وَغير ذَلِك فِي الْبَاب فُصُول بَيَان الْمُرَابَحَة وَبَيَان الْإِقَالَة وَبَيَان حكم الِاسْتِبْرَاء وَبَيَان جَوَاز التَّفْرِيق بَين ذَوي الرَّحِم الْمحرم وتحريمه فِي البيع
أما الأول فَنَقُول البيع فِي حق الْبَدَل يَنْقَسِم خَمْسَة أَقسَام بيع المساومة وَهُوَ البيع بِأَيّ ثمن اتّفق وَهُوَ الْمُعْتَاد
وَالثَّانِي بيع الْمُرَابَحَة وَهُوَ تمْلِيك الْمَبِيع بِمثل الثّمن الأول وَزِيَادَة ربح
وَالثَّالِث بيع التَّوْلِيَة وَهُوَ تمْلِيك الْمَبِيع بِمثل الثّمن الأول من غير زِيَادَة وَلَا نُقْصَان
وَالرَّابِع الْإِشْرَاك وَهُوَ بيع التَّوْلِيَة فِي بعض الْمَبِيع من النّصْف وَالثلث وَغير ذَلِك
وَالْخَامِس بيع الوضيعة وَهُوَ تمْلِيك الْمَبِيع بِمثل الثّمن الأول مَعَ نُقْصَان شَيْء مِنْهُ
[ ٢ / ١٠٥ ]
ثمَّ الأَصْل فِي بيع الْمُرَابَحَة أَنه مَبْنِيّ على الْأَمَانَة فَإِنَّهُ بيع بِالثّمن الأول بقول البَائِع من غير بَيِّنَة وَلَا استحلاف فَيجب صيانته عَن حَقِيقَة الْخِيَانَة وَشبههَا فَإِذا ظَهرت الْخِيَانَة يجب رده كالشاهد يجب قبُول قَوْله فَإِذا ظَهرت الْخِيَانَة يرد قَوْله كَذَا هَذَا
إِذا ثَبت هَذَا فَنَقُول إِذا بَاعَ شَيْئا مُرَابحَة على الثّمن الأول فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون الثّمن من ذَوَات الْأَمْثَال كالدراهم وَالدَّنَانِير والمكيل وَالْمَوْزُون والمعدود المتقارب أَو يكون من الْأَعْدَاد المتفاوتة مثل العبيد والدور وَالثيَاب وَالرُّمَّان والبطاطيخ وَنَحْوهَا
أما إِذا كَانَ الثّمن الأول مثلِيا فَبَاعَهُ مُرَابحَة على الثّمن الأول وَزِيَادَة ربح فَيجوز سَوَاء كَانَ الرِّبْح من جنس الثّمن الأول أَو لم يكن بعد أَن يكون شَيْئا مُقَدرا مَعْلُوما نَحْو الدِّرْهَم والخمسة وثوب مشار إِلَيْهِ أَو دِينَار لِأَن الثّمن الأول مَعْلُوم وَالرِّبْح مَعْلُوم
فَأَما إِذا كَانَ الثّمن الأول لَا مثل لَهُ فَإِن أَرَادَ أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة عَلَيْهِ فَهَذَا على وَجْهَيْن إِمَّا أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة مِمَّن كَانَ الْعرض فِي يَده وَملكه أَو من غَيره
فَإِن بَاعه مِمَّن لَيْسَ فِي ملكه وَيَده لَا يجوز لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة بذلك الْعرض أَو بِقِيمَتِه وَلَا وَجه للْأولِ لِأَن الْعرض لَيْسَ فِي ملك من يَبِيعهُ مِنْهُ وَلَا وَجه أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة بِقِيمَتِه لِأَن الْقيمَة تعرف بالحزر وَالظَّن فيتمكن فِيهِ شُبْهَة الْخِيَانَة
وَأما إِذا أَرَادَ أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة مِمَّن كَانَ الْعرض فِي يَده وَملكه فَهَذَا على وَجْهَيْن إِن قَالَ أبيعك مُرَابحَة بِالثَّوْبِ الَّذِي فِي يدك وبربح عشرَة
[ ٢ / ١٠٦ ]
دَرَاهِم جَازَ لِأَنَّهُ جعل الرِّبْح على الثَّوْب عشرَة دَرَاهِم وَهِي مَعْلُومَة
وَإِن قَالَ أبيعك بذلك الثَّوْب بِرِبْح ده يازده فَإِنَّهُ لَا يجوز لِأَن تَسْمِيَة ربح ده يازده أَو أحد عشر يَقْتَضِي أَن يكون الرِّبْح من جنس رَأس المَال لِأَنَّهُ لَا يكون أحد عشر إِلَّا وَأَن يكون الْحَادِي عشر من جنس الْعشْرَة فَصَارَ كَأَنَّهُ بَاعَ بِالثّمن الأول وَهُوَ الثَّوْب وبجزء من جنس الأول وَالثَّوْب لَا مثل لَهُ من جنسه
ثمَّ فِي بيع الْمُرَابَحَة يعْتَبر رَأس المَال وَهُوَ الثّمن الأول أَي مَا ملك الْمَبِيع بِهِ وَوَجَب بِالْعقدِ دون مَا نَقده بَدَلا عَن الأول بَيَانه إِذا اشْترى ثوبا بِعشْرَة دَرَاهِم ثمَّ أعْطى عَنْهَا دِينَارا أَو ثوبا قِيمَته عشرَة دَرَاهِم أَو أقل أَو أَكثر فَإِن رَأس المَال هُوَ الْعشْرَة الْمُسَمَّاة فِي العقد دون الدِّينَار وَالثَّوْب لِأَن هَذَا يجب بِعقد آخر وَهُوَ الِاسْتِبْدَال
وَكَذَلِكَ من اشْترى ثوبا بِعشْرَة وَهِي خلاف نقد الْبَلَد ثمَّ قَالَ لآخر أبيعك هَذَا الثَّوْب بِرِبْح دِرْهَم لزمَه عشرَة مثل الَّتِي وَجَبت بِالْعقدِ
وَإِن كَانَ يُخَالف نقد الْبَلَد وَالرِّبْح يكون من نقد الْبَلَد لِأَنَّهُ أطلق الرِّبْح فَيَقَع على نقد الْبَلَد
وَلَو نسب الرِّبْح إِلَى رَأس المَال فَقَالَ أبيعك بِرِبْح الْعشْرَة أَو ده يَا زده أَو بِرِبْح أحد عشر فَالرِّبْح من جنس الثّمن الأول لِأَنَّهُ جعله جُزْءا مِنْهُ فَكَانَ على صفته
وَلَو اشْترى ثوبا بِعشْرَة دَرَاهِم جِيَاد ثمَّ إِنَّه دفع إِلَى البَائِع عشرَة دَرَاهِم بَعْضهَا جِيَاد وَبَعضهَا زيوف وَتجوز بذلك البَائِع ثمَّ أَرَادَ أَن
[ ٢ / ١٠٧ ]
يَبِيعهُ مُرَابحَة جَازَ لَهُ أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة على الْعشْرَة الْجِيَاد من غير بَيَان لِأَن الْمُسَمّى الْمَضْمُون بِالْعقدِ هُوَ الْجِيَاد لَكِن جعل الرَّديئَة بَدَلا عَن الأول بِعقد آخر
وَلَو اشْترى ثوبا بِعشْرَة نَسِيئَة فَبَاعَهُ مُرَابحَة على الْعشْرَة وَبَين أَنه اشْتَرَاهُ بهَا نَسِيئَة لَا يكره لِأَنَّهُ لم يُوجد الْخِيَانَة حَيْثُ أعلم المُشْتَرِي بذلك وَرَضي بِهِ فَأَما إِذا بَاعَ مُرَابحَة على الْعشْرَة من غير بَيَان النَّسِيئَة فَإِنَّهُ يكره وَالْبيع جَائِز وَللْمُشْتَرِي الْخِيَار إِذا علم لِأَنَّهُ وجد الْغرُور والخيانة لِأَن المُشْتَرِي إِنَّمَا اشْتَرَاهُ مُرَابحَة على الْعشْرَة على تَقْدِير أَن الثّمن فِي البيع الأول عشرَة بطرِيق النَّقْد وَيخْتَلف ثمن الْمَبِيع بَين النَّسِيئَة والنقد فَيثبت لَهُ الْخِيَار كَمَا لَو اشْترى برقمه ثمَّ علم فِي الْمجْلس يثبت لَهُ الْخِيَار كَذَا هَذَا بِخِلَاف مَا إِذا بَاعه مساومة بِأَكْثَرَ من قِيمَته ثمَّ علم المُشْتَرِي بِأَنَّهُ اشْترى بِأَقَلّ من ذَلِك لَا يكون لَهُ الْخِيَار لِأَن المُشْتَرِي لم يصر مغرورا من جِهَته
وَلَو قَالَ إِن قِيمَته كَذَا وَهُوَ أَكثر من قِيمَته وَالْمُشْتَرِي لَا يعرف قيمَة الْأَشْيَاء وَاشْتَرَاهُ بِنَاء على قَول البَائِع فَإِنَّهُ يكون لَهُ الْخِيَار لِأَنَّهُ يصير غارا أما إِذا كَانَ عَالما بِالْقيمَةِ وَاشْتَرَاهُ بِأَكْثَرَ من ذَلِك لغَرَض لَهُ فِي ذَلِك فَلَا بَأْس بِهِ وأصحابنا يفتون فِي المغبون أَنه لَا يرد وَلَكِن هَذَا فِي مغبون لم يغر أما فِي مغبون غر فَيكون لَهُ حق الرَّد اسْتِدْلَالا بِمَسْأَلَة الْمُرَابَحَة فِي النَّسِيئَة
وَلَو اشْترى بدين لَهُ على رجل فَلهُ أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة من غير بَيَان لِأَنَّهُ اشْترى بِثمن فِي ذمَّته لِأَن الدّين لَا يتَعَيَّن ثمنا
وَإِن أَخذ ثوبا صَالحا من دين لَهُ على رجل لَيْسَ لَهُ أَن يَبِيعهُ مُرَابحَة على ذَلِك الدّين لِأَن مبْنى الصُّلْح على الْحَط
[ ٢ / ١٠٨ ]
وَلَو اشْترى ثوبا بِعشْرَة ثمَّ رقمه بِأَكْثَرَ من الثّمن وَهُوَ قِيمَته فَإِن كَانَ قِيمَته أَكثر من ذَلِك ثمَّ بَاعه مُرَابحَة على الرقم جَازَ وَلَا يكون خِيَانَة لِأَنَّهُ بَاعَ الْمَبِيع من غير خِيَانَة حَيْثُ ذكر الرقم وَلَكِن هَذَا إِذا كَانَ عِنْد البَائِع أَن المُشْتَرِي يعلم أَن الرقم غير وَالثمن غير وَأما إِذا كَانَ عِنْده أَن المُشْتَرِي يعلم أَن الرقم وَالثمن سَوَاء فَإِنَّهُ يكون خِيَانَة وَله الْخِيَار
وَكَذَا لَو ملك شَيْئا بِالْمِيرَاثِ أَو الْهِبَة فقومه رجل عدل بِقِيمَة عدل ثمَّ بَاعه مُرَابحَة على قِيمَته وَهِي كَذَا لَا بَأْس بِهِ لِأَنَّهُ صَادِق فِي مقَالَته
وَلَو اشْترى شَيْئا بِعشْرَة دَرَاهِم فَقَالَ لرجل آخر اشْتريت هَذَا بِاثْنَيْ عشر وأبيعك مُرَابحَة بِرِبْح دِرْهَم ثمَّ ظهر أَن الثّمن الأول كَانَ عشرَة إِمَّا بِإِقْرَار البَائِع أَو بِالْبَيِّنَةِ قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد رَحْمَة الله عَلَيْهِمَا لَا يحط قدر الْخِيَانَة من الثّمن وَلَكِن يتَخَيَّر المُشْتَرِي إِن شَاءَ فسخ البيع وَإِن شَاءَ رَضِي ربه بِجَمِيعِ الثّمن
وَقَالَ أَبُو يُوسُف بِأَنَّهُ يحط قدر الْخِيَانَة وحصته من الرِّبْح وَيكون العقد لَازِما بِالْبَاقِي من الثّمن فيحط عَنهُ دِرْهَمَانِ وحصتهما من الرِّبْح وَذَلِكَ سدس دِرْهَم
هَذَا فِي بيع الْمُرَابَحَة
فَأَما إِذا خَان فِي بيع التَّوْلِيَة فقد قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف يحط قدر الْخِيَانَة وَيلْزم البيع بِالثّمن الْبَاقِي بِلَا خِيَار
وَقَالَ مُحَمَّد بِأَنَّهُ لَا يحط قدر الْخِيَانَة لَكِن يتَخَيَّر المُشْتَرِي مَا دَامَ الْمَبِيع قَائِما فَإِذا هلك سقط خِيَاره
[ ٢ / ١٠٩ ]
فَأَبُو يُوسُف سوى بَين التَّوْلِيَة والمرابحة وَقَالَ يحط قدر الْخِيَانَة فيهمَا وَيلْزم العقد بِالْبَاقِي فيهمَا
وَمُحَمّد سوى بَينهمَا وَقَالَ لَا يحط قدر الْخِيَانَة فيهمَا وَيثبت لَهُ الْخِيَار
وَأَبُو حنيفَة فرق فَقَالَ يحط قدر الْخِيَانَة فِي التَّوْلِيَة وَلَا يحط فِي الْمُرَابَحَة
ثمَّ الأَصْل أَن كل نَفَقَة ومؤونة حصلت فِي السّلْعَة وأوجبت زِيَادَة فِي الْمَعْقُود عَلَيْهِ إِمَّا من حَيْثُ الْعين أَو من حَيْثُ الْقيمَة وَكَانَ ذَلِك مُعْتَادا إِلْحَاقًا بِرَأْس المَال عِنْد التِّجَارَة فَإِنَّهُ يلْحق بِرَأْس المَال كَأُجْرَة القصارة والخياطة والكراء وَطَعَام الرَّقِيق وكسوتهم وعلف الدَّوَابّ وثيابهم وَنَحْو ذَلِك فبيعه مُرَابحَة عَلَيْهِ وَلَا يَقُول عِنْد البيع إِن ثمنه كَذَا وَلَكِن يَقُول يقوم عَليّ بِكَذَا فأبيعك على هَذَا مَعَ ربح كَذَا حَتَّى لَا يكون كَاذِبًا فِي كَلَامه
أما أُجْرَة تَعْلِيم الْقُرْآن وَالْأَدب وَالشعر والحرف فَإِنَّهَا لَا تلْحق بِرَأْس المَال وَإِن أوجبت زِيَادَة فِي الْقيمَة لِأَنَّهَا لَيست بمتعارفة عِنْد التُّجَّار
وَكَذَا أُجْرَة الطَّبِيب وَثمن الدَّوَاء وَأُجْرَة الفصاد والحجام وَأُجْرَة الْخِتَان والبزاغ وَأُجْرَة الرائض والراعي وَجعل الْآبِق لِأَن عَادَة التُّجَّار هَكَذَا
وَأما أُجْرَة السمسار فَفِي ظَاهر الرِّوَايَة يلْحق بِرَأْس المَال وَفِي البرامكة قَالَ لَا يلْحق
وَأما الْإِقَالَة فمشروعة لقَوْله ﵊ من أقَال نَادِما بيعَته أقَال الله عثرته يَوْم الْقِيَامَة
ثمَّ اخْتلفُوا فِيهَا قَالَ أَبُو حنيفَة هِيَ فسخ فِي حق الْمُتَعَاقدين بيع جَدِيد فِي حق
[ ٢ / ١١٠ ]
الثَّالِث حَتَّى إِن من اشْترى دَارا وَلها شَفِيع فَسلم الشُّفْعَة ثمَّ أقالا البيع فِيهَا فَإِنَّهُ يثبت للشَّفِيع الشُّفْعَة ثَانِيًا لِأَنَّهَا عقد جَدِيد فِي حق الشَّفِيع
وَقَالَ مُحَمَّد الْإِقَالَة فسخ إِلَّا إِذا كَانَ لَا يُمكن أَن تجْعَل فسخا فتجعل بيعا جَدِيدا
وَقَالَ أَبُو يُوسُف هِيَ بيع جَدِيد مَا أمكن فَإِن لم يُمكن تجْعَل فسخا بِأَن كَانَت الْإِقَالَة قبل قبض الْمَبِيع وَهُوَ مَنْقُول فَإِنَّهَا تجْعَل فسخا لِأَن بيع الْمَنْقُول قبل الْقَبْض لَا يجوز حَتَّى إِذا كَانَ الْمَبِيع دَارا وأقالا قبل الْقَبْض يكون بيعا لِأَن بيع الْعقار الْمَبِيع قبل الْقَبْض جَائِز عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف رحمهمَا الله
وَقَالَ زفر هِيَ فسخ فِي حق الْمُتَعَاقدين وَغَيرهمَا حَتَّى لَا يَقُول بِثُبُوت الشُّفْعَة كَمَا قَالَ أَبُو حنيفَة
ويبنى على هَذَا أَنَّهُمَا إِذا تقابلا بِأَكْثَرَ من الثّمن الأول أَو بِأَقَلّ أَو بِجِنْس آخر أَو أجل الثّمن فِي الْإِقَالَة فعلى قَول أبي حنيفَة تصح الْإِقَالَة بِالثّمن الأول وَيبْطل مَا شرطاه لِأَنَّهَا فسخ فِي حق الْمُتَعَاقدين وَالْفَسْخ يكون بِالثّمن الأول وَيبْطل الشَّرْط الْفَاسِد
وَهُوَ قَول زفر لِأَنَّهَا فسخ مَحْض فِي حق النَّاس كَافَّة
وعَلى قَول الشَّافِعِي الْإِقَالَة بَاطِلَة هَهُنَا لِأَنَّهُمَا أدخلا فِيهَا شرطا فَاسِدا فَهِيَ كَالْبيع
وَقَالَ مُحَمَّد إِن كَانَت الْإِقَالَة بِغَيْر الثّمن الأول أَو بِأَكْثَرَ مِنْهُ فَهِيَ بيع
وَإِن كَانَت بِمثل الثّمن الأول أَو أقل فَهِيَ فسخ بِالثّمن وَيبْطل شَرط النُّقْصَان وَكَذَلِكَ إِن أجل يبطل الْأَجَل
[ ٢ / ١١١ ]
وعَلى قَول أبي يُوسُف يَصح بِمَا ذكرا من الثّمن وشرطا بِهِ من الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان وَالْأَجَل لِأَنَّهَا بيع جَدِيد مَا أمكن وَهُوَ مُمكن
وَأما بَيَان حكم الِاسْتِبْرَاء فَنَقُول الِاسْتِبْرَاء مَشْرُوع
وَهُوَ نَوْعَانِ مَنْدُوب وواجب
فالاستبراء الْمَنْدُوب إِلَيْهِ هُوَ أَن الرجل إِذا وطىء جَارِيَته ثمَّ أَرَادَ بيعهَا يسْتَحبّ لَهُ أَن يَسْتَبْرِئهَا بِحَيْضَة ثمَّ يَبِيعهَا عِنْد عَامَّة الْعلمَاء
وَقَالَ مَالك وَاجِب لِأَن احْتِمَال الْعلُوق مِنْهُ قَائِم فَيجب عَلَيْهِ صِيَانة مَائه عَن الضّيَاع
وَلَكِن عندنَا لَا يجب لِأَن سَبَب الْوُجُوب لم يُوجد على مَا نذْكر
وَأما الِاسْتِبْرَاء الْوَاجِب فَهُوَ الِاسْتِبْرَاء على من يحدث لَهُ ملك الِاسْتِمْتَاع بِملك الْيَمين بِأَيّ سَبَب كَانَ من السَّبي وَالشِّرَاء وَالْهِبَة وَالْوَصِيَّة وَالْمِيرَاث وَنَحْوهَا
وَأَصله مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاس أَلا لَا تُوطأ الحبالى حَتَّى يَضعن حَملهنَّ وَلَا الحيالى حَتَّى يستبرئن بِحَيْضَة أوجب الِاسْتِبْرَاء على السابي والسبي سَبَب حُدُوث ملك الِاسْتِمْتَاع بِملك الْيَمين فَيكون نصا فِي كل مَا هُوَ سَبَب حل الِاسْتِمْتَاع بِملك الْيَمين دلَالَة
[ ٢ / ١١٢ ]
ثمَّ مِقْدَار مُدَّة الِاسْتِبْرَاء هِيَ فِي الْحَيْضَة حق ذَوَات الْأَقْرَاء وَفِي حق ذَوَات الْأَشْهر شهر وَاحِد
لِأَن الِاسْتِبْرَاء إِنَّمَا يجب صِيَانة للْمَاء كي لَا يخْتَلط مَاؤُهُ بِمَاء غَيره فَلَا بُد لَهُ من الْمدَّة وَأَقل الْمدَّة هَذَا
وَإِن كَانَت الْجَارِيَة ممتدة الطُّهْر بِأَن كَانَت شَابة لَا تحيض فَإِن استبراءها لَا يكون بِشَهْر وَاحِد كَمَا فِي الآيسة وَاخْتلف الْعلمَاء فِي مُدَّة استبرائها حَتَّى يُبَاح للْمُشْتَرِي وَطْؤُهَا عِنْد مضيها قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف لَا يَطَأهَا حَتَّى يمْضِي عَلَيْهَا مُدَّة لَو كَانَت حَامِلا لظهر آثَار الْحمل من انتفاخ الْبَطن وَغَيره وَذَلِكَ ثَلَاثَة أشهر وَمَا زَاد عَلَيْهِ
وَقَالَ مُحَمَّد أَولا بِأَنَّهُ لَا يَطَأهَا حَتَّى يمْضِي عَلَيْهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشرَة أَيَّام ثمَّ رَجَعَ وَقَالَ شَهْرَان وَخَمْسَة أَيَّام
وَقَالَ زفر لَا يَطَأهَا حَتَّى تمْضِي سنتَانِ
ثمَّ مَا لم تمض مُدَّة الِاسْتِبْرَاء لَا يحل للْمَالِك أَن يَطَأهَا وَأَن يقبلهَا ويمسها لشَهْوَة وَأَن ينظر إِلَى عورتها بِالنَّصِّ الَّذِي روينَا
وبالمعنى الَّذِي ذكرنَا من صِيَانة المَاء وَسَوَاء وَطئهَا أَو لَا أَو كَانَ بَائِعهَا مِمَّن لَا يَطَؤُهَا كَالْمَرْأَةِ وَالصَّبِيّ لِأَن احْتِمَال الْوَطْء من غَيره قَائِم
ثمَّ إِنَّمَا يعْتَبر الِاسْتِبْرَاء بعد الْقَبْض حَتَّى لَو مَضَت مُدَّة الِاسْتِبْرَاء بعد البيع قبل الْقَبْض ثمَّ قبضهَا يجب الِاسْتِبْرَاء
هَذَا هُوَ الْمَشْهُور من مَذْهَب أَصْحَابنَا جَمِيعًا
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه يجْزِيه الِاسْتِبْرَاء قبل الْقَبْض
وَلَو اشْترى جَارِيَة حَامِلا فَوضعت الْحمل بعد الْقَبْض يُبَاح الْوَطْء لِأَن وضع الْحمل كَونه دَلِيلا على بَرَاءَة الرَّحِم فَوق الْقُرْء
[ ٢ / ١١٣ ]
وَإِن كَانَ الْوَضع قبل الْقَبْض فَلَا عِبْرَة لما ذكرنَا أَنه إِنَّمَا يجب سَبَب حُدُوث حل الِاسْتِمْتَاع بِملك الْيَمين وَإِنَّمَا يحل الْوَطْء بعد الْقَبْض فَلَا يجب قبل وجود سَبَب الْوُجُوب
وعَلى هَذَا إِذا اشْترى جَارِيَة لَهَا زوج وَقَبضهَا وَطَلقهَا زَوجهَا قبل الدُّخُول بهَا فَلَا اسْتِبْرَاء عَلَيْهِ لِأَن السَّبَب غير مُوجب الِاسْتِبْرَاء عِنْد الْقَبْض بِسَبَب كَونهَا حَلَالا لزوج فَلَا يجب بعد ذَلِك
وعَلى هَذَا إِذا اشْتَرَاهَا وَهِي مُعْتَدَّة من زوج فانقضت عدتهَا بعد الْقَبْض لِأَنَّهَا لَا تجب حَال وجود السَّبَب لمَانع فَلَا يجب بعد ذَلِك
وَلَو انْقَضتْ الْعدة قبل الْقَبْض يجب الِاسْتِبْرَاء بعد الْقَبْض لما قُلْنَا
وَلَو حرم فرج الْأمة على مَوْلَاهَا على وَجه لَا يخرج عَن ملكه لمَانع بَعْدَمَا كَانَ حَلَالا واستبرأها بعد الْقَبْض ثمَّ زَالَ ذَلِك الْمَانِع بعد الشِّرَاء حل الْوَطْء وَلَا اسْتِبْرَاء عَلَيْهِ كَمَا إِذا كاتبها فتعجز أَو زَوجهَا فيطلقها الزَّوْج قبل الدُّخُول أَو ترتد عَن الْإِسْلَام ثمَّ تسلم أَو أَحرمت بِالْحَجِّ بِإِذن سَيِّدهَا ثمَّ حلت لِأَن هَذَا تَحْرِيم عَارض مَعَ بَقَاء الْملك الْمُبِيح فَلَا يمْنَع صِحَة الِاسْتِبْرَاء فَصَارَ كَمَا لَو حَاضَت ثمَّ طهرت
وَلَو اشْترى أمة مَجُوسِيَّة أَو مسلمة فكاتبها قبل أَن يَسْتَبْرِئهَا أَو اشْترى جَارِيَة مُحرمَة فَحَاضَت فِي حَال كتَابَتهَا ومجوسيتها وَحَال إحرامها بعد الْقَبْض ثمَّ عجزت الْمُكَاتبَة وَأسْلمت الْمَجُوسِيَّة وحلت الْمُحرمَة عَن الْإِحْرَام فَإِنَّهُ يجتزىء تِلْكَ الْحَيْضَة من الِاسْتِبْرَاء لِأَنَّهَا وجدت بعد وجود سَبَب الِاسْتِبْرَاء وَهُوَ حُدُوث ملك الْيَمين الْمُوجب لملك الِاسْتِمْتَاع إِلَّا أَنه لَا يحل الِاسْتِيفَاء لمَانع وَهَذَا لَا يمْنَع من الِاعْتِدَاد كالحيض بِخِلَاف مَا إِذا اشْترى جَارِيَة بيعا فَاسِدا وَقَبضهَا ثمَّ حَاضَت حَيْضَة ثمَّ اشْتَرَاهَا بعد ذَلِك شِرَاء صَحِيحا حَيْثُ لَا يعْتد
[ ٢ / ١١٤ ]
بِتِلْكَ الْحَيْضَة عَن الِاسْتِبْرَاء لِأَن الشِّرَاء الْفَاسِد لَا يُوجب ملك الِاسْتِمْتَاع وَإِن اتَّصل بِهِ الْقَبْض
وَأما التَّفْرِيق بَين الصَّغِير وَبَين ذَوي الْأَرْحَام المجتمعة فِي الْملك فَنَقُول لَا خلاف أَن التَّفْرِيق فِي الولاد مَكْرُوه كالتفريق بَين الْأَب وَابْنه وَنَحْو ذَلِك
وَأما فِيمَن سواهُم من ذَوي الرَّحِم الْمحرم كالإخوة وَالْأَخَوَات والأعمام والعمات والأخوال والخالات فَإِنَّهُ يكره التَّفْرِيق أَيْضا عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ
وَأَصله مَا رُوِيَ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ من فرق بَين وَالِدَة وَوَلدهَا فرق الله بَينه وَبَين الْجنَّة وذوو الْأَرْحَام مُلْحقَة بالولاد فِي بَاب الْمُحرمَات احْتِيَاطًا لحُرْمَة النِّكَاح
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يلْحق ذُو الْأَرْحَام بالولاد كَمَا فِي الْعتْق وَالنَّفقَة
وَإِنَّمَا يُبَاح التَّفْرِيق بعد الْبلُوغ
وَقَالَ الشَّافِعِي إِذا بلغ سبع سِنِين جَازَ التَّفْرِيق
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لما روى الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادِهِ عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ لَا يجمع عَلَيْهِم السَّبي والتفريق حَتَّى يبلغ الْغُلَام وتحيض الْجَارِيَة
ثمَّ مَتى فرق بَينهمَا بِالْبيعِ جَازَ مَعَ الْكَرَاهَة عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي البيع بَاطِل
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ فِي الولاد البيع بَاطِل وَفِي غَيرهم جَائِز مَعَ الْكَرَاهَة
[ ٢ / ١١٥ ]
وَهَذَا بِنَاء على أَن النَّهْي عَن الْمَشْرُوع يَقْتَضِي بطلَان التَّصَرُّف عِنْد الشَّافِعِي وَعِنْدنَا بِخِلَافِهِ لَكِن هَذَا نهي لِمَعْنى فِي غَيره بِمَنْزِلَة البيع وَقت النداء
وَإِذا اجْتمع مَعَ الصَّغِير عدد من أقربائه من الرَّحِم الْمحرم فِي ملك وَاحِد فَعَن أبي يُوسُف رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة بشر أَنه لَا يفرق بَينه وَبَين وَاحِد مِنْهُم اخْتلفت جِهَات قرابتهم كالعمة وَالْخَالَة أَو اتّفقت كالعمين والخالين والأخوين وَكَذَا لَا يفرق بَينه وَبَين الْأَبْعَد وَإِن وجد الْأَقْرَب حَتَّى إِذا اجْتمع مَعَ الصَّغِير أَبَوَاهُ وجداه لم يفرق بَينه وَبَين الجدين لِأَن لكل شخص شَفَقَة على حِدة
وَفِي رِوَايَة ابْن سَمَّاعَة عَنهُ أَنه يجوز التَّفْرِيق بَين الصَّغِير وَبَين الْأَبْعَد إِذا وجد من هُوَ أقرب مِنْهُ
وَذكر مُحَمَّد فِي الزِّيَادَات إِذا اجْتمع مَعَ الصَّغِير أَبَوَاهُ لم يفرق بَينه وَبَين وَاحِد مِنْهُمَا وَجَاز أَن يفرق بَينه وَبَين من سواهُمَا مَعَهُمَا
وَإِذا اجْتمعت الْقرَابَات غير الْأَب وَالأُم فَإِن كَانَت من جِهَات مُخْتَلفَة كَأُمّ الْأَب وَأم الْأُم وَالْخَالَة والعمة لم يفرق بَينه وَبَين وَاحِد مِنْهُم
وَإِن كَانُوا من جِهَة وَاحِدَة كالإخوة أَو العمات أَو الخالات جَازَ بيعهم من غير كَرَاهَة إِلَّا بيع وَاحِد مِنْهُم
وَيجوز بيع الْبعيد إِذا وجد من هُوَ أقرب مِنْهُ لِأَن فِي الْجِنْس الْوَاحِد الشَّفَقَة من جنس وَاحِد فيكتفي بِوَاحِد
وَعند اخْتِلَاف الْجِهَات يخْتَلف الشَّفَقَة فَلِكُل نوع شَفَقَة تخَالف النَّوْع الآخر فَلَا بُد من اجْتِمَاع الْكل
[ ٢ / ١١٦ ]