الْخلْع طَلَاق عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي هُوَ فسخ فِي أحد الْقَوْلَيْنِ
وَلِهَذَا قُلْنَا إِن من قَالَ لامْرَأَته خالعتك وَلم يذكر الْعِوَض وَنوى الطَّلَاق كَانَ طَلَاقا بَائِنا
وَلَو نوى الثَّلَاث صَحَّ لِأَنَّهُ من كنايات الطَّلَاق إِلَّا أَنه فِي عرف الشَّرْع عِنْد النَّاس صَار عبارَة عَن الطَّلَاق بعوض فَيصير حَقِيقَة عرفية حَتَّى ينْصَرف إِلَيْهِ مُطلق الْكَلَام حَتَّى إِن الرجل إِذا قَالَ لغيره اخلع امْرَأَتي فخلعها بِغَيْر عوض لَا يَصح وَيكون مَوْقُوفا على إجَازَة الزَّوْج فَإِن أجَاز يكون طَلَاقا بَائِنا
وَقَالُوا لَو قَالَ لامْرَأَته اخلعي نَفسك فَقَالَت خلعت نَفسِي بِأَلف دِرْهَم وقف على إجَازَة الزَّوْج
وَلِهَذَا قَالُوا إِن من قَالَ لامْرَأَته خالعتك على ألف دِرْهَم فَقبلت وَقَالَ الزَّوْج لم أنو بِهِ الطَّلَاق لم يصدق لِأَنَّهُ إِنَّمَا يكون كِنَايَة عِنْد خلوه عَن المَال فَلَا بُد من النِّيَّة فَأَما إِذا كَانَ على مَال فَلَا حَاجَة إِلَى النِّيَّة
ثمَّ الْخلْع على المَال يفْتَقر إِلَى الْإِيجَاب وَالْقَبُول حَتَّى تقع بِهِ الْفرْقَة وَيسْتَحق بِهِ الزَّوْج الْعِوَض عَلَيْهَا إِلَّا أَنه فِي جَانب الزَّوْج فِي معنى الْيَمين وَفِي جَانبهَا فِي معنى الْمُعَاوضَة حَتَّى إِن الزَّوْج إِذا قَالَ
[ ٢ / ١٩٩ ]
خالعتك على ألف دِرْهَم لم يَصح رُجُوعه عَن ذَلِك وَلم يبطل بقيامه عَن الْمجْلس قبل قبُولهَا وَلم يقف على حضرتها الْمجْلس بل يجوز وَإِن كَانَت غَائِبَة فَإِذا بلغَهَا الْخَبَر فلهَا الْقبُول فِي مجلسها
وَيجوز أَن يعلق ذَلِك بِشَرْط أَو بِوَقْت فَيَقُول إِذا جَاءَ غَد فقد خالعتك على ألف دِرْهَم وَإِذا قدم زيد فقد خالعتك على ألف دِرْهَم وَالْقَبُول إِلَيْهَا بعد مَجِيء الْوَقْت وقدوم زيد فَإِن قبلت قبل ذَلِك لم يجز
فَأَما إِذا ابتدأت الْمَرْأَة فَقَالَت خالعت نَفسِي مِنْك بِأَلف دِرْهَم فَهُوَ بِمَنْزِلَة البيع فِي جَانبهَا حَتَّى يَصح مِنْهَا الرُّجُوع عَنهُ قبل قبُول الزَّوْج وَيبْطل بقيامها عَن الْمجْلس وبقيامه أَيْضا وَلَا يقف على غَائِب وَلَا يجوز تَعْلِيقه بِشَرْط وَلَا بِوَقْت كَالْبيع سَوَاء
وعَلى هَذَا الأَصْل قَالَ أَبُو حنيفَة إِذا خَالعهَا وشرطت لنَفسهَا الْخِيَار جَازَ خلافًا لَهما
وَإِذا ثَبت تَفْسِير الْخلْع شرعا فَنَقُول لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يخالعها على مثل الْعِوَض الَّذِي أخذت أَو أقل أَو أَكثر والنشوز وَالْكَرَاهَة من قبل الزَّوْج أَو من قبل الْمَرْأَة فَنَقُول إِن كَانَ النُّشُوز من جِهَة الزَّوْج فَلَا يحل لَهُ أَن يَأْخُذ شَيْئا مِنْهَا بل لَهُ أَن يطلقهَا بِلَا عوض لقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن أردتم استبدال زوج مَكَان زوج وَآتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئا﴾
وَإِن كَانَ النُّشُوز من جِهَتهَا يجوز لَهُ أَن يَأْخُذ مِنْهَا جَمِيع مَا اسْتحقَّت عَلَيْهِ بِالْعقدِ وَلَا تحل لَهُ الزِّيَادَة على ذَلِك فِي
[ ٢ / ٢٠٠ ]
ظَاهر الرِّوَايَة
وَفِي رِوَايَة يحل لَهُ أَخذ الزِّيَادَة وَهَذَا فِي حق الدّيانَة والتنزه فَأَما فِي الحكم فَإِذا تخالعا على الزِّيَادَة من الْمهْر فَإِنَّهُ يلْزم وتؤمر بِالْأَدَاءِ إِلَيْهِ
ثمَّ الْخلْع جَائِز بِكُل بدل يصلح مهْرا وَيلْزم الْمَرْأَة أَدَاؤُهُ إِلَى الزَّوْج
وَمَا ذكرنَا فِي الْمهْر أَن الزَّوْج فِيهِ بِالْخِيَارِ بَين أَن يُعْطي عينه أَو قِيمَته فَفِي الْخلْع الْمَرْأَة بِالْخِيَارِ كَمَا فِي العَبْد الْوسط وَنَحْوه
وكل مَا لَا يجوز أَن يكون مهْرا لِحُرْمَتِهِ كَالْخمرِ وَالْخِنْزِير وَالْميتَة وَالدَّم وَالْحر لَا يجوز أَن يكون بَدَلا فِي الْخلْع
لَكِن إِذا قبل الزَّوْج ذَلِك فِي الْخلْع تقع الْفرْقَة بَينهمَا وَلَا شَيْء على الْمَرْأَة من الْخلْع وَلَا يجب عَلَيْهَا أَن ترد من مهرهَا شَيْئا لِأَن هَذِه الْأَشْيَاء لَا تصلح عوضا فِي حق الْمُسلمين وَالزَّوْج رَضِي بِمَا لَا قيمَة لَهُ والبضع فِي حَال الْخُرُوج عَن ملكه لَا قيمَة لَهُ حَتَّى تجب الْقيمَة فَلَا يرجع عَلَيْهَا بِشَيْء بِخِلَاف النِّكَاح فَإِن ثمَّة يجب مهر الْمثل لِأَن الْبضْع مُتَقَوّم فِي حَال الدُّخُول فِي ملك الزَّوْج
ثمَّ الطَّلَاق على المَال وَالْخلْع فِي الْأَحْكَام سَوَاء إِلَّا فِي فصل وَاحِد وَهُوَ أَن الْخلْع مَتى وَقع على عوض لَا قيمَة لَهُ لَا يجب الْعِوَض وَلَا قيمَة الْبضْع وَيكون الطَّلَاق بَائِنا لِأَن الْخلْع من كنايات الطَّلَاق وَأما الطَّلَاق بعوض لَا قيمَة لَهُ إِذا بَطل الْعِوَض فالطلاق يكون رَجْعِيًا لِأَن صَرِيح الطَّلَاق يكون رَجْعِيًا
وَإِنَّمَا ثبتَتْ الْبَيْنُونَة لأجل الْعِوَض فَإِذا بَطل الْعِوَض بَقِي مُجَرّد صَرِيح الطَّلَاق فَيكون رَجْعِيًا
وَلَو خلعها على حكمهَا أَو حكمه أَو حكم أَجْنَبِي فَنَقُول إِن الْخلْع على الحكم خلع بِتَسْمِيَة فَاسِدَة لما فِيهِ من الْجَهَالَة
[ ٢ / ٢٠١ ]
الْفَاحِشَة والخطر فَيجب الرُّجُوع إِلَى مهرهَا الْمُسْتَحق بِالْعقدِ
ثمَّ إِن كَانَ الْخلْع على حكم الزَّوْج فَإِن حكم بِمِقْدَار الْمهْر أَو أقل أجبرت على التَّسْلِيم إِلَى الزَّوْج لِأَنَّهُ حكم بالمستحق أَو حط بعضه وَهُوَ يملك حط بعضه لكَونه حَقًا لَهُ وَإِن حكم بِأَكْثَرَ من الْمهْر لم يلْزمهَا الزِّيَادَة لِأَنَّهُ أوجب لنَفسِهِ أَكثر من الْمُسْتَحق بِالْعقدِ فَلَا يَصح إِلَّا بِرِضَاهَا
وَأما إِذا كَانَ الحكم إِلَيْهَا فَإِن حكمت بِمهْر الْمثل أَو أَكثر جَازَ وأجبر الزَّوْج على الْقبُول لِأَنَّهَا قَضَت بالمستحق أَو زَادَت عَلَيْهِ وَهِي تملك إِيفَاء الزِّيَادَة
وَإِن حكمت بِأَقَلّ من الْمهْر لم يجز إِلَّا بِرِضا الزَّوْج لِأَنَّهَا حطت بعض مَا عَلَيْهَا حَقًا لزوج وَهِي لَا تملك حط حق الْغَيْر
فَأَما إِذا كَانَ الحكم إِلَى أَجْنَبِي فَإِن حكم بِمهْر الْمثل جَازَ وَإِن حكم بِزِيَادَة أَو نُقْصَان لم تجز الزِّيَادَة إِلَّا بِرِضا الْمَرْأَة وَلَا يجوز النُّقْصَان إِلَّا بِرِضا الزَّوْج لِأَن الْأَجْنَبِيّ لَا يملك إِسْقَاط حق وَاحِد مِنْهُمَا
[ ٢ / ٢٠٢ ]