(الْفِطْرَةُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ دَقِيقٍ أَوْ سَوِيقٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، الزَّبِيبُ بِمَنْزِلَةِ الشَّعِيرِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَالْأَوَّلُ رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ،
لَكِنَّ الْمِلْكَ مَوْقُوفٌ (لِأَنَّهُ لَوْ رُدَّ لَعَادَ إلَى قَدِيمِ مِلْكِ الْبَائِعِ وَلَوْ أُجِيزَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُشْتَرِي مِنْ وَقْتِ الْعَقْدِ) وَكُلُّ مَا كَانَ مَوْقُوفًا فَالْمُبْتَنَى عَلَيْهِ كَذَلِكَ لِأَنَّ التَّرَدُّدَ فِي الْأَصْلِ يَسْتَلْزِمُ التَّرَدُّدَ فِي الْفَرْعِ (بِخِلَافِ النَّفَقَةِ) فَإِنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ تَنْبَنِي عَلَى الْمِلْكِ لَكِنَّهَا تَثْبُتُ (لِلْحَاجَةِ النَّاجِزَةِ) أَيْ الْوَاقِعَةِ فِي الْحَالِ (فَلَا تَقْبَلُ التَّوَقُّفَ)، وَهَذَا الْجَوَابُ بِطَرِيقِ التَّنَزُّلِ لَا بِحَسَبِ الْوَاقِعِ فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَظِيفَةُ الْمِلْكِ لَمَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ عَنْ نَفْسِهِ وَأَوْلَادِهِ الصِّغَارِ، (وَزَكَاةُ التِّجَارَةِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ) يَعْنِي إذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَبْدٌ لِلتِّجَارَةِ فَبَاعَهُ بِعُرُوضِ التِّجَارَةِ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ فَحَالَ الْحَوْلُ وَالْخِيَارُ بَاقٍ فَزَكَاتُهُ عَلَى مَنْ يَصِيرُ الْمِلْكُ لَهُ، أَوْ عَلَى مَنْ لَهُ الْخِيَارُ، أَوْ عَلَى مَنْ لَهُ الْمِلْكُ لِأَنَّ الْعُرُوضَ بَدَلُ الْعَبْدِ، وَحَوَلَانُ الْحَوْلِ عَلَى الْبَدَلِ كَحَوَلَانِهِ عَلَى الْمُبْدَلِ كَذَا نُقِلَ عَنْ حُمَيْدِ الدِّينِ الضَّرِيرِ. وَقِيلَ: صُورَتُهُ رَجُلَانِ لِأَحَدِهِمَا عِشْرُونَ دِينَارًا وَلِآخَرَ عَرَضٌ يُسَاوِيهِ فِي الْقِيمَةِ وَمَبْدَأُ حَوْلِهِمَا عَلَى السَّوَاءِ، فَفِي آخِرِ الْحَوْلِ بَاعَ صَاحِبُ الْعَرْضِ عَرْضَهُ مِنْ الْآخَرِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ لَهُ أَوْ لِلْمُشْتَرِي، فَازْدَادَ قِيمَةُ الْعَرْضِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلِ، ثُمَّ تَمَّ الْحَوْلُ، فَإِنْ تَقَرَّرَ الْمِلْكُ لِلْبَائِعِ يَجِبُ عَلَيْهِ بِحِصَّةِ الزِّيَادَةِ شَيْءٌ وَإِنْ تَقَرَّرَ لِلْمُشْتَرِي يَجِبْ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَيْضًا عِنْدَنَا.
(فَصْلٌ فِي مِقْدَارِ الْوَاجِبِ وَوَقْتِهِ):
لَمَّا ذَكَرَ وُجُوبَ صَدَقَةِ الْفِطْرِ وَشُرُوطَهُ وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ وَمَنْ تَجِبُ عَنْهُ شَرَعَ فِي بَيَانِ مَا يُؤَدِّي صَدَقَةَ الْفِطْرِ
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ صَاعٌ لِحَدِيثِ «أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ». وَلَنَا مَا رَوَيْنَا وَهُوَ مَذْهَبُ
وَقَدْرُهُ وَكَلَامُهُ وَاضِحٌ. وَقَوْلُهُ (لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) رُوِيَ «عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ يَسْأَلُهُ عَنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَقَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَاعًا مِنْ الطَّعَامِ أَوْ صَاعًا مِنْ التَّمْرِ أَوْ صَاعًا مِنْ الشَّعِيرِ» (وَلَنَا مَا رَوَيْنَا) يَعْنِي فِي أَوَّلِ الْبَابِ مِنْ حَدِيثِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صُعَيْرٍ (وَهُوَ مَذْهَبُ
[ ٢ / ٢٩١ ]
جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِيهِمْ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -،
جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فِيهِمْ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ ﵃) قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ ﵀: لَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الزِّيَادَةِ تَطَوُّعًا.
مِنْهُمْ أَنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْ أَدَاءَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ (وَمَا رَوَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الزِّيَادَةِ تَطَوُّعًا)
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وَلَهُمَا فِي الزَّبِيبِ أَنَّهُ وَالتَّمْرُ يَتَقَارَبَانِ فِي الْمَقْصُودِ، وَلَهُ أَنَّهُ
وَقَوْلُهُ (وَلَهُمَا فِي الزَّبِيبِ أَنَّهُ) أَيْ الزَّبِيبَ (وَالتَّمْرُ يَتَقَارَبَانِ فِي الْمَقْصُودِ) وَهُوَ التَّفَكُّهُ وَالِاسْتِحْلَاءُ فَإِنَّهُ يُشْبِهُ التَّمْرَ
[ ٢ / ٢٩٤ ]
وَالْبُرُّ يَتَقَارَبَانِ فِي الْمَعْنَى لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كُلُّهُ، بِخِلَافِ الشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُؤْكَلُ وَيُلْقَى مِنْ التَّمْرِ النَّوَاةُ وَمِنْ الشَّعِيرِ النُّخَالَةُ، وَبِهَذَا ظَهَرَ التَّفَاوُتُ بَيْنَ الْبُرِّ وَالتَّمْرِ، وَمُرَادُهُ مِنْ الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْبُرِّ، أَمَّا دَقِيقُ الشَّعِيرِ فَكَالشَّعِيرِ، الْأَوْلَى أَنْ يُرَاعَى فِيهِمَا الْقَدْرُ وَالْقِيمَةُ احْتِيَاطًا، وَإِنْ نَصَّ عَلَى الدَّقِيقِ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ.
وَالْخُبْزُ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْقِيمَةُ هُوَ الصَّحِيحُ،
مِنْ حَيْثُ إنَّهُ حُلْوٌ مَأْكُولٌ وَلَهُ عَجَمٌ كَمَا لِلتَّمْرِ نَوًى.
وَقَوْلُهُ (وَمُرَادُهُ) أَيْ مُرَادُ مُحَمَّدٍ أَوْ صَاحِبِ الْقُدُورِيِّ مِنْ قَوْلِهِ: أَوْ دَقِيقٍ أَوْ سَوِيقٍ (مَا يُتَّخَذُ مِنْ الْبُرِّ أَمَّا دَقِيقُ الشَّعِيرِ) فَكَعَيْنِهِ (وَالْأَوْلَى أَنْ يُرَاعَى فِيهِمَا) أَيْ فِي الدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ (الْقَدْرُ وَالْقِيمَةُ احْتِيَاطًا) حَتَّى إذَا كَانَا مَنْصُوصًا عَلَيْهِمَا تَتَأَدَّى بِاعْتِبَارِ الْقَدْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَبِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ وَتَفْسِيرُهُ أَنْ يُؤَدِّيَ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ دَقِيقِ الْبُرِّ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ، وَأَمَّا لَوْ أَدَّى مَنًّا وَنِصْفَ مَنٍّ مِنْ دَقِيقِ الْبُرِّ وَلَكِنْ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ أَدَّى نِصْفَهُ مِنْ دَقِيقِ الْبُرِّ، وَلَكِنْ لَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ لَا يَكُونُ عَامِلًا بِالِاحْتِيَاطِ وَقَوْلُهُ: (وَإِنْ نَصَّ عَلَى دَقِيقٍ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ) يُرِيدُ بِهِ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ أَدُّوا قَبْلَ خُرُوجِكُمْ زَكَاةَ فِطْرِكُمْ فَإِنَّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُدَّيْنِ مِنْ قَمْحٍ أَوْ دَقِيقِهِ» وَقَوْلُهُ (وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ) أَيْ مُرَاعَاةَ الِاحْتِيَاطِ فِيهِمَا بِالْقَدْرِ وَالْقِيمَةِ لَمْ يُبَيِّنْ مُحَمَّدٌ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ) فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّ قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ الدَّقِيقِ تُسَاوِي نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ تَزِيدُ، وَإِنْ كَانَ يُتَوَهَّمُ أَنْ لَا يَكُونَ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَهُوَ وَقْتُ الْبَذْرِ فَلِذَلِكَ أَمَرَ بِالِاحْتِيَاطِ حَتَّى إنْ وَقَعَ ذَلِكَ يَزِيدُ مِنْ الدَّقِيقِ إلَى أَنْ تَبْلُغَ قِيمَتُهُ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ الْبُرِّ
(وَالْخُبْزُ تُعْتَبَرُ فِيهِ الْقِيمَةُ هُوَ الصَّحِيحُ)
[ ٢ / ٢٩٥ ]
ثُمَّ يُعْتَبَرُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ وَزْنًا فِيمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَعَنْ مُحَمَّدٍ ﵀ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ كَيْلًا وَالدَّقِيقُ أَوْلَى مِنْ الْبُرِّ، وَالدَّرَاهِمُ أَوْلَى مِنْ الدَّقِيقِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ ﵀، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ ﵀ لِأَنَّهُ أَدْفَعُ لِلْحَاجَةِ وَأَعْجَلُ بِهِ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَعْمَشِ تَفْضِيلُ الْحِنْطَةِ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الْخِلَافِ إذْ فِي الدَّقِيقِ وَالْقِيمَةِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ ﵀ قَالَ (وَالصَّاعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ بِالْعِرَاقِيِّ) وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِقَوْلِهِ ﵊ «صَاعُنَا أَصْغَرُ الصِّيعَانِ».
خِلَافًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: يَجُوزُ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ فَإِنَّهُ إذَا أَدَّى مَنَوَيْنِ مِنْ خُبْزِ الْحِنْطَةِ جَازَ لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَ الدَّقِيقُ وَالسَّوِيقُ بِاعْتِبَارِ الْعَيْنِ فَمِنْ الْخُبْزِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ أَنْفَعُ لِلْفَقِيرِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الْخُبْزِ نَصٌّ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الذُّرَةِ وَالْأَصْلُ أَنَّ مَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ لَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْقِيمَةُ حَتَّى لَوْ أَدَّى نِصْفَ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ تَبْلُغُ قِيمَتُهُ قِيمَةَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ فِي اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ إبْطَالَ التَّقْدِيرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الْمُؤَدَّى، وَهُوَ لَا يَجُوزُ، فَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُلْحَقُ بِالنُّصُوصِ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ إذْ لَيْسَ فِيهِ إبْطَالُ ذَلِكَ (ثُمَّ يُعْتَبَرُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ وَزْنًا فِيمَا رَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀) لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الصَّاعِ أَنَّهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ أَوْ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى التَّقْدِيرِ بِمَا يَعْدِلُ بِالْوَزْنِ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْوَزْنِ فِيهِ، وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ كَيْلًا.
قَالَ قُلْت لَهُ: لَوْ وَزَنَ الرَّجُلُ مَنَوَيْنِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَأَعْطَاهُمَا الْفَقِيرَ هَلْ يَجُوزُ مِنْ صَدَقَتِهِ فَقَالَ: لَا فَقَدْ تَكُونُ الْحِنْطَةُ ثَقِيلَةً فِي الْوَزْنِ، وَقَدْ تَكُونُ خَفِيفَةً فَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ نِصْفُ الصَّاعِ كَيْلًا لِأَنَّ الْآثَارَ جَاءَتْ بِالتَّقْدِيرِ بِالصَّاعِ وَهُوَ اسْمٌ لِلْمِكْيَالِ. وَقَوْلُهُ (وَالدَّقِيقُ أَوْلَى مِنْ الْبُرِّ) وَاضِحٌ. قَالَ: (وَالصَّاعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ بِالْعِرَاقِيِّ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الصَّاعِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: هُوَ مَا يَسَعُ فِيهِ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ بِالرِّطْلِ الْعِرَاقِيِّ كُلُّ رِطْلٍ عِشْرُونَ أَسْتَارًا وَالْإِسْتَارُ سِتَّةُ دَرَاهِمَ وَنِصْفٌ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثُ رِطْلٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِقَوْلِهِ ﷺ «صَاعُنَا أَصْغَرُ الصِّيعَانِ»). وَهَذَا أَصْغَرُ بِالنِّسْبَةِ إلَى ثَمَانِيَةِ أَرْطَالٍ.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
وَلَنَا مَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ رِطْلَيْنِ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ» وَهَكَذَا كَانَ صَاعُ عُمَرَ ﵁ وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْ الْهَاشِمِيِّ، وَكَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ الْهَاشِمِيَّ.
قَالَ (وَوُجُوبُ الْفِطْرَةِ يَتَعَلَّقُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: بِغُرُوبِ الشَّمْسِ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى إنَّ مَنْ أَسْلَمَ أَوْ وُلِدَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ تَجِبُ فِطْرَتُهُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ لَا تَجِبُ، وَعَلَى عَكْسِهِ مَنْ مَاتَ فِيهَا مِنْ مَمَالِيكِهِ أَوْ وَلَدِهِ.
وَلَنَا مَا رَوَى) أَنَسٌ وَجَابِرٌ ﵄ «أَنَّهُ ﵊ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ رِطْلَيْنِ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ» وَهَكَذَا كَانَ صَاعُ عُمَرَ ﵁) وَكَانَ قَدْ فُقِدَ فَأَخْرَجَهُ الْحَجَّاجُ وَكَانَ يَمُنُّ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، يَا أَهْلَ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ، وَمَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ، أَلَمْ أُخْرِجْ لَكُمْ صَاعَ عُمَرَ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ حَجَّاجِيًّا وَهُوَ صَاعُ الْعِرَاقِ. وَقَوْلُهُ (وَهُوَ أَصْغَرُ مِنْ الْهَاشِمِيِّ) جَوَابٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ: يَعْنِي إنْ صَحَّ مَا رَوَيْتُمْ فَهُوَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ لِأَنَّهُ أَصْغَرُ مِنْ الْهَاشِمِيِّ، لِأَنَّ الصَّاعَ الْهَاشِمِيَّ اثْنَانِ وَثَلَاثُونَ رِطْلًا (وَكَانُوا يَسْتَعْمِلُونَ الْهَاشِمِيَّ) وَالنَّبِيُّ ﷺ اسْتَعْمَلَ الْعِرَاقِيَّ وَقَالَ «صَاعُنَا أَصْغَرُ الصِّيعَانِ».
وَقَوْلُهُ (وَوُجُوبُ الْفِطْرَةِ يَتَعَلَّقُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ) يَعْنِي تَعَلَّقَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ بِالشَّرْطِ، فَهُوَ مِنْ تَعَلُّقِ الْمَشْرُوطِ بِالشَّرْطِ لَا مِنْ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ بِالسَّبَبِ، حَتَّى إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إذَا جَاءَ يَوْمُ الْفِطْرِ فَأَنْتَ حُرٌّ، فَجَاءَ يَوْمُ الْفِطْرِ عَتَقَ الْعَبْدُ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَوْلَى صَدَقَةُ فِطْرِهِ قَبْلَ الْعِتْقِ بِلَا فَصْلٍ، لِأَنَّ الْمَشْرُوطَ يَعْقُبُ الشَّرْطَ فِي الْوُجُودِ (وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بِغُرُوبِ الشَّمْسِ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى إنَّ مَنْ أَسْلَمَ أَوْ وُلِدَ لَيْلَةَ الْفِطْرِ تَجِبُ عَلَيْهِ الْفِطْرَةُ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ لَا تَجِبُ) وَقَوْلُهُ (وَعَلَى عَكْسِهِ مَنْ مَاتَ فِيهَا مِنْ مَمَالِيكِهِ أَوْ وَلَدِهِ) أَيْ عِنْدَنَا لَا تَجِبُ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ شَرْطِ وُجُوبِ الْأَدَاءِ وَهُوَ طُلُوعُ الْفَجْرِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ. وَعِنْدَهُ تَجِبُ لِتَحَقُّقِ
[ ٢ / ٢٩٧ ]
لَهُ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْفِطْرِ وَهَذَا وَقْتُهُ. وَلَنَا أَنَّ الْإِضَافَةَ لِلِاخْتِصَاصِ، وَالِاخْتِصَاصُ الْفِطْرُ بِالْيَوْمِ دُونَ اللَّيْلِ
شَرْطِ وُجُوبِهِ وَهُوَ غُرُوبُ الشَّمْسِ فِي الْيَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ حَيٌّ (لَهُ أَنَّهُ) أَيْ وُجُوبَ الْفِطْرَةِ (يَخْتَصُّ بِالْفِطْرِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ» (وَهَذَا وَقْتُهُ) أَيْ وَقْتُ الْفِطْرِ (وَلَنَا أَنَّ) الصَّدَقَةَ أُضِيفَتْ إلَى الْفِطْرِ.
وَ(الْإِضَافَةُ لِلِاخْتِصَاصِ وَالِاخْتِصَاصُ لِلْفِطْرِ بِالْيَوْمِ دُونَ اللَّيْلِ) إذْ الْمُرَادُ فِطْرٌ يُضَادُّ الصَّوْمَ وَهُوَ فِي الْيَوْمِ دُونَ اللَّيْلِ، لِأَنَّ الصَّوْمَ فِيهِ حَرَامٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ
[ ٢ / ٢٩٨ ]
(وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُخْرِجَ النَّاسُ يَوْمَ الْفِطْرِ قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الْمُصَلَّى) «لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يُخْرِجُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ لِلْمُصَلَّى»، وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِغْنَاءِ كَيْ لَا يَتَشَاغَلَ الْفَقِيرُ بِالْمَسْأَلَةِ عَنْ الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ بِالتَّقْدِيمِ (فَإِنْ قَدَّمُوهَا عَلَى يَوْمِ الْفِطْرِ جَازَ) لِأَنَّهُ أَدَّى بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ فَأَشْبَهَ التَّعْجِيلَ فِي الزَّكَاةِ، وَلَا تَفْصِيلَ بَيْنَ مُدَّةٍ وَمُدَّةٍ هُوَ الصَّحِيحُ وَقِيلَ يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَقِيلَ فِي الْعُشْرِ الْأَخِيرِ (وَإِنْ أَخَّرُوهَا عَنْ يَوْمِ الْفِطْرِ لَمْ تَسْقُطْ وَكَانَ عَلَيْهِمْ إخْرَاجُهَا) لِأَنَّ وَجْهَ الْقُرْبَةِ فِيهَا مَعْقُولٌ
الْفِطْرَ كَانَ يُوجَدُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ وَلَا يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِهِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا يُضَادُّ الصَّوْمَ.
وَقَوْلُهُ (وَالْمُسْتَحَبُّ) ظَاهِرٌ وَقَوْلُهُ (هُوَ الصَّحِيحُ) احْتِرَازٌ عَنْ قَوْلِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ وَخَلَفِ بْنِ أَيُّوبَ وَنُوحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ فَإِنَّ الْحَسَنَ بْنَ زِيَادٍ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا أَصْلًا كَالْأُضْحِيَّةِ، وَقَالَ خَلَفُ بْنُ أَيُّوبَ: يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا بَعْدَ دُخُولِ شَهْرِ رَمَضَانَ لَا قَبْلَهُ فَإِنَّهَا صَدَقَةُ الْفِطْرِ وَلَا فِطْرَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ.
وَقَالَ نُوحُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ: يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا فِي النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ لِأَنَّ بِمُضِيِّ النِّصْفِ قَرُبَ الْفِطْرُ الْخَاصُّ فَأَخَذَ حُكْمَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَوَجْهُ الصِّحَّةِ مَا ذَكَرَهُ فِي الْكِتَابِ بِقَوْلِهِ: لِأَنَّهُ أَدَّى بَعْدَ تَقَرُّرِ السَّبَبِ فَأَشْبَهَ التَّعْجِيلَ فِي الزَّكَاةِ. وَعَنْ هَذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: لَوْ أَدَّى عَنْ عَشْرِ سِنِينَ أَوْ أَكْثَرَ جَازَ.
وَقَوْلُهُ (وَإِنْ أَخَّرُوهَا عَنْ يَوْمِ الْفِطْرِ لَمْ تَسْقُطْ) يَعْنِي وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ (وَكَانَ عَلَيْهِمْ إخْرَاجُهَا) وَقَالَ الْحَسَنُ: تَسْقُطُ بِمُضِيِّ يَوْمِ الْفِطْرِ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ اُخْتُصَّتْ بِيَوْمِ الْعِيدِ فَكَانَتْ كَالْأُضْحِيَّةِ تَسْقُطُ بِمُضِيِّ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَلَنَا مَا ذَكَرَهُ أَنَّ وَجْهَ الْقُرْبَةِ فِيهَا مَعْقُولٌ لِأَنَّهَا
[ ٢ / ٢٩٩ ]
فَلَا يَتَقَدَّرُ وَقْتُ الْأَدَاءِ فِيهَا بِخِلَافِ الْأُضْحِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.