باب الأنجاس وتطهيرها
" تطهير النجاسة واجب من بدن المصلي وثوبه والمكان الذي يصلي عليه " لقوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر:٤] وقال ﵊ " حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء، ولا يضرك أثره " وإذا وجب التطهير بما ذكرنا في الثوب وجب في البدن والمكان فإن الإستعمال في حالة الصلاة يشمل الكل " ويجوز تطهيرها بالماء وبكل مائع طاهر يمكن إزالتها به كالخل وماء الورد ونحوه مما إذا عصر إنعصر " وهذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وقال محمد وزفر والشافعي ﵏ لا يجوز إلا بالماء لأنه يتنجس بأول الملاقاة والنجس لا يفيد الطهارة إلا أن هذا القياس ترك في الماء للضرورة ولهما أن المائع قالع والطهورية بعلة القلع والإزالة والنجاسة للمجاورة فإذا إنتهت أجزاء النجاسة يبقى طاهرا وجواب الكتاب لا يفرق بين الثوب والبدن وهذا قول أبي حنيفة ﵀ وإحدى الروايتين عن أبي يوسف ﵀ وعنه أنه فرق بينهما فلم يجوز في البدن بغير الماء " وإذا أصاب الخف نجاسة لها جرم كالروث والعذرة والدم والمني فجفت فدلكه بالأرض جاز " وهذا استحسان " وقال محمد ﵀: لا يجوز " وهو القياس " إلا في المني خاصة " لأن المتداخل في الخف لا يزيله الجفاف والدلك بخلاف المني على ما نذكره ولهما قوله ﵊ " فإن كان بهما أذى فليمسحهما بالأرض فإن الأرض لهما طهور " ولأن الجلد لصلابته لا تتداخله أجزاء النجاسة إلا قليلا ثم يجتذبه الجرم إذا جف فإذا زال زال ما قام به " وفي الرطب لا يجوز حتى يغسله " لأن المسح بالأرض يكثره ولا يطهره وعن أبي يوسف ﵀ أنه إذا مسحه بالأرض حتى لم يبق أثر النجاسة يطهر لعموم البلوى وإطلاق ما يروى وعليه مشايخنا ﵏ " فإن أصابه بول فيبس لم يجز حتى يغسله " وكذا كل ما لا جرم له كالخمر لأن الأجزاء تتشرب فيه ولا جاذب يجذبها وقيل ما يتصل به من الرمل والرماد جرم له " والثوب لا يجزي فيه إلا الغسل وإن يبس " لأن الثوب لتخلخله يتداخله كثير من أجزاء النجاسة فلا يخرجها إلا الغسل "والمني نجس يجب غسله إن كان رطبا فإذا جف على الثوب أجزأ فيه الفرك" لقوله ﵊ لعائشة ﵂ " فاغسليه إن كان رطبا وافركيه إن كان
[ ١ / ٣٦ ]
يابسا " وقال الشافعي ﵀ المني طاهر والحجة عليه ما رويناه وقال ﵊ إنما يغسل الثوب من خمس وذكر منها المني ولو أصاب البدن.
قال مشايخنا ﵏: يطهر بالفرك لأن البلوى فيه أشد وعن أبي حنيفة ﵀ أنه لا يطهر إلا بالغسل لأن حرارة البدن جاذبة فلا يعود إلى الجرم والبدن لا يمكن فركه " والنجاسة إذا أصابت المرآة أو السيف إكتفى بمسحهما " لأنه لا تتداخله النجاسة وما على ظاهره يزول بالمسح " وإن أصابت الأرض نجاسة فجفت بالشمس وذهب أثرها جازت الصلاة على مكانها " وقال زفر والشافعي رحمهما الله لا تجوز لأنه لم يوجد المزيل " و" لهذا " لا يجوز التيمم به " ولنا قوله ﵊ " زكاة الأرض يبسها " وإنما لا يجوز التيمم به لأن طهارة الصعيد ثبتت شرطا بنص الكتاب فلا تتأذى بما ثبت بالحديث " وقدر الدرهم وما دونه من النجس المغلظ كالدم والبول والخمر وخرء الدجاجة وبول الحمار جازت الصلاة معه وإن زاد لم تجز " وقال زفر والشافعي رحمهما الله: قليل النجاسة وكثيرها سواء لأن النص الموجب للتطهير لم يفصل ولنا أن القليل لا يمكن التحرز عنه فيجعل عفوا وقدرناه بقدر الدرهم أخذا عن موضع الاستنجاء ثم يروى اعتبار الدرهم من حيث المساحة وهو قدر عرض الكف في الصحيح ويروى من حيث الوزن وهو الدرهم الكبير المثقال وهو ما يبلغ وزنه مثقالا وقيل في التوفيق بينهما إن الأولى في الرقيق والثانية في الكثيف وإنما كانت نجاسة هذه الأشياء مغلظة لأنها ثبتت بدليل مقطوع به " وإن كانت مخففة كبول ما يؤكل لحمه جازت الصلاة معه حتى يبلغ ربع الثوب " يروى ذلك عن أبي حنيفة ﵀ لأن التقدير فيه بالكثير الفاحش والربع ملحق بالكل في حق بعض الأحكام وعنه ربع أدنى ثوب تجوز فيه الصلاة كالمئزر وقيل ربع الموضع الذي اصابه كالذيل والدخريص وعن أبي يوسف ﵀ شبر في شبر وإنما كان مخففا عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله لمكان الاختلاف في نجاسته أو لتعارض النصين على اختلاف الأصلين " وإذا أصاب الثوب من الروث أو " من " أخثاء البقر أكثر من قدر الدرهم لم تجز الصلاة فيه عند أبي حنيفة ﵀ " لأن النص الوارد في نجاسته وهو ما روي أنه ﵊ رمى بالروثة وقال " هذا رجس أو ركس " لم يعارضه غيره وبهذا يثبت التغليظ عنده والتخفيف بالتعارض " وقالا يجزئه حتى يفحش " لأن للاجتهاد فيه مساغا وبهذا يثبت التخفيف عندهما ولأن فيه ضرورة لامتلاء الطرق بها هي مؤثرة في التخفيف بخلاف بول الحمار لأن الأرض تنشفه.
قلنا الضرورة في النعال قد أثرت في التخفيف مرة حتى تطهر بالمسح فتكفي مؤنتها.
[ ١ / ٣٧ ]
ولا فرق بين مأكول اللحم وغير مأكول اللحم. وزفر ﵀ فرق بينما فوافق أبا حنيفة ﵀ في غير مأكول اللحم ووافقهما في المأكول وعن محمد ﵀ أنه لما دخل الري ورأى البلوى أفتى بأن الكثير الفاحش لا يمنع أيضا وقاسوا عليه طين بخارى وعند ذلك رجوعه في الخف يروى " وإن أصابه بول الفرس لم يفسده حتى يفحش عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله وعند محد ﵀ لا يمنع وإن فحش " لأن بول ما يؤكل لحمه طاهر عنده مخفف نجاسته عند أبي يوسف ﵀ ولحمه مأكول عندهما وأما عند أبي حنيفة ﵀ فالتخفيف لتعارض الآثار "وإن أصابه خرء مالا يؤكل لحمه من الطيور أكثر من قدر الدرهم جازت الصلاة فيه عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى وقال محمد رحمه الله تعالى لا تجوز" فقد قيل إن الاختلاف في النجاسة وقد قيل في المقدار وهو الأصح هو يقول إن التخفيف للضرورة ولا ضرورة لعدم المخالطة فلا يخفف ولهما أنها تذرق من الهواء والتخامي عنه متعذر فتحققت الضرورة ولو وقع في الإناء قيل يفسده وقيل لا يفسده لتعذر صون الأواني عنه " وإن أصابه من دم السمك أو " من " لعاب البغل أو الحمار أكثر من قدر الدرهم أجزأت الصلاة فيه " أما دم السمك فلأنه ليس بدم على التحقيق فلا يكون نجسا وعن أبي يوسف رحمه الله تعالى أنه اعتبر فيه الكثير الفاحش فاعتبره نجسا وأما لعاب البغل والحمار فلأنه مشكوك فيه فلا يتنجس به الطهر " فإن انتضح عليه البول مثل رءوس الإبر فذلك ليس بشيء " لأنه لا يستطاع الامتناع عنه.
قال: " والنجاسة ضربان مرئية وغير مرئية فما كان منها مرئيا فطهارته زوال عينها " لأن النجاسة حلت المحل باعتبار العين فتزول بزوالها " إلا أن يبقى من أثرها ما تشق إزالته " لأن الحرج مدفوع وهذا يشير إلى أنه لا يشترط الغسل بعد زوال العين وإن زال بالغسل مرة واحدة وفيه كلام " وما ليس بمرئي فطهارته أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر " لأن التكرار لا بد منه للاستخراج ولا يقطع بزواله فاعتبر غالب الظن كما في أمر القبلة وإنما قدروا بالثلاث لأن غالب الظن يحصل عنده فأقيم السبب لظاهر مقامه تيسيرا ويتأيد ذلك بحديث المستيقظ من منامه ثم لا بد من العصر في كل مرة في ظاهر الرواية لأنه هو المستخرج.
[ ١ / ٣٨ ]