قال محمد ﵀ في «الجامع»: في رجل افتتح الظهر؛ وصلى منها ركعة ثم افتتح العصر، أو التطوع فقد نقض الظهر؛ لأن العصر غير الظهر، وكذا التطوع غير الفرض، وله ولاية الشروع فيهما، فإذا افتتح واحدًا منهما يعني العصر، أو التطوع صح الافتتاح، وصار شارعًا فيه، وإذا صار شارعًا فيه يصير خارجًا عن الآخر ضرورة فيبطل الآخر.
وإن افتتح الظهر بعدما صلى ركعة فهي تجزئه، وتجزئه تلك الركعة عن الظهر، فيصلي بعده ثلاث ركعات ويتم الظهر؛ لأنه نوى الشروع في شيء هو فيه، وذلك باطل فلغت نيته ويبقى في ظهره، فإن صلى أربعًا بعد ذلك على تقدير أنه افتتح الصلاة، ولم
[ ٢ / ٢١٣ ]
يقعد في الثالثة فسدت صلاته؛ لأن هذه الثالثة رابعة صلاته حقيقة، وإن كانت ثالثة في ظنه، فقد ترك القعدة الأخيرة فتفسد صلاته.
ولو نوى بالتكبير هذه الفريضة، وفريضة أخرى أو تطوعًا لم يخرج عن هذه الفريضة إذا نوى غيرها على حدة.
رجل سلم في الركعتين من الظهر ناسيًا، ثم ذكر فظن أن ذلك يقطع الصلاة، فاستقبل التكبير، ونوى به الدخول في الظهر ثانية، وهو إمام قومه، فكبروا معه ينوون ذلك فهم على صلاتهم الأولى يصلون ما بقي منها، ويسجدون السهو، وذلك لأنه لو خرج عن الصلاة لا يخلو إما أن يخرج بالسلام، أو بالنية، أو بالتكبير لا جائز أن يصير خارجًا بالسلام؛ لأن هذا سلام الساهي لأن حد السهو أن يسلم، وعليه ركن من أركان الصلاة وهو لا يعلم به، وقد وجد هذا الحد هنا فكان سلام الساهي، وقد ذكرنا غير مرة أن سلام الساهي لا يخرج المصلي عن الصلاة. لا جائز أن يصير خارجًا بالنية؛ لأنه نوى إيجاد الموجود وذلك لغو، فصار وجود النية وعدمه بمنزلة. ولا جائز أن يصير خارجًا بمجرد التكبير؛ لأن التكبير وجد في وسط الصلاة، والتكبير في وسط الصلاة، فلا يخرجه عن الصلاة. إذا ثبت أنه لا يصير خارجًا عن الصلاة الأولى، فإذا قعد في الرابعة، ثم قام إلى الخامسة تجوز صلاته، لأنه صلى الظهر خمسًا، وقعد في الرابعة قدر التشهد تجوز صلاته؛ لأنه اشتغل بالنفل بعد إكمال الفرض. وإن لم يقعد في الرابعة قدر التشهد، فسدت صلاته؛ لأنه اشتغل بالنفل قبل إكمال الفرض.
ثم إذا جازت صلاته بأن قعد في الرابعة قدر التشهد؛ فإنه يجب عليه سجدتا السهو بتأخير الركن عن محله، وهو القيام إلى الركعة الثالثة؛ لأنه حين كان قعد على رأس الركعتين يفترض عليه القيام بعدما تشهد، فإن اشتغل بالدعوات، فقد أخر الركن، وهي الركعة الثالثة، فتجب سجدتا السهو.
فرق بين هذا وبين ما إذا كبر ينوي العصر، أو ينوي التطوع، فإنه يصير خارجًا عن الظهر داخلًا في العصر أو في التطوع، وهنا لا يصير خارجًا.
ووجه الفرق: وهو أن هناك نوى شيئًا ليس هو فيه، لأنه نوى العصر وهو ليس في العصر، فالنية الثانية أفادت غير ما أفادته الأولى، فتكون معتبرة، وإذا كانت معتبرة صار شارعًا إلى العصر، ومن ضرورة الشروع في العصر الخروج عن الظهر. فأما هنا نوى شيئًا هو فيه، فلم تفد الثانية إلا ما أفادته الأولى، فلغت الثانية، فلهذا لا يصير خارجًا عن الأولى.
ونظير هذا رجل باع شيئًا بألف، ثم باعه ثانيًا بألف، فالبيع الثاني باطل، والبيع الأول على حاله؛ لأن الثاني لم يفد غير ما أفاده الأول، فيتضمن البيع الثاني انفساخ البيع الأول كذلك ههنا.
وفرق بين هذا وبينما إذا سلم على رأس الركعتين من الظهر، وهو يظن أنه صلاة الفجر، أو صلاة المسافر، أو سلم على رأس الثالثة، وهو يظن أنه المغرب أو الوتر، فإن
[ ٢ / ٢١٤ ]
هناك يصير خارجًا عن الصلاة وهنا لا.
والفرق: وهو أن هناك السلام سلام عمد؛ لأنه سلم وهو عالم أنه صلى ركعتين لا غير، والسلام العمد يخرجه من الصلاة. أما ها هنا السلام سلام الساهي؛ لأنه سلم وقد بقي عليه أركان الصلاة، وهذا هو حد السهو، والسلام الساهي لا يخرجه عن الصلاة.
فإذا صلوا أربع ركعات بعدما صلى ركعتين إن قعدوا على رأس الثانية جازت صلاته، والركعتين الأوليين من هذا الأربع فريضة تمام صلاة الظهر، والركعتين الأخرتين نافلة، ويجوز هذا؛ لأنه اشتغل بالنفل بعد إكمال الفرض. وإن لم يقعدوا على رأس الثانية فسدت صلاتهم لاشتغالهم بالنفل قبل إكمال الفرض.
وإذا صلى من المغرب ركعتين، وقعد قدر التشهد، وزعم أنه أتمها، فسلم، ثم قام وكبر ينوي الدخول في سنّة المغرب، ثم تذكر أنه لم يتم المغرب، وقد سجد للسنّة، أو لم يسجد فصلاة المغرب فاسدة؛ لأنه كبر ونوى الدخول في صلاة أخرى، فيكون منتقلًا من الفرض قبل إتمامه إلى التطوع. أما إذا سلم وتذكر فحسب أن صلاته فاسدة، فقام، وكبر للمغرب ثانيًا وصلى ثلاثًا.
إن صلى ركعة وقعد، قدر التشهد أجزأه المغرب وإلا فلا؛ لأن نية المغرب ثانيًا لم تصح بقي مجرد التكبير وذا لا يخرجه عن الصلاة. وإن افتتح المغرب، وصلى ركعة وظن أنه لم يكبر الافتتاح فافتتحها، وصلى ثلاث ركعات، وقعد على رأس الثانية جازت صلاته؛ لأنه في المرة الثانية قعد على رأس الثانية بزعمه، وهي ثالثته على الحقيقة.
ولو صلى المغرب ركعتين وظن أنه لم يفتتح، فافتتحها، وصلى ثلاث ركعات، وقعد على رأس الثانية والثالثة لا تجوز صلاته؛ لأن من حقه أن يقعد على الركعة الأولى؛ لأنها ثالثته على الحقيقة، فإذا لم يقعد، فقد ترك القعدة على رأس الثالثة وإنه يوجب فساد الصلاة.
وإذا صلى الظهر أربعًا فلما سلم تذكر أنه ترك سجدة منها ساهيًا، ثم قام واستقبل الصلاة، وصلى أربعًا، وسلم وذهب، فسد ظهره؛ لأن نية دخوله في الظهر ثانيًا لغو، فإذا صلى ركعة فقد خلط المكتوبة بالنافلة قبل الفراغ من المكتوبة.
وإذا صلى الغداة بقوم فقال له رجل من القوم: تركت سجدة من صلب الصلاة، فقام الإمام وكبروا استأنف الصلاة (١٢٦ب١) .
لا تجزئه لا الأولى ولا الثانية؛ لأن هذه التكبيرة لم تخرجه عن الأولى، فلقد خلط النافلة بالمكتوبة قبل الفراغ من المكتوبة.
وفي «فتاوى الفضلي»: المسبوق إذا شك في صلاته بعد ما قام إلى قضائها أنه سبق بركعة أو بركعتين فكبر ينوي الاستقبال يخرج عن صلاته؛ لأن حكم صلاة المسبوق، وحكم صلاة المنفرد مختلفان ألا ترى أن الاقتداء بالمسبوق لا يصح وبالمنفرد يصح، فإذا أقبل على إحديهما وكبر ثبت الانتقال إلى الأخرى، كمن انتقل بالتكبير من فرض إلى نفل، أو من نفل إلى فرض.
[ ٢ / ٢١٥ ]
وكذلك المسبوق إذا سلم مع الإمام ناسيًا، وظن أن ذلك مفسد، فكبر ونوى به الاستقبال كان خارجًا عن صلاته، والمعنى ما ذكرنا، وهذا بخلاف المنفرد إذا شك المنفرد فكبر ينوي الاستقبال حيث لا يكون خارجًا عن صلاته؛ لأن هناك الصلاة لم تختلف، فهو بمنزلة ما لو كان في الظهر، فكبر ينوي الظهر أو كان في العصر فكبر ينوي العصر، وهناك لا يصير خارجًا عن صلاته، كذا في المنفرد، ولا كذلك المسبوق على ما ذكرنا.
وفي «الرقيات»: كتب ابن سماعة إلى محمد في رجل صلى خلف إمام ركعة من صلاة فريضة (ثم) أن المأمور نوى أن يصلي صلاته لنفسه، أو نوى أن يؤم إمامه فيما بقي من الصلاة، فمضى على نيته ذلك، ويركع ويسجد ينوى بذلك كله الصلاة لنفسه أو يؤم أمامه ولا ينوي اتباع الإمام في شيء من ذلك غير أن ركوعه وسجوده كان بعد ركوع الإمام وسجوده، فلم يزل يفعل ذلك حتى أتم صلاته، قال: صلاته تامة، ولا يخرجه شيء من ذلك من صلاة الإمام؛ لأنه لم يفتتح الصلاة بتكبير مستقبل.
قال: ولا يشبه هذا أن يأتم ببعض المأمومين إذا ائتم ببعض المأمومين، فقد خرج من صلاة إمام إلى صلاة إمام غيره أما هنا بخلافه، فالرجل لا يكون إمام نفسه.
وفي «نوادر بشر» عن أبي يوسف: رجل دخل مع الإمام في صلاة الظهر ينوى التطوع ثم ذكر أنه لم يصل الظهر فقطعها ثم استأنف التكبير معه ينوي الظهر، فلا قضاء عليه لما كان من النافلة؛ لأنها صلاة واحدة، فإذا صلاها لم يكن عليه أن يقضيها، وكذلك لو دخل فيها ينوي الظهر ثم تكلم، ثم استقبل التكبير والدخول فيها ينوي النافلة ثم أفسدها لم يكن عليه إلا المكتوبة.
وفي «نوادر هشام»: قال: سمعت محمدًا في رجل صلى المغرب في منزله ثم أدرك الجماعة، فدخل معهم والإمام في التشهد في آخر صلاته، قال: فإذا سلم الإمام فعلى هذا الداخل معه أن يصلي أربعًا كما يصلي الظهر، لكن يقرأ في كل ركعة بالفاتحة والسورة.
وفي «نوادر ابن سماعة» عن محمد: رجل صلى أربع ركعات جالسًا، فلما قعد في الثانية منها قرأ وركع قبل أن يتشهد، قال: هو بمنزلة القيام ويمضي في صلاته لأنه من عمل القيام، وإن كان حين رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الثانية نوى القيام، ولم يقرأ ثم علم، قال: يعود ويتشهد وليست النية في هذا بعمل، وهذا لأنه جالس حقيقة إلا أن في الفصل الأول وجد ما هو من أعمال القيام وهو القراءة، فاعتبر قيامًا، وفي الفصل الثاني وجد مجرد النية، ومجرد النية لا أثر لها في تغيير الحقائق.
ذكر الحاكم في «المنتقى»: رجل يصلي بإيماء، فلما كان في الرابعة ظن أنها الثالثة، فنوى القيام فقرأ، وكان في قراءته مقدار التشهد ثم تكلم، قال: أجزته صلاته، قال: ولا يكون قائمًا بنية القيام حتى يكون مع ذلك عمل يجزىء من شيء في الصلاة أو بزيادة ركوع أو سجود.
[ ٢ / ٢١٦ ]
ولو كان صلى ركعتين بإيماء، فلما رفع رأسه من السجود ظن أنه (في) الركعة الثانية، فنوى أن يكون قائمًا، فقرأ ﴿الحمد﴾ وسورة ثم ذكر أنها الثالثة، قال: هذا يركع للثالثة ولا يقول التشهد الثانية؛ لأنه صار بالقراءة بمنزلة من قام.
ذكر هو في «المنتقى» أيضًا: رجل صلى الظهر بإيماء، فصلى ركعتين بغير قراءة ساهيًا، ثم ظن أنه إنما صلى ركعة، فنوى القيام، فقرأ وركع وسجد، ثم علم أن هذه الثالثة وصلى الرابعة بقراءة أجزأته صلاته.
ولو كان قرأ في الأوليين، فلما رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الرابعة ظن أنها الثالثة، فنوى القيام ومكث ساعة كذلك، ثم استيقن أنها الرابعة، فلم يحدث فيه في الجلوس حتى مكث كذلك مقدار التشهد لم تفسد عليه صلاته، وبه ختم.