الْعدة أَنْوَاع ثَلَاثَة عدَّة الْوَفَاة وعدة الطَّلَاق وعدة الْوَطْء
أما عدَّة الْوَفَاة فَفِي حق الْحرَّة أَرْبَعَة أشهر وَعشرا صَغِيرَة كَانَت أَو كَبِيرَة دخل بهَا زَوجهَا أَو لم يدْخل حرا كَانَ زَوجهَا أَو عبدا
وَهَذِه الْعدة لَا تجب إِلَّا فِي نِكَاح صَحِيح لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يتوفون مِنْكُم ويذرون أَزْوَاجًا﴾ من غير فصل وَمُطلق اسْم الزَّوْج لَا يَقع على المتزوج نِكَاحا فَاسِدا
وَأما فِي حق الزَّوْجَة الْأمة فشهران وَخَمْسَة أَيَّام كَانَ زَوجهَا حرا أَو عبدا لِأَن الْعدة تتنصف بِالرّقِّ وتتكامل بِالْحُرِّيَّةِ وَيعْتَبر فِيهَا جَانب النِّسَاء دون الرِّجَال بِالْإِجْمَاع
وَإِن كَانَت الزَّوْجَة حَامِلا فانقضاء عدتهَا بِوَضْع حملهَا إِذا كَانَ تَاما أَو سقطا مستبين الْخلق كُله أَو بعضه قصرت الْمدَّة أَو طَالَتْ
وَعند عَليّ ﵁ عدتهَا أبعد الْأَجَليْنِ
وَالصَّحِيح قَول عَامَّة الْعلمَاء لظَاهِر قَوْله تَعَالَى ﴿حرجا مِمَّا قضيت ويسلموا تَسْلِيمًا﴾
[ ٢ / ٢٤٣ ]
وَالنَّص مُطلق وَهُوَ آخرهما نزولا على مَا رُوِيَ عَن ابْن مَسْعُود أَنه قَالَ من شَاءَ باهلته أَن سُورَة النِّسَاء الْقصرى نزلت بعد الَّتِي فِي سُورَة الْبَقَرَة
وَأما عدَّة الطَّلَاق فَثَلَاثَة قُرُوء فِي حق ذَوَات الْأَقْرَاء إِذا كَانَت حرَّة
وَفِي حق الآيسة وَالصَّغِيرَة وَالَّتِي لَا تحيض بعد ثَلَاثِينَ سنة ثَلَاثَة أشهر إِذا كَانَ بعد الدُّخُول بهَا أَو بعد الْخلْوَة الصَّحِيحَة فِي النِّكَاح الصَّحِيح لِأَنَّهَا توجب كَمَال الْمهْر فتوجب كَمَال الْعدة بطرِيق الأولى احْتِيَاطًا
وَأما الْخلْوَة الصَّحِيحَة فِي النِّكَاح الْفَاسِد فَلَا توجب الْعدة وَلَا كَمَال الْمهْر لِأَن التَّسْلِيم لَا يجب عَلَيْهَا فَلَا تُقَام الْخلْوَة مقَامه
وَأما الْخلْوَة الْفَاسِدَة فِي النِّكَاح الصَّحِيح فَإِن كَانَ يُمكنهُ الْوَطْء مَعَ الْمَانِع كالحيض وَالْإِحْرَام وَنَحْو ذَلِك يجب كَمَال الْعدة دون كَمَال الْمهْر لِأَنَّهُمَا يتهمان فِي الْعدة الَّتِي هِيَ حق الشَّرْع
وَإِن كَانَ لَا يُمكنهُ الْوَطْء مَعَ الْمَانِع حسا كَالْمَرِيضِ أَو الْمَرِيضَة الَّتِي لَا يقدر الْوَطْء مِنْهُمَا أَو الصَّغِير أَو الصَّغِيرَة الَّتِي لَا يتَصَوَّر الْجِمَاع مِنْهُمَا فَلَا عدَّة لِأَنَّهُمَا لَا يتهمان وَلم يُوجد التَّسْلِيم الَّذِي أوجب الْعدة
وَإِن كَانَت الزَّوْجَة مَمْلُوكَة للْغَيْر فعدتها حيضتان إِن كَانَت من ذَوَات الْأَقْرَاء وَإِن لم تَحض فشهر وَنصف
وَلَا تجب عدَّة الطَّلَاق قبل الدُّخُول
وَأما أم الْوَلَد إِذا أعتقت أَو مَاتَ سَيِّدهَا فعدتها ثَلَاث حيض عندنَا
وَعند الشَّافِعِي بقرء وَاحِد
وَأَصله قَوْله تَعَالَى ﴿والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَة قُرُوء﴾
[ ٢ / ٢٤٤ ]
وَالْحكم فِي الْخلْوَة الصَّحِيحَة مَا ذكرنَا
وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿واللائي يئسن من الْمَحِيض من نِسَائِكُم إِن ارتبتم فعدتهن ثَلَاثَة أشهر واللائي لم يحضن﴾
وَقَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِذا نكحتم الْمُؤْمِنَات ثمَّ طلقتموهن من قبل أَن تمَسُّوهُنَّ فَمَا لكم عَلَيْهِنَّ من عدَّة تعتدونها﴾
وَأما فِي حق الْحَامِل فعدتها وضع الْحمل لَا خلاف فِي الْمُطلقَة لظَاهِر قَوْله ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾ وَقَالَ ﵇ طَلَاق الْأمة ثِنْتَانِ وعدتها حيضتان
وَقَالَ عمر ﵁ طَلَاق الْأمة تَطْلِيقَتَانِ وعدتها حيضتان وَلَو اسْتَطَعْت لجعلتها حَيْضَة وَنصف
وَأما عدَّة الْمَوْطُوءَة وَهِي الَّتِي وطِئت بِالنِّكَاحِ الْفَاسِد أَو شُبْهَة عقد أَو شُبْهَة ملك أَو كَانَت أم ولد فَأعْتقهَا مَوْلَاهَا أَو مَاتَ عَنْهَا فَثَلَاث حيض أَو ثَلَاثَة أشهر أَو وضع الْحمل لِأَنَّهَا مُلْحقَة بالمنكوحة شرعا
وَلَو طلق الرجل امْرَأَته فِي مَرضه الَّذِي مَاتَ فِيهِ ثَلَاثًا أَو طَلَاقا
[ ٢ / ٢٤٥ ]
بَائِنا ثمَّ مَاتَ قبل أَن تَنْقَضِي عدتهَا فورثت اعْتدت بأَرْبعَة أشهر وَعشرا فِيهَا ثَلَاث حيض عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد وَقَالَ أَبُو يُوسُف عدتهَا ثَلَاث حيض
وَكَذَلِكَ امْرَأَة الْمُرْتَد يجب عَلَيْهَا الْعدة وترث من الْمُرْتَد على هَذَا الْخلاف فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ
وَإِن كَانَ الطَّلَاق رَجْعِيًا فِي صِحَة أَو مرض فعدتها أَرْبَعَة أشهر وَعشرا وَبَطل عَنْهَا الْحيض فِي قَوْلهم لِأَن الزَّوْجِيَّة بَاقِيَة
وَمَوْت الزَّوْج يُوجب عدَّة الْوَفَاة
وَإِذا مَاتَ الصَّبِي عَن امْرَأَته وَهِي حَامِل فعدتها أَن تضع حملهَا عِنْد أبي حنيفَة وَمُحَمّد
وَقَالَ أَبُو يُوسُف عدتهَا أَرْبَعَة أشهر وَعشرا
وَالصَّحِيح قَوْلهمَا لظَاهِر قَوْله تَعَالَى ﴿وَأولَات الْأَحْمَال أَجلهنَّ أَن يَضعن حَملهنَّ﴾
وَذكر الْكَرْخِي فَإِن مَاتَ وَهِي غير حَامِل ثمَّ حملت بعد مَوته قبل انْقِضَاء الْعدة فعدتها الشُّهُور فِي قَوْلهم
ثمَّ فِي حق من كَانَت عدته بالشهور كَيفَ يعْتَبر الشَّهْر بِالْأَيَّامِ أَو بِالْأَهِلَّةِ فَنَقُول جملَة هَذَا أَن الْوَفَاة أَو الطَّلَاق إِذا اتّفق فِي غرَّة الشَّهْر اعْتبرت الشُّهُور بِالْأَهِلَّةِ وَإِن نقصت عَن الْعدَد فِي قَول أَصْحَابنَا جَمِيعًا
فَأَما إِذا حصل فِي بعض الشَّهْر فَقَالَ أَبُو حنيفَة تعْتَبر بِالْأَيَّامِ فَتعْتَد فِي الطَّلَاق تسعين يَوْمًا وَفِي الْوَفَاة مائَة وَثَلَاثِينَ يَوْمًا
وَقَالَ مُحَمَّد تَعْتَد بَقِيَّة الشَّهْر بِالْأَيَّامِ ثمَّ تَعْتَد شَهْرَيْن بِالْأَهِلَّةِ وتكمل الشَّهْر الأول من الشَّهْر الثَّالِث بِالْأَيَّامِ
[ ٢ / ٢٤٦ ]
وَعَن أبي يُوسُف رِوَايَتَانِ فِي رِوَايَة مثل قَول أبي حنيفَة
وَفِي رِوَايَة مثل قَول مُحَمَّد وَهُوَ قَوْله الْأَخير
وَأَصله قَوْله ﵇ الشَّهْر هَكَذَا وَهَكَذَا وَأَشَارَ بأصابع يَدَيْهِ ثَلَاثًا وخنس إبهامه فِي الثَّالِث فَكَانَ الأَصْل هُوَ الْأَهِلّة عِنْد الْإِمْكَان وَعند التَّعَذُّر يُصَار إِلَى الْأَيَّام
ثمَّ العدتان يتداخلان عندنَا سَوَاء كَانَتَا من جنس وَاحِد أَو من جِنْسَيْنِ مُخْتَلفين
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يتداخلان بل يجب أَن تمْضِي فِي الْعدة الأولى فَإِذا انْقَضتْ استأنفت الْأُخْرَى
وَصُورَة الْمَسْأَلَة أَن الْمُطلقَة إِذا مضى بعض عدتهَا وَتَزَوَّجت فِي عدتهَا فَوَطِئَهَا الزَّوْج ثمَّ تاركها فَإِنَّهُ يجب عَلَيْهَا عدَّة أُخْرَى ويتداخلان
وَكَذَا إِذا كَانَتَا من جِنْسَيْنِ بِأَن كَانَ الْمُتَوفَّى عَنْهَا زَوجهَا إِذا وطِئت بِشُبْهَة تداخلت أَيْضا
وَيعْتَبر مَا ترى من الْحيض فِي الْأَشْهر من عدَّة الْوَطْء وَهِي مَسْأَلَة مَعْرُوفَة
ثمَّ الْعدة مُعْتَبرَة بِالنسَاء تتنصف برقها وتتكامل بحريتها بِالْإِجْمَاع وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الطَّلَاق
ثمَّ مَا عرفت من الْجَواب فِي حق الْمسلمَة فَهُوَ الْجَواب فِي حق الْكِتَابِيَّة إِذا كَانَت تَحت مُسلم لِأَن الْعدة فِيهَا حق الشَّرْع وَحقّ الزَّوْج وَالْولد فَإِن لم تكن مُخَاطبَة بِحَق الشَّرْع فمخاطبة بإيفاء حق الزَّوْج وَالْولد
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وَأما الذِّمِّيَّة تَحت ذمِّي فَلَا عدَّة عَلَيْهَا فِي موت وَلَا فرقة عِنْد أبي حنيفَة إِذا كَانَ فِي دينهم كَذَلِك إِلَّا أَن تكون حَامِلا فَلَا يجوز نِكَاحهَا
وَقَالَ أَبُو يُوسُف عَلَيْهَا الْعدة لجَرَيَان أَحْكَام الْإِسْلَام عَلَيْهِمَا بِسَبَب الذِّمَّة
وَأَبُو حنيفَة يَقُول إِنَّهَا غير مُخَاطبَة بِحَق الشَّرْع وَالزَّوْج لَا يعْتَقد الْعدة حَقًا لنَفسِهِ فَلم تجب لحقه
أما إِذا كَانَت حَامِلا فتمنع من التَّزْوِيج حَقًا للْوَلَد حَتَّى لَا يخْتَلط النّسَب فيضيع الْوَلَد
ثمَّ فِي النِّكَاح الْفَاسِد إِذا وَقعت الْفرْقَة بعد الْوَطْء بتفريق القَاضِي أَو بمتاركتها فَإِنَّهُ تعْتَبر الْعدة من وَقت التَّفْرِيق لَا من وَقت الْوَطْء عندنَا خلافًا ل زفر فَإِنَّهُ يعْتَبر من آخر وطئة وَطئهَا
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لِأَن النِّكَاح الْفَاسِد مَوْجُود من وَجه وَهُوَ مُلْحق بالثابت من كل وَجه فِي حق الْأَحْكَام فَلَا بُد من التَّفْرِيق حَتَّى تجب الْعدة
وَإِذا كَانَ الزَّوْج غَائِبا فَطلق امْرَأَته أَو مَاتَ عَنْهَا وَالْمَرْأَة لَا تعلم بذلك حَتَّى مَضَت مُدَّة الْعدة فَإِنَّهُ تَنْقَضِي الْعدة وَتعْتَبر من وَقت الطَّلَاق
وَالْعلم لَيْسَ بِشَرْط لمضي الْعدة فَإِنَّهَا أجل وضع لبراءة الرَّحِم وَإنَّهُ يحصل بِلَا علم
وَأما الممتد طهرهَا فعدتها بِالْأَقْرَاءِ وَلَا تَنْقَضِي بالشهور مَا لم تدخل فِي حد الْإِيَاس لِأَنَّهَا من ذَوَات الْأَقْرَاء فِي الْجُمْلَة
[ ٢ / ٢٤٨ ]