أما الأول فَنَقُول قَالَ أَبُو حنيفَة وَأَبُو يُوسُف فرض الْوَقْت الظّهْر إِلَّا أَن الْمُقِيم الصَّحِيح الْحر مَأْمُور بإسقاطه بأَدَاء الْجُمُعَة على طَرِيق الْخَتْم والمعذور مَأْمُور بإسقاطه بِالْجمعَةِ على طَرِيق الرُّخْصَة حَتَّى إِنَّه إِذا أدّى الْجُمُعَة سقط عَنهُ الظّهْر وَتَكون الْجُمُعَة فرضا وَإِن ترك التَّرَخُّص عَاد الْأَمر إِلَى الْعَزِيمَة وَيكون الْفَرْض هُوَ الظّهْر لَا غير
وَقَالَ مُحَمَّد فِي قَول الْفَرْض هُوَ الْجُمُعَة وَله أَن يسْقطهُ بِالظّهْرِ رخصَة
وَفِي قَول الْفَرْض أَحدهمَا إِمَّا الظّهْر وَإِمَّا الْجُمُعَة وَيتَعَيَّن ذَلِك بِالْفِعْلِ فَأَيّهمَا فعل يتَبَيَّن أَن الْفَرْض هُوَ
وَقَالَ زفر فرض الْوَقْت الْجُمُعَة وَالظّهْر بدل عَنْهَا
وَهَذَا كُله قَول عُلَمَاؤُنَا ﵏
وَقَول الشَّافِعِي الْجُمُعَة ظهر قَاصِر
[ ١٥٩ ]
وَعِنْدنَا هِيَ صَلَاة غير صَلَاة الظّهْر حَتَّى لَا يَصح عندنَا بِنَاء الظّهْر على تحريمة الْجُمُعَة بِأَن خرج الْوَقْت وَهُوَ فِي الصَّلَاة فعندنا يسْتَقْبل ظهرا وَعند الشَّافِعِي يُتمهَا ظهرا
إِذا ثَبت هَذَا الأَصْل تخرج عَلَيْهِ الْمسَائِل فَنَقُول من صلى الظّهْر فِي بَيته وَحده وَهُوَ غير معذرو فَإِنَّهُ يَقع فرضا فِي قَول أَصْحَابنَا الثَّلَاثَة خلافًا لزفَر فَإِن عِنْده لَا يجوز الظّهْر
أما عِنْد أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف فَلِأَن فرض الْوَقْت هُوَ الظّهْر لَكِن أَمر بإسقاطه بِالْجمعَةِ فَإِذا لم يَأْتِ بِالْجمعَةِ وأتى بِالظّهْرِ فقد أدّى فرض الْوَقْت فيجزئه وَأما عِنْد مُحَمَّد فَلِأَن فرض الْوَقْت وَإِن كَانَ هُوَ الْجُمُعَة فِي قَول فَلهُ أَن يسْقطهُ الظّهْر رخصَة
وَفِي قَول أَحدهمَا غير عين وَإِنَّمَا يتَعَيَّن بِفِعْلِهِ وَقد عينه
وعَلى قولزفر لما كَانَ الظّهْر بَدَلا عَن الْجُمُعَة وَهُوَ قَادر على الأَصْل
فَإِنَّهُ لَا يجوز الْبَدَل
وعَلى هَذَا الْمَعْذُور نَحْو الْمَرِيض وَالْمُسَافر وَالْعَبْد إِذا صلى الظّهْر فِي بَيته وَحده يَقع عَن الْفَرْض عِنْد أَصْحَابنَا جَمِيعًا على اخْتِلَاف الْأُصُول أما عِنْدهمَا فَلِأَن فرض الْوَقْت هُوَ الظّهْر فِي حق الْكل والمعذور أَمر بإسقاطه بِالْجمعَةِ بطرِيق الرُّخْصَة إِلَّا أَن الْفرق أَن فِي الْفَصْل الأول يَأْثَم بترك الْجُمُعَة وَهَهُنَا لَا يَأْثَم بترك الْجُمُعَة لِأَن ثمَّة ترك الْفَرْض فيأثم وَهنا ترك الرُّخْصَة فَلَا يَأْثَم ويعذر وَأما عِنْد زفر فَلِأَن الْوَاجِب عَلَيْهِ الظّهْر بَدَلا عَن الْجُمُعَة لكَونه مَعْذُورًا
وعَلى هَذَا الأَصْل إِن الْمَعْذُور إِذا صلى الظّهْر فِي بَيته ثمَّ شهد الْجُمُعَة وَصلى مَعَ الإِمَام انْتقض ظَهره وَيكون تَطَوّعا وفرضه الْجُمُعَة لِأَنَّهُ أَمر بِإِسْقَاط الظّهْر بِالْجمعَةِ إِذا كَانَ قَادِرًا عَلَيْهِ وَقد قدر فينتفض ظَهره ضَرُورَة تمكن أَدَاء الْجُمُعَة
وَعند زفر لَا يبطل لما قُلْنَا إِن الظّهْر عِنْده بدل وَقد قدر على الأَصْل بعد حُصُول الْمَقْصُود
[ ١٦٠ ]
بِالْبَدَلِ فَلَا يبطل الْبَدَل
وَأما غير الْمَعْذُور إِذا صلى الظّهْر فِي بَيته ثمَّ شهد الْجُمُعَة فَهَذَا على وَجْهَيْن أَحدهمَا إِذا حضر الْجَامِع وَصلى الْجُمُعَة مَعَ الإِمَام أَو أدْركهُ فِي الصَّلَاة بَعْدَمَا قَامَ فَإِنَّهُ يبطل ظَهره بِلَا خلاف بَيْننَا لما قُلْنَا
وَالثَّانِي حِين خرج من بَيته وسعى إِلَى الْجَامِع وَالْإِمَام فِي الْجُمُعَة لكنه إِذا حضر وَوجد الإِمَام قد فرغ عَنْهَا فَكَذَلِك الْجَواب عِنْد أبي حنيفَة وَعند أبي يُوسُف وَمُحَمّد لَا ينتفض مَا لم يشرع مَعَه فِي الْجُمُعَة
وعَلى هَذَا الأَصْل إِذا شرع الرجل فِي صَلَاة الْجُمُعَة ثمَّ تذكر أَن عَلَيْهِ صَلَاة الْفجْر فَإِن كَانَ بِحَال لَو اشْتغل بِالْفَجْرِ تفوته الْجُمُعَة وَالظّهْر عَن وقتهما فَإِنَّهُ يمْضِي فِيهَا وَلَا يقطع بِالْإِجْمَاع
وَإِن كَانَ بِحَال لَو اشْتغل بِالْفَجْرِ تفوته الْجُمُعَة وَلَكِن يدْرك الظّهْر فِي وقته فعلى قَول أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف يُصَلِّي الْفجْر ثمَّ يُصَلِّي الظّهْر وَلَا تُجزئه الْجُمُعَة وعَلى قَول مُحَمَّد يمْضِي على الْجُمُعَة وَلَا يقطع لما قُلْنَا
وَأما الثَّانِي فِي بَيَان شَرَائِط الْجُمُعَة فَنَقُول للْجُمُعَة شَرَائِط بَعْضهَا من صِفَات الْمُصَلِّي وَبَعضهَا لَيْسَ من صِفَاته
فالتي من صِفَات الْمُصَلِّي سِتَّة الذُّكُورَة وَالْعقل وَالْبُلُوغ وَالْحريَّة وَصِحَّة الْبدن وَالْإِقَامَة حَتَّى لَا تجب الْجُمُعَة على النسوان وَالصبيان والمجانين وَالْعَبِيد والزمنى والمرضى والمسافرين
وَأما الْأَعْمَى فَهَل يجب عَلَيْهِ الْجُمُعَة أَجمعُوا على أَنه إِذا لم يجد قائدا لَا يجب كَمَا لَا يجب على الزمني
أما إِذا وجد قائدا إِمَّا بالإعارة أَو بِالْإِجَارَة على قَول أبي حنيفَة لَا يجب أَيْضا وَعِنْدَهُمَا يجب أَيْضا
[ ١٦١ ]
وعَلى هَذَا الِاخْتِلَاف إِذا كَانَ لَهُ زَاد وراحلة وَأمكنهُ أَن يسْتَأْجر قائدا أَو وجد لَهُ إِنْسَان يَقُودهُ إِلَى مَكَّة ذَاهِبًا وجائيا فَعِنْدَ أبي حنيفَة لَا يجب عَلَيْهِ الْحَج وَعِنْدَهُمَا يجب
ثمَّ هَؤُلَاءِ الَّذين لَا يجب عَلَيْهِم الْجُمُعَة إِذا حَضَرُوا الْجُمُعَة وصلوا فَإِنَّهُ يجزئهم وَيسْقط عَنْهُم فرض الْوَقْت لِأَن امْتنَاع الْوُجُوب للْعُذْر قد زَالَ
وَأما الشَّرَائِط الَّتِي لَيست من صِفَات الْمُصَلِّي فستة أَيْضا خَمْسَة ذكرهَا فِي ظَاهر الرِّوَايَة وَهِي الْمصر الْجَامِع وَالسُّلْطَان وَالْجَمَاعَة وَالْخطْبَة وَالْوَقْت وَالسَّادِس ذكره فِي نَوَادِر الصَّلَاة وَهُوَ أَن يكون أَدَاء الْجُمُعَة بطرِيق الاشتهار حَتَّى إِن أَمِيرا لَو جمع جُنُوده فِي الْحصن وأغلق الْأَبْوَاب وَصلى بهم الْجُمُعَة فَإِنَّهُ لَا يجزئهم وَإِن فتح بَاب الْحصن وَأذن للعامة فِيهِ بِالدُّخُولِ جَازَ
وَأما الْمصر الْجَامِع فقد ذكرالكرخي مَا أُقِيمَت فِيهِ الْحُدُود ونفذت فِيهِ الْأَحْكَام
وَقد تكلم فِيهِ أَصْحَابنَا بأقوال
وَرُوِيَ عَن أبي حنيفَة هُوَ بَلْدَة كَبِيرَة فِيهَا سِكَك وأسواق وَلها رساتيق
وفيهَا وَال يقدر على إنصاف الْمَظْلُوم من الظَّالِم بحشمه وَعلمه أَو علم غَيره وَيرجع النَّاس إِلَيْهِ فِيمَا وَقع لَهُم من الْحَوَادِث وَهَذَا هُوَ الْأَصَح
وَأما الثَّالِث فِي بَيَان صفة صَلَاة الْجُمُعَة وقدرها فَنَقُول يَنْبَغِي أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يقْرَأ فِي كل رَكْعَة بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة مِقْدَار مَا يقْرَأ فِي صَلَاة الظّهْر على مَا مر
وَلَو قَرَأَ فِي الرَّكْعَة الأولى بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة الْجُمُعَة وَفِي الثَّانِيَة بِفَاتِحَة الْكتاب وَسورَة المُنَافِقُونَ فَحسن تبركا بِفعل النَّبِي عَلَيْهِ
[ ١٦٢ ]
السَّلَام وَلَكِن لَا يواظب على قِرَاءَة هَاتين السورتين أَيْضا
فَلَو واظب على قراءاتهما يكره لِأَن فِيهِ هجر بعض الْقُرْآن وإيهام الْعَامَّة على أَن ذَلِك بطرِيق الحتم
ويجهر بِالْقِرَاءَةِ فيهمَا لوُرُود الْأَثر بالجهر فِيهَا وَالله أعلم
وَأما الرَّابِع فِي بَيَان مَا يسْتَحبّ فِي يَوْم الْجُمُعَة فَنَقُول السّنة وَالْمُسْتَحب فِيهِ أَن يدهن ويمس طيبا إِن وجد ويلبس أحسن ثِيَابه ويغتسل
وَغسل يَوْم الْجُمُعَة عِنْد عَامَّة الْعلمَاء سنة
وَقَالَ مَالك وَاجِب
وَلكنه سنة الْيَوْم أَو سنة الْجُمُعَة فعلى الِاخْتِلَاف الَّذِي ذكرنَا
[ ١٦٣ ]