فِي الصَّلَاة أجمع الْعلمَاء أَن الْحَدث الْعمد مُفسد للصَّلَاة مَانع من الْبناء
وَاخْتلفُوا فِي الْحَدث السَّابِق وَهُوَ الَّذِي سبقه من غير قَصده بِأَن سَالَ من أَنفه دم أَو خرج مِنْهُ ريح وَنَحْو ذَلِك
فَالْقِيَاس أَن يفْسد الصَّلَاة وَيقطع الْبناء وَهُوَ قَول زفر وَالشَّافِعِيّ لِأَن الْحَدث مضاد للصَّلَاة لِأَن الصَّلَاة لَا تجوز من غير طَهَارَة
وَفِي الِاسْتِحْسَان لَا يفْسد وَهُوَ مَذْهَب أَصْحَابنَا للْحَدِيث الْخَاص وَهُوَ مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ من قاء فِي صلَاته أَو رعف فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلَاته مَا لم يتَكَلَّم وَلما رُوِيَ عَن أبي بكر وَعمر وَعلي رضوَان الله عَلَيْهِم أَنهم قَالُوا كَذَلِك وَتَركنَا الْقيَاس بِالْحَدِيثِ وَإِجْمَاع الصَّحَابَة
إِذا ثَبت أَنه جَازَ الْبناء فَكل فعل منَاف للصَّلَاة فِي الأَصْل لَكِن هُوَ من ضرورات الْبناء نَحْو الْمَشْي والاستقاء وَغير ذَلِك لَا يفْسد الصَّلَاة وكل مَا لم يكن من ضروراته يكون مُفْسِدا بِنَاء على الأَصْل
وَتخرج الْمسَائِل على هَذَا
وَلَو أصَاب بدنه أَو ثَوْبه نَجَاسَة لحَدث سبقه فَإِنَّهُ يتَوَضَّأ وَيغسل ذَلِك لِأَن ذَلِك مَانع للْوُضُوء لِأَن الْوضُوء لَا يعْمل بِدُونِهِ
[ ٢١٩ ]
وعَلى هَذَا قَالُوا لَو استنجى على وَجه لَا تنكشف عَوْرَته بِأَن ألْقى الذيل خَلفه وَقَبله لَا تفْسد لِأَن الِاسْتِنْجَاء مِمَّا يحْتَاج إِلَيْهِ لإحراز الْفَضِيلَة
وَلِهَذَا لَو استوعب مسح الرَّأْس وتمضمض واستنشق وأتى بِسَائِر سنَن الْوضُوء فَإِنَّهُ يَبْنِي لِأَنَّهُ من بَاب كَمَال الْوضُوء
وَأما إِذا انكشفت عَوْرَته فَإِنَّهُ يقطع الْبناء لِأَن كشف الْعَوْرَة منَاف للصَّلَاة وَلَا حَاجَة إِلَيْهِ لِأَن أَدَاء الصَّلَاة يجوز بِدُونِ الِاسْتِنْجَاء فِي الْجُمْلَة وَلِهَذَا قُلْنَا إِنَّه فِي الْحَدث الْعمد لَا يَبْنِي لِأَنَّهُ نَادِر وَلَا حرج فِي القَوْل بِقطع الْبناء بِخِلَاف الْحَدث السَّابِق
وعَلى هَذَا إِذا أُغمي عَلَيْهِ أَو جن أَو نَام فِي الصَّلَاة فَاحْتَلَمَ فَأنْزل أَو نظر إِلَى فرج امْرَأَته أَو إِلَى وَجههَا وَأنزل عَن شَهْوَة أَو قهقه فِي صلَاته فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي لِأَن هَذِه الْأَفْعَال مِمَّا لَا يغلب فِي الصَّلَاة
وَلَو أَصَابَهُ الْحَدث بِفعل سماوي بِأَن يسْقط عَلَيْهِ شَيْء من السّقف أَو بِفعل غَيره بِأَن رَمَاه إِنْسَان بِحجر فَشَجَّهُ فَسَالَ الدَّم فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَعند أبي يُوسُف يَبْنِي لِأَن هَذَا حدث حصل بِغَيْر فعله فَصَارَ كالحدث السَّابِق وَالصَّحِيح مَا قَالَا لِأَن هَذَا مِمَّا لَا يغلب فَلَا يلْحق بالغالب وَهُوَ الْحَدث السَّابِق
هَذَا إِذا سبقه الْحَدث فِي وسط الصَّلَاة
فَأَما إِذا سبقه بعد مَا قعد قدر التَّشَهُّد الْأَخير فَإِن عَلَيْهِ أَن يذهب وَيتَوَضَّأ وَيَبْنِي على صلَاته حَتَّى يخرج عَن الصَّلَاة على الْوَجْه الْمسنون بِالسَّلَامِ لِأَن الْحَدث السَّابِق لَا يقطع التَّحْرِيمَة
وَلَو وجد فعل لَيْسَ من أَفعَال الصَّلَاة وَلَا من ضرورات الْوضُوء
[ ٢٢٠ ]
وَالْبناء مثل الْكَلَام وَالْأكل وَالشرب وَنَحْو ذَلِك يقطع الْبناء لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء مُنَافِيَة للصَّلَاة فتتنافى التَّحْرِيمَة فِي حَال الذّهاب والمجيء
وَكَذَلِكَ كل مَا كَانَ نَظِير الْكَلَام معنى بِأَن ذكر الله تَعَالَى وَأَرَادَ بِهِ خطاب إِنْسَان أَو زَجره عَن شَيْء أَو أَرَادَ بِهِ بجوابه عَن شَيْء فَإِنَّهُ يفْسد صلَاته عِنْد أبي حنيفَة وَيقطع الْبناء وَقَالَ أَبُو يُوسُف كل مَا كَانَ من ذكر الله فِي الْوَضع لَا تفْسد بِهِ الصَّلَاة وَلَو نوى خطاب النَّاس بِهِ
وعَلى هَذَا الْخلاف إِذا عطس إِنْسَان فَقَالَ الْحَمد لله فشمته رجل فَقَالَ يَرْحَمك الله تفْسد صلَاته عِنْدهمَا وَعند أبي يُوسُف لَا تفْسد
وَأَجْمعُوا أَن الْمُصَلِّي إِذا قَالَ سُبْحَانَ الله أَو قَالَ الله أكبر وعنى بِهِ إِعْلَام الإِمَام فِيمَا ترك سَاهِيا وَنَحْوه لَا تفْسد صلَاته
وَلَو أَن فِي صلَاته أَو تأوه فَإِن كَانَ من ذكر الْجنَّة أَو النَّار فَصلَاته تَامَّة وَإِن كَانَ لوجع أَو مُصِيبَة فَسدتْ صلَاته
وَقَالَ أَبُو يُوسُف إِذا كَانَ حرفين لَا تفْسد حَتَّى إِذا قَالَ أوه تفْسد
وقولهما أصح لِأَن التأوه إِذا كَانَ من ذكر الْجنَّة النَّار فَكَانَ كِنَايَة عَن سُؤال الْجنَّة والتعوذ من النَّار فَلَا تفْسد فَأَما الأَصْل فَهُوَ أَن الْحُرُوف المهجاة كَلَام النَّاس سَوَاء كَانَ حرفين أَو أَكثر أَلا ترى أَنه إِذا قَالَ أَخ أَخ تفْسد صلَاته دلّ أَن الْمدَار على هَذَا
ثمَّ إِذا جَاءَ الْبناء فِي الْحَدث السَّابِق فَينْظر إِمَّا إِن كَانَ إِمَامًا أَو مقتديا أَو مُنْفَردا
فَإِن كَانَ مُنْفَردا أَو إِمَامًا فَإِن الأولى أَن يعود إِلَى مَكَان صلَاته وَيتم صلَاته وَإِن بنى فِي مَوضِع الْوضُوء جَازَ
[ ٢٢١ ]
وَإِن كَانَ مقتديا بِهِ علم أَن إِمَامه قد فرغ فَكَذَلِك الْجَواب فَأَما إِذا لم يفرغ فَعَلَيهِ أَن يعود إِلَى مَكَان الإِمَام وَيُصلي مَعَ الإِمَام بعد قَضَاء مَا سبق بِهِ لِأَن الْمُتَابَعَة وَاجِبَة عَلَيْهِ حَتَّى إِذا ترك مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ تفْسد صلَاته وَإِنَّمَا يقْضِي مَا فَاتَهُ فِي حَال ذَهَابه ومجيئه أَولا ثمَّ يدْخل فِي صَلَاة الإِمَام لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنى كَأَنَّهُ خلف الإِمَام فَصَارَ كَمَا لَو سبقه الإِمَام بِرُكْن وَهُوَ مَعَه فِي الصَّلَاة فَإِن عَلَيْهِ أَن يُؤَدِّيه أَولا ثمَّ يشرع فِي الرُّكْن الَّذِي فِيهِ الإِمَام لِأَن الْمُتَابَعَة وَاجِبَة على التَّرْتِيب
هَذَا الَّذِي ذكرنَا إِذا سبقه الْحَدث حَقِيقَة فَأَما إِذا انتقضت طَهَارَته بِمَعْنى من الْمعَانِي سوى الْحَدث بِغَيْر صنعه بِأَن كَانَ متيمما فَرَأى المَاء فِي صلَاته أَو صَاحب جرح سَائل فَخرج الْوَقْت أوالماسح على الْخُفَّيْنِ إِذا انْقَضتْ مُدَّة مَسحه وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ لَا يَبْنِي لِأَن فِي هَذِه الْمَوَاضِع تبين أَن الشُّرُوع لم يَصح لِأَنَّهُ يجب عَلَيْهِ الْوضُوء بِالْحَدَثِ السَّابِق على التَّحْرِيمَة وَيجْعَل مُحدثا من ذَلِك الْوَقْت فِي حق الصَّلَاة الَّتِي لم تُؤَد بعد وَإِن بَقِي لَهُ حكم الطَّهَارَة فِي حق الصَّلَاة المؤداة
وَكَذَلِكَ الْجَواب فِي هَذِه الْمَوَاضِع بعد الْقعُود قدر التَّشَهُّد الْأَخير عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما لِأَن الصَّلَاة لم تُؤَد بعد وَلِأَن هَذِه الْمعَانِي الناقضة للطَّهَارَة مِمَّا ينْدر وجودهَا فَلَا تلْحق بِالْحَدَثِ السَّابِق الَّذِي يغلب وجوده
ثمَّ الإِمَام إِذا سبقه الْحَدث فَأَرَادَ أَن يذهب ليتوضأ فَهُوَ على إِمَامَته مَا لم يخرج من الْمَسْجِد أَو يسْتَخْلف رجلا فَيقوم الْخَلِيفَة مقَامه يَنْوِي أَن يؤم النَّاس أَو يسْتَخْلف الْقَوْم رجلا قبل أَن يخرج هُوَ من الْمَسْجِد فَيقوم مقَامه يَنْوِي الْإِمَامَة حَتَّى إِن رجلا لَو دخل الْمَسْجِد ساعتئذ واقتدى بِهِ فَإِنَّهُ يَصح اقْتِدَاؤُهُ وَيصير شَارِعا فِي الصَّلَاة هَكَذَا روى ابْن
[ ٢٢٢ ]
سَمَّاعَة عَن أبي يُوسُف
وَقَالَ بشر المريسي لَا يَصح شُرُوعه فِي الصَّلَاة واقتداؤه بِهِ لِأَن الإِمَام مُحدث والمحدث لَيْسَ فِي الصَّلَاة فَكيف يَصح الِاقْتِدَاء بِهِ فِي صلَاته
وَالصَّحِيح هُوَ الأول لِأَن الْحَدث السَّابِق لَا يُنَافِي التَّحْرِيمَة لِأَن التَّحْرِيمَة شَرط فِي الصَّلَاة فَلَا يشْتَرط لَهَا الطَّهَارَة وَإِنَّمَا يُنَافِي فعل الصَّلَاة وَصِحَّة الِاقْتِدَاء تعتمد قيام التَّحْرِيمَة لَا قيام نفس الصَّلَاة وَلِهَذَا يَصح استخلافه وَلم تبطل صَلَاة الْقَوْم ويمكنه الْبناء على صلَاته فَدلَّ أَن التَّحْرِيمَة قَائِمَة
فَإِذا وجد شَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء يخرج من الْإِمَامَة أما إِذا قَامَ الْخَلِيفَة مقَامه نَاوِيا للْإِمَامَة فَلِأَنَّهُ يصير إِمَامًا فِي هَذِه الصَّلَاة فَخرج هُوَ من الْإِمَامَة لِأَنَّهُ لَا يجْتَمع فِي صَلَاة وَاحِدَة إمامان فِي حَالَة وَاحِدَة وَكَذَلِكَ إِذا اسْتخْلف الْقَوْم لِأَن بهم حَاجَة إِلَى تَصْحِيح صلَاتهم وَذَلِكَ بالاستخلاف فَإِذا ترك الإِمَام الِاسْتِخْلَاف فَيثبت لَهُم ولَايَة ذَلِك وَكَذَلِكَ إِذا خرج من الْمَسْجِد لِأَنَّهُ خلا مَكَان الإِمَام عَن الإِمَام لِأَن الْمَسْجِد بِمَنْزِلَة بقْعَة وَاحِدَة فَمَا دَامَ فِيهِ فَكَأَنَّهُ فِي مَكَانَهُ إِلَّا أَن فِي الْفَصْلَيْنِ الْأَوَّلين قَامَ الْخَلِيفَة مقَامه فَلم تفْسد صلَاته وَلَا صَلَاة الْقَوْم أما فِي الْخُرُوج عَن الْمَسْجِد فَإِنَّهُ تفْسد صَلَاة الْقَوْم لِأَنَّهُ بَقِي الْقَوْم بِلَا إِمَام والاقتداء بِدُونِ الإِمَام لَا يتَحَقَّق
وَأما صَلَاة الإِمَام هَل تفْسد اخْتلفت الرِّوَايَات فِيهِ وَالْمَشْهُور من الرِّوَايَة أَنَّهَا لَا تفْسد وَكَذَا ذكر أَبُو عصمَة عَن أَصْحَابنَا وَذكر الطَّحَاوِيّ أَنَّهَا تفْسد
وَالْأول أصح لِأَن الإِمَام فِي حكم الْمُنْفَرد وَهُوَ أصل بِنَفسِهِ
[ ٢٢٣ ]
هَذَا إِذا لم يكن خَارج الْمَسْجِد صُفُوف مُتَّصِلَة بِهِ
فَأَما إِذا كَانَت مُتَّصِلَة فَخرج الإِمَام وَلم يتَجَاوَز الصُّفُوف هَل تبطل صَلَاة الْقَوْم أم لَا قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف تبطل
وَقَالَ مُحَمَّد لَا تبطل لِأَن مَوضِع الصُّفُوف لَهَا حكم الْمَسْجِد أَلا ترى أَن من صلى فِي الصَّحرَاء جَازَ استخلافه مَا لم يتَجَاوَز الصُّفُوف
وَالصَّحِيح قَوْلهمَا لِأَن الْقيَاس أَن يكون الانحراف عَن الْقبْلَة لقصد الْخُرُوج عَن الْمَسْجِد مُبْطلًا صَلَاة الْقَوْم إِلَّا أَنه بَقِي إِمَامًا حكما مَا دَامَ فِي الْمَسْجِد لضَرُورَة صِحَة الِاسْتِخْلَاف والضرورة تنْدَفع غَالِبا فِي الْمَسْجِد فَبَقيَ حكم خَارج الْمَسْجِد على أصل الْقيَاس لهَذَا بِالْإِجْمَاع الإِمَام يَوْم الْجُمُعَة لَو كبر وَحده فِي الْمَسْجِد وَالْقَوْم خَارج الْمَسْجِد مُتَّصِلا بصفوفهم وَكَبرُوا لَا ينْعَقد الْجُمُعَة لِأَن الشَّرْط أَن يكون جمَاعَة من الْقَوْم وَالْإِمَام فِي مَكَان وَاحِد وَلم يُوجد
وَأما الإِمَام إِذا كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فِي الصَّحرَاء فأحدث فَمَا دَامَ فِي الصُّفُوف صَحَّ استخلافه وَإِذا جَاوز الصُّفُوف لَا يجوز لِأَن مَوَاضِع الصُّفُوف التحقت بالمسحد هَهُنَا لضَرُورَة صِحَة الِاسْتِخْلَاف لعدم الْمَسْجِد
وَهَذَا إِذا ذهب الإِمَام يمنة أَو يسرة أَو خلفا
أما إِذا مَشى أَمَامه وَلَيْسَ بَين يَدَيْهِ بِنَاء وَلَا ستْرَة فَإِنَّهُ لَا تفْسد صلَاتهم مَا لم يذهب مِقْدَار مَا يُجَاوز الصُّفُوف الَّتِي خَلفه لِأَن هَذَا أقدر من الْمَشْي لَيْسَ بمناف للصَّلَاة إِذا وجد فِي أحد الجنبين
أما إِذا كَانَ بَين يَدَيْهِ حَائِط أَو ستْرَة فجاوزه تفْسد صلَاتهم لِأَن الستْرَة تجْعَل لما دونهَا حكم الْمَسْجِد حَتَّى يُبَاح للمار الْمُرُور وَرَاء الستْرَة وَلَا يُبَاح دَاخل الستْرَة
[ ٢٢٤ ]
وَهَذِه الْمسَائِل رويت عَن أبي يُوسُف
وَهَذَا الَّذِي ذكرنَا إِذا كَانَ فِي الْمَسْجِد مَعَ الإِمَام جمَاعَة من الْقَوْم
فَأَما إِذا كَانَ مَعَه وَاحِد فَإِذا خرج الإِمَام من الْمَسْجِد لم تفْسد صَلَاة هَذَا الرجل لِأَنَّهُ تعين إِمَامًا قدمه الإِمَام الْمُحدث أَولا لعدم الْمُزَاحمَة
وَلَو أَن الإِمَام إِذا ظن أَنه أحدث فَانْصَرف ثمَّ علم أَنه لم يحدث إِن خرج من الْمَسْجِد تفْسد صلَاتهم وَلَا يَبْنِي
أما إِذا لم يخرج فَإِنَّهُ يرجع إِلَى مَكَانَهُ وَيَبْنِي وَلَا تفْسد صلَاته فِي قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن مُحَمَّد وَفِي رِوَايَة عَن مُحَمَّد فسد
وَأَجْمعُوا أَنه إِذا ظن الإِمَام أَنه افْتتح الصَّلَاة على غير وضوء أَو كَانَ على ثَوْبه نَجَاسَة أَو كَانَ متيمما فَرَأى سرابا ظَنّه مَاء فَانْصَرف وتحول عَن الْقبْلَة فَإِنَّهُ تفْسد صلَاته لَا يَبْنِي وَإِن لم يخرج من الْمَسْجِد
فَأَما إِذا سلم على رَأس الرَّكْعَتَيْنِ سَاهِيا فِي ذَوَات الْأَرْبَع وَهُوَ يظنّ أَنه قد أتم الصَّلَاة ثمَّ تذكر وَرجع إِلَى مَكَانَهُ فَإِن كَانَ بعد الْخُرُوج تفْسد صلَاته بِالْإِجْمَاع وَإِن كَانَ قبل الْخُرُوج فعلى الْخلاف الَّذِي ذكرنَا
فمحمد قَاس مَوضِع الْخلاف على الْمسَائِل الْمُتَّفق عَلَيْهَا بعلة الانحراف عَن الْقبْلَة من غير ضَرُورَة
وَالصَّحِيح قَوْلهمَا لِأَن الانحراف لم يُوجد لقصد الْخُرُوج عَن الصَّلَاة لِأَن عِنْده أَنه انحرف لإِصْلَاح صلَاته حَتَّى يتَوَضَّأ وَيَبْنِي عَلَيْهَا وَلَو تحقق مَا توهم لَا يمْنَع الْبناء فَكَذَلِك إِذا سلم سَاهِيا إِلَّا أَنه
[ ٢٢٥ ]
مَشى فِي صلَاته لَا لإِصْلَاح صلَاته حَقِيقَة لِأَنَّهُ غير مُحدث بل ظن أَنه مُحدث وَالْمَشْي بِغَيْر عذر مُفسد للصَّلَاة وَلَكِن الْمَسْجِد لَهُ حكم بقْعَة وَاحِدَة فَلم يَجْعَل مَاشِيا تَقْديرا فَإِذا خرج فقد وجد الْمَشْي بِغَيْر عذر حَقِيقَة وَحكما فتفسد صلَاته بِخِلَاف مَا ذكرنَا من الْمسَائِل فَإِن ثمَّة الانحراف عَن الْقبْلَة لقصد الْخُرُوج عَن الصَّلَاة وعزم الرَّفْض لِأَن الْبناء فِي هَذِه الْمَوَاضِع لَا يَصح فَصَارَ بِمَنْزِلَة السَّلَام عمدا فَإِنَّهُ يكون قَاطعا للصَّلَاة لما قُلْنَا كَذَا هَذَا
[ ٢٢٦ ]
بَاب الْإِمَامَة