رجل له مائتا درهم عجّل منها خمسة ودفعها إلى المصدق ثم هلكت المائتان إلا درهمًا وذلك قبل الحول، فأراد صاحب المال استرداد المعجل ليس له ذلك والأصل في هذا أن كل تصرف صح بجهة، لا يجوز نقضه ما لم تبطل تلك الجهة بيقين.
ألا ترى أن المشتري يشرط الخيار للبائع إذا عدّ الثمن في مدة الخيار لا يملك استرداده؛ لأن النقد قد صح بجهة الثمنية، ولم تبطل هذه الجهة قطعًا؛ لأن احتمال أن يصير المؤدّى ثمنًا قائمًا.
[ ٢ / ٢٧٠ ]
وكذلك المستأجر إذا عجل الأجرة قبل استيفاء المنفعة لم يملك الاسترداد، وإنما لم يملك لما قلنا.
إذا ثبت هذا فنقول: دفع الخمسة إلى المصدق بجهة الزكاة قد صح، ولم تبطل هذه الجهة قطعًا لاحتمال أن يستفيد ما يكمل به النصاب قبل الحول، وكذلك لو أنفق صاحب المال الدراهم كلها قبل الحول والخمسة المعجلة قائمة في يد الساعي أو أكلها قرضًا أو استهلكها، أو أخذها بعمالة نفسه، فليس لرب المال أن يأخذ ذلك منه، وكذلك لو عجل المائتين كلها، وأداها إلى العاشر لا يملك استرداد شيء منه للحال لاحتمال إلى آخر الحول مقدار ما يصير المؤدى زكاة عنه، ويكون الحول باقيًا باعتبار المؤدى، إذ المؤدى باقٍ على ملك المالك؛ لكون يد الساعي قائمة مقام يد رب المال في هذه الحالة.
فرع على هذه الصورة
وهي ما إذا عجل المائتين كلها، فقال: لم أستفد شيئًا حتى تم الحول، والمائتان قائمة في يد العاشر، كان له أن يسترد من الساعي مائة وخمسة وتسعين ولا يسترد الخمسة؛ لأن مقدار الخمسة صار زكاةً، وما عدا الخمسة لم يبق لها احتمال أن تصير زكاة هذه السنة، وهو إنما عجل ليصير المعجل زكاة هذه السنة، فلو كان استفاد ألف درهم قبل تمام الحول، فالساعي يمسك من المائتين زكاة ألف، خمسة وعشرين، بقي هناك مائة وخمسة وتسعون يمسك الساعي هذا المقدار عند أبي حنيفة، وعندهما يمسك أربعة دراهم وثلاثة أثمان درهم، فأبو حنيفة لا يرى زكاة الكسور، وهما يريان ذلك.
رجل له خمس وعشرون من الإبل السائمة عجل منها بنت مخاض ودفعه إلى العاشر، فتم الحول وفي يد صاحب الإبل أربعة وعشرون، ففي القياس يصير قدر أربع من الغنم من بنت المخاض زكاة، ويرد الساعي الباقي، وفي الاستحسان يصير الكل زكاة، وقد مر وجه القياس والاستحسان في فصل الدراهم، هكذا ذكر في «الزيادات» .
وفي كتاب «زكاة الإملاء» رواية بشر بن الوليد لا يكمل النصاب فيما (في) يد المصدق، ولا يجوز ذلك عن زكاته وعلى المصدق أن يردها على صاحبها، ويأخذ منه أربعًا من الغنم، ولو لم يحل الحول حتى هلك من إبله واحد، وبقي ثلاثة وعشرون، ثم حال الحول، فالساعي يمسك من المؤدي قدر أربع من الغنم ويرد الباقي قياسًا واستحسانًا؛ لأنا وإن جعلنا المؤدى باقيًا على ملكه تم الحول، ونصابه أربعة وعشرون، فلا يجب إلا بقدر أربع من الغنم، وإن أكلها العاشر قرضًا وهو غني ضمن قيمتها، أما حصة رب المال، فلا شك.
وأما حصة الفقراء؛ فلأنه غني والغني ليس بمحل للصدقة، وإن أكلها بحساب عمالة نفسه يضمن حصة رب المال، ولا يضمن حصة الفقراء؛ لأن حصة الفقراء وجبت زكاة، والعمالة تجب في الزكاة، وإن تصدق بها على المحتاجين أو أكل وهو محتاج لا يضمن شيئًا؛ لأن التصدق حصل بأمر رب المال.
رجل له أربعون شاة سائمة، فقبل أن يتم حولها عجل شاة منها وتصدق بها العاشر
[ ٢ / ٢٧١ ]
أو باعها، وتصدق بثمنها ذلك جائز، أما إذا تصدق بعينها فظاهر، وأما إذا باعها وتصدق بثمنها، فلأن المأمور بالصدقة يملك البيع والتصدق بالثمن؛ لأنه ربما يكون البيع والتصدق بالثمن أيسر عليه، فإن تم الحول وليس عند صاحبها إلا تسعة وثلاثون شاة، لا يصير المعجل زكاة، لأنه لا تجب الزكاة حينئذٍ؛ لأن المؤدى لا يمكن أن يجعل باقيًا على ملكه بعدما وصل إلى الفقير عينه أو بدله، فتم الحول ونصابه ناقص، فلا تجب الزكاة، ويكون المؤدى تطوعًا ولا يجب الضمان على العاشر؛ لأنه تصدق بأمر صاحبها.
ولو لم يبعها ولم يتصدق بعينها، وهو في يد المصدق على حالها يصير المعجل زكاة استحسانًا عند عامة المشايخ، ولو كان العاشر باعها وأخذ الثمن لنفسه على وجه العمالة ثم تم الحول، وغنم صاحب الغنم تسعة وثلاثون كان على العاشر قيمتها؛ لأن الزكاة لم (تتم) وإذا لم تتم لا تجب العمالة، وقد صار مستهلكًا لها بالبيع، ووجب عليه القيمة؛ فتم الحول وبعض النصاب قيمة، ونصاب السوائم لا تكمل بالقيمة. وكذلك إذا أكلها قرضًا، وباقي المسألة بحالها بخلاف فصل الدراهم، لأن هناك ما وجب على الساعي من جنس النصاب فجاز أن يكمل به النصاب، ولو أكلها العاشر وهو محتاج، فلا ضمان.
رجل له مائتا درهم وأربعون درهمًا عجل منه ستة دراهم فتم الحول وعند عند العاشر، فإن القياس على قول أبي حنيفة أن تصير الخمسة زكاة والدرهم السادس على رب المال؛ لأن الخمسة المعجلة صارت زكاة من وقت القبض، فتم الحول وماله مائتان وخمسة وثلاثون، فتجب الخمسة عن المائتين، ولا يجب في الباقي شيء؛ لأنه لا يرى زكاة الكسور، ووجه الاستحسان: أن في جعل المعجل زكاة من وقت التعجيل إبطال بعض المعجل، فيصير زكاة بعد الحول فتم الحول، وماله مائتان وأربعون.
والقياس على قولهما: أن يمسك الساعي خمسة دراهم زكاة عن المائتين، ويمسك أيضًا خمسة وثلاثين جزءًا من أحد وأربعين جزءًا من درهم وفي الاستحسان لا يرد شيئًا.
وجه القياس: أن في التعجل كل درهم يقع زكاة عن نفسه، وعن أربعين سواه، ألا ترى أنه إذا عجل عن المائتين خمسة وبقيت الخمسة في يد الساعي ثم استفاد خمسة أخرى، فالخمسة المعجل تقع عن نفسها، وعن المائتين سواها، فكذا هنا جعلت الخمسة المعجلة من المعجل زكاة من وقت القبض عن نفسها وعن المائتين، فبقي له خمسة وثلاثون أربعة وثلاثون في يده ودرهم في يد الساعي.
ولو كان في يده ستة أخرى كان كل الدراهم الزائدة زكاة عن نفسه، وعن هذه الأربعين، فإنما يجب رد شيء (١٣٧ب١) من الدرهم الزائد بسبب فوات ستة دراهم، فيقسم الدرهم الزائد زكاة على نفسه، وعن هذه الأربعين على واحد وأربعين، فيسقط منه
[ ٢ / ٢٧٢ ]
بقدر ستة أجزاء من واحد وأربعين جزءًا من درهم.
وجه الاستحسان: أن ما قلنا لأبي حنيفة، ولو هلك بعد التعجيل ما فعل، فإن الساعي يمسك من الدرهم الزائد على قولهما استحسانًا، ستة أجزاء من واحد وأربعين جزءًا من درهم؛ لأن المعجل صار زكاة بعد الحول، فتم الحول، وفي ملكه مائتان وستة دراهم.
فنقول: لو كان ههنا خمسة وثلاثون درهمًا كان الدرهم الزائد كله زكاة، فيسقط من الدرهم الزائد بقدر خمسة وثلاثين، وذلك خمسة وثلاثون جزءًا من أحد وأربعين جزءًا من درهم، وعلى قول أبي حنيفة ﵀: يرد الدرهم السادس كله قياسًا واستحسنًا؛ لأنا وإن جعلنا المعجل باقيًا على ملكه، فالزائد على المائتين يكون في ستة، وأبو حنيفة لا يرى الزكاة في أقل من الأربعين.
ولو أنفق صاحب المال مما في يده درهمًا، فتم الحول وفي يده مائتان وثلاثة وثلاثون درهمًا، فعلى قول أبي حنيفة الساعي يرد الدرهم الزائد كلها على رب المال قياسًا واستحسانًا لما ذكرنا، وأما على قولها فالساعي يرد على رب المال جزءًا من أربعين جزءًا من درهم؛ لأن المعجل باق على ملكه استحسانًا، فتم الحول وماله تسعة وثلاثون درهمًا، فانتقص من الأربعين درهم، فينقص من الدرهم الزائد بقدره.
رجل له أربعون من الغنم السائمة عجل شاة منها ثم إن الإمام أعطاها المصدق من عمالته، أو أخذها المصدق من عمالته بنفسه، وأشهد على ذلك، وكانت في يده سائمة حتى تم الحول وفي يد صاحب الغنم أربعون شاة دفعه على سبيل العمالة وصار زكاة.
ولو تم الحول وعند صاحب الغنم تسعة وثلاثون شاة فليس على صاحبها زكاة؛ لأن المأخوذ عمالة لا يمكن إبقاؤه على ملك صاحب المال، لأن هنا الأخذ وقع للساعي، فلا يمكن أن يجعل الساعي نائبًا عن رب المال فيه، فتم الحول ونصابه ناقص، وكان على الساعي رد الشاة على المالك، لأنه أخذها بحسب العمالة، وتبين أنه لا عمالة، ولو كان الساعي باعها قبل الحول بيوم نفذ البيع، يريد به إذا أخذها بعمالة نفسه وباعها لنفسه، وكان على الساعي قيمتها؛ لأنه تعذر رد عينها بسبب البيع فيلزمه رد قيمتها.d
ولو كان المصدق لم يأخذها بعمالة نفسه، ولكن باعها للفقراء قبل الحول نفذ البيع، فإن تم الحول، وفي يد صاحب المال ثلاثة وثلاثون من الغنم، وثمن المعجل قائم في يد الساعي رد الثمن على المالك، أداء الزكاة ههنا لم يجب، لأن نصاب الغنم لا يكمل بالثمن، ولو لم يبعها المصدق حتى تم الحول، وفي يد صاحب الغنم تسعة وثلاثون من الغنم ثم باعها للفقراء نفذ البيع وتصدق بثمنها؛ لأن الزكاة قد وجبت ههنا، فإن نقصت شاة من الغنم قبل الحول ثم باع المصدق الشاة المعجلة نفذ، ولا ضمان عليه
[ ٢ / ٢٧٣ ]
عند الكل علم بذلك أو لم يعلم على ما عليه المحققون من أصحابنا.
رجل له أربعون بقرة سائمة عجل منها مسنة ثم تم الحول وفي يده أربعون بقرة سائمة صار المعجل زكاة، وهذا ظاهر.
ولو هلكت واحدة منها قبل الحول، ثم تم الحول والمسنة في يد الساعي على حالها، فإن المصدق يمسك من المسنة قدر تبيع أو تبيعة ويرد الفضل قياسًا واستحسانًا؛ لأن المعجل إنما يصير زكاة عما لزمه، والذي لزمه قدر تبيع أو تبيعه؛ لأنا وإن جعلنا المعجل باقيًا على ملكه، ثم تم الحول ونصابه ناقص عن أربعين، فإن أراد المتصدق أن يرد المسنة ويأخذ تبيعًا، وأبى المالك ذلك وأراد المالك أن يسترد المسنة، ويرد التبيع وأبى المصدق ذلك، فليس لواحد منهما ذلك إلا برضا الآخر؛ لأن التعجيل قد صح بتراضيهما فلا يصح النقض إلا بتراضيهما، فإن تم الحول وعند صاحب البقر ستون أخذت تلك المسنة ويأخذ الساعي من صاحب البقر تام قيمة تبيعين أو تبيعتين؛ لأنه تم الحول وقد لزمه تبيعان.
فإن قال صاحب البقر للساعي: رد علي المسنة حتى أعطيك التبيعين، أو قال الساعي: أرد عليك المسنة وآخذ منك تبيعين، فليس لواحد منهما ذلك إلا برضا الآخر.
قال: ولو حال الحول وعنده أربعون من البقر فعدها المصدق وأخذ منها بقرة مسنة، ثم أعاد المصدق عدها فوجدها سبعة وثلاثين مع البقر التي أخذها المصدق وقد اتفقا على الخطأ في العدد، فلصاحب البقر أن يسترد المسنة ويعطيه تبيعًا وإن أبى الساعي ذلك. وكذلك للساعي أن يرد المسنة ويأخذ التبيع بخلاف مسألة التعجيل.
والفرق: أن التسليم والأخذ في هذه الصورة كان بناءً على تمام النصاب، وكان التراضي ثابتًا بهذا الشرط، فإذا فات الشرط فات التراضي، فثبت لكل واحد منهما الخيار، أما في مسألة تعجيل التسليم والتسلم كان مع كمال العدد، ويحتمل تمام النصاب في آخر الحول ويحتمل ضده، وكان التراضي ثابتًا مطلقًا، فلا ينفرد أحدها بالنقض.
قال: وإن لم يرد المصدق المسنة على صاحب البقر حتى ضاعت أو تصدق بها المصدق أجزأته من زكاته؛ لأنه أدى ما وجب عليه وهو قدر تبيع وزيادة شيء، فبقدر ما وجب يقع عن زكاة ماله، وهل يضمن المصدق الفضل؟ قال: ينظر إن أعطاه صاحب البقر باختياره لا يضمن؛ لأن الدفع حصل على جهة الصدقة وصح منه، ولم يوجد من المصدق بعد ذلك تعد في حقه فلا يضمن، وإن كان المصدق أكرهه على الدفع ينظر إن أكرهه وهو يرى أن عدد البقر ناقص كان ضامنًا للفضل على قدر التبيع؛ لأنه تعمد الجور والظلم.
واستدل محمد رحمة الله لإيضاح مسألة التعجيل: رجل له أربعون من البقر، فلما حال عليه الحول أتاه المصدق، فقال المصدق إني كنت أمرت غلامي أن يبيع عشرة منها قبل الحول، وأنا لا أدري أباع أو لم يبع، فخذ هذا التبيع، فإن كان باعها، فذلك زكاتها وإن لم يبعها أتممت لك زكاة الأربعين، وأخذ المصدق التبيع على هذا، ثم ظهر أن
[ ٢ / ٢٧٤ ]
الغلام لم يبعها، فأراد المصدق أن يرد التبيع، ويأخذ المصدق المسنة أو أراد صاحب البقر أن يسترد التبيع ويأخذ المسنة أو أراد صاحب البقر أن يسترد التبيع ويأخذ المسنة لا يكون لأحدهما ذلك بدون رضا صاحبه، وأمر صاحبه البقر أن يتم زكاة الأربعين، ولا ينقض ما فعلا بتراضيهما إلا بتراضيهما، فكذا مسألة التعجيل.
قال محمد ﵀ في «الجامع»: رجل له مائتا درهم وعشرون مثقالًا من الذهب، عجل زكاة المائتين ثم هلكت المائتان قبل تمام الحول، وبقي الذهب، فإن المؤدى يكون زكاة عن الذهب، وروي عن أبي يوسف: أن المؤدى لا يكون زكاة عن الذهب ويصير تطوعًا، وعليه زكاة الذهب وهو رواية عن أبي حنيفة، ذكر رواية أبي حنيفة أبو عبد الله البلخي في المناسك.
وجه رواية أبي يوسف: أنهما مالان مختلفان، بدليل اختلاف قدر نصابهما وواجبهما والتعيين في الجنس المختلف صحيح، وإذا صح التعيين وهلك المؤدى عنه قبل الحول يصير المؤدى تطوعًا، فتبقى عليه زكاة الذهب، والدليل عليه: إذا كان له نصاب غنم ونصاب إبل عجل زكاة (١٣٨أ١) . الغنم، ثم هلك الغنم قبل الحول لا يقع المعجل عن الإبل وطريقه ما قلنا.
وجه ما ذكر في «الجامع»: أن التعيين لم يصح؛ لأن التعيين إنما يصح في الأجناس المختلفة. وجواز التعجيل مبني على السببية، والذهب والفضة وإن كانا مختلفين حقيقة فهما في حق سببية الزكاة جنس واحد معنى، ولهذا يضم أحدهما إلى الآخر، وإذا صارا في حق، سببية الزكاة جنسًا واحدًا معنىً التحقا بالجنس الواحد حقيقة في حق هذا الحكم، فلا يصح التعيين إلا إذا كان في التعيين فائدة، فحينئذٍ يصح التعيين، ويعمل فيه بالحقيقة، وهما جنسان مختلفان حقيقة.
إذا ثبت هذا فنقول: لا فائدة للتعيين في الحال؛ لأن الواجب في مائتي درهم خمسة دراهم، وفي عشرين مثقال نصف مثقال، فأما إن كان قيمتها على السواء، أو كان قيمته نصف مثقال أقل أربعة، أو أكثر ستة، فإن كان قيمتها على السواء يسقط عنه خمسة، ويبقى خمسة جعل المؤدى عنهما أو عن أحدهما، فإن كان قيمة نصف مثقال أربعة يسقط عنه خمسة، ويبقى عليه أربعة جعلنا المؤدى عنهما، أو عن الدراهم خاصة، وإن كان قيمة نصف مثقال ستة تسقط عنه قدر خمسة ويبقى عليه قدر ستة، فجعلنا المؤدى عنهما، أو عن أحدهما يدل أنه لا فائدة في التعيين في الحال، وإنما الفائدة باعتبار الهلاك، فإنه إذا هلكت الدراهم تلزمه زكاة الدنانير بكماله، والهلاك موهوم. وإذا كان في فائدة التعيين، وهما لم يعتبرا جنسين، بل اعتبرا جنسًا واحدًا، فلا يصح. فالتعيين صار كأنه عجل خمسة ولم يعين وهناك، أو هلكت المائتان يقع المعجل عن الدنانير كذا ههنا، بخلاف ما إذا كان نصاب غنم ونصاب إبل، وعجل زكاة أحدهما؛ لأن هناك التعيين قد صح؛ لأن الجنس مختلف، ولهذا لا يضم أحدهما إلى الآخر، والتعيين في الجنس المختلف صحيح.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
وأما إذا عين الأداء عن الدراهم بعد الحول وبعد الوجوب، بل يصح التعيين حتى إذا هلكت الدراهم، بل تلزمه زكاة الذهب اختلف المشايخ فيه. بعضهم قالوا: يصح التعيين، وفرق هنا القائل فيما قبل الحول وفيما بعد الحول.
ووجه الفرق: أن الأداء قبل الحول أداء بطريق التعجيل، وإنه مبني على قيام السبب لا على قيام الواجب، والذهب والفضة في حكم السببية جنس واحد، والتعيين في الجنس الواحد لغو، أما إذا كان بعد الحول مبني على قيام الواجب، والواجب مختلف والتعيين في الجنس المختلف صحيح، وبعض مشايخنا قالوا: التعيين بعد الحول غير صحيح كالتعيين قبل الحول؛ لأنه ما يفيد إلا على اعتبار هلاك المؤدى عنه، وإنه موهوم. وفي حق هذا المعنى لا فرق فيما قبل الحول وفيما بعده، هذا إذا هلك المؤدى عنه قبل الحول، فأما إذا هلك المؤدى عنه بعد الحول ذكر في «الجامع» أن المؤدى يكون عنهما، وتلزمه نصف زكاة الدراهم ونصف زكاة الدنانير، وذكر في «نوادر الزكاة» أن المؤدى يكون عن الدراهم، وتلزمه زكاة الدنانير بكمالها، وهكذا ذكر في «المنتقى» عن محمد.
قال في «المنتقى» عقب هذه المسألة: وكذلك لو كان مكانها عبد وأمة للتجارة. وروى بشر عن أبي يوسف أيضًا أن المؤدى يكون عن الدراهم، ذكر هذه الرواية في «المنتقى» . وجه رواية «نوادر الزكاة» و«المنتقى»: أن التعيين معتبر، فإنه تلزمه زكاة الدنانير، وفيه فائدة، فإن قيمة المالين ربما تختلف بعد الحول، ربما تكون قيمة نصف مثقال أقل من خمسة دراهم بعد الحول إلا أنه إذا هلك المؤدى عنه قبل الحول يلغو التعيين؛ لأن المؤدي كما قصد أن يكون المؤدى عن الدراهم قصد أن يكون المؤدى زكاة، فإذا هلك المؤدى عنه قبل الحول له اعتبرنا نية التعيين تلغو نية الزكاة؛ لأن ما أدى يصير تطوعًا إذا هلك المؤدى عنه قبل الحول، ومتى اعتبرنا نية الزكاة تلغو نية التعيين.
فنقول: إلغاء نية التعيين أولى من إلغاء نية الزكاة؛ لأن نية التعيين غير محتاج إليها، فإنه لو عجل خمسة دراهم ناويًا عما يجب عليه يجوز، ويكون المؤدى عن المالين، ونية الزكاة محتاج إليها إذا كان المؤدى محتاج إليها، فإنه لو عجل خمسة دراهم ناويًا عما يجب عليه يجوز، ويكون المؤدى عن المالين، ونية الزكاة محتاج إليها إذا كان المؤدى بعض النصاب حتى يصير المؤدى كله زكاة، ولا شك أن إلغاء ما لا يحتاج إليه أولى من إلغاء ما يحتاج إليه، فأما إذا بقي المالان بعد الحول أمكن اعتبار نية الزكاة مع نية التعيين، فاعتبرناهما ولم نشتغل بالترجيح.
وجه ما ذكر في «الجامع»: أنه لا فائدة في التعيين إلا باعتبار الهلاك، والهلاك أمر موهوم، ولا معتبر بالفائدة الموهومة، فلا يصح التعيين، وفي حق هذا المعين لا فرق فيما إذا هلك المؤدى عنه قبل الحول، وفيما إذ هلك المؤدى عنه بعد الحول.
وفي «المنتقى» عن أبي حنيفة: رجل له ألف درهم سود، وألف درهم بيض عجل عن البيض خمسة وعشرون، ثم هلكت البيض قبل الحول أجزأه ما أدى عن السود، ولو لم تهلك حتى حال الحول وهما عنده، وهلكت البيض كان نصف ما أدى مما هلك نصفه
[ ٢ / ٢٧٦ ]
مما بقي، وهذه الرواية توافق رواية «الجامع» .
قال في «المنتقى»: وكذلك لو كان الأداء بعد حَوَلان الحول، قال: وكذلك عنده ألف درهم ومائة دينار، أو جارية للتجارة تساوي ألف درهم، فأدى عن أحد الجنسين، والجواب في جميع هذه الوجوه على ما وصفت لك، وهو قول أبي يوسف.
وذكر في «المنتقى» بعد هذه المسائل مسألة البيض والسود عن محمد في صورة أخرى، فقال: إذا استحقت الألف التي زكى عنها قبل الحول أو بعده لم تجزه الزكاة عن الألف الباقية. قال محمد: وإن زكى عن ألف بعد الحول، ثم ضاعت وله دين على رجل لم يكن المؤدى عن زكاة دينه، وإن كان الأداء والضياع قبل الحول أجزأه عن زكاة دينه.
وفي «نوادر هشام» عن محمد: إذا كان للرجل أربعون شاة سائمة عجل منها شاة، فأخذها المصدق، ووضعت عنده عناقًا، أي: ولدت، فحال الحول وقيمته على حاله، فالشاة مع العناق صدقة. وإن نقص من غنم رب الغنم حتى أخذ العناق، وتكون الشاة صدقة.
وفي «الأجناس»: لو كان عنده خمسة وتسعون دينارًا ومائة درهم، وثوب للتجارة، وقيمته خمسة دراهم، فعجل ذلك الثوب إلى المصدق من زكاة ماله قبل الحول، فقطعه المصدق، ولبسه يجزئه ذلك من زكاته، قال: لأن عنده دراهم، وقيمة الثوب دراهم، فجاز ضمه إلى ما عنده ليكتمل النصاب، والله أعلم.