إيراد كتاب الوصايا في آخر الكتاب ظاهر [المناسبة] (^٤)؛ لأنّ آخر أحوال الآدمي الموت والوصيّة معاملة وقت الموت، وله زيادة اختصاص بكتاب الجنايات والدّيات، لما أنّ الجناية قد تفضي إلى الموت الذي وقته وقت الوصيّة، وذكر في بعض محاسن (^٥) الوصايا في الكتاب ما فيه غنية لأُولي الألباب؛ ولأنّ فيها نفع الخلائق بالإيناس وخير النّاس من ينفع النّاس؛ وفيها أيضًا إيصال الأعيان (^٦) والمنافع للإخوان واستذكار بخير بعد حينه من الخلان على وجه فيه طلب رضا الرحمن، إذ بها يقوى رجاؤه من الله ثواب رفده عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمرٍ من عندِه، فيحتاج ههنا إلى بيان الوصية لغة وشرعًا وسببها وشرائطها وركنها [وحكمها] (^٧)، وبيان صفتها المشروعة، وبيان ألفاظها المستعملة فيها.
أما اللغة فالوصيّةُ والوَصَاةُ بالقصر اسمان في معنى المصدر، منه قوله تعالى: ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ (^٨)، ثم سمّى الموصَى به وصيةً، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا﴾ (^٩).
والوِصَايَةُ بالكسر مصدر الوصي، وقيل الإيصاء طلب شيء من غيره ليفعله على غيب منه حال حياته وبعد مماته.
_________________
(١) في (ب): ضمنها، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (ج): القتل، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٢٩).
(٤) ساقطة من (ج)، وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) في (ب): في بعض محاسن، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ب): بالأعيان، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) سورة المائدة: ١٠٦.
(٩) سورة النساء: ١٢.
[ ٢٥ / ١٠٤ ]
وأما شرعًا فالوصية تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرّع (^١)، سواء كان ذلك في الأعيان أو في المنافع، ولأنّ التمليك أنواع فلابدّ لكلّ نوع من اسم خاص ليميز به عن صاحبه كالبيع والهبة والصّدقة والعاريّة (^٢)، كل واحد منها تمليك بنوع مخصوص فكذا الوصيّة.
وذكر في الإيضاح الوصية ما أوجبها الموصي في ماله بعد موته أو مرضه الذي مات فيه (^٣)، أمّا ما أوجبه بعد الموت فيعتبر من الثّلث، سواء كان الإيجاب في حالة المرض أو في حالة الصّحة؛ لأنّ الإيجاب مضاف إلى ما بعد الموت، فيعتبر حال وقوعه ولا يعتبر حال الإضافة.
وأمّا التّبرّع فيعتبر حالة العقد فيه، فإن كان صحيحًا جاز من جميع المال، وإن كان مريضًا جاز من الثلث؛ [لأنّه] (^٤) لم يضف إلى حالة مستقبلة، وإنما أوجبه للحال فتعتبر حالة الإيجاب، وكل مرض صح منه فهو كحال الصّحة فيما أوجبه من جميع المال.
وأما سببها فإرادة ما ذكرناه من المحاسن والدين (^٥) في الدّنيا والآخرة، فكان سببها عين سبب ما ذكرنا من التبرّعات والتطوّعات، وهو إرادة تحصيل ذكر الخير في الدّنيا ووصول الدرجات العالية في العقبى.
_________________
(١) يعرف الأحناف الوصية بأنها: "تمليك مضاف إلى ما بعد الموت. ينظر: العناية شرح الهداية، ج ١٠، ص ٤١٣، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، ج ٦، ص ١٨٣. ويعتمد المالكية في تعريفهم للوصية على تعريف ابن عرفه المالكي، حيث عرفها باعتبار عرف الفقهاء لا الفرّاض على أنها "عقد يوجب حقا في ثلث عاقده يلزم بموته أو نيابة عنه بعده. ينظر: شرح حدود ابن عرفه، ج ٣، ص ٧٧. ويعرف الشافعية الوصية بأنها " تبرع بحق مضاف ولو تقديرا لما بعد الموت ليس بتدبير ولا تعليق عتق. ينظر: أسنى المطالب شرح روض الطالب،، ج ٣، ص ٣٠، مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج، ج ٤، ص ٦٧، حاشية البجيرمي على شرح منهج الطلاب، ج ٣ ص ٢٦٦، حاشية الجمل على شرح المنهج، ج ٤، ص ٤١. ويعرف الحنابلة الوصية على أنها من نوعين، يتضح من نصهم في معرض التعريف بكتاب الوصايا عبارة "وهي الأمر بالتصرف بعد الموت، والوصية بالمال: هي التبرع به بعد الموت. ينظر: الإنصاف، ج ٧ ص ١٨٣، شرح منتهى الإرادات، ج ٢، ص ٤٥٣، كشاف القناع عن متن الإقناع،، ج ٤، ص ٣٣٥.
(٢) في (ج): والمضاربة، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) ينظر: تكملة فتح القدير (١٠/ ٤١١).
(٤) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) في (ج): والتزين؛ وفي (ب): والزين، وما أثبت من (أ) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٠٥ ]
وأما شرائطها فكثيرة؛ منها: كون الموصَى به بعد موت الموصي شيئًا قابلًا للتمليك من الغير بعقد من العقود حال حياة الموصي، سواء كان الموصى به موجودًا في الحال أو معدومًا؛ ولهذا قلنا بأن الوصيّة بما يثمر نخيله العام أو أبدًا يجوز وإن كان الموصى به معدومًا؛ لأنّه يقبل التمليك من غيره حال حياة الموصي بعقد من العقود وهو عقد المعاملة، فلذلك جازت وصيته به؛ وقلنا بأن وصيّته بما تلد أغنامه لا يجوز استحسانًا؛ لأنّه لا يقبل التمليك حال حياة الموصي [بعقد من العقود] (^١).
ومنها كون الموصي أهلًا للتبرّع حتّى لا يصح من الصبي والعبد والمكاتب في حقّ المولى.
ومنها عدم الدَّين لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (^٢).
ومنها التقدير [بثلث] (^٣) التركة على (^٤) أنها لا تصح فيما زاد على (^٥) الثلث.
ومنها أن [يكون] (^٦) الموصَى له أجنبيًّا حتّى أنّ الوصيّة للوارث لا تجوز إلا بإجازة الورثة.
[ومنها ألا يكون الموصى له قاتلًا فلو أجازت الورثة هل يجوز فيجيء بعد هذا] (^٧).
ومنها أن يكون الموصَى له موجودًا حيًّا وإن لم يكن مولودًا، حتّى أن الوصية للجنين إذا كان موجودًا حيًّا عند الوصيّة تصح (^٨) وإلّا فلا؛ وإنما تعرف حياته في ذلك الوقت إذا ولد قبل ستة أشهر [حيًّا] (^٩).
وأمّا ركنها فقوله: أوصيت بكذا لفلان، وما يجري مجراه من الألفاظ المستعملة فيها، وأما حكم الوصيّة ففي حقّ الموصى له أن يملك الموصَى به ملكًا جديدًا كما في الهبة، وفي حق الموصِي حكمها إقامة الموصى له فيما أوصى به مقام نفسه كالوارث.
وأما صفتها فهو المذكور في الكتاب حيث يقول: الوصيّة غير واجبة وهي مستحبة.
وأما بيان الألفاظ المستعملة فيها فقد روى ابن سماعة (^١٠) في نوادره (^١١) (^١٢) (^١٣) عن محمّد: إذا قال الرجل: اشهدوا أني قد أوصيت لفلان بألف درهم؛ وأوصيت بأن لفلان في مالي ألف درهم، فالألف الأولى وصيّة والأخرى إقرار.
_________________
(١) ساقطة من (ج)، وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) سورة النساء: ١١.
(٣) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (أ) و(ب): حتى، وما أثبت من (ج) هو الصواب. وبه يستقيم المعنى.
(٥) في (ب): من، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب. وبه يستقيم المعنى.
(٦) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (ب): تجوز، وما أثبت من (أ) و(ج) قريب من معناه.
(٩) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٠) هو: محمد بن سماعة بن عبيد بن هلال بن وكيع بن بشر التميمي، أبو عبد الله. حدَّث عن الليث بن سعد وأبي يوسف ومحمد بن الحسن. وكتب النوادر عن أبي يوسف ومحمد. وروى الكتب والأمالي. قال الصيمري: وهو من الحفاظ الثقات. وولي القضاء للمأمون ببغداد سنة اثنتين وتسعين ومائة، بعد موت يوسف بن أبي يوسف. فلم يزل على القضاء إلى أن ضعف بصره فعُزِل وضُمَّ عملُه إلى إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة. وقال الخطيب: توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وله مائة سنة وثلاث سنين. كان مولده سنة ثلاثين ومائة. ينظر: تاج التراجم (ص: ٢٤٠، ٢٤١)، الجواهر المضية (٢/ ٥٨).
(١١) ينظر: تكملة البحر الرائق (٨/ ٤٦٣).
(١٢) نوادر ابن سماعة: وهي التي كتبها عن أبي يوسف ومحمد. ينظر: الجواهر المضية … (٢/ ٥٨).
(١٣) في (ج): فوائده، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٠٦ ]
وفي الأصل إذا قال في وصيته: سدس داري لفلان؛ فإني أجيز ذلك وتكون وصيّة، ولو قال لفلان: سدس في داري فإنه يكون إقرارًا.
والفرق أنّ (^١) في الفصل الأوّل جعل لفلان سدس دار جميعها مضاف إلى نفسه؛ وإنّما يكون لفلان سدس دار جميعها مضاف إليه إذا كان قصده إنشاء التملي، وفي الفصل الثاني جعل دار نفسه ظرفًا للسدس الذي سمَّاه لفلان؛ وإنما يكون داره ظرفًا لذلك السّدس إذا كان ذلك السّدس مملوكًا لفلان قبل ذلك فيكون إقرارًا به (^٢).
أمّا لو كان إنشاء فلا يكون ظرفًا؛ لأنّ الدّار كلّها له فلا يكون البعض ظرفًا للبعض، وعلى هذا إذا قال: لفلان ألف درهم من مالي؛ كان وصية استحسانًا إذا كان في ذكر وصيته، وإذا قال: في مالي كان إقرارًا.
وقال أبو يوسف عن أبي حنيفة: إذا كتب الرجل وصيته بيده (^٣) ثم قال: اشهدوا علي بما في هذا الكتاب (^٤) فهو جائز استحسانًا، وإن كتبها غيره وقال هو: اشهدوا عليّ بما في هذا الكتاب لم يجز، ولو قال مريض بالفارسيّة: صد درم ازمن بخش كنيت (^٥)؛ [قال الشيخ الإمام محمد بن الفضل (^٦): هي باطلة؛ لأنّ هذا يكون للأغنياء والفقراء جميعًا، ولو قال: صد درم ازمن روان كنيت (^٧) (^٨) كانت الوصية جائزة لأنّ هذا اللفظ يراد به القربة، هذا كله من التحفة (^٩) والذخيرة (^١٠) وغيرهما.
_________________
(١) في (ب): أي، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (أ): له، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ب): بعده، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (أ) و(ب): على ما في هذا الكتاب، وما أثبت من (ج) قريب منه.
(٥) ينظر: الفتاوى الهندية (٦/ ٩٥).
(٦) هو: محمد بن الفضل أبو بكر الفضلي الكماري، نسبة إلى كمار قرية ببخارى. فقيه مفتٍ. قال اللكنوي: كان إماما كبيرا وشيخا جليلا معتمدًا في الرواية مقلدا في الدراية، ومشاهير كتب الفتاوى مشحونة بفتاواه ورواياته، أخذ الفقه عن عبد الله السبذموني وأبي حفص الصغير وغيرهما. وتفقه عليه القاضي أبو علي الحسين بن الخضر النسفي والحاكم عبد الرحمن بن محمد الكاتب وعبد الله الخيزاخزي وغيرهم. ينظر: الجواهر المضية (٢/ ١٠٧)، الفوائد البهية (ص: ١٨٤).
(٧) ينظر: الفتاوى الهندية (٦/ ٩٥).
(٨) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) ينظر: تكملة البحر الرائق (٨/ ٤٦٥).
(١٠) ينظر: تكملة البحر الرائق (٨/ ٤٦٥).
[ ٢٥ / ١٠٧ ]
الوصيّة غير واجبة وهي مستحبّة؛ وإنّما ذكر قوله وهي مستحبّة بعد قوله غير واجبة؛ لأن الاستحباب لا يستفاد من قوله غير واجبة كالمباحات، وبقوله غير واجبة ينفي قول بعض الناس حيث قالوا الوصيّة للوالدين والأقربين إذا (^١) كانوا ممّن لا يرثون فرضًا.
وعند بعضهم الوصيّة واجبة على كلّ أحد ممّن له ثروة ويسار (^٢)؛ واستدلوا بظاهر قوله (^٣) تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ (^٤)، والمكتوب علينا يكون فرضًا، وقال غ: «لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر إذا كان له مال يريد الوصيّةَ فيه أن يَبِيتَ ليلتين (^٥) إلّا وصيّته مكتوبة عند رأسه» (^٦).
_________________
(١) في (ب): إنما، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) أولًا: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في رواية إلى أن الوصية بجزء من المال ليست بواجبة على أحد ولكنها مندوبة، إلا إذا كان عليه حق مستحق لله كالزكاة أو الصيام أو الحج فهي واجبة، وكذلك إن كان عليه دين، أو عنده وديعة، وهو قول الشعبي والنخعي والثوري والأوزاعي وابن المنذر وأبو ثور، ونقل ابن عبد البر إجماع العلماء على الاستحباب وجعل القائلين بالوجوب شاذين لا يعدون خلافا. ينظر: تكملة فتح القدير لابن الهمام الحنفي، ج ١٠ ص ٤١٣، أحكام القرآن لابن العربي المالكي، ج ١، ص ١٠٣، تحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر الهيتمي الشافعي، ج ٧، ص ٣، المغني لابن قدامة الحنبلي، ج ٦ ص ٥٦، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، ج ٨، ص ٣٨٤. وأصحاب هذا القول ينقسمون على أنفسهم في مسألة التشريع الأول للوصية إلى فريقين، الأول يرى أن الوصية مستحبة في أصلها. ينظر: أحكام القرآن للجصاص، ج ١، ص ٢٣٠ في حين يرى الفريق الثاني بأن الوصية كانت في الأصل واجبة ثم نسخت. ينظر: مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج للشربيني، ج ٤ ص ٦٧ الفريق الثاني: ويرى أن الوصية كانت فرضا ثم نسخ لينقل الوصية من الفرضية إلى الندب، غير أن أصحاب هذا الفريق قد اختلفوا في الناسخ ثانيًا: ومذهب القائلين بالوجوب ديانة: وأصحابه يقولون بوجوب الوصية ديانة، وهم ينقسمون إلى فريقين في التعبير عن هذا الوجوب الفريق الأول: الوصية واجبة على كل أحد ممن له ثروة ويسار. ينظر: المبسوط، ج ٢٧ ص ١٤٣، بدائع الصنائع، ج ٧، ص ٣٣١،، نيل الأوطار، ج ٦، ص ٤٣. الفريق الثاني: وهو أن الوصية للوالدين والأقربين فرض إذا كانوا ممن لا يرثون؛ وهي رواية عن أحمد والشافعي في القديم ومروي عن مسروق والضحاك وقتادة وطاوس والحسن وإياس وابن جرير وعبد الله بن أبي أوفى وطلحة بن مصرف ورواية عن ابن عباس. ينظر: العناية، ج ١٠، ص ٤١٤، المبسوط، ج ٢٧، ص ١٤٣، بدائع الصنائع، ج ٧، ص ٣٣٢،، المغني لابن قدامة، ج ٦، ص ٥٦،، أحكام القرآن للجصاص، ج ١، ص ٢٣٢،، جامع البيان في تأويل القرآن للطبري، ج ٣، ص ٣٨٨. ثالثًا: مذهب القائلين بالوجوب ديانة وقضاء يرى ابن حزم وجوب الوصية كأصحاب المذهب الثاني، إلا أنه لا يقول بالوجوب من الناحية الدينية وحسب، وإنما يضاف إليها الوجوب القضائي، فيفترق عنهم في مسألة فيما لو مات مسلم ولم يوص. ينظر: المحلى بالآثار لابن حزم، ج ٨، ص ٣٥٢
(٣) في (ب): واستدلوا بقوله تعالى، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) سورة البقرة: ١٨٠.
(٥) في (ب): أن يثبت في الثلثين، وما أثبت من (أ) و(ج) أقرب للصواب.
(٦) أخرجه البخاري في (صحيحه) كتاب الوصايا باب الوصايا وقول النبي غ: «وصية الرجل مكتوبة عنده»، (٤/ ٢ رقم الحديث: ٢٧٣٨)، ومسلم في (صحيحه) كتاب الوصية (٣/ ١٢٤٩ رقم الحديث: ١٦٢٧).
[ ٢٥ / ١٠٨ ]
وحجتنا في ذلك أنّ الوصيّة مشروعة لنا لا علينا، وقال غ: «إنّ الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخِر أعمارِكم [زيادة في أعمالكم] (^١) فضَعوه حيث شئتم» (^٢)، والمشروع لنا ما لا يكون فرضًا ولا واجبًا علينا بل يكون مندوبًا إليه بمنزلة النَّوافل من العبادات، ثم التبرّع بعد الوفاة معتبر بالتبرّع (^٣) في حالة الحياة؛ وذلك إحسان مندوب إليه فكذلك التبرّع بالوصيّة بعد الموت.
_________________
(١) ساقطة من (أ) و(ج)، وإثباتها من (ب) هو الصواب.
(٢) أخرجه الدارقطني في (سننه) كتاب السير باب كتاب الوصايا (٥/ ٢٦٣ رقم الحديث: ٤٢٨٩)، والطبراني في (المعجم الكبير) باب الميم، أبو أمامة الباهلي عن معاذ بن جبل، (٢٠/ ٥٤ رقم الحديث: ٩٤). وجاء في نصب الراية (٦/ ٤٨٩ - ٤٩١): قال - ﷺ -): إن الله تعالى تصدق عليكم بثلث أموالكم، زيادة في أعمالكم، فضعوها حيث شئتم، أو قال: حيث أحببتم (روي من حديث أبي هريرة ; ومن حديث أبي الدرداء ; ومن حديث معاذ ; ومن حديث أبي بكر الصديق ; ومن حديث خالد بن عبيد. فحديث أبي هريرة: أخرجه ابن ماجه في " سننه " عن طلحة بن عمرو المكي عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم، بثلث أموالكم، زيادة لكم في أعمالكم " ورواه البزار في " مسنده "، وقال: لا نعلم رواه عن عطاء إلا طلحة بن عمرو، وهو وإن روى عنه جماعة، فليس بالقوي انتهى. وحديث معاذ: أخرجه الدارقطني في "سننه"، والطبراني في"معجمه" عن إسماعيل بن عياش ثنا عتبة بن حميد عن القاسم عن أبي أمامة عن معاذ بن جبل عن النبي - ﷺقال): إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم، زيادة في حسناتكم، ليجعلها لكم زيادة في أعمالكم) انتهى. ورواه ابن أبي شيبة في " مصنفه " موقوفا، فقال: حدثنا عبد الأعلى عن برد عن مكحول عن معاذ بن جبل، فذكره. وحديث أبي الدرداء: رواه أحمد في " مسنده "حدثنا أبو اليمان حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب عن أبي الدرداء عن رسول الله - ﷺ - قال): إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم) انتهى. وكذلك رواه البزار في " مسنده "، وقال: وقد روي هذا الحديث من غير وجه، وأعلى من رواه أبو الدرداء، ولا نعلم له عن أبي الدرداء طريقا غير هذه الطريق، وأبو بكر بن أبي مريم، وضمرة معروفان، وقد احتمل حديثهما انتهى. قلت: أخرجه الطبراني في " معجمه " عن إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن أبي مريم به. وحديث أبي بكر: أخرجه ابن عدي، والعقيلي في " كتابيهما " عن حفص بن عمر بن ميمون أبي إسماعيل الأيلي، مولى علي بن أبي طالب عن ثور بن يزيد عن مكحول عن الصنابحي، أنه سمع أبا بكر الصديق، يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول): إن الله U، قد تصدق عليكم بثلث أموالكم عند موتكم، زيادة في أعمالكم) انتهى. وأسند ابن عدي تضعيفه عن النسائي، وقال: عامة ما يرويه غير محفوظ، وقال العقيلي: يحدث بالأباطيل انتهى. وحديث خالد بن عبيد: رواه الطبراني في " معجمه " حدثنا أحمد بن عبد الوهاب بن نجدة الحوطي ثنا أبي ثنا إسماعيل بن عياش عن عقيل بن مدرك عن الحارث بن خالد بن عبيد السلمي عن أبيه خالد بن عبيد السلمي أن رسول الله - ﷺ - قال: (إن الله U أعطاكم عند وفاتكم ثلث أموالكم، زيادة في أعمالكم) انتهى. وقال الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (١/ ٣٥٨): "حسن".
(٣) في (ج): بالشرع، وما أثبت من (أ) و(ب) قريب من معناه.
[ ٢٥ / ١٠٩ ]
وأما الآية فقد اتفق أكثر أهل التفسير على أنّ ذلك كان في الابتداء قبلَ نزول آية المواريث ثم انتسخ وتكلموا في ناسخه؛ وكان أبو بكر الرازي (^١) يقول: إنما انتسخ بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (^٢)؛ فإنه نصَّ على المواريث بعد وصيّة منكَّرة؛ فلو كانت الوصيّة للوالدين والأقربين ثابتة بعد نزول هذه الآية لذكر (^٣) الإرث بعد الوصيّة المعروفة لأن تلك وصيّة معهودة؛ وأكثر مشائخنا يقولون إنما انتسخ هذا الحكم بقوله - ﷺ -: «إن الله تعالى أعطى كل ذي حق حقه ألَا لَا وصيَّةَ لوارث» (^٤)، وهذا حديث مشهور تلقاه العلماء بالقبول والعمل به فكان كالمسموع من رسول الله - ﷺ -، وأما الحديث الَّذي رووه فهو شاذ فيما يعمُّ به البلوى والوجوب لا يثبت بمثله، ثم هو محمول على ما كان في الابتداء قبل نزول آية المواريث؛ أو المراد أن ذلك لا يليق بطريق الاحتياط والأخذ بمكارم الأخلاق كقوله - ﷺ -: «لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت شبعان وجاره طاوٍ إلى جنبه» (^٥) والمراد ما بينا كذا في المبسوط (^٦).
_________________
(١) هو: أحمد بن علي، أبو بكر الرازي، المعروف بالجصاص. ولد سنة خمس وثلاثمائة. وسكن بغداد. وانتهت إليه رئاسة الحنفية. وسئل العمل بالقضاء فامتنع. تفقه على أبي الحسن الكرخي وتخرج به. وتفقه عليه جماعة. وروى عن عبد الباقي بن قانع. وله: كتاب "أحكام القرآن"، وشرح "مختصر" الكرخي، وشرح "مختصر" الطحاوي، وشرح "الجامع الصغير" و"الجامع الكبير" لمحمد بن الحسن، وشرح "الأسماء الحسنى"، وله كتاب في "أصول الفقه"، وكتاب "جوابات مسائل"، وكتاب "مناسك". توفي يوم الأحد سابع ذي الحجة سنة سبعين وثلاثمائة ببغداد. ينظر: تاج التراجم (ص: ٩٦)، الجواهر المضية (١/ ٨٤).
(٢) سورة النساء: ١١.
(٣) في (ب): كذلك، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) حديث أبي أمامة﵁قال رسول الله - ﷺ -: إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث) ينظر: سنن أبي داود ٣/ ٢٩٠ رقم (٢٨٧٠)، سنن ابن ماجة ٢/ ٩٠٥ رقم (٢٧١٣)، جامع الترمذي - تحفة ٦/ ٣٠٩ وقال: حديث حسن صحيح، المسند ٥/ ٢٦٧، المنتقى، ابن الجارود ص: ٢٣٨، سنن سعيد بن منصور ١/ ١٢٥، مصنف عبد الرزاق ٤/ ٤٧ و١٤٨ - ١٤٩، التمهيد ١٤/ ٢٩٩ و٢٤/ ٤٣٩، السنن الكبرى، البيهقي ٦/ ٢٤٤ و٢٦٤ ٠ وفي إسناده: إسماعيل بن عياش وقد قوى حديثه في الشاميين جماعة منهم: احمد والبخاري ٠ وهذا من روايته عن شرحبيل ابن مسلم وهو شامي ثقة، وقد صرح في روايته بالتحديث ٠ قال العلامة الألباني: " وله عنه طريقان: الأولى: إسنادها حسن ٠ والثانية: إسنادها صحيح على شرط مسلم " وقوى إسناده الحافظ ابن حجر في الدراية ٢/ ٢٩٠ وحسنه في التلخيص الحبير ٣/ ٩٢ وينظر: تحفة الطالب ص: ٣٩٩، نصب الراية ٤/ ٥٧ و٤٠٣، المعتبر، الزركشي ص: ٢٠٣ و٢٠٨، نيل الاوطار ص: ١١٠٧، السيل الجرار ٤/ ٤٩٧، عون المعبود ٨/ ٥١ ٠
(٥) أخرجه البيهقي في (السنن الكبرى) كتاب جماع أبواب ما لا يحل أكله وما يجوز للمضطر من الميتة وغير ذلك باب صاحب المال لا يمنع المضطر فضلا إن كان عنده (١٠/ ٥ رقم الحديث: ١٩٦٦٨)، ونصه: عن عبد الله بن المساور، قال: سمعت ابن عباس ط، وهو يبخل ابن الزبير، يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "ليس المؤمن الذي يشبع، وجاره جائع إلى جنبه"، والحاكم في (مستدركه) كتاب البر والصلة باب وأما حديث عبد الله بن عمرو، (٤/ ١٨٤ رقم الحديث: ٧٣٠٧)، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وقال الألباني في (صحيح الجامع الصغير وزيادته) (٢/ ٩٤٩): "صحيح".
(٦) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٤٣).
[ ٢٥ / ١١٠ ]
واستدلَّ في الكشَّاف (^١) (^٢) على وجوب الوصيَّة بوجه آخر في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ (^٣)، فقال وإذا حضر ظرف للشهادة وحين الوصيَّة بدل منه؛ وفي إبداله منه دليل على وجوب الوصية وأنها من الأمور الَّلازمة التي ما ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهل عنها؛ يعني أنّ حضور الموت من الأمور الكائنة الَّتي لا مجال لدفعها فيثبت بدون الاختيار، ثم لو قلنا في حقِّ الوصية كذلك لارتفع التكليف فانتقل إلى الوصف الذي هو حامل على الوجود وهو الوجوب، كما أن موجب الأمر الإيجاب لأنَّه داعٍ إلى الوجود.
وقوله: ومثله في الإجارة أي عقد إضافة إلى زمان في المستقبل وبهذا ثبت شرعيَّتها؛ وإن [كان] (^٤) القياس يأبى جوازها كما في الإجارة؛ ولا يجوز بما زاد على الثلث لقوله - ﷺ - في حديث سعد بن أبي وقَّاص ط؛ ذكر في المبسوط سعد بن مالك (^٥) مكان سعد بن أبي وقَّاص فقال: والدَّليل على أن محلّ الوصيّة النافذة شرعًا ثلث المال ما رواه من حديث سعد بن مالك أنَّه قال: «يا رسول الله، أؤصي بمالي كلّه؛ فقال: لا؛ قال: فبنصفه؛ قال: لا؛ قال: فبثلثه؛ فقال: الثّلث والثلث كثير، إنَّك إنْ تَدَع ورثتك أغنياءَ خير من أن تدعَهم فقراءَ يتكففون النَّاس -وفي رواية: يتكفكفون» (^٦).
_________________
(١) ينظر: الكشاف (١/ ٦٨٧).
(٢) هو الكشاف عن حقائق التنزيل للإمام العلامة أبي القاسم جار الله: محمود بن عمر الزمخشري الخوارزمي. المتوفى: سنة ٥٣٨. ينظر: كشف الظنون (٢/ ١٤٧٥).
(٣) سورة المائدة: ١٠٦.
(٤) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٥) هو: أبو سعيد الخدري سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج، الإمام المجاهد مفتي المدينة، واسم الأبجر: خدرة، وقيل: بل خدرة هي أم الأبجر. وأخو أبي سعيد لأمه هو: قتادة بن النعمان الظفري أحد البدريين. استشهد أبوه مالك يوم أحد وشهد أبو سعيد الخندق وبيعة الرضوان. وحدث عن النبي - ﷺفأكثر وأطاب، وعن: أبي بكر وعمر وطائفة. وكان أحد الفقهاء المجتهدين. ينظر: سير أعلام النبلاء (٣/ ١٦٩)، تاريخ الإسلام (٢/ ٨٩٥).
(٦) أخرجه البخاري في (صحيحه) كتاب الوصايا باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يتكففوا الناس (٤/ ٣ رقم الحديث: ٢٧٤٢)، ومسلم في (صحيحه) كتاب الوصاية باب الوصية بالثلث، (٣/ ١٢٥٠ رقم الحديث: ١٦٢٨).
[ ٢٥ / ١١١ ]
فإن قيل: في هذا الحديث دليل على أن الغني أفضل من الفقير (^١)؛ أي الغنيُّ الشَّاكر أفضل من الفقير الصَّابر، فإنَّ النبي - ﷺ - قدَّم صفة الغنى لورثة سعد؛ فقال: إنك إن تَدَع عيالك أغنياءَ خير.
قلنا: قدَّم صفة الغنى لهم واختار الفقر لنفسه، والأفضل ما اختاره رسول الله - ﷺ - لنفسه، ثم في الحديث إنَّما قدَّم الغني على الفقير الذي يسأل؛ كما قال: من أن تدعهم فقراءَ يتكفَّفون الناس أي يُلِحّون في السؤال (^٢)، ونحن إنّما نقدم الفقير الصابر دون الذي يسأل كما وصفهم بقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (^٣)، وهذا لأنّ الفقر مع الصّبر أسلم للمرء وأزين للمؤمن، … قال - ﷺ -: «الفقر أزين للمؤمن من العذار الجيد على خد الفَرَس» (^٤)، وإنَّما الغنى سبب للطغيان والفتنة؛ قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (^٥)، كذا في المبسوط (^٦).
_________________
(١) قد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: * فقال بعضهم لا فضل لأحد منهم على أحد إلا بالتقوى، كما هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية، كما في مجموع الفتاوى (١١/ ١١٩) قد تنازع كثير من متأخري المسلمين في (الغنى الشاكر والفقير الصابر) أيهما أفضل؟ فرجح هذا طائفة من العلماء والعباد، ورجح هذا طائفة من العلماء والعباد، وقد حكي في ذلك عن الإمام أحمد روايتان، وأما الصحابة والتابعون فلم ينقل عنهم تفضيل أحد الصنفين على الآخر، وقال طائفة ثالثة: ليس لأحدهما على الآخر فضيلة إلا بالتقوى، فأيهما كان أعظم إيمانا وتقوى كان أفضل، وان استويا في ذلك استويا في الفضيلة وهذا أصح الأقوال؛ لأن الكتاب والسنة إنما تفضل بالإيمان والتقوى، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: ١٣٥]. وقال عمر بن الخطاب: (الغنى والفقر مطيتان لا أبالى أيتهما ركبت) وقد يكون هذا أفضل لقوم وفى بعض الأحوال، وهذا أفضل لقوم وفى بعض الأحوال، فان استويا في سبب الكرامة استويا في الدرجة، وإن فضل أحدهما الآخر في سببها ترجح عليه هذا هو الحكم العام. * وأقام ابن القيم: محكمة بين القولين في عد الصابرين، وخلص (ص: ٢٥٥) بما خلص به شيخه فقال: والتحقيق أن يقال: أفضلهما أتقاهما لله تعالى، فإن فرض استوائهما في التقوى استويا في الفضل، فإن الله سبحانه لم يفضل بالفقر والغنى كما لم يفضل بالعافية والبلاء، وإنما فضل بالتقوى كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣].
(٢) في (ب): يلحقون بالناس، وما أثبت من (أ) و(ج) قريب من معناه.
(٣) سورة البقرة: ٢٧٣.
(٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٧/ ٢٩٤) رقم ٧١٨١ عن شداد بن أوس، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٣٤٠) رقم ١٠٥٠٩، وابن المبارك في الزهد (١٩٩) رقم ٥٦٨. وقال في كشف الخفاء (٢/ ١٠٢): ومن الواهي في الفقر ما للطبراني، عن شداد بن أوس رفعه "الفقر أزين بالمؤمن من العذار الحسن على خد الفرس" وقال ابن تيمية: كذب، وسنده ضعيف، والمعروف أنه من كلام عبد الرحمن بن زياد بن أنعم
(٥) سورة العلق: ٦، ٧.
(٦) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٤٥).
[ ٢٥ / ١١٢ ]
إلَّا أنَّ الشَّرع لم يظهر؛ أي استغناءه.
وأظهره؛ أي استغناءه في القليل والكثير.
تحرّزًا أي أظهره تحرزًا عمَّا يتفق من الإيثار أي تحرّزًا عمَّا يوجد من تأذي البعض وقطيعة الرَّحم بحسب اتفاق الحال بسبب (^١) إيثار البعض [على البعض] (^٢)، على ما نبينه وهو قوله بعد مقدار صفحة؛ ولأنه يتأذى البعض بإيثار البعض.
وقد جاء في الحديث الحيْف؛ وروي بالحاء المهملة وسكون الياء وهو الظلم، وروي الجَنَف بالجيم والنون المفتوحتين وهو المَيْل؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا﴾ (^٣) فكان لهم أن يردوه بعد وفاته أي فكان للورثة أن يردوا ما أجازوه حالَ حَياة الموصي من الوصيَّة الزَّائدة على الثلث بَعدَ موت الموصي بخلاف ما بعد الموت؛ يعني لو أجازت الورثة الوصية الزائدة على الثلث بعد موت الموصي ثم أرادوا ردَّ ما أجازوه (^٤) ليس لهم ذلك؛ لأنَّهم أجازوا بعد ثبوت الحق لهم فصادفت الإجازة محلَّها فلا يُردّ بعدَ ما وقعت في محلها.
وقوله: لأن السَّاقطَ مُتَلاشٍ؛ في وصل شيخي: كان هو موصولًا بقوله: فكان لهم أن يردوا ما أجازوه في حال حياة مورثهم؛ لأن إجازتهم في ذلك الوقت كانت ساقطة لعدم مصادفتها محلها، وكلُّ ساقط في نفسه مضمحل ومتلاش؛ فلذلك كان لهم أن يردوا بعد موت المورث ما أجازوه في حال حياة المورث.
ثم قال: غاية الأمر أنَّه يستند عند الإجازة جوابًا لشبهة ترد على ذلك التَّقدير بأن يقال كيف تكون تلك الإجازة ساقطة في نفسها مع أن حق الورثة قد ثبت بمال المورث من أول المرض لكن على سبيل التوقف.
ألا ترى أن ذلك التعلق أثر في حق تصرف المورث في ماله حتَّى لم يصح تصرفه في الثلثين لكن ذلك على سبيل التوقف؛ فلما مات ظهر أن الإجازة صادفت محلها فصار إجازتهم وقتَ حياة المورِث بمنزلة إجازتهم بعد موت المورث بسبب الاستناد، ولو أجازوا بعد موت المورِث لم يكن لهم الرد بعد ذلك، فكذلك لو أجازوا قبلَ موته فأجاب عنه وقال: الاستناد إنما يظهر في حق القائم فإجازتهم حينَ وقعت في حال حياة المورث وقعت باطلةً ولغوًا؛ وما وقع لغوًا لا يكون قائمًا في نفسه فلا يظهر في حقه الاستناد؛ إلى هذا التقدير أشار فخر الإسلام في المبسوط (^٥).
_________________
(١) في (ب): ليست، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) سورة البقرة: ١٨٢.
(٤) في (ج): ثم أرادوا الرجوع، وما أثبت من (أ) و(ب) قريب من معناه.
(٥) ينظر: حاشية الشلبي على تبيين الحقائق (٦/ ١٨٣)، البناية (١٣/ ٣٩٣).
[ ٢٥ / ١١٣ ]
وقال: قال (^١) ابن أبي ليلى (^٢) ليس لهم أن يرجعوا في الوجهين جميعًا؛ لأن حقهم قد ثبت في مرض الموت (^٣) فإذا مات ظهر أنهم أسقطوا حقهم بعد موته فصح.
وقلنا: حقهم يثبت عند الموت ويستند إلى أوَّل المرض لكن الاستناد يعمل في القائم وتصرفهم حين وقع إجازة وقع لغوًا (^٤)؛ لأنَّه لَا حَقَّ لهم حقيقةً [حينئذ] (^٥) فلا يثبت له حكم الإجازة وهو منتقض.
وقوله لكن الاستناد يظهر في القائم كما في العقود الموقوفة إذا لَحقتها الإجازة، وكثبوت الملك في الغصب حين أدَّى ضمانه فيثبت الملك فيها مستندًا إلى أوَّل العقد والغصب، وأمَّا ههنا قد مضت الإجازة وتلاشت حين وقعت فلا يلحقها الاستناد.
فإن قلت: لا شك أن حق الورثة قد تعلق بمال المورث من أول المرض حتى منع (^٦) ذلك التعلق تصرفَ المورِث من الكل إلى الثلث فيجب أن يظهر أثر ذلك التعلق في حق إسقاط حقهم بالإجازة أيضًا وألا يكون حال الوارث ههنا أدنى درجة من حال الوارث إذا عفى جارح أبيه [قبل موت أبيه] (^٧) فإنه يصح.
وكذلك لو أجاز المرتهن بيع الرَّاهن الرهن يصح (^٨) مع أن العفو والإجازة فيهما قبل الملك أيضًا؛ لكن ثبت فيهما نوع تعلُّق بما تصرفا فصح لذلك فكذا ههنا؛ وهذا لأن حق الوارث إنما يثبت في ماله بالموت؛ ولكن سبب موته المرض، وكما أقيم هذا السبب مقام حقيقة الموت في منع المورث من التصرف المبطل لحق الوارث فكذلك يقام مقامه في صحة إسقاط الحق من الوارث بالإجازة.
قلتُ: نعم كذلك إلا أن إسقاط الحق قبل وجود السبب لا يجوز ونفس المرض ليس بسبب لتعلق حقه بماله بل السَّبب مرض الموت، ومرض الموت ما يتصل به الموت وهنا الاتصال موهوم؛ فكان هذا إسقاطًا للحق قبل تقرّر السبب؛ وهذا لأن عمل الإجازة في العقد الموقوف في إزالة الملك؛ وإزالة الملك إنما تصح من المالك إما حقيقة أو حكمًا؛ والوارث قبل موت المورث ليس بمالك لا حقيقة وهو ظاهر لأن الورثة لا يملكون التركة (^٩) قبل موت المورث حتى لو أعتق الوارث عبدًا [من التركة] (^١٠) قبل موت المورث لا ينفذ عتقه، ولا حكمًا أيضًا لأن سبب ملك الورثة في تركة المورث [موت المورث] (^١١)؛ لأنهم يملكون التركة من وقت الموت لا من وقت المرض.
_________________
(١) في (أ): وقال ابن أبي ليلى، وما أثبت من (ب) و(ج) بزيادة (قال) قريب من معناه.
(٢) ينظر: حاشية الشلبي (٦/ ١٨٣)، البناية (١٣/ ٣٩٣).
(٣) في (أ): المورث، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٤) اللغو: السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع. ينظر: لسان العرب (١٥/ ٢٥٠).
(٥) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ج): يقع، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (أ)، وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (أ): لو أجاز المرتهن بيع الراهن يصح؛ وفي (ج): بيع الرهن، وما أثبت من (ب) قريب من ذلك.
(٩) التركة لغة: التَرِكة في اللغة بفتح التاء وكسر الراء، ما يتركه الميت من ممتلكاته بعد موته، وتخفّف بكسر التاء وسكون الراء ينظر: المصباح المنير (١/ ٧٤). والتركة في اصطلاح الفقهاء: (ما تركه الميت من الأموال صافيًا عن تعلق حق الغير بعين من المال) هذا ما عرّفها به الحنفية. ينظر: ابن عابدين ٦/ ٧٥٩ وعرّفها المالكية بأنها: (حق يقبل التجزي يثبت لمستحق بعد موت من كان ذلك له). ينظر: الشرح الكبير في هامش الدسوقي عليه ٤/ ٤٥٧. وعرفها الشافعية بأنها: (ما يخلّفه الميت). ينظر: النجم الوهاج (٦/ ١١١).
(١٠) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١١) ساقطة من (أ)، وإثباتها من (ب) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١١٤ ]
ألا ترى أن ما حدث من الزوائد قبل الموت بعد المرض يحدث على ملك المورث بخلاف إجازة المرتهن؛ لأن الإجازة هناك وجدت بعد سبب الملك للمرتهن في المرهون لأن قبض المرتهن المرهون سبب لثبوت الملك له في المرهون حتى يجعل مستوفيًا له من وقت القبض لا من وقت الهلاك، وكذلك عفو الورثة عن جارح أبيهم يصح لوجوده بعد وجود سبب القتل فصار كأن العفو وجد بعد القتل.
ألا ترى أن الجارح لو كفَّر بعد الجرح قبل موت المجروح ثم مات المجروح صح التكفير لأن القتل يستند إلى وقت الجرح؛ وأما ههنا إذا مات المورث من المرض فالموت لا يستند إلى حالة المرض حتى أن الورثة لا يملكون التركة من وقت المرض وإذا لم يستند الموت إلى حالة المرض كانت الإجازة من الورثة حاصلة قبل السبب فلا يجوز، هذا كله مما أشار إليه في المبسوط (^١) والذخيرة (^٢).
وذكر في الإيضاح ولا عبرة بإجازتهم ولا بردِّهم في حال حياة الموصي؛ وإنما يعتبر ذلك بعد الوفاة لأن حق الورثة وإن كان ثابتًا في حال المرض ولكن أثر هذا الحق [لا يظهر] (^٣) في المال.
ألا ترى أن الوارث لو زنى بجارية المورث في مرض موته وجب الحدُّ؛ وهذا لأن الوراثة سبب للخلافة بعد الموت والملك موقوف على ما بعده؛ فإذا أجاز قبل ثبوت الملك لم يصح وكل ما جاز بإجازة الوارث يتملكه المجاز له من قبل الموصي عندنا.
وعند الشافعي من قبل الوارث، وثمرة هذا الاختلاف تظهر في مسائل حتى صحت هذه الإجازة عندنا في مشاع يحتمل القسمة ويصير ملكًا للموصى له قبل التسليم، ويجبر الوارث على التسليم بعد الإجازة، ولو كان يتملكه من جهة الوارث لكانت هذه الأحكام (^٤) على عكسها.
وعند الشافعي: تنفذ هبة من الوارث حتى أنه إن سلَّم إليه يصح وإن لم يسلم إليه بطلت ولا يجبر عليه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام: (^٥) (^٦).
وجه قول الشافعي: أن بنفس الموت صار قدر الثلثين من المال ملكًا للوارث؛ لأن الميراث يثبت بغير قبول الوارث ولا يرتد بالرد؛ فإجازته تكون إخراجًا للمال عن ملكه بغير عوض وذلك هبة لا تتم إلا بالقبض؛ ولكنا نقول تصرف الموصي صادف ملكه وامتنع نفوذه لقيام حق الغير فيه؛ فإجازة من له الحق تكون إسقاطًا لحقه ثم ينفذ التصرف على الوجه الذي باشره المتصرف كالراهن يبيع المرهون فيجيزه المرتهن، والمواجر يبيع المستأجَر فيجيزه المستأجِر.
_________________
(١) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١٥٤).
(٢) ينظر: المبسوط (٢٦/ ١٥٤)، البناية (١٣/ ٣٩٤).
(٣) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (ج): الإجازة، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) سبق في ص ٨١ أن المقصود مبسوط محمد الشيباني المسمى بالأصل أيضًا
(٦) ينظر: البناية (١٣/ ٣٩٤)، العناية (١٠/ ٤٢٠).
[ ٢٥ / ١١٥ ]
والجواب عما قال إن الوارث إنما يملك التركة بشرط الفراغ عن تصرف الموصي وحاجته، وهنا الفراغ إنما يحصل برد الوصية؛ فأما بالإجازة يتحقق الشغل فيتبين أنه لم يملكه الوارث وإنما يملكه الموصى له من جهة الموصي بإيجابه له الوصية، كذا في المبسوط (^١).
والصحيح قولنا لأن السبب صدر من الموصي إلى آخره.
فإن قيل: لو أجاز الوارث في مرضه كان ذلك من ثلث ماله؛ فدل ذلك على أنه تمليك من جهة الوارث.
قلنا: الوارث إن لم يملك فقد أسقط حقه عن المال بفعله، وإسقاط الحقوق عن الأموال [إنما] (^٢) يكون من الثلث وإن لم يكن تمليكًا كالعتق (^٣)، وكذا لو ابتاع ما يساوي عشرة بدرهم ثم ردَّه بالعيب في مرضه كان من الثلث وإن لم يكن تمليكًا كما في العتق فكذا هنا، كذا في شرح الأقطع (^٤)؛ ولأنه استعجل (^٥) ما أخَّره الله تعالى فيحرم الوصية.
فيُحرم على بناء المفعول مع نصب لفظ الوصية على أنه مفعول ثان للحرمان، وكذلك في قوله: كما يُحرم الميراث.
فإن قلت: في مجموع هذا الكلام شبهتان؛ إحداهما في قوله: ولأنه استعجل ما أخره الله فيحرم الوصية، وهذا التعليل إنما يصح أن لو كان الجرح بعد الوصية، وعندنا لا يتفاوت بين أن يكون الجرح مقدمًا على الوصية أو مؤخرًا عنها، فإنه يحرم عن الوصية، وهذا التعليل لا يصح فيما إذا كانت الوصية بعدَ الجرح؛ لأنه لم يوجد من الموصَى له بعد الوصية فعل يوجب الاستعجال ومع ذلك يحرم.
والثانية في منع القياس على الميراث؛ فإنه لو بطل الإرث لمعنى لا يلزم منه بطلان الوصية أيضًا بالقياس [عليه] (^٦) كالرِق واختلاف الدين فإنهما ينفيان الإرثَ ولا ينفيان الوصية.
قلت: الشبهة الأولى ما تشبث به الشافعي: في قوله بالفرق بين تقديم الجرح على الوصية وتأخيره عنها؛ فقال: إن أوصى قبل الجراحة بطلت الوصية، وإن أوصى بعد الجرح صحت الوصية لهذا المعنى (^٧)، وإنا نقول: قال النبي - ﷺ -: «لا وصية لقاتل» (^٨) وهو بعمومه يتناول القاتل مقدمًا جرحه على الوصية أو مؤخرًا عنها، ولأن بطلان الوصية للقاتل لمغايظة الورثة؛ فإنهم يغيظهم أن يقاسمهم قاتل أبيهم تركة أبيهم بسبب الوصية، وفي هذا المعنى لا فرق بين أن تتقدم الوصية على الجرح أو تتأخر عنه، وبه فارق الرق والكفر فإن الحرمان بهما لانعدام الأهلية للولاية لا لدفع المغايظة عن الورثة.
_________________
(١) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٥٤).
(٢) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ج): من الثلث، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) ينظر العناية (١٠/ ٤٢٠).
(٥) في (ب): ولأنه لفظ استعجل، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) ينظر: العناية (١٠/ ٤٢١، ٤٢٢)، البناية (١٣/ ٣٩٦).
(٨) أخرجه الدارقطني في الأقضية ص (٥٢٥) عن مبشر بن عبيد عن الحجاج بن أرطاة عن الحكم ابن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي بن أبي طالب، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "ليس لقاتل وصية"، انتهى. قال الدارقطني: مبشر متروك يضع الحديث، انتهى. ورواه البيهقي في المعرفة، وقال: لا يرويه عن حجاج غير مبشر، وهو متروك، منسوب إلى الوضع، انتهى. وقال في التنقيح: قال أحمد: مبشر بن عبيد أحاديثه موضوعة، كذب، انتهى. ينظر: نصب الراية (٤/ ٤٠٢). ورواه الطبراني في الأوسط، وفيه بقية وهو مدلس. ينظر: مجمع الزوائد (٤/ ٢١٤).
[ ٢٥ / ١١٦ ]
وعن هذا خرج الجواب عن الشبهة الثانية أيضًا وهي ما (^١) تشبث به مالك؛ حيث قال بصحة الوصية للقاتل سواء أوصى له قبل الجرح أو بعده؛ فقال: لا يصح أن تقاس الوصية على الإرث فكم من موضع لا يثبت الإرث وتثبت الوصية كما في الكفر والرق (^٢).
وقلنا عدم صحة الإرث بالكفر والرق لعدم الأهلية للإرث الذي ينبئ عن الولاية وليس لهما الولاية على الغير فلا يثبت الإرث.
وأما في الوصية فكونه موصى له لا ينبيء عن الولاية فلا يمنع الوصية في غير صورة القتل كما لا يمنع سائر العقود؛ ولكن عدم جواز الوصية للقاتل للمعنى الذي ذكرنا وهو مغايظة الورثة مقاسمة قاتل أبيهم تركة أبيهم بسبب الوصية وهو موجود في الإرث أيضًا؛ [لأن] (^٣) بطلان الإرث للوارث القاتل لدفع المغايظة عن سائر الورثة، فلما استوى الإرث والوصية في هذا المعنى جاز قياس أحدهما على الآخر؛ ولأن القاتل إنما يحرم الإرث لأن القتل بغير حق جعل في حق القاتل غير موت؛ لأن الموت اسم لما تنتهي إليه مدة الحياة، ولا يجب إذا تحقق على أحد ضمان، فلما لزمه الضمان في القتل بغير حق جعل كأنه لا موت (^٤)، وإذا انعدم الموت في حقه لم يرثه الوارث القاتل ولا يستحق الموصى (^٥) له القاتل (^٦) الوصية؛ لأن المال في الإرث والوصية لا يستحق بدون الموت، وفي هذا أيضًا لا يتفاوتان.
وأما ما ذكره من التعليل في الكتاب بقوله: ولأنه استعجل ما أخَّره الله تعالى فيجعل الجارح مستعجلًا وإن تقدم جرحه على الوصية؛ لأنه ذكر شيخ … الإسلام: إنما يعتبر كون الموصى له قاتلًا أو غير قاتل لجواز الوصية وفسادها يوم الموت لا يوم الوصية (^٧)؛ فبالنظر إلى وقت الموت كان القتل مؤخرًا عن الوصية.
فإن قلت: يشكل هذا بالمدبر (^٨) فإنه إذا قتل سيده يعتق مع أن التدبير وصية ولا وصية للقاتل، فينبغي أن لا يستحق الموصى له وهو المدبر الموصى به وهو العتق؛ لأنه قاتل عمدًا (^٩) لعموم الحديث: «لا وصية لقاتل».
_________________
(١) في (ب): مما، وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٢) ينظر: البناية (١٣/ ٣٩٦).
(٣) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (ج): لا يرث، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) في (ج): الوصية، وما أثبت من (أ) و(ب) قريب منه.
(٦) في (ج): أي لا يستحق القاتل، وما أثبت من (أ) و(ب) قريب من معناه.
(٧) ينظر: العناية (١٠/ ٤٢٢)، البناية (١٣/ ٣٩٦).
(٨) في (ب): بالدين، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٩) في (ب): عملًا، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١١٧ ]
قلتُ: إنما يعتق المدبَّر لأن الموت جعل شرط عتقه؛ ومن حيث إنه شرط عتق لا ينعدم بالقتل؛ لأن القتل بغير حق يجوز أن يكون شرط عتق فكذلك سائر المعاصي؛ ولكن يسعى المدبَّر في جميع قيمته لأنه تعذر رد العتق فيكون الرد بإيجاب السعاية، هذا كله مما أشار إليه في المبسوط (^١) والأسرار (^٢).
لأن نفع بطلانها يعود إليهم كنفع بطلان الميراث، وهذا التشبيه غير صحيح في تعليل قولهما؛ لأن تعليل مذهبهما إنما يتم بذكر الفرق [بين الوصية والميراث لا بالتشبيه ثم يحتمل أنه جمع بينهما بطريق التشبيه من حيث] (^٣) مجرد النفع العائد إليهم عند بطلانها لا غير، ولم يجمع بينهما في أن الوصية لو لحقتها الإجازة تصح وفي الميراث لا تصح، وإنما افترقا من هذا الوجه لأن إجازة العبد ورده إنما تعمل فيما كان من جهة العبد والوصية تمليك من جهة العبد فجاز أن تعمل الإجازة فيها، ولا كذلك (^٤) الميراث لأن الميراث من جهة الشرع لا صنع للعبد فيه فلا تعمل فيه إجازة العبد لذلك.
فإن قلت: القاتل حارب حقيقة مع الميت حتى قتل ولا تجوز الوصية للمحارب حكمًا كما لو أوصى لحربي لم تجز الوصية، فإن أجازت الورثة لكونه محاربًا حكمًا فلأن لا تجوز الإجازة هنا أولى لأنه محارب حقيقة، وهذا لأن الحرمان كان بطريق العقوبة حقًا للشرع حتى إن القاتل لو كان صبيًّا لم يحرم شيئًا فلا يتغير ذلك بوجود الرضا من الورثة.
قلتُ: إن الوصية للقاتل أقرب إلى الجواز عند الإجازة من الوصية للوارث؛ لأن العلماء اتفقوا على ألا وصية للوارث واختلفوا في جواز الوصية للقاتل؛ فإن عند مالك يجوز سواء قدم الوصية على الجرح أو أخر الوصية عنه (^٥)، ثم بإجازة الورثة تنفذ الوصية للوارث فكذلك للقاتل، بخلاف ميراث القاتل فإن ثبوت الملك بالميراث بطريق الحكم بغير اختيار العبد حتى لا يتوقف على القبول ولا يرتد بالرد، والإجازة إنما تعمل فيما يعتمد القبول والرد.
وبخلاف الوصية للحربي لأن بطلانها لانعدام الأهلية في جانب الموصى له؛ فإن الحربي كالميت في حق أهل الإسلام والميت لا يكون أهلًا للوصية [له] (^٦) ولا تأثير للإجازة في إثبات الأهلية لمن ليس بأهل.
_________________
(١) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٧٩).
(٢) ينظر: البناية (١١/ ١٠٠)، المبسوط (٢٧/ ١٧٩).
(٣) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (ج): وكذلك، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) المدونة (٤ - ٣٤٧)، الذخيرة للقرافي (٧ - ٢٨)
(٦) ساقطة من (أ)، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١١٨ ]
وأما قوله: إن حرمانه كان بطريق العقوبة فقلنا لا نسلم ما كان ذلك بطريق العقوبة عليه.
ألا ترى أنه يستوي فيه الخاطئ والعامد؛ وإن كان الخاطئ لا يستحق العقوبة وإنما حرمانه دفعًا للغيظ عن الورثة حتى لا يشاركهم في مال أبيهم مَنْ سعى إلى قتل أبيهم؛ وهذا ينعدم بإجازة الورثة.
وأما الصبي فهو بمعزل عن الغيظ لقصور عقله (^١)؛ فلا يغيظ فعله الورثة مثل غيظ البالغ إياهم؛ فلذلك لم يثبت في حقه ما ثبت في حق البالغين من الحرمان، هذا مما أشار إليه في المبسوط (^٢) والذخيرة (^٣).
فحاصل الوصايا تنقسم على أربعة أوجه؛ منها ما يجوز أجازت الورثة أو لم تجز، وهي الوصية لأجنبي بثلث ماله أو بكل ماله ولا وارث له.
ومنها ما لا يجوز وإن أجازت الورثة؛ وهي الوصية للحربي بخلاف المستأمن والذمي حيث تجوز لهما الوصية استحسانًا.
ومنها ما يجوز إن أجازت الورثة وإلا فلا، وهي ما لو أوصى بأكثر من ثلث ماله لأجنبي أو أوصى لواحد من الورثة؛ فإنه لا يجوز إلا بإجازة الورثة وهم أصحاء بالغون.
ومنها ما يكون مختلفًا فيه وهي الوصية للقاتل (^٤) فإن أجاز الورثة عندهما يجوز، وعند أبي يوسف لا يجوز وإن أجازت الورثة ذكره في الخلاصة (^٥) (^٦)، ويعتبر كونه وارثًا أو غير وارث وقت الموت حتى لو أوصى لأخيه ولا ابن له (^٧) ثم ولد له ابن تصح وصيته لأخيه.
_________________
(١) في (ب): غيظه، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٧٧، ١٧٨).
(٣) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٧٧، ١٧٨).
(٤) اختلف الفقهاء في جواز الوصية للقاتل، ولا فرق بين القتل العمد والخطأ في هذا. فذهب الشافعية في الأظهر، وابن حامد من الحنابلة إلى جواز الوصية للقاتل، وبه قال أبو ثور وابن المنذر أيضا لأن الهبة له تصح، فصحت الوصية له كالذمي. ويرى الحنفية وأبو بكر من الحنابلة عدم جواز الوصية له، لأن القتل يمنع الميراث الذي هو آكد من الوصية، فالوصية أولى، ولأن الوصية أجريت مجرى الميراث فيمنعها ما يمنعه، وبه قال الثوري أيضا. وفرق أبو الخطاب من الحنابلة بين الوصية بعد الجرح، والوصية قبله، فقال: إن وصى له بعد جرحه صح، وإن وصى له قبله ثم طرأ القتل على الوصية أبطلها، وهو قول الحسن بن صالح أيضا وهو المذهب. قال ابن قدامة: هذا قول حسن، لأن الوصية بعد الجرح صدرت من أهلها في محلها، ولم يطرأ عليه ما يبطلها بخلاف ما إذا تقدمت، فإن القتل طرأ عليها فأبطلها، لأنه يبطل ما هو آكد منها. وقال المالكية إن علم الموصي بأن الموصى له هو الذي ضربه عمدا أو خطأ صح الإيصاء منه، وتكون الوصية في الخطأ في المال والدية، وفي العمد في المال فقط، فإن لم يعلم الموصي فتأويلان في صحة إيصائه وعدمها. ينظر: بدائع الصنائع ٧/ ٣٣٨ - ٣٤٠، وحاشية الدسوقي ٤/ ٤٢٦، ومغني المحتاج ٣/ ٤٣، والمغني ٦/ ١١١، ١١٢، وكشاف القناع … ٤/ ٣٥٨.
(٥) هو خلاصة الدلائل في تنقيح المسائل لحسام الدين علي بن أحمد المكي الرازي، وهو شرح على مختصر القدوري، توفي: سنة ٥٩٨. ينظر: كشف الظنون (٢/ ١٦٣١).
(٦) ينظر: خلاصة الدلائل (٢/ ٤٠٤) تحقيق أبي الفضل الدمياطي -كتاب الوصايا، لسان الحكام في معرفة الأحكام (ص: ٤١٧).
(٧) في (ج): ولابن له، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١١٩ ]
بخلاف ما لو أوصى لأخيه وله ابن ثم مات ابنه تبطل الوصية.
وذكر في فتاوى قاضي خان (^١): ولو أوصى لإخوته الثلاثة المتفرقين وله ابن جازت الوصية لهم بالسوية أثلاثًا؛ لأنهم لا يرثون مع الابن، فإن كان له بنت مكان الابن جازت الوصية للأخ لأب وللأخ لأم وتبطل الوصية للأخ لأب وأم؛ لأنه يرث مع البنت، وإن لم يكن له ابن ولا بنت كانت الوصية كلها للأخ لأب؛ لأنه لا يرثه وتبطل الوصية للأخ لأب وأم وللأخ لأم لأنهما يرثانه.
وإقرار المريض للوارث على عكسه أي على عكس الوصية.
بتأويل الإيصاء أي يعتبر في الإقرار وقت الإقرار لا وقت الموت، وهذا الذي ذكره ليس بمجرى على إطلاقه، فإن في إقرار المريض للوارث إنما لا يعتبر وقت الموت في كونه وارثًا إذا كان كونه وارثًا بسبب حادث، وأما إذا كان كونه وارثًا بسبب كان وقت الإقرار يعتبر كونه وارثًا وقت الموت أيضًا كما في الوصية في حق منع صحة الإقرار؛ بيان ذلك هو أن مريضًا لو أقر لابنه بدين وابنه عبد ثم أعتق ثم مات الأب وهو من ورثته فإقراره بالدين جائز؛ لأن كسب العبد لمولاه فهذا الإقرار حصل من المريض في المعنى للمولى، والمولى أجنبي منه، فإن صار العبد من ورثته لا يبطل ذلك الإقرار؛ لأن هذا حكم ثبت بسبب حادث وهو الإعتاق وبه لا يبطل الإقرار (^٢) له، بخلاف من ورث بسبب قائم وقت الإقرار، وهو أن يقر لأخيه وله ابن ثم مات الابن قبله حتى صار الأخ وارثًا بطل إقراره له عندنا.
وقال زفر: إقراره صحيح؛ لأن الإقرار موجب الحق بنفسه فإنما ينظر إلى حالة الإقرار وقد حصل لمن ليس بوارث فلا يبطل بصيرورته وارثًا بعد ذلك، كما لو أقر لأجنبية ثم تزوجها، وبهذا فارق الهبة والوصية لأنه مضاف إلى ما بعد الموت حقيقة أو حكمًا.
ألا ترى أنه لو وهب لأجنبية ثم تزوجها ثم مات لم تصح الهبة، وينظر فيه إلى وقت الموت لا إلى وقت الهبة بخلاف الإقرار.
ولنا أنه واراث بسبب كان قائمًا وقت الإقرار فيتبين أن إقراره حصل لوارثه وذلك باطل؛ وهذا لأن الحكم مضاف إلى سببه فإذا كان السبب قائمًا وقت الإقرار تثبت صفة الوراثة للمقر له من ذلك الوقت (^٣) بخلاف الأجنبية إذا تزوجها؛ لأنها صارت وارثة بسبب حادث بعد الإقرار، والحكم لا يسبق (^٤) سببه فلا يتبين أن الإقرار حين حصل كان للوارث.
_________________
(١) ينظر: العناية (١٠/ ٤٢٤).
(٢) في (ج): الإرث، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) في (ج): الموت، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٤) في (أ): إلى الأسبق، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٢٠ ]
فأما الهبة والوصية فكالمضاف (^١) إلى ما بعد الموت، فإذا صار من ورثته بسبب حادث كان المانع قائمًا وقت لزومه فلهذا لا يصح.
واستوى في حق الهبة والوصية السبب الحادث بعد الإقرار والسبب القائم وقت الإقرار في المنع عن جواز الإقرار، هكذا ذكر في باب الإقرار للوارث، وفي باب إقرار المريض بقبض الدين من إقرار المبسوط والذي يؤيد ما ذكرنا في لفظ الكتاب (^٢).
وإقرار المريض للوارث على عكسه أي يعتبر في الإقرار وقت الإقرار لا وقت الموت؛ المراد منه ما إذا تجدد كونه وارثًا وقت الموت بسببٍ حادثٍ بعد الإقرار (^٣) لا بسببٍ قائم وقت الإقرار.
ما ذكره في وصايا المبسوط بهذا التفصيل، وقال: ولو أوصى له بشيء وهو وارث يوم أوصى ثم صار غير وارث، أو كان غير وارث يوم أوصى ثم صار وارثًا ومات الموصي، إنما ينظر إلى يوم يموت الموصي (^٤)، إن كان الموصى له وارثه لم تجز الوصية، وإن لم يكن جازت؛ لأن الوصية عقد مضاف إلى ما بعد الموت، وإنما يتحقق الوجوب له عند الموت، إلى أن قال: وقد بينا الفرق بين هذا وبين الإقرار، أن هناك إن صار وارثًا بسببٍ تجدد بعد الإقرار كان الإقرار صحيحًا، وإن ورث بسبب كان قائمًا وقت الإقرار لم يصح الإقرار.
ويروى هذا الاستثناء فيما روينا وهو قوله: (ألا لا وصية لوارث) (^٥)، ولأن الامتناع لِحقِّهِم فيجوز بإجازتهم.
_________________
(١) في (ب): فكالمضارب، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (ج): في المبسوط الكتاب، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) في (ب): وقت الإقرار، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) في (ج): الوصي، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) أما حديث أبي أمامة فله عنه طريقان: الأولى: عن شرحبيل بن مسلم الخولاني قال: سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في خطبته عام حجة الوداع: " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث ". أخرجه سعيد بن منصور في " سننه " (٤٢٧) وأخرجه أبو داود (٣٥٦٥) والترمذي (٢/ ١٦) وابن ماجه (٢٧١٣). والبيهقي (٦/ ٢٦٤) والطيالسي (١١٢٧) وأحمد (٥/ ٢٦٧) من طريق إسماعيل بن عياش ثنا شرحبيل بن مسلم الخولاني به. وقال الترمذي: " حديث حسن صحيح ". وعن الوليد بن مسلم قال: ثنا ابن جابر: وحدثني سليم بن عامر وغيره عن أيي أمامة وغيره ممن شهد خطبة رسول الله - ﷺ - يومئذ فكان فيما تكلم به فذكره. وحديث عمرو بن خارجة يرويه قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن عمرو ابن خارجة قال: " خطب رسول الله - ﷺ - فقال " فذكر فذكره. أخرجه سعيد (٤٢٨) والنسائي (٢/ ١٢٨) والترمذي والدارمي (٢/ ٤١٩) وابن ماجه (٢٧١٢) والبيهقي والطيالسي (١٢١٧) وأحمد (٤/ ١٨٦ و١٨٧ و٢٣٨ و٢٣٨ - ٢٣٩) وقال الترمذي" حديث حسن صحيح " وأما حديث عبد الله بن عباس فيرويه محمد بن مسلم عن ابن طاوس عن أبيه عنه مرفوعا: " لا وصية لوارث ". وذكر الحافظ في " التلخيص ٣/ ٩٢: أن إسناده حسن.
[ ٢٥ / ١٢١ ]
فإن قلت: لو كان الامتناع لحقهم لكان ينبغي أن يجوز فيما دون الثلثين أجازوا أم لم يجيزوا كما في الوصية للأجنبي؛ لأنه لا حق لهم في الثلث على … ما مر.
قلتُ: معنى قوله لأن الامتناع لحقهم أي الامتناع لتأذيهم أي قلنا بالامتناع لمراعاة حقهم لكيلا يتأذوا بإيثار البعض على البعض، فإذا رضوا انعدم التأذي فيجوز، ولأن جواز الوصية في أصله مخالف للقياس؛ لأن الوصية تمليك مضاف إلى حال زوال المالكية إلا أنَّا جوزناه بالاستحسان لحاجة الميت إليه ليتدارك بعض (^١) ما فرط فيما يجب عليه من العبادات، ولا حاجة إلى الوصية للورثة؛ لأن التركة حقهم سواء أوصى بها لهم أو لم يوص، وتولى الله تعالى بيان حقوقهم بحدودها.
ويجوز أن يوصي المسلم للكافر والكافر للمسلم إلى آخره (^٢)؛ هذا لبيان الفرق بين الوصية والميراث، فإن الإرث لا يجري مع اختلاف الدين؛ لأن الإرث طريقه طريق الولاية والخلافة على معنى أنه يبقى للوارث المال الذي كان للمورث واختلاف الدين يقطع الولاية.
فأما الوصية فتمليك بعقد مبتدأ ولهذا لا يرد الموصى له بالعيب ولا يصير مغرورًا فيما اشتراه الموصي بخلاف الوارث كذا في المبسوط.
الوصية لأهل الحرب (^٣) (^٤)
_________________
(١) في (ج): بعد، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) (وَيَجُوزُ أَنْ يُوصِيَ الْمُسْلِمُ لِلْكَافِرِ وَالْكَافِرُ لِلْمُسْلِمِ). فَالْأُولَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [الممتحنة: ٨] الْآيَةَ. وَالثَّانِي لِأَنَّهُمْ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ سَاوَوْا الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَلِهَذَا جَازَ التَّبَرُّعُ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ فَكَذَا بَعْدَ الْمَمَاتِ. ينظر: الهداية (٤/ ٥١٤)، العناية (١٠/ ٤٢٦)، البناية (١٣/ ٣٩٩، ٤٠٠).
(٣) أهل الحرب: العدو الكافر الذي ليس بينه وبين المسلمين عهد ولا ذمة، وهم غير المسلمين الذين لم يدخلوا في عقد الذمة، ولا يتمتعون بأمان المسلمين ولا عهدهم. ينظر: معجم لغة الفقهاء (٩٥)، فتح القدير ٤/ ٢٧٨، ٢٨٤، الفتاوى الهندية ٢/ ١٧٤، مواهب الجليل ٣/ ٣٤٦ - ٣٥٠.
(٤) اختلفت آراء الفقهاء في ذلك: الرأي الأول: تصح وصية المسلم أو الذمي للمستأمن لا الحربي وبالعكس، فإذا دخل الحربي دار الإسلام بأمان تصح وصية المسلم أو الذمي له، كما تصح وصيته للمسلم أو الذمي، أما الحربي في دار الحرب، فلا تصح وصية المسلم أو الذمي له، كما لا تصح وصيته لهما، وهو رأي معظم الحنفية، والمعتمد في المذهب المالكي، وقول للشافعية والحنابلة والثوري والظاهرية والإمامية والزيدية. قال الكاساني: "وكذا الحربي المستأمن إذا أوصى للمسلم أو الذمي تصح وصيته". ينظر: انظر بدائع الصنائع ج ٧ ص ٣٣٥، المصنف لابن أبي شيبة، ج ١١ ص ٢٣١، رقم ١١٠٧٦، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج ٤ ص ٣٧٩، المهذب وشرحه المجموع ج ١٤ ص ٣٢٦، الإنصاف ج ٧ ص ٢٢٢. الرأي الثاني: وقال محمد الشيباني: "ووصية المسلم أو الذمي لحربي في دار الحرب لا تكون صحيحة". وعلق على ذلك صاحب الكفاية: فقال: "لو أوصى الذمي في دار الإسلام لحربي في دار الحرب لم يجز؛ لتباين الدارين بينهما، حقيقة وحكمًا". وأوضح ذلك ابن الهمام بقوله: "لو أوصى مسلم لحربي والحربي في دار الحرب لا تجوز، فإن خرج الحربي الموصى له إلى دار الإسلام بأمان وأراد أخذ وصيته لم يكن له من ذلك شيء، وإن أجازت الورثة؛ لأن الوصية وقعت بصفة البطلان". وبقوله: "فإن احترز عن حربي ليس في دارهم، وهو المستأمن، فإن الحربي ما دام في دار الحرب ممن يقاتلنا بخلاف المستأمن؛ فإنه ليس كذلك". وأوضح الخرشي المالكي بعدما تكلم عن صحة الوصية للذمي ما يحتمل بالنسبة للحربي، فقال: "قال في التوضيح: يحتمل اعتبار المفهوم فيمنع للحربي، ولا يصح له وهو قول أَصبَغ، ويحتمل أن لا يكون مفهوم مخالفة المساواة المسكوت عنه للمنطوق، وهو مقتضى كلام عبد الوهاب في الإشراف". ثم علق على ذلك الشيخ العدوي: بأن قول أصبغ بعدم صحة الوصية للحربي هو المعتمد، وكلام عبد الوهاب ضعيف". وقال بعض الشافعية مثل أبي العباس القاص وابن سراقة: "إنه لا يصح الوصية لأهل الحرب". ينظر: شرح السير الكبير ج ٥ ص ٢٠٤٦، الكفاية ج ٦ ص ٤١٩، شرح فتح القدير ج ٩ ص ٣٥٥ - ٣٥٦، التاج والإكليل ج ٦ ص ٢٤، المهذب وشرحه ج ١٤ ص ٣٢٣، ص ٣٢٦، نهاية المحتاج ج ٦ ص ٤٨.
[ ٢٥ / ١٢٢ ]
باطلة (^١).
وذكر في السير الكبير (^٢) ما يدل على جواز الوصية لهم (^٣) (^٤)، ووجه التوفيق بين الروايتين أنه لا ينبغي له أن يفعل وإن فعل ثبت الملك [لهم] (^٥)؛ لأنهم من أهل الملك.
أما لو أوصى الحربي بعدما دخل دارنا بأمان فيجوز لأن له ولاية تمليك المال في حياته فكذا بعد وفاته، ثم لا فرق في حق الحربي بين وصيته بالثلث أو (^٦) بجميع (^٧) المال؛ لأن المسلم (^٨) إنما منع من الوصية بما زاد على الثلث لحق ورثته المسلمين، فإن حقهم معصوم عن الإبطال بخلاف ورثة الحربي؛ لأن حقهم غير معصوم، ولهذا المعنى يجوز تملك (^٩) أموالهم وأنفسهم، فلذلك لم يمنع حقهم صحة الوصية بالجميع، كذا في شروح الجامع الصغير (^١٠).
وقبول الوصية بعد الموت: اعلم أن قبول الموصى له الوصية ليس بشرط لصحة الوصية، وإنما هو شرط إفادة (^١١) الملك للموصى له حتى لا يثبت الملك بالوصية قبل القبول؛ لأن الوصية تشبه الإرث من وجه من حيث إنها تملك بالموت كالإرث، وتشبه الهبة من وجه من حيث إنها تملك بتمليك الغير، ولهذا تبطل الوصية بالخمر وإن كان الخمر يورث، فاعتبرناها بالهبة في حق القبول ما دام القبول موهومًا من الموصى له، فقلنا بأنها لا تملك قبل القبول واعتبرناها بالإرث بعد القبول، فقلنا إن الموصى له يملكها بعد القبول من [غير] (^١٢) قبضٍ عملًا بالشبهين بقدر الإمكان، فإن قبلها الموصى له في حال الحياة أو ردها فذلك باطل؛ لأن القبول إنما يعتبر بعد موت الموصي، لأن الوصية إيجاب بعد الموت فيعتبر القبول والرد بعد موت الموصي، ولو رد الموصى له الوصية حال حياة الموصي ثم قبل بعد موته صح القبول؛ لأن الرد حال حياة الموصي غير معتبر فصار وجوده والعدم سواء (^١٣)، ولو لم يقبل الموصى له الوصية بعد موت الموصي ولم يردها أيضًا حتى مات هو، فالقياس أن تكون ورثته بمنزلته في الرد والقبول.
_________________
(١) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٤٧).
(٢) السير الكبير في الفقه للإمام محمد بن الحسن الشيباني، صاحب أبي حنيفة، وهو آخر مصنفاته؛ صنفه بعد انصرافه من العراق؛ ولهذا لم يروه عنه أبو حفص. ينظر: كشف الظنون (٢/ ١٠١٣).
(٣) قال محمد: ووصية الذمي للحربي المستأمن بالثلث تكون صحيحة. ينظر: شرح السير الكبير ج ٥ ص ٢٠٤٦.
(٤) ينظر: تبيين الحقائق (٦/ ١٨٤)، العناية (١٠/ ٤٢٦)، البناية (١٣/ ٤٠٠).
(٥) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ج): وبين، وما أثبت من (أ) و(ب) قريب من معناه.
(٧) في (أ): وبجميع، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٨) في (ج): الوصي، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٩) في (أ): تمليك، وما أثبت من (ب) و(ج) قريب منه.
(١٠) ينظر: العناية (١٠/ ٤٢٦، ٤٢٧)، البناية (١٣/ ٤٠٠).
(١١) في (أ): إفساده، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(١٢) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٣) في (ج) و(أ): بمنزلة، وما أثبت من (ب) قريب منه.
[ ٢٥ / ١٢٣ ]
وفي الاستحسان (^١) يلزمهم ذلك ردوا أو قبلوا، هكذا في بعض المواضع، وذكر في بعض المواضع القياس أن تبطل الوصية، وفي الاستحسان لا تبطل، كذا في الذخيرة (^٢).
ويستحب أن يوصي الإنسان بدون الثلث؛ لأن النبي - ﷺ - قال: «إنك إن تدع عيالك أغنياء» (^٣)، معناه ورثتك إليك أقرب من الأجانب، فترك المال لهم خير لك من الوصية فيه، وفي هذا دليل على أن التقليل في الوصية أفضل، وذلك مروي عن أبي بكر وعمر م قالا: «لَأَن يوصي بالخمس أحب إلينا من أن يوصي بالربع ولَأَن يوصي بالربع أحب إلينا من أن يوصي بالثلث» (^٤)، كذا في المبسوط (^٥).
الكاشح العدو الذي أعرض وولَّاك كشحه، الكَشَحُ ما بين الخاصرة إلى الضلع، وقيل الكاشح هو الذي أضمر العداوة في كشحه، وإنما جعل هذا التصدق أفضل لأن التصدق على ذي المحب (^٦) الصديق مما تميل إليه النفس لمحبته وصداقته، وفي القريب الكاشح المنظور إليه هو معنى القرابة لا غير مع مخالفة نفسه لأن نفسه لا تدعوه إلى التصدق عليه، فكان ترجيح معنى القرابة في الإحسان أولى من ترجيح جانب المحبة خصوصًا ما إذا كان ذلك متضمنًا مخالفة النفس وقهرها فكان هو أولى لا محالة، والموصى به يملك بالقبول، خلافًا لزفر؛ فإن عنده يملك بدون القبول، [فلما كان يملك عنده بدون القبول] (^٧) كالإرث يجب ألا يرتد بالرد كما في الإرث؛ وهذا لأن الملك هنا بطريق الخلافة (^٨)، وهو أن تعليق الملك بالشرط في حال الحياة لا يجوز فبعد الموت أولى.
_________________
(١) ينظر: العناية (١٠/ ٤٢٧).
(٢) ينظر: العناية (١٠/ ٤٢٧)، البناية (١٣/ ٤٠٠، ٤٠١).
(٣) أخرجه البخاري في (صحيحه) كتاب الفرائض باب ميراث البنات، (٨/ ١٥٠ رقم الحديث: ٦٧٣٣)، ومسلم في (صحيحه) كتاب الوصية باب الوصية بالثلث، (٣/ ١٢٥٠ رقم الحديث: ١٦٢٨).
(٤) أخرجه البيهقي في (السنن الكبرى) كتاب الوصايا باب من استحب النقصان عن الثلث إذا لم يترك ورثته أغنياء استدلالا بما روينا في حديث سعد بن أبي وقاص، (٦/ ٤٤٢ رقم الحديث: ١٢٥٧٥)، وابن أبي شيبة في (مصنفه) كتاب الوصايا باب ما يجوز للرجل من الوصية في ماله؟ (٦/ ٢٢٧ رقم الحديث: ٣٠٩٢٣). قال الألباني في (إرواء الغليل) (٦/ ٨٥): ضعيف.
(٥) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٤٤).
(٦) في (ب): ذي الرحم المحب، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (ج)، وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) في (ب): ثبت بطريق الخلافة، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٢٤ ]
وجه قول علمائنا أن هذا تمليك المال بالعقد فلا يثبت إلا بالقبول أو بما يقوم مقامه كالتمليك بسائر العقود؛ وهذا لأن أحدًا لا يملك تتميم سبب الملك لغيره بغير رضاه بخلاف الميراث فإنه يبقي للوارث الملك الذي كان ثابتًا للمورث حتى يرده بالعيب ويصير مغرورًا فيما اشتراه المورث، والبقاء لا يستدعي سببًا مبتدًا لأن الملك في الميراث ثبت شرعًا من غير اختيار من المورث.
ألا ترى أنه لو أراد أن يمنعه لا يتمكن من ذلك والمشروع (^١) هذه الولاية.
وأما هنا فالملك ثبت بإيجاب الموصي بدليل أن له أن يمنعه عن ذلك بالرجوع (^٢) عن الوصية قبل موته فلا يثبت إلا بقبول من الموصى له لانعدام ولاية الموصي عليه؛ ولأن تنفيذ الوصية لمنفعة الموصى له، ولو أثبتنا الملك له قبل موته تضرر، عسى أنه لو أوصى له بعبدٍ أعمى يجب عليه نفقته إذا ثبت الملك له، ولو أوصى بدنان مكسرة أو بزبل اجتمع في داره، لو ثبت الملك له بغير قبوله وجب عليه نقلها شاء أو أَبَى، وفي هذا من الضرر عليه ما لا يخفى، وكذلك لو أوصى له بزوجته المملوكة لو ملكها الموصى له بدون قبوله يفسد نكاحه، وليس للموصي ولاية إفساد نكاحه؛ فلهذا قلنا إنه لا يثبت له الملك ما لم يقبل، كذا في المبسوط (^٣).
إلا في مسألة واحدة أي يملك بدون القبول.
ومن أوصى وعليه دين يحيط بماله لم تجز الوصية؛ لأن الدين مقدم على الوصية أي في حكم الشرع، وأما في قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (^٤)، فالوصية مقدمة على الدين [ذكرًا] (^٥) كما ترى.
فإن قلت: لم قدمت الوصية على الدين والدين مقدم عليها في الشريعة.
قلتُ: لما كانت الوصية مشبهة للميراث في كونها مأخوذة من غير عوض كان إخراجها مما يشق على الورثة ويتعاظمهم ولا تطيب أنفسهم بها، فكان أداؤها مظنة للتفريط، بخلاف الدين فإن نفوسهم مطمئنة إلى أدائه، فلذلك قدمت على الدين بعثًا على وجوبها والمسارعة إلى إخراجها مع الدين؛ ولذلك جيء بكلمة أو للتسوية بينهما في الوجوب، هكذا ذكر السؤال والجواب في الكشاف.
وذكر في المبسوط، قال علي ط: «إنكم تقرءون الوصية قبل الدين وكان رسول الله - ﷺ - يبدأ بالدين قبل الوصية» (^٦)، وهكذا نقل عن ابن عباس ط، فهذا منهما إشارة إلى معنى التقديم والتأخير في الآية، ثم قضاء الدين من أصول حوائج المرء؛ لأنه تفرغ به ذمته، فالوصية ليست من أصول حوائجه وحاجته مقدمة في تركته.
_________________
(١) في (ب): وللتبرع، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) في (ب): والرجوع، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٤٨).
(٤) سورة النساء: ١١.
(٥) ساقطة من (ج)؛، وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٦) أخرجه الدارقطني في (سننه) كتاب الفرائض (٥/ ١٥٣ رقم الحديث: ٤١٢٤)، ونصه: عن علي - ﷺ -، قال: أنتم تقرأون الوصية قبل الدين، وقضى رسول الله - ﷺ -: «أن الدين قبل الوصية، وأعيان بني الأم يتوارثون دون بني العلات»، وابن ماجه في (سننه) كتاب الوصايا باب الدين قبل الوصية، (٢/ ٩٠٦ رقم الحديث: ٢٧١٥)، والترمذي في (سننه) كتاب أبواب الوصايا باب ما جاء يبدأ بالدين قبل الوصية، (٤/ ٤٣٥ رقم الحديث: ٢١٢٢). وقال الألباني في (إرواء الغليل) (٦/ ١٠٧): حسن.
[ ٢٥ / ١٢٥ ]
ألا ترى أنه يقدم جهازه وكفنه لحاجته إلى ذلك فكذلك قضاء الدين، ولا تصح وصية الصبي فإن الصبي إذا أوصى بوصية فوصيته باطلة سواء مات قبل الإدراك أو بعده عندنا، ولأنه نظر له تصرفه إلى نفسه في نيل الزلفى، ثم قال الشافعي: على هذه النكتة: لا يلزمني عدم صحة إسلامه فإن إسلامه لا يصح بنفسه (^١)، وقبول الهبة والصدقة لا يصح منه مع أن في كل منهما نظرًا له؛ لأن ما فيه منفعة للصبي إذا أمكن تحصيله له بوليه لا يعتبر فيه عقله ورشده، والإسلام يحصل له بغيره وكذلك قبول الهبة والصدقة، فأما اكتساب الأجر بالوصية فلا يمكن تحصيله له بغيره.
ولو لم ينفذ يبقى أي المال. على غيره أي على غير الصبي.
ولو قلنا بنفاذ وصيته كان ماله باقيًا على نفسه أي يحصل له بسبب الوصية إلى وجوه الخير نيل الزلفى والدرجة العليا فكان مبقيًا (^٢) مالَ نفسه لنفسه بهذا الطريق، فكانت وصيته أولى من ترك وصية الإيفاع مرد آساشدن كودك.
يقال: أيفع الغلامُ أي ارتفع فهو يافع، ولا يقال: موفع، وهو من النوادر (^٣)، وغلام يفَّاع بمعنى يافع وجمعه يُفعان (^٤).
ولنا أنه تبرع أي أن الوصية بتأويل الإيصاء تبرع، فالصبي ليس من أهله كالهبة والصدقة، فإنهما لا يصحان من الصبي بالإجماع، فكذا الوصية؛ وهذا لأن اعتبار عقله فيما ينفعه دون ما يضره، ألا ترى أنه لا يعتبر عقله في حق الطلاق والعتاق؛ لأن ذلك يضره باعتبار أصل الوضع، فكذلك تمليك المال بطريق التبرع [فيه] (^٥) ضرر باعتبار أصل الوضع، فإن تصور في الوصية منفعة فذلك باعتبار اتفاق الحال، وفي التصرفات يعتبر (^٦) أصل الوضع لا الأحوال؛ لأن الطلاق قد ينفعه (^٧) في بعض الأحوال بأن يطلق المرأة المعسرة ويتزوج بأختها (^٨) الموسرة، ولم يعتبر ذلك فهذا مثله.
وأما الجواب عن قوله: إن ما فيه منفعة الصبي إذا لم يمكن تحصيله له بوليه [يعتبر فيه عقله ورشده، فقلنا: هذا غير مطرد (^٩)؛ لأن منفعة الوصية كما لا يمكن تحصيلها له بوليه] (^١٠)، كذلك منفعة الهبة والصدقة من حيث الأجر وصلة الرحم لا يمكن تحصيلها له أيضًا بوليه، ومع ذلك لا يصح ذلك منه، والأثر محمول على أنه كان قريب العهد بالحلم مجازًا، يعني كان هو بالغًا ولكن كان لم يمض على بلوغه زمان كثير، ومثله (^١١) يسمى يافعًا بطريق المجاز.
_________________
(١) روضة الطالبين (٦ - ٩٧) نهاية المطلب (١١ - ٢٩٨).
(٢) في (ج): منتفيًا، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) ينظر: الصحاح تاج اللغة (٣/ ١٣١٠).
(٤) ينظر: المغرب (ص: ٥١٢).
(٥) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ب): بغير، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) في (ج): إلا أن الطلاق قد تبعه، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) في (ج): المرأة، وما أثبت من (أ) و(ب) قريب منه.
(٩) في (ج): مضطر، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(١٠) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١١) في (ب): ومنه، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٢٦ ]
ألا ترى أن عمر﵁لم يستفسر أن وصيته كانت لعمل القربة [أو لغيره] (^١)، كذا في المبسوط (^٢).
عرف في موضعه وهو باب الحنث (^٣) في ملك المكاتب والمأذون من أيمان الجامع الكبير (^٤)، والذي عرف هناك هو أن مأذونًا أو مكاتبًا قال: إذا أعتقت فكل مملوك أملكه فهو حر فعَتق فاشترى مملوكًا يعتق؛ لأنه أضاف الإعتاقَ إلى ملك قابل للإعتاق وهو ما بعد الحرية فيصح.
وهذا بخلاف الصبي [إذا قال] (^٥): إذا بلغتُ فكل مملوك أملكه فهو حر كان باطلًا؛ لأن بطلان تصرف الصبي إنما كان لعدم الأهلية والتعليق والتنجيز في ذلك سواء، أما بطلان تصرف العبد ما كان لعدم الأهلية بل إنما كان لخلل في الملك، فإذا (^٦) أضافه إلى ملك قابل للإعتاق يصح؛ وهي (^٧) ثلاث مسائل: إحداها التي ذكرنا [وهي ما إذا قال المكاتب أو المأذون: إذا أعتقت فكل مملوك أملكه إلى آخره (^٨) (^٩).
والثانية إذا قال المكاتب أو المأذون: [إذا أعتقت] (^١٠) فكل مملوك أملكه فهو حر فعتق فاشترى مملوكًا لم يعتق؛ لأن قوله: كل مملوك أملكه، يتناول ما يملكه في الحال، وذلك غير قابل للإعتاق فيبطل.
والثالثة إذا قال: كل مملوك أملكه فيما استقبل فهو حر فملك مملوكًا بعدما عتق لم يعتق عند أبي حنيفة:، وعندهما (^١١) يعتق لأن ذكر الملك مطلقًا ينصرف إلى ملك قابل للإعتاق وهو ما بعد الحرية، ولأبي حنيفة: أن للمكاتب نوعي ملك، أحدهما ظاهر وهو ما قبل الإعتاق، والثاني غير ظاهر وهو ما بعد الإعتاق، فينصرف اليمين إلى الظاهر دون غير الظاهر، كما لو تزوج امرأة نكاحًا فاسدًا، ثم قال لها: إن طلقتك فعبده حر ينصرف اليمين إلى الطلاق في النكاح الفاسد كذلك هنا، كذا في الجامع الكبير (^١٢) (^١٣) لقاضي خان:.
_________________
(١) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٢) ينظر: المبسوط (٢٨/ ٩٣).
(٣) الحنث: الإثم والذنب، والحنث: الخلف في اليمين؛ حنث: أي لم يبر بيمينه. ينظر: الصحاح (١/ ٢٨٠).
(٤) ينظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٤/ ٢٠)، تبيين الحقائق (٦/ ١٨٥).
(٥) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٦) في (ب): بل، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) في (ب): وهنا، وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٨) قَالَ (وَلَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْمُكَاتَبِ وَإِنْ تَرَكَ وَفَاءً)؛ لِأَنَّ مَالَهُ لَا يَقْبَلُ التَّبَرُّعَ، وَقِيلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تَصِحُّ، وَعِنْدَهُمَا تَصِحُّ رَدًّا لَهَا إلَى مُكَاتَبٍ يَقُولُ: كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فِيمَا أَسْتَقْبِلُ فَهُوَ حُرٌّ ثُمَّ عَتَقَ فَمَلَكَ، وَالْخِلَافُ فِيهَا مَعْرُوفٌ عُرِفَ فِي مَوْضِعِهِ. ينظر: المحيط البرهاني في الفقه النعماني (٤/ ٢٠)، تبيين الحقائق (٦/ ١٨٥).
(٩) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٠) ساقطة من (ج) و(أ)، وإثباتها من (ب) هو الصواب.
(١١) ينظر: المبسوط (٧/ ١٨٤)، بدائع الصنائع (٤/ ٧١).
(١٢) في (ب): الجامع الصغير، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(١٣) ينظر: تبيين الحقائق (٦/ ١٨٥، ١٨٦).
[ ٢٥ / ١٢٧ ]
وتجوز الوصية للحمل وبالحمل إذا وضع لأقل من ستة أشهر أي من وقت موت الموصي [لا من وقت الوصية] (^١)؛ لأن وجود الموصى به إنما يشترط وقت وجوب الوصية وهو وقت الموت لا وقت الوصية، ثم قوله: إذا وضع لأقل من ستة أشهر يتعلق بهما جميعًا، أما في قوله للحمل فظاهر لأن الموصى له إذا لم يكن موجودًا لا يصح منه التمليك بالوصية ولا بغيرها، وكذلك في قوله: بالحمل؛ لأنه إذا لم يكن الموصى به موجودًا حقيقة كان وصية بالمعدوم وقت وجوب الوصية وهو لا يصح في الحمل، بخلاف ما إذا أوصى بثمرة بستانه وهي معدومة فإنه يصح، وقد ذكرناه.
وذكر في باب الوصية بما في البطن وهو الباب السادس عشر من وصايا المبسوط: وإذا أوصى الرجل بما في بطن هذه الجارية، ثم ولدت بعد موته لستة أشهر أو أكثر فلا وصية له؛ لأنه أوصى بالمعدوم ولم يعلم وجوده عند موت الموصي لا حقيقةً ولا حكمًا، ووجوب الوصية بالموت فما لم يكن المعين (^٢) معلوم الوجود عند وجوب الوصية لا تكون الوصية صحيحة.
فإن قلت هنا إشكال ظاهر وهو أنه اشترط ههنا وجود الموصى به وهو الحمل عند وجود (^٣) الوصية حتى لم يصحح الوصية بالمعدوم، وقد صحح الوصية بالمعدوم في مسألة الوصية بثمرة بستانه أبدًا، وقال: وإن قال له ثمرة بستاني أبدًا، فله هذه الثمرة، وثمرته فيما يستقبل ما عاش على ما يجيء في الكتاب -إن شاء الله تعالى- في آخر باب الوصية بالخدمة والسكنى والثمرة.
وكذلك الوصية بغلة (^٤) البستان يقع على الموجود والمعدوم، وكذلك وجود الموصى له ليس بشرط. ألا ترى أنه لو أوصى لأولاد فلان ولم يكن لفلان ولد وإنما ولد له ولد بعد الوصية قبل موت (^٥) الموصي فالوصية له صحيحة، وأجناسه تجيء في باب الوصية للأقارب من الكتاب، وذكره الإمام المحبوبي أيضًا.
قلتُ: جوابه يجيء هناك أيضًا إن شاء الله تعالى، ويجوز للموصي الرجوع عن الوصية؛ لأن الوصية تمليك بطريق التبرع مضافًا إلى ما بعد الموت، والتبرع النافذ وهو الهبة محتمل للرجوع فالمضاف إلى ما بعد الموت أولى، أما الصريح فظاهر وهو أن يقول: رجعت عما أوصيت به (^٦) لفلان وكذا الدلالة.
_________________
(١) ساقطة من (ج)، وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٢) في (ج): الصبي، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٣) في (ج) و(أ): وجوب، وما أثبت من (ب) هو الصواب.
(٤) في (ب): بثمرة، وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٥) في (أ): قول، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب؛ وبه يستقيم المعنى.
(٦) في (ب): له، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٢٨ ]
وفي الذخيرة: والرجوع قد يثبت صريحًا وقد يثبت دلالة وقد يثبت ضرورة (^١)، …
والرجوع دلالة أنواع: أحدها استهلاك الموصى به (^٢) حقيقةً أو حكمًا حتى إن من أوصى لإنسان بثوب فقطعه وخاطه قميصًا أو أوصى بقطن فغزله أو نسجه (^٣) أو أوصى بحديدة فصنع منها سيفًا، فهذه التصرفات دلالة الرجوع؛ لأنها استهلاك للعين حكمًا.
ألا ترى أن حق المغصوب منه ينقطع بهذه التصرفات؛ ونوع من ذلك أن يخلط الموصى به بغير الموصى به خلطًا لا يمكن التمييز أصلًا، كما إذا كان الموصى به سويقًا فَلتَّهُ بسمن، ونوع من ذلك أن يحدث نقصانًا في الموصى به حتى خرج الموصى به عن هيئة الادخار والبقاء إلى يوم الموت كما إذا أوصى بشاة لإنسان ثم ذبحها فهذا رجوع عن الوصية، وأما الرجوع فضرورة أن يتغير الموصى به ويتغير اسمه؛ لأن الموصى له إنما يستحق الموصى به بعد موت الموصي بذلك الإيجاب وبذلك الاسم؛ فإذا تغير [الموصى به وتغير] (^٤) الاسم لو استحق الموصى له لا يكون الاستحقاق بذلك الاسم؛ بيان هذا إذا أوصى بحنطة لإنسان فهبت الريح بالحنطة وألقتها في طاحونة قبل موت الموصي حتى صارت دقيقًا بطلت الوصية.
وكذلك إذا أوصى بالكُفرى [وهو الطلع] (^٥) في نخله فصار رطبًا قبل موت الموصي، أو أوصى بعنب في كرمه فصار زبيبًا (^٦) قبل موت الموصي، أو أوصى ببيضة فحضنت دجاجة على البيضة حتى أخرجت فراريخ قبل موت الموصي بطلت الوصية؛ ولو كان التغير في هذه المسائل بعد موت الموصي قبل قبول الوصية أو بعده لا تبطل الوصية؛ لأن التغير حصل بعد تمام الوصية وعملها لأن تمامها بالموت فلا يوجب بطلانها.
ولو أوصى برطب فصار تمرًا قبل موت الموصي لا تبطل الوصية استحسانًا؛ بخلاف ما إذا أوصى بعنب فصار زبيبًا.
والفرق أن الرطب مع التمر جنس واحد ولهذا جاز استيفاء أحدهما مكان الآخر في السلم، ولهذا جاز بيع الرطب بالتمر متماثلًا (^٧) عند أبي حنيفة: فلم يتغير الموصى به، وأما في فصل العنب الموصى به فقد تغير وكذلك الاسم.
_________________
(١) ينظر: الفتاوى الهندية (٦/ ٩٢)، مجمع الأنهر (٢/ ٦٩٤).
(٢) في (ب): له، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٣) في (ب): فغزله ونسجه، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٤) ساقطة من (ج)، وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) ساقطة من (أ) و(ب)، وإثباتها من (ج) فيه زيادة معنى وتوضيح.
(٦) في (أ): ربيعًا، وما أثبت من (ب) و(ج) هو الصواب.
(٧) في (ب): بالتمر متماثلًا بالتمر، وما أثبت من (أ) و(ج) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٢٩ ]
وقوله: فكان تقريرًا أي تقريرًا للوصية ليصل الموصى به إلى الموصى له على ألطف (^١) حال، ومن جحد الوصية لم يكن رجوعًا حتى لو قامت البينة عليها بعد موت الموصي قبلت، هكذا ذكر في الجامع (^٢).
وذكر في المبسوط (^٣) أن جحود الوصية رجوع.
فمن مشايخنا من قال: لا اختلاف بين الروايتين، ولكن ما ذكره في الجامع محمول على أن الجحود كان عند غيبة الموصى له؛ [والجحود عند غيبة الموصى له] (^٤) لا يكون رجوعًا على الروايات كلها؛ لأن الجحود ليس بصريح رجوع (^٥)، [ولكن لما كان نفيًا للحال] (^٦) اقتضى الرد وإنما يثبت الرد إذا صح الإنكار؛ [والإنكار] (^٧) على الغائب لا يصح؛ لأن الإنكار من باب المعارضة، وإذا لم يصح الإنكار لا يصح ما يقوم به وهو الرد؛ وما ذكره في الوصايا محمول على ما إذا كان الجحود عند حضرة الموصى له والجحود عند حضرته يكون رجوعًا باتفاق الروايات؛ لأن عند حضرته يصح الإنكار فيصح ما يقوم به وهو الرد.
ومن مشايخنا من قال: ما ذكره في المبسوط محمول على الجحود الحقيقي، والجحود الحقيقي رجوع على الروايات كلها، وما ذكره في الجامع محمول على صورة الرجوع لا على الرجوع الحقيقي، فإن موضع مسألة الجامع [الصغير] (^٨) إذا أوصى الرجل للرجل بثلث ماله ثم قال لقوم: اشهدوا أني لم أوص لفلان لا بقليل ولا بكثير، لا يكون هذا رجوعًا؛ لأن قوله: اشهدوا إني لم أوص لفلان، طلب شهادة الزور منهم، فيكون معناه قد أوصيت لفلان بكذا إلا أني أسألكم أن تشهدوا لي بالباطل، وطلب شهادة الباطل لا يكون رجوعًا؛ لأنه ليس بجحود (^٩) حقيقة.
ومنهم من قال ما ذكره في الجامع قول محمد: وما ذكره في الوصايا قول أبي يوسف:.
_________________
(١) في (ج): العطف؛ وفي (ب): أنظف، وما أثبت من (أ) هو الصواب.
(٢) ينظر: المحيط البرهاني (٩/ ٢٤٢)، العناية (١٠/ ٤٣٦)، مختصر القدوري (ص: ٢٤٣)، الفتاوى الهندية (٦/ ٩٣).
(٣) ينظر: المحيط البرهاني (٩/ ٢٤٢)، العناية (١٠/ ٤٣٦)، الفتاوى الهندية (٦/ ٩٣). المبسوط.
(٤) ساقطة من (ج)، وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٥) في (ب): ليس تصريح الرجوع، وما أثبت من (أ) و(ج) قريب منه.
(٦) ساقطة من (ب)، وإثباتها من (أ) و(ج) هو الصواب.
(٧) ساقطة من (ج)، وإثباتها من (أ) و(ب) هو الصواب.
(٨) ساقطة من (أ) و(ب)، وإثباتها من (ج) هو الصواب.
(٩) في (ج): ليس بحجة، وما أثبت من (أ) و(ب) هو الصواب.
[ ٢٥ / ١٣٠ ]
ومنهم من قال: في المسألة روايتان، قال شيخ الإسلام وهو الأصح كذا في الذخيرة (^١).
وجعل الإمام المحقق شمس الأئمة السرخسي: في المبسوط الاختلاف هو الأصح، فقال: والأصح ما ذكره المعلَّى (^٢)
في نوادره (^٣)، أن على قول أبي يوسف الجحود يكون رجوعًا عن الوصية، وعلى قول محمد لا يكون رجوعًا، كذا في الباب الأول من وصايا المبسوط (^٤).
ولمحمد أن الجحود نفي في الماضي إلى آخره (^٥).
فتأخير دليل محمد: يدل على أن المصنف: اختار قول محمد:، ولكنه ذكر في الذخيرة فقال: وما ذكر في الوصايا هو الأصح وهو قول أبي يوسف: على ما ذكرنا؛ فوجهه الأصح أن الجحود كذب حقيقة، إلا أنه يحتمل الفسخ مجازًا، فيحمل على المجاز وهو الفسخ صيانة لكلام العاقل عن الإلغاء بقدر الممكن، وأمكن حمله على الفسخ؛ لأن الموصي ينفرد بفسخ الوصية.
بخلاف البيع والإجارة إذا جحد أحد المتعاقدين؛ لأن هناك تعذر حمله على الفسخ، لأن أحد المتعاقدين هناك لا ينفرد بالفسخ حتى لو تجاحدا، نقول بانفساخ العقد.
وبخلاف ما لو جحد الزوج النكاح من الأصل بأن قال: لم أتزوجكِ؛ لأن هناك تعذر حمله على الفسخ أيضًا، لأن النكاح لا يحتمل الفسخ ولا يمكن أن يجعل كناية عن الطلاق إذ ليس بينهما مشابهة؛ لأن الجحود ينفي العقد والطلاق يقطع العقد ولا ينفي، وتعذر إثبات الطلاق بطريق الإضمار؛ لأنه إنما تصح نية (^٦) الإضمار فيما لو صرح به يستقيم؛ ولو صرح بالطلاق فقال: لم أتزوجك لأني طلقتك لم يصح.
بخلاف قوله: لا نكاح بيني وبينك أو لست لي بامرأة أو ما أنا بزوجك، ونوى الطلاق على قول أبي حنيفة: لأن هناك أمكن إضمار الطلاق.
_________________
(١) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٦٣).
(٢) هو المعلى بن منصور الرازي أبو يعلى: من رجال الحديث، المصنفين فيه. ثقة نبيل، من أصحاب أبي يوسف ومحمد بن الحسن صاحبي أبي حنيفة. حدث عنهما وعن غيرهما، وأخذ عنه كثيرون. وطلب للقضاء غير مرة فأبى. سكن بغداد توفي سنة ٢١١ هـ. من كتبه: "النوادر" و"الأمالي" كلاهما في الفقه. ينظر: التاريخ الكبير (٧/ ٣٩٤)، تاريخ بغداد (١٣/ ١٨٨)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٣٦٧).
(٣) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٦٣).
(٤) ينظر: المبسوط (٢٧/ ١٦٣).
(٥) وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْجُحُودَ نَفْيٌ فِي الْمَاضِي وَالِانْتِفَاءُ فِي الْحَالِ ضَرُورَةُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فِي الْحَالِ كَانَ الْجُحُودُ لَغْوًا. ينظر: الهداية (٤/ ٥١٧)، العناية (١٠/ ٤٣٨)، البناية (١٣/ ٤١٣).
(٦) في (ج): منه، وما أثبت من (أ) و(ب) قريب منه.
[ ٢٥ / ١٣١ ]
ألا ترى أنه لو صرح به، فقال: لا نكاح بيني وبينك أو لستِ لي بامرأة لأني طلقتك؛ صح؛ فكذا إذا أضمر، وقوله: وإذا كان ثابتًا في الحال (^١)، كان الجحود لغوًا؛ وذلك لأن الجحود لما كان نفيًا في الماضي والانتفاء في الحال ضروري، فيكون النفي في الماضي متضمنًا للانتفاء في الحال، فمهما كان كاذبًا في النفي لم يثبت المتضمن، وإذا لم يثبت هو لم يثبت المتضمن فيبقى الحق (^٢) ثابتًا في الحال، ويكون وصية للوارث، وقد ذكرنا حكمه وهو أن الورثة (^٣) بالخيار إن شاءوا أجازوا وإن شاءوا ردوا؛ لأن الوصية للوارث تنفذ بإجازة من الورثة (^٤) كذا في الإيضاح (^٥).
فهي للورثة أي لورثة الموصي لا لفلان ولا لورثته كذا في الإيضاح (^٦).
والله أعلم بالصواب.
* * *