قد ذكرنَا أَن الرَّضَاع سَبَب للتَّحْرِيم بطرِيق التَّأْبِيد فيحر بِهِ مَا يحرم بِالنّسَبِ والصهرية وَإِنَّمَا يُخَالف النّسَب فِي مَسْأَلَتَيْنِ
إِحْدَاهمَا أَنه لَا يجوز أَن يتَزَوَّج الرجل أُخْت ابْنه من النّسَب وَيجوز أَن يتَزَوَّج أُخْت ابْنه من الرَّضَاع لِأَن أُخْت ابْنه من النّسَب بنت امْرَأَته الْمَوْطُوءَة وَبنت موطوءته حرَام عَلَيْهِ وَهَذَا لَا يُوجد فِي الرَّضَاع
وَالثَّانيَِة أَنه لَا يجوز أَن يتَزَوَّج الرجل أم أُخْته من النّسَب وَيجوز أَن يتَزَوَّج أم أُخْته من الرَّضَاع لِأَن أم أُخْته من النّسَب مَوْطُوءَة أَبِيه وحليلة الْأَب حرَام على الابْن وَهَذَا لَا يُوجد فِي الرَّضَاع
وتعرف ذَلِك بِالتَّأَمُّلِ
وَجُمْلَة ذَلِك أَن الرَّضَاع يتَعَلَّق بِهِ التَّحْرِيم فِي جَانب الْمُرضعَة وَفِي جَانب الواطىء الَّذِي ينزل اللَّبن من وَطئه
وَالتَّحْرِيم فِي جَانب الْمُرضعَة مجمع عَلَيْهِ وَفِي جَانب الزَّوْج مُخْتَلف فِيهِ فعندنا يثبت وَعند الشَّافِعِي لَا يثبت
ولقب الْمَسْأَلَة أَن لبن الْفَحْل هَل يحرم أم لَا وَبَيَانه أَن الْمَرْأَة إِذا أرضعت طفْلا فَإِنَّهَا تحرم عَلَيْهِ وَصَارَت أما لَهُ وَصَاحب اللَّبن صَار أَبَا لَهُ فَإِن كَانَ الْمُرْضع أُنْثَى تحرم على صَاحب اللَّبن لكَونهَا بِنْتا لَهُ وَإِن كَانَ ذكرا تحرم الْمُرضعَة عَلَيْهِ لكَونه ابْنا لَهُ
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وَأَوْلَاد الْمُرضعَة من صَاحب اللَّبن إخْوَة وأخوات الْمُرْضع لأَب
وَأم وَأَوْلَاد الْمُرضعَة من غير صَاحب اللَّبن إخْوَة وأخوات لَهُ لأم وَأَوْلَاده من غير الْمُرضعَة إخْوَة وأخوات لَهُ الْأَب
وَكَذَلِكَ الحكم فِي أَوْلَاد الْأَوْلَاد من الْجَانِبَيْنِ
وَأُمَّهَات الْمُرضعَة جداته من قبل الْأُم وَأُمَّهَات صَاحب اللَّبن جداته من قبل الْأَب
وإخوة الْمُرضعَة وَأَخَوَاتهَا أَخْوَاله وخالاته وإخوة صَاحب اللَّبن وأخواته أَعْمَامه وعماته وَبَنَات الأخوال والخالات والأعمام والعمات من الرَّضَاع حَلَال كَمَا فِي النّسَب
وَلَا يجوز للمرضع أَن يتَزَوَّج بِمن أَرْضَعَتْه الْمُرضعَة من الْإِنَاث
لِأَنَّهُنَّ أخواته لكونهن بَنَات لَهَا من جِهَة الرَّضَاع
وأصل ذَلِك أَن كل اثْنَيْنِ اجْتمعَا على ثدي وَاحِد فهما أَخَوان أَو أختَان أَو أَخ وَأُخْت
وعَلى هَذَا لَو كَانَ لرجل امْرَأَتَانِ فحبلتا مِنْهُ وأرضعت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا صَغِيرا أَجْنَبِيّا فقد صَارا أَخَوَيْنِ لأَب فَإِن كَانَت إِحْدَاهمَا أُنْثَى لم يجز لَهَا أَن تتَزَوَّج بِالْآخرِ لِأَنَّهُ أَخُوهَا من أَبِيهَا وَإِن كَانَا اثْنَيْنِ لم يجز لرجل وَاحِد أَن يجمع بَينهمَا فِي النِّكَاح لِأَنَّهُمَا أختَان لأَب
وَقد ذكرنَا تَفْسِير حُرْمَة الرَّضَاع بِسَبَب الصهرية فِي كتاب النِّكَاح فَلَا نعيده
ثمَّ الرَّضَاع الْمحرم مَا كَانَ فِي حَال الصغر
فَأَما رضَاع الْكَبِير فَلَا يتَعَلَّق بِهِ التَّحْرِيم
وَأَصله قَوْله ﵇ الرَّضَاع مَا أنبت اللَّحْم وأنشز الْعظم
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وَاخْتلف أَصْحَابنَا فِي الْحَد الْفَاصِل قَالَ أَبُو حنيفَة يثبت حكم الرَّضَاع فِي الصَّغِير إِلَى ثَلَاثِينَ شهرا فَمَا ارتضع بعد ذَلِك لم يتَعَلَّق بِهِ التَّحْرِيم
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد إِلَى الْحَوْلَيْنِ وَهُوَ قَول الشَّافِعِي
وَقَالَ زفر إِلَى ثَلَاث سِنِين وَالْمَسْأَلَة مَعْرُوفَة
وَلَو فطم الصَّبِي فِي مُدَّة الرَّضَاع ثمَّ أرضع بعد الفصال فِي الْمدَّة اخْتلفت الرِّوَايَات فِيهِ عَن أَصْحَابنَا روى مُحَمَّد عَن أبي حنيفَة أَن مَا كَانَ من الرَّضَاع إِلَى ثَلَاثِينَ شهرا قبل الْفِطَام أَو بعده فَهُوَ رضَاع محرم
وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ إِذا فطم فِي السنتين حَتَّى اسْتغنى بِالطَّعَامِ ثمَّ ارتضع بعد ذَلِك فِي السنتين أَو الثَّلَاثِينَ شهرا لم يكن ذَلِك رضَاعًا لِأَنَّهُ لَا رضَاع بعد فطام تَامّ
وَإِن هِيَ فَطَمته فَأكل أكلا ضَعِيفا لَا يَسْتَغْنِي بِهِ عَن الرَّضَاع ثمَّ عَاد فأرضع فِي الثَّلَاثِينَ فَهُوَ رضَاع يحرم كرضاع الصَّغِير الَّذِي لم يفطم
وروى مُحَمَّد وَأَصْحَاب الْإِمْلَاء عَن أبي يُوسُف أَنه إِذا فطم قبل الْحَوْلَيْنِ ثمَّ ارتضع فِي بَقِيَّة الْحَوْلَيْنِ فَهُوَ رضَاع محرم وَهُوَ مَذْهَب مُحَمَّد وَكَانَ لَا يعْتد بالفطام قبل الْحَوْلَيْنِ
وروى الْحسن عَن أبي يُوسُف أَنه إِذا أرضع بعد الْفِطَام فِي الْحَوْلَيْنِ لم يكن رضَاعًا
ثمَّ عندنَا قَلِيل الرَّضَاع وَكَثِيره سَوَاء فِي حَال الصغر فِي التَّحْرِيم
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يثبت التَّحْرِيم إِلَّا بِخمْس رَضعَات
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لقَوْله تَعَالَى ﴿وأمهاتكم اللَّاتِي أرضعنكم﴾
[ ٢ / ٢٣٧ ]
الْآيَة من غير فصل
وَكَذَا عندنَا تثبت حُرْمَة الرَّضَاع بِلَبن الْميتَة
وَعند الشَّافِعِي لَا يَقع بِهِ التَّحْرِيم لكَونه نجسا
وَإِذا وصل اللَّبن إِلَى جَوف الصَّبِي لَا من الثدي بِأَن أوجر أَو أسعط تثبت الْحُرْمَة لِأَن الوجور يصل إِلَى الْجوف والسعوط يصل إِلَى الْجوف أَيْضا
وَلَو حقن الصَّبِي بِاللَّبنِ ذكر الْكَرْخِي وَقَالَ لم يحرم وَلم يحك خلافًا
وَرُوِيَ عَن مُحَمَّد أَنه يحرم كَمَا يَقع بِهِ الْإِفْطَار
أما إِذا أقطر فِي الْأذن لم يثبت التَّحْرِيم لِأَنَّهُ لم يعلم وُصُوله إِلَى الْجوف
وَكَذَا إِذا أقطر فِي إحليله لهَذَا الْمَعْنى
وَكَذَلِكَ لَو أقطر فِي جَائِفَة أَو آمة لما ذكرنَا
وَلَو اخْتَلَط اللَّبن بِغَيْرِهِ فَهَذَا على وُجُوه إِن اخْتَلَط بِالطَّعَامِ ومسته النَّار حَتَّى نضج وطبخ لم يتَعَلَّق بِهِ الْحُرْمَة فِي قَوْلهم جَمِيعًا لِأَنَّهُ تغير بالطبخ مَعَ غَيره عَن طبعه وَصفته
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وَإِن اخْتَلَط بِهِ الطَّعَام وَلم تمسه النَّار فَإِن كَانَ الطَّعَام هُوَ الْغَالِب لم يثبت بِهِ التَّحْرِيم لِأَنَّهُ زَالَ اللَّبن وَصَارَ اللَّبن كَالْعدمِ
وَإِن كَانَ اللَّبن غَالِبا للطعام وَهُوَ طَعَام ظَاهر يعْتد بِهِ قَالَ أَبُو حنيفَة لَا يَقع بِهِ التَّحْرِيم
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يحرم اعْتِبَارا للْغَالِب ف أَبُو حنيفَة يَقُول إِنَّه يضعف معنى اللَّبن وَيَزُول قوته حَتَّى يصير اللَّبن رَقِيقا ضَعِيفا يعرف بِالْمُشَاهَدَةِ
وَإِن اخْتَلَط اللَّبن بالدواء أَو الدّهن أَو النَّبِيذ فَإِن كَانَ اللَّبن غَالِبا يحرم وَإِن كَانَ الدَّوَاء غَالِبا لَا يحرم وَيعْتَبر الْغَلَبَة بِالْإِجْمَاع لِأَن قُوَّة اللَّبن بَاقِيَة
وَإِن اخْتَلَط اللَّبن بِالْمَاءِ فَإِن كَانَ اللَّبن غَالِبا يَقع بِهِ التَّحْرِيم
وَإِن كَانَ المَاء غَالِبا لَا يَقع بِهِ التَّحْرِيم اعْتِبَارا للْغَالِب
وَقَالَ الشَّافِعِي إِذا أقطر من اللَّبن خمس رَضعَات فِي جب مَاء فَشرب مِنْهُ الصَّبِي تثبت الْحُرْمَة
وَإِن اخْتَلَط اللَّبن بِلَبن شَاة تعْتَبر الْغَلَبَة أَيْضا لِأَن لبن الشَّاة لَا يُؤثر فِي زَوَال قُوَّة لبن الْآدَمِيَّة
وَأما إِذا اخْتَلَط لبن امْرَأتَيْنِ فَروِيَ عَن أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف أَن الحكم للأغلب فَثَبت بِهِ التَّحْرِيم دون الآخر
وَقَالَ مُحَمَّد وَزفر يثبت التَّحْرِيم مِنْهُمَا احْتِيَاطًا فِي بَاب الْحُرْمَة
وهما يَقُولَانِ إِن المغلوب لَا عِبْرَة بِهِ فِي الشَّرْع
وَلَو طلق امْرَأَته طَلَاقا بَائِنا وَلها مِنْهُ لبن فَمَا دَامَت فِي الْعدة أَو بعد التَّزَوُّج بِغَيْرِهِ قبل ظُهُور الْحَبل لَو أرضعت صَبيا فَإِن التَّحْرِيم يثبت من الزَّوْج الأول لِأَن اللَّبن لَهُ
فَأَما إِذا حبلت من الزَّوْج الثَّانِي فأرضعت صَبيا قَالَ أَبُو حنيفَة التَّحْرِيم للْأولِ دون الثَّانِي حَتَّى
[ ٢ / ٢٣٩ ]
تضع فَإِذا وضعت يكون التَّحْرِيم للثَّانِي دون الأول
وَقَالَ أَبُو يُوسُف إِذا نزل لَهَا اللَّبن من الثَّانِي فالتحريم للثَّانِي وَبَطل الأول
وروى الْحسن عَنهُ أَنَّهَا إِذا حبلت فاللبن للثَّانِي
وَقَالَ مُحَمَّد إِذا نزل لَهَا لبن فالتحريم للزوجين فَإِذا وضعت فالتحريم للثَّانِي لَا غير وَهِي مَسْأَلَة الْمَبْسُوط
هَذَا الَّذِي ذكرنَا حكم الرَّضَاع الْمُقَارن للنِّكَاح فَأَما الرَّضَاع الطارىء على النِّكَاح فَإِنَّهُ يُبطلهُ لِأَنَّهُ يُوجب حُرْمَة مُؤَبّدَة بَيَانه إِذا تزوج الرجل صَغِيرَة فأرضعتها أمه حرمت عَلَيْهِ لِأَنَّهَا صَارَت أُخْتا لَهُ بِالرّضَاعِ
وَلَو تزوج رجل صغيرتين رضيعتين فَجَاءَت امْرَأَة وأرضعتهما مَعًا أَو وَاحِدَة بعد الْأُخْرَى صارتا أُخْتَيْنِ من الرضَاعَة وحرمتا عَلَيْهِ وَبَطل نِكَاحهمَا لِأَن الْجمع بَين الْأُخْتَيْنِ يَسْتَوِي فِيهِ الِابْتِدَاء والبقاء وَيجب على الزَّوْج لكل وَاحِدَة من الصغيرتين نصف الْمهْر لِأَن الْفرْقَة وَقعت قبل الدُّخُول بهما من غير فعلهمَا
ثمَّ ينظر فَإِن كَانَت الْمُرضعَة تَعَمّدت الْفساد يرجع عَلَيْهَا الزَّوْج بِمَا غرم من نصف الْمهْر وَإِن كَانَت لم تتعمد لم يرجع
وَقَالَ الشَّافِعِي يضمن مهر الْمثل فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن فعلهَا سَبَب الْحُرْمَة لاعتدائها وَإِنَّمَا يكون السَّبَب تَعَديا بِقصد الْفساد أما بِدُونِ قصد الْفساد فَلَيْسَ بتعد كحفر الْبِئْر على قَارِعَة الطَّرِيق وحفر الْبِئْر فِي ملك نَفسه
وَإِذا ثَبت أَن الرَّضَاع محرم فَإِنَّمَا يعرف بِالْإِقْرَارِ أَو بِشَهَادَة رجلَيْنِ
[ ٢ / ٢٤٠ ]
أَو رجل وَامْرَأَتَيْنِ
أما لَا يثبت بِشَهَادَة الرجل الْوَاحِد وَلَا بِشَهَادَة النِّسَاء وحدهن لِأَن هَذَا مِمَّا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال فَإِن النّظر إِلَى ثدي الْمَرْأَة جَائِز فِي الْجُمْلَة
[ ٢ / ٢٤١ ]