأتي الأول يستفتح بالتكبيرات المتواليات، فوجب أن يكون الثاني أطول من الأول، كصلاة العيد.
١٧٩٠ - قلنا: صلاة العيد لما لم يثبت في الثاني ما ليس في الأول جاز أن يساويه أو ينقص عنه، ولما ثبت في الإقامة ما ليس في الأذان باتفاق لم يمتنع الزيادة عليه، ولأن الوصف الذي قالوه غير مسلم، لأن الركعة الثانية لا تفتتح بالتكبير عندنا، وإنما يتأخر التكبير عن القراءة.
١٧٩١ - قالوا: لما خالفت الإقامة الأذان في الصفة جاز أن تخالفه في القدر، كالركعتين الأخروين لما خالفت القراءة فيهما الأوليين في الصفة نقصت في القدر.
١٧٩٢ - قلنا: لما لم يثبت في الأخروين زيادة في الذكر جاز أن ينقص، ولما ثبت في الإقامة زيادة ذكر ليس في الأذان لم يجز أن ينقص. وسقط ما ذكروه بالترجيع على أصلهم؛ لأن الذكر الثاني تأكد على الأول في رفع الصوت ولا مزيد عليه.
[ ١ / ٤٢٢ ]
مسألة ٨٩