فإنَّه يُنقِصُ دَمَ القلبِ؛ فيُبَيِّضُهُ، وفي بياضِهِ نورٌ يُذيبُ (^١) شحمَ الفؤادِ، وفي إذابَتِهِ ورِقَّتِهِ مفتاحُ المكاشَفَةِ، كما أنَّ قَسوتَهُ سَبَبُ الحِجابِ، ومهْمَا نَقَصَ دَمُ القلبِ ضاقَ مِنْهُ مَسالِكُ العدوِّ، فإنَّ مجاريهِ العروقُ الممتلئةُ بالشهواتِ (^٢).
وقال عيسى ﵇: "يا معشرَ الحواريينَ، جَوِّعُوا بُطُونَكُم، لعلَّ قُلوبَكُم تَرَى ربَّكم" (^٣).
قال (^٤) سهلٌ (^٥): ما صارَ الأبدالُ أبدالًا، إلا بأربَعِ خِصالٍ: إخماصِ البُطُونِ، والسهرِ، والصمتِ، والاعتزالِ عن الناسِ.
وفائدةُ الجوعِ في تنويرِ (^٦) القلبِ أمرٌ ظاهرٌ يحصُلُ لكَ (^٧) بالتجربةِ.
_________________
(١) في (ص): (ويذيب).
(٢) زيد في (ص): (لقولِهِ ﵇: إنَّ الشيطانَ يجرِي مِنَ [٢٠٤] ابنِ آدَمَ مَجْرَى الدمِ فضيِّقُوا مَجراها بالجوعِ والعطشِ)، وقوله: (الشهوات): سقط من (ص).
(٣) أوردَهُ الإمام الغزاليّ في الإحياء، وقال الزبيديّ في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (٤/ ١٥٩٩): قال العراقيُّ لم أجدْهُ، قال الزبيديُّ: رواهُ عبدُ الرحيمِ بنُ يحيى الأسودُ في كتابِ الإخلاصِ، هكذا عن طاووسَ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال كذا في القوت. وقال ابن السبكيّ: (٦/ ٣٣٤) لم أجد له إسنادًا.
(٤) في (ص): (وقال).
(٥) (سهل بن عبد الله بن يونس التستري، أبو محمد: (أحد أئمة الصوفية وعلمائهم والمتكلمين في علوم الإخلاص والرياضيات وعيوب الأفعال تـ: (٢٨٣ هـ) "الأعلام" (٣/ ١٤٣).
(٦) في (س): (تنور).
(٧) في (س): (له).
[ ٦١٩ ]
ثمَّ أعلم (^١) أيُّها الطالبُ السالِكُ: لا يحصلُ لكَ المقصودُ (^٢)، إلَّا بعدَ تَصفيَةِ الباطِنِ، ولا يَحصلُ (^٣) التصفيةُ إلَّا بعدَ انتفاءِ (^٤) الهواجسِ الشهوانيَّةِ الشيطانيَّةِ، ولا يَنتفي (^٥) الهواجِسُ (^٦) الشيطانيَّةُ إلَّا بالجوعِ والعطشِ؛ لقولِهِ ﵇: "إنَّ الشيطانَ يَجرِي مِنَ ابنِ آدمَ مَجْرَى الدَّمِ" (^٧)، فَضَيِّقوا مجراهُ بالجوعِ والعطشِ.
وقال ﵇: "ضَحِكُ الجوعِ (^٨) خيرٌ من بُكاءِ الشبعان" (^٩).
[وقال الحكماءُ: إذا جاعَتِ الأجسادُ: صارَتِ الأجسادُ أرواحًا، وإذا شَبِعَت: صارت الأرواحُ أجسادًا] (^١٠).
_________________
(١) في (ص): (واعلم).
(٢) (ص): (المطلوب).
(٣) في (س): (تحصل).
(٤) زيد في (ص): (كدورات).
(٥) في (س): (تنتفي).
(٦) زيد في (ص) (الشهوانية).
(٧) البخاري "الصحيح" باب: (الشهادة تكون عند الحاكم) برقم: (٧١٧١).
(٨) في (س) و(ص): (الجائع).
(٩) لم أجده فيما بين يدي من مصادر حديثيّة، ولعلّ فيه قلبًا، فقد يكون (بكاءُ الجوعِ خيرٌ من ضحِكِ الشبعانِ) أي أن الجائع وإن كان يبكي فهو خير من الشبعان وإن كان يضحك، وفيه معنى تفضيل الفقر على الغنى، وهو من مجاهدات الصوفيّة ولا يستقيم ذلك لكلّ الأمّة، بل لا بدّ للأمة من أغنياء ينفقون ويتصدّقون، ولا بدّ لها من مالٍ تتقوّى به على احتياجات الدول للنفقة على المرافق العامّة وعلى أفرادها، وعلى الإعداد لإرهاب أعداء الله تعالى وأعدائنا.
(١٠) ما بين معقوفين سقط من (ص).
[ ٦٢٠ ]
وقال الشبليُّ ﵀ (^١): ما جِعتُ للهِ يومًا إلَّا رأيتُ (^٢) قَلبِي بابًا مفتوحًا مِنَ الحِكمةِ، ومَا (^٣) رأيتُهُ قطُّ.
وقال أهلُ الرياضةِ: إنَّ الشبَعَ يَسُّدُ بابَ المكاشفةِ للسالِكِ، والجوعُ والعطشُ يكشِفُها.
قيل لأبي يزيدَ البُسطاميِّ ﵀: بِمَ نِلتَ هذه المعرفةَ؟ قالَ: ببطنٍ جائعٍ، وجسدٍ عارٍ.
وقالَ بعضُ المشايخِ: إِنَّ الله تعالى ما جَذَبَ أحدًا (^٤) مِنَ الأولياءِ إِلَّا بالجوعِ والعطشِ (^٥).
وَحُكي أنَّ (^٦) إبراهيمَ بنَ أدهمَ (^٧):
_________________
(١) (دلف بن جحدر الشبلي: ناسك، كان في مبدأ أمره واليًا في دنباوند من نواحي رستاق الريّ، وولي الحجابة للموفق العباسيّ، وكان أبوه حاجب الحجاب، ثم ترك الولاية وعكف على العبادة، فاشتهر بالصلاح). له شعر جيد، سلك به مسالك المتصوفة، أصله من خراسان، ونسبته إلى قرية (شبلة) من قرى ما وراء النهر تـ: (٣٣٤ هـ) "الأعلام" (٢/ ٣٤١).
(٢) زيد في (ص): (في).
(٣) في (س) و(ص): (ما).
(٤) في (ص): (واحدًا).
(٥) مكان قوله: (والعطشِ) في (ص) قوله: (ولا طُويَتْ لهم الأرضُ إلا بالجوعِ، ولا ولّاهُمُ اللهُ تعالى إلا بالجوعِ)، وسقَطَ من (س).
(٦) في الأصل: (ابن).
(٧) زيد في (ص): (كان)، (إبراهيم بن أدهم بن منصور، التميمي البلخي أبو إسحاق: (زاهد مشهور، كان أبوه من أهل الغنى في بلخ، فتفقه ورحل إلى بغداد، وجال في العراق والشام والحجاز، وأخذ عن كثير من علماء الأقطار الثلاثة تـ: (١٦١ هـ) "الأعلام" (١/ ٣٠).
[ ٦٢١ ]
إذا جاعَ نادَى بأعلى صوتِهِ (^١): أين مُلوكُ الأَرضِ مِنْ هذا الطرَبِ؟!
وقالَ مُحمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ الرازيُّ (^٢): سَمِعتُ أبا (^٣) محمَّدٍ الحريريَّ (^٤) يقول: سَمِعتُ الجنيدَ يقولُ: ما أخذْنا التصوُّفَ من القيلِ والقالِ، ولكن أخذناهُ عن الجوعِ وتركِ الدنيا، وقطعِ المألوفاتِ والمُستحسناتِ، ومَن ظَنَّ أَن يَبْلُغَ مقصودًا، أو يَجِدَ مطلوبًا؛ لا مِنْ طريقةِ متابعةِ أهلِ (^٥) السنَّةِ والجماعةِ: فهو مغرورٌ ومخذولٌ (^٦).