على الْخُفَّيْنِ والجبائر الْمسْح أَنْوَاع ثَلَاثَة مسح الرَّأْس وَمسح الْخُف وَمسح الجبائر
أما أَحْكَام مسح الرَّأْس فقد ذكرنَا
وَأما مسح الْخُف فَالْكَلَام فِيهِ فِي خَمْسَة مَوَاضِع فِي بَيَان مشروعيته وَفِي بَيَان مُدَّة الْمسْح وَفِي بَيَان شُرُوط جَوَاز الْمسْح ووجوده وَفِي بَيَان نفس الْمسْح وَفِي بَيَان حكم سُقُوطه
أما الأول فَنَقُول قَالَ عَامَّة الْعلمَاء بِأَن الْمسْح على الْخُفَّيْنِ مَشْرُوع وَيقوم مقَام غسل الْقَدَمَيْنِ فِي حق الْمُقِيم وَالْمُسَافر جَمِيعًا وَقَالَ بعض الشِّيعَة بِأَن الْمسْح غير مَشْرُوع فِي حق الْمُقِيم وَالْمُسَافر جَمِيعًا
وَقَالَ مَالك مَشْرُوع فِي حق الْمُسَافِر دون الْمُقِيم
[ ٨٣ ]
وَالصَّحِيح قَول عَامَّة الْعلمَاء لإِجْمَاع الصَّحَابَة على ذَلِك قولا وفعلا إِلَّا مَا رُوِيَ عَن عبد الله بن عَبَّاس ثمَّ رَجَعَ فَإِنَّهُ رُوِيَ عَن عطاءتلميذه أَنه قَالَ كَانَ عبد الله بن عَبَّاس خَالف النَّاس فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ وَلم يمت حَتَّى رَجَعَ إِلَى قَول النَّاس
وَإِجْمَاع الصَّحَابَة حجَّة قَاطِعَة
وَالثَّانِي بَيَان الْمدَّة اخْتلف الْعلمَاء فِي أَن الْمسْح على الْخُف مُقَدّر أم لَا فَعِنْدَ عامتهم مُقَدّر فِي حق الْمُقِيم بِيَوْم وَلَيْلَة وَفِي حق الْمُسَافِر بِثَلَاثَة أَيَّام ولياليها
وَقَالَ مَالك غير مُقَدّر
وَالصَّحِيح قَول الْعَامَّة لما رُوِيَ فِي الحَدِيث الْمَشْهُور عَن النَّبِي ﵇ أَنه قَالَ يمسح الْمُقِيم يَوْمًا وَلَيْلَة وَالْمُسَافر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها
ثمَّ اخْتلف الْعلمَاء فِي ابْتِدَاء مُدَّة الْمسْح من أَي وَقت يعْتَبر قَالَ عَامَّة الْعلمَاء يعْتَبر من وَقت الْحَدث بعد اللّبْس
وَقَالَ بَعضهم يعْتَبر من وَقت اللّبْس وَقَالَ بَعضهم يعْتَبر من وَقت الْمسْح
بَيَان ذَلِك أَن من تَوَضَّأ عِنْد طُلُوع الْفجْر وَلبس الْخُف وَصلى الْفجْر فَلَمَّا طلعت الشَّمْس أحدث ثمَّ لما زَالَت الشَّمْس تَوَضَّأ وَمسح
[ ٨٤ ]
على الْخُف فعلى قَول الْعَامَّة يعْتَبر ابْتِدَاء الْمدَّة من وَقت الْحَدث بعد اللّبْس وَهُوَ وَقت طُلُوع الشَّمْس فَمَتَى جَاءَ ذَلِك الْوَقْت من الْيَوْم الثَّانِي فِي حق الْمُقِيم وَفِي حق الْمُسَافِر من الْيَوْم الرَّابِع تمت الْمدَّة فَلَا يمسح بعد ذَلِك وَلَكِن ينْزع الْخُفَّيْنِ وَيغسل الْقَدَمَيْنِ ثمَّ يبتدىء الْمسْح بعده
وعَلى قَول من اعْتبر وَقت اللّبْس لَا يمسح فِي الْيَوْم الثَّانِي من وَقت طُلُوع الْفجْر
وعَلى قَول من اعْتبر وَقت الْمسْح لَا يمسح فِي الْيَوْم الثَّانِي من وَقت زَوَال الشَّمْس
وَأما شَرَائِط جَوَاز الْمسْح ووجوده فأنواع من ذَلِك أَن يكون لابس الْخُفَّيْنِ أَو مَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا على طَهَارَة كَامِلَة عِنْد الْحَدث بعد اللّبْس
وَلَا يشْتَرط أَن يكون على طَهَارَة كَامِلَة عِنْد اللّبْس أَو على طَهَارَة أَيْضا
وَبَيَانه أَن الرجل إِذا غسل الرجلَيْن وَلبس الْخُفَّيْنِ ثمَّ أكمل الْوضُوء بعد ذَلِك قبل الْحَدث ثمَّ أحدث جَازَ لَهُ أَن يمسح على الْخُفَّيْنِ
وعَلى قَول الشَّافِعِي لَيْسَ لَهُ أَن يمسح مَا لم يكمل الْوضُوء ثمَّ يلبس الْخُفَّيْنِ بعد ذَلِك
وَلِهَذَا قُلْنَا إِذا لبس الْخُفَّيْنِ وَهُوَ مُحدث ثمَّ تَوَضَّأ وخاض المَاء حَتَّى دخل المَاء خفيه ثمَّ أحدث جَازَ لَهُ أَن يمسح عَلَيْهِ
وَأَجْمعُوا على أَنه إِذا لبس الْخُفَّيْنِ بعد غسل الرجلَيْن ثمَّ أحدث قبل أَن يكمل الْوضُوء ثمَّ تَوَضَّأ بعد ذَلِك وَمسح على الْخُفَّيْنِ لَا يجوز عندنَا لِانْعِدَامِ الطَّهَارَة الْكَامِلَة عِنْد الْحَدث بعد اللّبْس وَعِنْده لِانْعِدَامِ الطَّهَارَة الْكَامِلَة عِنْد اللّبْس
[ ٨٥ ]
وَمن شَرَائِطه الْحَدث الْأَصْغَر فَأَما الْحَدث الْأَكْبَر فالمسح فِيهِ غير مَشْرُوع لِأَن الْجَوَاز بِاعْتِبَار الْحَرج وَلَا حرج فِي الْحَدث الْأَكْبَر لِأَن ذَلِك يشذ فِي السّفر
وَمن الشَّرَائِط أَن يكون لابسا خفا يستر الْكَعْبَيْنِ فَصَاعِدا وَلَيْسَ بِهِ خرق كثير لِأَن الشُّرُوع ورد بِالْمَسْحِ على الْخُفَّيْنِ
وَمَا يستر الْكَعْبَيْنِ ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْخُف وَكَذَا مَا يستر الْكَعْبَيْنِ وَسوى الْخُف فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ نَحْو المكعب الْكَبِير والجرموق والمثيم وَهُوَ نوع من الْخُف
وَأما الْمسْح على الجوربين فَهُوَ على أَقسَام ثَلَاثَة إِن كَانَا مجلدين أَو منعلين جَازَ الْمسْح بِإِجْمَاع بَين أَصْحَابنَا
وَأما إِذا كَانَا غير منعلين فَإِن كَانَا رقيقين بِحَيْثُ يرى مَا تحتهما لَا يجوز الْمسْح عَلَيْهِمَا
وَإِن كَانَا ثخينيين قَالَ أَبُو حنيفَة لَا يجوز الْمسْح عَلَيْهِمَا وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد يجوز
وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة أَنه رَجَعَ إِلَى قَوْلهمَا فِي آخر عمره
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا يجوز الْمسْح على الجوارب وَإِن كَانَت منعلة إِلَّا إِذا كَانَت مجلدة إِلَى الْكَعْبَيْنِ فَيجوز
وَمَا قَالَاه أرْفق بِالنَّاسِ وَمَا قَالَه أَبُو حنيفَة رَحْمَة الله عَلَيْهِ أحوط وأقيس
وَلَو لبس الْخُفَّيْنِ ثمَّ لبس فَوْقهمَا الجرموقين من الْجلد ينظر إِن لبسهما بَعْدَمَا أحدث وَوَجَب الْمسْح على الْخُفَّيْنِ فَإِنَّهُ لَا يجوز الْمسْح على الجرموقين بِالْإِجْمَاع
فَأَما إِذا لبسهما قبل الْحَدث ثمَّ أحدث فَإِنَّهُ يجوز الْمسْح على
[ ٨٦ ]
الجرموقين عندنَا
وَعند الشَّافِعِي لَا يجوز
وعَلى هَذَا إِذا لبس خفا على خف ثمَّ الْخُف إِذا كَانَ بِهِ خرق إِن كَانَ يَسِيرا يجوز الْمسْح عَلَيْهِ وَإِن كَانَ كثيرا لَا يجوز وَهَذَا جَوَاب الِاسْتِحْسَان
وَالْقِيَاس أَن يكون الْيُسْر مَانِعا كالكثير وَهُوَ قَول زفر وَالشَّافِعِيّ
وَقَالَ مَالك وسُفْيَان الثَّوْريّ إِن الْخرق قَلِيله وَكَثِيره لَا يمْنَع بعد أَن كَانَ ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْخُف
وَالْحَد الْفَاصِل بَينهمَا هُوَ قدر ثَلَاث أَصَابِع الرجل فَصَاعِدا حَتَّى إِذا كَانَ أقل مِنْهُ يجوز الْمسْح عَلَيْهِ
ثمَّ صفة الْخرق الْمَانِع أَن يكون منفتحا بِحَيْثُ يظْهر مَا تَحْتَهُ من الْقدَم مِقْدَار ثَلَاثَة أَصَابِع
أَو يكون مُنْضَمًّا لَكِن ينفرج عِنْد الْمَشْي وَيظْهر الْقدَم
فَأَما إِذا كَانَ مُنْضَمًّا لَا ينفرج وَلَا يظْهر الْقدَم عِنْد الْمَشْي فَإِنَّهُ لَا يمْنَع وَإِن كَانَ أَكثر من ثَلَاث أَصَابِع كَذَا روى الْمُعَلَّى عَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة
وَلَو كَانَ ينْكَشف الطَّهَارَة وَفِي دَاخله بطانة من جلد وَلم يظْهر الْقدَم يجوز الْمسْح عَلَيْهِ
هَذَا إِذا كَانَ الْخرق فِي مَوْضُوع وَاحِد فَإِن كَانَ فِي مَوَاضِع مُخْتَلفَة ينظر إِن كَانَ فِي خف وَاحِد فَإِنَّهُ يجمع فَإِن بلغ مِقْدَار ثَلَاث أَصَابِع الرجل يمْنَع وَإِلَّا فَلَا وَإِن كَانَ فِي خُفَّيْنِ فَإِنَّهُ لَا يجمع كَذَا ذكر مُحَمَّد فِي الزِّيَادَات
[ ٨٧ ]
وَأما بَيَان نفس الْمسْح فَنَقُول الْمسْح الْمَشْرُوع هُوَ مسح ظَاهر الْخُف دون أَسْفَله وعقبه مرّة وَاحِدَة حَتَّى إِذا مسح على أَسْفَل الْخُف أَو على الْعقب وجانبيه لَا يجوز وَكَذَا إِذا مسح على السَّاق
وَهُوَ قَول الشَّافِعِي الْمَذْكُور فِي كتبه
وَقَالَ أَصْحَابه بِأَنَّهُ إِذا مسح على أَسْفَل الْخُف وَحده جَازَ وَلَكِن السّنة عِنْده الْجمع بَين الْمسْح على ظَاهر الْخُف وأسفله
وَأما السّنة عندنَا فَأن يمسح على ظَاهر خفيه بكلتا يَدَيْهِ ويبتدىء بِهِ من قبل الْأَصَابِع إِلَى السَّاق
وَالصَّحِيح قَوْلنَا لما رُوِيَ عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة أَن النَّبِي ﵇ تَوَضَّأ وَوضع يَده الْيُمْنَى على خفه الْأَيْمن وَيَده الْيُسْرَى على خفه الْأَيْسَر ومدهما من الْأَصَابِع إِلَى أعلاهما مسحة وَاحِدَة وَكَأَنِّي أنظر إِلَى أَصَابِع رَسُول الله ﵇ على ظَاهر خفيه
ثمَّ مِقْدَار الْمَفْرُوض عندنَا مِقْدَار ثَلَاث أَصَابِع الْيَد على ظَاهر الْخُف سَوَاء كَانَ طولا أَو عرضا حَتَّى لَو مسح بأصبع أَو بأصبعين لَا يجوز
وَعند الشَّافِعِي إِذا مسح مِقْدَار مَا يُسمى بِهِ ماسحا جَازَ كَمَا فِي مسح الرَّأْس
وَأما بَيَان حكم سُقُوطه فَنَقُول إِذا أنقضت مُدَّة الْمسْح يسْقط وَيجب عَلَيْهِ غسل الْقَدَمَيْنِ دون
[ ٨٨ ]
الْوضُوء بِكَمَالِهِ إِن كَانَ متوضئا
وَإِن كَانَ مُحدثا يجب عَلَيْهِ الْوضُوء بِكَمَالِهِ
وَكَذَلِكَ إِذا نزع الْخُفَّيْنِ وَكَذَلِكَ إِذا نزع أَحدهمَا ينْقض الْمسْح وَعَلِيهِ غسل الْقَدَمَيْنِ حَتَّى لَا يكون جَامعا بَين الْبَدَل والمبدل
وَلَو أخرج بعض الْقدَم أَو خرج بِغَيْر صنعه
رُوِيَ عَن أبي حنيفَة أَنه قَالَ إِذا أخرج أَكثر الْعقب من الْخُف انْتقض مَسحه وَإِلَّا فَلَا
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ إِذا أخرج أَكثر الْقدَم ينْتَقض مَسحه وَإِلَّا فَلَا
وروى عَن مُحَمَّد أَنه قَالَ إِذا بَقِي فِي الْخُف قدر مَا يجوز الْمسْح عَلَيْهِ جَازَ وَإِلَّا فَلَا
وَأما الْمسْح على الجبائر فَالْكَلَام فِيهِ فِي مَوَاضِع أَحدهَا أَن الْغسْل فِي أَي وَقت يسْقط ويشرع الْمسْح على الجبائر
وَالثَّانِي أَن الْمسْح على الجبائر هَل هُوَ وَاجِب فِي الْجُمْلَة أم لَا وَالثَّالِث فِيمَا يبطل الْمسْح ويسقطه
وَالرَّابِع فِي بَيَان الْفُصُول الَّتِي خَالف الْمسْح على الجبائر فِيهَا الْمسْح على الْخُفَّيْنِ
أما الأول فَنَقُول إِن كَانَ الْغسْل مِمَّا يضر بالعضو المنكسر وَالْجرْح والقرح فَإِنَّهُ يسْقط ويشرع الْمسْح على الجبائر
[ ٨٩ ]
وَكَذَا إِذا كَانَ لَا يضرّهُ وَلَكِن فِي نزع الجبائر خوف زِيَادَة الْعلَّة أَو زِيَادَة الضَّرَر
وأصل ذَلِك مَا رُوِيَ عَن عليرضي الله عَنهُ أَنه قَالَ كسر زنداي يَوْم أحد فَسقط اللِّوَاء من يَدي فَقَالَ ﵇ اجْعَلُوهَا فِي يسَاره فَإِنَّهُ صَاحب لِوَائِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَقلت يَا رَسُول الله مَا أصنع بالجبائر فَقَالَ امسح عَلَيْهَا
هَذَا إِذا مسح على الجبائر والخرق الَّتِي فَوق الْجراحَة فَأَما إِذا كَانَت زَائِدَة على رَأس الْجرْح هَل يجوز الْمسْح على الْخِرْقَة الزَّائِدَة وَكَذَلِكَ إِذا اقتصد وربط عَلَيْهِ رِبَاطًا ينظر إِن كَانَ حل الْخِرْقَة وَغسل مَا تحتهَا مِمَّا يضر بِالْجرْحِ والقرح فَإِنَّهُ يجوز الْمسْح على الْخِرْقَة الزَّائِدَة كَمَا يجوز الْمسْح على الْخِرْقَة الَّتِي على مَوضِع الْجراح
وَإِن كَانَ الْحل مِمَّا لَا يضر بِالْجرْحِ وَلَا يضرّهُ الْمسْح أَيْضا فَإِنَّهُ لَا يُجزئهُ الْمسْح على الجبائر بل عَلَيْهِ أَن ينْزع الجبائر وَيحل الْخرق وَيغسل مَا حول الْجراح وَيمْسَح عَلَيْهَا لَا على الْخِرْقَة
وَإِن كَانَ يضرّهُ الْمسْح وَلَكِن لَا يضرّهُ الْحل فَإِنَّهُ يمسح على الْخِرْقَة الَّتِي على الْجراح وَيغسل حواليها وَمَا تَحت الْخرق الزَّائِدَة
كَذَا ذكره الْحسن بن زِيَاد مُفَسرًا لِأَن جَوَاز الْمسْح بطرِيق الضَّرُورَة فيتقدر بِقَدرِهَا
وَأما بَيَان أَن الْمسْح على الجبائر وَاجِب أم لَا فَنَقُول ذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَقَالَ إِذا ترك الْمسْح على الجبائر وَذَلِكَ يضرّهُ جَازَ عِنْد أبي حنيفَة وَقَالا إِذا كَانَ لَا يضرّهُ لَا يُجزئهُ فَأجَاب كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي غير مَا أجَاب الْأُخَر
[ ٩٠ ]
وَبَعض مَشَايِخنَا قَالُوا إِن قَول أبي حنيفَة مثل قَوْلهمَا فِي أَن الْمسْح على الجبائر وَاجِب عِنْد تعذر الْغسْل وَإِنَّمَا يبسط إِذا كَانَ الْمسْح يضرّهُ لما روينَا من الحَدِيث أَن النَّبِي ﵇ أَمر بِالْمَسْحِ على الجبائر وَظَاهر الْأَمر لوُجُوب الْعَمَل إِلَّا أَنه إِذا كَانَ يخَاف الضَّرَر فِي الْمسْح يسْقط لِأَن الْغسْل يسْقط عِنْد خوف زِيَادَة الضَّرَر فالمسح أولى أَن يسْقط
وَبَعض مَشَايِخنَا قَالُوا بِأَن الْمَسْأَلَة على الْخلاف على قَول أبي حنيفَة الْمسْح على الجبائر مُسْتَحبّ وَلَيْسَ بِوَاجِب وَعِنْدَهُمَا وَاجِب
وَكَذَا ذكر هَذَا فِي الْكتاب وَلَكِن القَوْل الأول أصح
وَلَو ترك الْمسْح على بعض الجبائر وَمسح على الْبَعْض لم يذكر هَذَا فِي ظَاهر الرِّوَايَة
وَرُوِيَ عَن الْحسن بن زِيَاد أَنه قَالَ إِن مسح على الْأَكْثَر جَازَ وَإِلَّا فَلَا
وَأما بَيَان مَا يبطل الْمسْح فَنَقُول إِذا سَقَطت الجبائر بَعْدَمَا مسح عَلَيْهَا فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن تسْقط عَن برْء أَو لَا عَن برْء وَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن سَقَطت فِي حَالَة الصَّلَاة أَو خَارج الصَّلَاة
أما إِذا سَقَطت لَا عَن برْء فَإِن كَانَ فِي الصَّلَاة يمْضِي عَلَيْهَا وَإِن كَانَ خَارج الصَّلَاة فَإِنَّهُ يضع الجبائر عَلَيْهَا وَلَا يُعِيد الْمسْح عَلَيْهَا لِأَن سُقُوط الْغسْل بِسَبَب الْعذر وَهُوَ قَائِم وَإِنَّمَا الْوَاجِب هُوَ الْمسْح وَهُوَ قَائِم وَإِن زَالَ الْمَمْسُوح الضَّرَر وكما لَو مسح على رَأسه ثمَّ حلقه
وَأما إِذا سَقَطت عَن برْء فَإِن كَانَ خَارج الصَّلَاة إِن لم يحدث بعد الْمسْح يغسل مَوضِع الجبائر لَا غير وَبَطل الْمسْح لِأَنَّهُ صَار قَادِرًا على الأَصْل فَيبْطل حكم الْبَدَل فَيجب عَلَيْهِ غسله
أما غسل سَائِر
[ ٩١ ]
الْأَعْضَاء فقائم وَلم يُوجد مَا يرفعهُ وَهُوَ الْحَدث
وَإِن كَانَ فِي الصَّلَاة يسْتَقْبل لِأَنَّهُ قدر على الأَصْل قبل حُصُول الْمَقْصُود بِالْبَدَلِ
وَهل يجب عَلَيْهِ إِعَادَة مَا صلى بِالْمَسْحِ إِذا برأت الْجراحَة فعندنا لَا يجب
وعَلى قَول الشَّافِعِي يجب الْإِعَادَة على من جبر على الْجرْح والقرح قولا وَاحِدًا وَله فِي صَاحب الجبائر على الْعُضْو المنكسر قَولَانِ
وَالصَّحِيح مَذْهَبنَا لما روينَا من حَدِيث عَليّ أَن النَّبِي ﵇ لم يَأْمُرهُ بِإِعَادَة الصَّلَوَات بعد الْبُرْء مَعَ وُقُوع الْحَاجة إِلَى الْبَيَان
وَأما بَيَان الْفرق بَين الْمسْح على الجبائر وَالْمسح على الْخُفَّيْنِ فَمن وُجُوه أَحدهَا إِذا وضع الجبائر وَهُوَ مُحدث ثمَّ تَوَضَّأ جَازَ لَهُ أَن يمسح عَلَيْهَا وَإِذا لبس الْخُفَّيْنِ وَهُوَ مُحدث ثمَّ تَوَضَّأ لَيْسَ لَهُ أَن يمسح
وَالْفرق أَن الْمسْح على الجبائر كالغسل لما تحتهَا فَيكون قَائِما مقَامه وَقد وجد
ثمَّ من شَرط جَوَاز الْمسْح أَن يكون ظَاهرا عِنْد الْحَدث بعد اللّبْس حَتَّى يكون الْخُف مَانِعا للْحَدَث لَا رَافعا
وَالثَّانِي أَن الْمسْح على الجبائر غير مُؤَقّت بِالْأَيَّامِ وَلَكِن مُؤَقّت إِلَى وَقت وجود الْبُرْء حَتَّى ينْتَقض بِوُجُود الْبُرْء وَفِي حق الْعُضْو الَّذِي عَلَيْهِ الجبائر وَالْمسح على الْخُفَّيْنِ مُؤَقّت بالمدة الْمَعْلُومَة
وَالثَّالِث أَن سُقُوط الجبائر لَا عَن برْء وَلَا ينْقض الْمسْح حَتَّى
[ ٩٢ ]
إِن عَلَيْهِ أَن يَضَعهَا مرّة أُخْرَى وَيُصلي
وَفِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ إِذا سقط يجب عَلَيْهِ غسل الرجلَيْن وَالله أعلم
[ ٩٣ ]