يحْتَاج فِي هَذَا الْبَاب إِلَى بَيَان مَشْرُوعِيَّة اللّعان وماهيته وَإِلَى بَيَان سَبَب وجوب اللّعان وَإِلَى بَيَان شَرَائِط الْوُجُوب وَإِلَى بَيَان كَيْفيَّة اللّعان وَإِلَى بَيَان حكمه
أما الأول فَنَقُول اللّعان مَشْرُوع بَين الزَّوْجَيْنِ
وَهُوَ شَهَادَات مؤكدات بِالْإِيمَان عندنَا وَعند الشَّافِعِي أَيْمَان مؤكدات بِالشَّهَادَةِ
وَيكون قَائِما مقَام حد الْقَذْف فِي جَانب الرجل وَقَائِمًا مقَام حد الزِّنَا فِي جَانب الْمَرْأَة وَلِهَذَا قُلْنَا لَا يثبت بِالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة وَلَا بِشَهَادَة النِّسَاء مَعَ الرِّجَال وَلَا بِكِتَاب القَاضِي إِلَى القَاضِي
وَكَذَلِكَ إِذا وطِئت مُحصنَة بِالشُّبْهَةِ فقذفها زَوجهَا لم يجب اللّعان كَمَا لَو قَذفهَا أَجْنَبِي لَا يجب حد الْقَذْف فَسقط اللّعان بِالشُّبْهَةِ كالحد
[ ٢ / ٢١٧ ]
وأصل ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يرْمونَ أَزوَاجهم﴾
وَأما بَيَان سَبَب الْوُجُوب فَنَقُول سَبَب وجوب اللّعان بَين الزَّوْجَيْنِ هُوَ الْقَذْف الصَّحِيح عِنْد وجود شَرَائِطه من الزَّوْج
ونعني بِالْقَذْفِ الصَّحِيح مَا يكون مُوجبا للحد فِي حق الْأَجْنَبِيّ بِأَن كَانَ عَاقِلا بَالغا وَالْمَرْأَة عَاقِلَة بَالِغَة لِأَن الْقَذْف من الصَّغِير وَالْمَجْنُون لَيْسَ بِمُوجب للحد لعدم الْجِنَايَة
وَكَذَلِكَ قذف الصَّغِيرَة والمجنونة بِالزِّنَا كذب لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر الزِّنَا مِنْهَا فَلَا يكون قذفا صَحِيحا
وَكَذَلِكَ إِحْصَان الْمَقْذُوف شَرط
وَذَلِكَ نَوْعَانِ أَحدهمَا أَن يَقُول يَا زَانِيَة أَو زَنَيْت بفلان أَو ولدك من الزِّنَا فأنكرت الْمَرْأَة وخاصمته إِلَى الْحَاكِم فعجز الزَّوْج عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة على الزِّنَا
وَالثَّانِي أَن يَنْفِي ولدا أقرّ أَن امْرَأَته وَلدته أَو شهِدت امْرَأَة على الْولادَة فَقَالَ هَذَا لَيْسَ بِابْني وَذَلِكَ قبل الْإِقْرَار بِالْوَلَدِ وَقبل مُضِيّ مُدَّة تهنئة الْوَلَد الَّتِي هِيَ قَائِمَة مقَام الْإِقْرَار على مَا يعرف فِي كتاب الدَّعْوَى
وَلَو قَالَ لامْرَأَته وَهِي حَامِل هَذَا الْحمل لَيْسَ مني فَهُوَ لَيْسَ بقاذف وَلَا لعان بَينهمَا عِنْد أبي حنيفَة وَزفر
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد إِن جَاءَت بِولد لأَقل من سِتَّة أشهر لَا عَنْهَا وَإِن جَاءَت بِهِ لأكْثر فَلَا لعان
وَاتفقَ أَصْحَابنَا أَنه لَا يَنْفِي نسب الْحمل قبل الْولادَة
[ ٢ / ٢١٨ ]
وَأما شَرَائِط الْوُجُوب فَنَقُول هُوَ أَن يَكُونَا زَوْجَيْنِ حُرَّيْنِ مُسلمين عاقلين بالغين غير محدودين فِي الْقَذْف وَالْمَرْأَة عفيفة
أما اعْتِبَار الزَّوْجِيَّة فَلِأَن الله تَعَالَى خص اللّعان بالأزواج وَجعله حد للزَّوْج قَائِما مقَام حد الْقَذْف
وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابنَا إِن من تزوج امْرَأَة نِكَاحا فَاسِدا ثمَّ قَذفهَا لَا يجب اللّعان
وَلَو قَذفهَا الزَّوْج فَلم يلتعنا حَتَّى طَلقهَا ثَلَاثًا أَو بَائِنا فَلَا حد وَلَا لعان لِأَنَّهُ انْقَطَعت الزَّوْجِيَّة وَحصل الْفِرَاق وَحكم اللّعان التَّفْرِيق وَالتَّحْرِيم فَلَا يَصح اللّعان بِدُونِ حكمه
وَلَو كَانَ الطَّلَاق رَجْعِيًا يُلَاعن لقِيَام الزَّوْجِيَّة
وَأما الْحُرِّيَّة فَلِأَن العَبْد وَالْأمة ليستا من أهل الشَّهَادَة وَاللّعان شَهَادَات فِيهَا معنى الْإِيمَان
وَكَذَلِكَ الْحُرِّيَّة فِي جَانبهَا من شَرَائِط الْإِحْصَان وإحصان الْمَقْذُوف شَرط
وَأما اعْتِبَار الْعقل وَالْبُلُوغ فَلَمَّا قُلْنَا إِنَّه لَا يَصح الْقَذْف بِدُونِ الْعقل وَالْبُلُوغ
وَأما اعْتِبَار نفي حد الْقَذْف فَلِأَن الْمَحْدُود فِي الْقَذْف لَا شَهَادَة لَهُ
وَأما اعْتِبَار الْإِسْلَام أما فِي جَانبهَا فَمن بَاب الْإِحْصَان فَإِن الْمَرْأَة الْكَافِرَة لَا يجب بقذفها الْحَد وَكَذَلِكَ اللّعان
وَأما الزَّوْج الْكَافِر إِذْ قذف الزَّوْجَة الْمسلمَة فَلَا لعان عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل الشَّهَادَة على الْمُسلمين
وَصُورَة الْمَسْأَلَة فِي الْكَافِر إِذا أسلمت امْرَأَته فَلم يعرض عَلَيْهِ الْإِسْلَام حَتَّى قَذفهَا فَيحد وَلَا يُلَاعن
[ ٢ / ٢١٩ ]
فَمَا لم يُوجد هَذِه الشَّرَائِط لَا يجب اللّعان لَكِن بَعْضهَا شَرط وجوب اللّعان وَبَعضهَا شَرط تحقق الْقَذْف وَصِحَّته
ثمَّ مَتى سقط اللّعان وَبَطل هَل يسْقط الْحَد عَن الرجل قَالَ مَشَايِخنَا إِن بَطل بِمَعْنى من جِهَة الزَّوْج يجب الْحَد
وَلَا يجب اللّعان وَهَذَا صَحِيح إِذا كَانَ الْقَذْف صَحِيحا كقذف الْعَاقِل الْبَالِغ فأكذب نَفسه يجب الْحَد وَلَا يجب اللّعان
فَأَما إِذا لم يكن الْقَذْف صَحِيحا كقذف الصَّبِي وَالْمَجْنُون فَإِنَّهُ لَا يجب الْحَد وَلَا اللّعان وَإِن سقط بِمَعْنى من جِهَة الزَّوْج
وَقَالُوا إِن بَطل تَعْنِي من جِهَة الْمَرْأَة لم يجب على الزَّوْج حد وَلَا لعان كَمَا إِذا صدقته وكما إِذا كَانَت حرَّة عفيفة مسلمة إِلَّا أَنَّهَا محدودة فِي الْقَذْف فَلَا حد وَلَا لعان لِأَن الْمَعْنى من جِهَتهَا وَهُوَ أَنَّهَا لَيست من أهل الشَّهَادَة مَعَ كَون الْقَذْف صَحِيحا
فَإِذا كَانَ الْمَعْنى من جِهَتهَا وَالْقَذْف لَيْسَ بِصَحِيح لَا يجب الْحَد وَاللّعان جَمِيعًا أَيْضا حَتَّى إِذا كَانَت الزَّوْجَة كَافِرَة أَو أمة أَو صَغِيرَة أَو مَجْهُولَة أَو زَانِيَة فَلَا حد وَلَا لعان لِأَن الْقَذْف لَيْسَ بِصَحِيح لِأَن الْمَرْأَة لَيست بمحصنة
وَإِذا كَانَ كل وَاحِد من الزَّوْجَيْنِ محدودا فِي الْقَذْف يجب الْحَد وَلَا يجب اللّعان لِأَن الْقَذْف صَحِيح وَالْمَانِع من جِهَة الزَّوْج وَلَا عِبْرَة بجانبها
وعَلى هَذَا تَدور الْمسَائِل
وَأما تَفْسِير اللّعان فَإِن كَانَ الْقَذْف بِصَرِيح الزِّنَا فأنكرت الْمَرْأَة وخاصمته إِلَى القَاضِي فَأمره بِإِقَامَة الْبَيِّنَة على صدق مقَالَته فعجز عَن إِقَامَة الْبَيِّنَة
[ ٢ / ٢٢٠ ]
فَإِنَّهُ يبتدىء من جِهَة الزَّوْج ويأمره بِاللّعانِ فَيقوم الزَّوْج وَيَقُول أشهد بِاللَّه إِنِّي لمن الصَّادِقين فِيمَا رميتها بِهِ من الزِّنَا فَيَقُول ذَلِك أَربع مَرَّات ثمَّ يَقُول فِي الْخَامِسَة إِن لعنة الله عَليّ إِن كنت من الْكَاذِبين فِيمَا رميتها بِهِ من الزِّنَا وَيقبل بِوَجْهِهِ على الْمَرْأَة فِي كل ذَلِك
ثمَّ يأمرها بِاللّعانِ فتقوم وتواجه زَوجهَا وَتقول أشهد بِاللَّه إِنَّه لمن الْكَاذِبين فِيمَا رماني بِهِ من الزِّنَا أَربع مَرَّات ثمَّ تَقول فِي الْخَامِسَة إِن غضب الله عَليّ إِن كَانَ من الصَّادِقين فِيمَا رماني بِهِ من الزِّنَا
فَإِذا قَالَت ذَلِك تمّ اللّعان بَينهمَا
وَإِن كَانَ الْقَذْف بِنَفْي الْوَلَد وكذبته الْمَرْأَة وخاصمته إِلَى الْحَاكِم فَإِنَّهُ يَأْمر الْحَاكِم الزَّوْج بِاللّعانِ وَهُوَ أَن يقوم الرجل فَيَقُول أشهد بِاللَّه إِنَّنِي لمن الصَّادِقين فِيمَا رميتها بِهِ من نفي وَلَدهَا هَذَا أَربع مَرَّات وَيَقُول فِي الْخَامِسَة إِن لعنة الله عَليّ إِن كنت من الْكَاذِبين فِيمَا رميتها بِهِ من نفي وَلَدهَا هَذَا ثمَّ يَأْمر الْمَرْأَة أَن تَقول أشهد بِاللَّه إِنَّه لمن الْكَاذِبين فِيمَا رماني بِهِ من نفي وَلَدي هَذَا أَربع مَرَّات ثمَّ تَقول فِي الْخَامِسَة إِن غضب الله عَليّ إِن كَانَ من الصَّادِقين فِيمَا رماني بِهِ من نفي وَلَدي هَذَا
وَالْقِيَام لَيْسَ بِشَرْط وَلَا يضرّهُ قَالَ ذَلِك قَائِما أَو قَاعِدا كَذَا رَوَاهُ الْحسن عَن أبي حنيفَة
فَإِذا قَالَا ذَلِك تمّ اللّعان بَينهمَا
وَإِذا تمّ اللّعان بَينهمَا لَا تقع الْفرْقَة مَا لم يفرق القَاضِي بَينهمَا
فَيَنْبَغِي أَن يفرق القَاضِي بَينهمَا فِي الْفَصْل الأول
وَفِي الْفَصْل الثَّانِي يفرق بَينهمَا وَيَقْضِي بِنَفْي الْوَلَد وَقطع النّسَب من الْأَب ويلحقه بِالْأُمِّ لِأَن التَّفْرِيق وَقطع النّسَب كِلَاهُمَا حكم اللّعان إِذا كَانَ اللّعان بِالْقَذْفِ بِنَفْي الْوَلَد فَلَا بُد من قَضَاء القَاضِي بِقطع النّسَب
[ ٢ / ٢٢١ ]
وَأما حكم اللّعان فَهُوَ ثُبُوت حق التَّفْرِيق
فَإِذا تمّ اللّعان يفرق القَاضِي بَينهمَا وَلَا تقع الْفرْقَة بِنَفس اللّعان وَهَذَا مَذْهَب عُلَمَائِنَا
وَقَالَ زفر تقع الْفرْقَة بلعانهما
وَقَالَ الشَّافِعِي بِلعان الزَّوْج
ثمَّ اخْتلف أَصْحَابنَا فِيمَا بَينهم قَالَ أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد هِيَ تَطْلِيقَة بَائِنَة فيزول ملك النِّكَاح وَتثبت حُرْمَة الِاجْتِمَاع والتزوج إِلَى وَقت الإكذاب وَإِقَامَة الْحَد
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَزفر هِيَ فرقة بِغَيْر طَلَاق توجب تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا
وَأَصله قَوْله ﵇ المتلاعنان لَا يَجْتَمِعَانِ أبدا
فَأخذ أَبُو يُوسُف وَزفر بِظَاهِر الحَدِيث وَأَبُو حنيفَة وَمُحَمّد أخذا بِمَعْنَاهُ وَهُوَ أَن المتلاعنين لَا يَجْتَمِعَانِ أبدا مَا داما متلاعنين فَإِن حَقِيقَة المتفاعل هُوَ المتشاغل بِالْفِعْلِ حَقِيقَة أَو حكما فَإِذا زَالَ اللّعان حَقِيقَة وَحكما لَا يبْقى حكمه
ثمَّ إِذا وَقعت الْفرْقَة بتفريق القَاضِي وَثَبت حُرْمَة الِاجْتِمَاع فَإِذا أكذب الزَّوْج نَفسه وَضرب الْحَد يُبَاح لَهُ أَن يَتَزَوَّجهَا لِأَنَّهُ بَطل الْقَذْف وَخرج من أَن يكون من أهل اللّعان بصيرورته محدودا فِي الْقَذْف فَلَا يبْقى اللّعان
وَكَذَلِكَ إِذا صدقته الْمَرْأَة بعد الْفرْقَة لِأَنَّهَا صَارَت معترفة وَبَطل الْقَذْف فَبَطل حكم اللّعان
وَكَذَا إِذا حدت فِي قذف
فَإِن أَخطَأ القَاضِي فَبَدَأَ بِالْمَرْأَةِ ثمَّ بِالرجلِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَن يُعِيد
[ ٢ / ٢٢٢ ]
اللّعان على الْمَرْأَة لِأَنَّهَا شَهَادَة وَإِنَّمَا يبْدَأ بِشَهَادَة الْمُدَّعِي ثمَّ بِشَهَادَة الْمُدعى عَلَيْهِ بطرِيق الدّفع فَلهَذَا يبْدَأ بِالرجلِ فَإِن أَخطَأ يجب الِاسْتِدْرَاك بِالْإِعَادَةِ فَإِن لم يعد جَازَ لِأَنَّهُ قَضَاء فِي مَوضِع الِاجْتِهَاد فَإِن عِنْد بَعضهم اللّعان إِيمَان وَفِي التَّحَالُف يجوز تَقْدِيم يَمِين أَيهمَا كَانَ
وَلَو أَخطَأ القَاضِي وَفرق قبل تَمام اللّعان فَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا قد التعن أَكثر اللّعان وَقعت الْفرْقَة
وَإِن لم يلتعنا أَكثر اللّعان أَو كَانَ أَحدهمَا لم يلتعن أَكثر اللّعان لم تقع الْفرْقَة لِأَنَّهُ قَضَاء بطرِيق الِاجْتِهَاد فِي مَوضِع يسوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد لِأَنَّهُ للْأَكْثَر حكم الْكل فِي كثير من الْأَحْكَام
وَفِي الْفَصْل الثَّانِي قَضَاء فِي مَوضِع لَا يسوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد فَلَا ينفذ
وَإِذا امْتنع أحد الزَّوْجَيْنِ عَن الالتعان فَإِن القَاضِي يحْبسهُ حَتَّى يلتعن
وَعند الشَّافِعِي لَا يحبس وَلَكِن يحد حد الْقَذْف
[ ٢ / ٢٢٣ ]