الْإِعْتَاق أَنْوَاع قد يكون قربَة وَطَاعَة لله تَعَالَى بِأَن أعتق لوجه الله تَعَالَى أَو نوى عَن كَفَّارَة عَلَيْهِ
وَقد يَقع مُبَاحا غير قربَة بِأَن أعتق من غير نِيَّة أَو أعتق لوجه فلَان
وَقد يَقع مَعْصِيّة بِأَن قَالَ أَنْت حر لوجه الشَّيْطَان وَيَقَع الْعتْق أَيْضا
ثمَّ الْأَلْفَاظ تذكر فِي الْعتْق نَوْعَانِ نوع يثبت بِهِ الْعتْق فِي الْجُمْلَة إِمَّا بِالنِّيَّةِ أَو بِغَيْر النِّيَّة
نوع لَا يثبت بِهِ الْعتْق أصلا وَإِن نوى
وَأما الَّذِي يثبت بِهِ الْعتْق فَثَلَاثَة أَنْوَاع صَرِيح وملحق بِالصَّرِيحِ وكناية
أما الصَّرِيح فَمَا اشتق من لفظ الْحُرِّيَّة وَالْعِتْق وَالْوَلَاء بِأَن قَالَ أَنْت حرَّة أَو حررتك أَو أَنْت عَتيق أَو مُعتق أَو أَعتَقتك أَو أَنْت مولَايَ
[ ٢ / ٢٥٥ ]
وَقد يكون بِصِيغَة النداء بِأَن قَالَ يَا حر يَا عَتيق يَا مولَايَ
فَفِي هَذِه الْأَلْفَاظ لَا يحْتَاج إِلَى النِّيَّة لكَونه صَرِيحًا
وَلَو نوى بِهِ الْخَبَر عَن الْكَذِب فِي هَذِه الْأَلْفَاظ يصدق فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى دون الْقَضَاء لِأَن صيغته صِيغَة الْخَبَر وَالْخَبَر قد يكون كذبا
وَإِن نوى أَنه كَانَ حرا فَإِن كَانَ مسبيا يصدق فِي الدّيانَة لَا فِي الْقَضَاء
وَإِن كَانَ مولدا لَا يصدق أصلا
وَإِن قَالَ أَنْت حر وَنوى أَنه حر من الْعَمَل أَي لَا أستعمله فِي عمل مَا لَا يصدق فِي الْقَضَاء وَيعتق وَيصدق فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى
وَكَذَا إِذا قَالَ أَنْت مولَايَ وَنوى الْمُوَالَاة فِي الدّين لَا يصدق فِي الْقَضَاء وَيصدق فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى
وَلَو قَالَ أَنْت حر من هَذَا الْعَمَل وسمى عملا معينا أَو قَالَ أَنْت حر من عمل الْيَوْم فَإِنَّهُ يعْتق فِي الْقَضَاء لِأَن الْعتْق لَا يتَجَزَّأ فَإِذا جعله حرا فِي بعض الْأَعْمَال أَو جعله حرا عَن الْأَعْمَال كلهَا فِي بعض الْأَزْمَان يثبت فِي الْكل وَيصدق فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى أَنه أَرَادَ بِهِ الْبَعْض
وَأما اللَّفْظ الملحق بِالصَّرِيحِ كَقَوْلِه لعَبْدِهِ وهبت لَك نَفسك أَو وهبت نَفسك مِنْك فَإِنَّهُ يعْتق العَبْد قبل العَبْد أَو لم يقبل نوى أَو لم ينْو
وَكَذَلِكَ إِذا قَالَ بِعْت نَفسك مِنْك إِلَّا أَنه إِذا بَاعَ نَفسه من
[ ٢ / ٢٥٦ ]
العَبْد بِثمن مَعْلُوم يشْتَرط الْقبُول لأجل ثُبُوت الْعِوَض
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف أَنه قَالَ إِذا قَالَ لعَبْدِهِ أَنْت مولى فلَان أَو عَتيق فلَان يعْتق فِي الْقَضَاء لِأَنَّهُ أقرّ بِالْحُرِّيَّةِ وَهُوَ مَالك العَبْد
وَلَو قَالَ أعتقك فلَان لَا يعْتق لِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه أَرَادَ بِهِ أَنه قَالَ لَك أَنْت حر الْآن وَيحْتَمل الْخَبَر فَلَا يثبت الْعتْق بِالشَّكِّ لَكِن يجوز أَن يُقَال يعْتق فِي الْحَالين
وَأما أَلْفَاظ الْكِنَايَة فَأن يَقُول لعَبْدِهِ لَا سَبِيل لي عَلَيْك أَو لَا ملك لي عَلَيْك أَو خليت سَبِيلك أَو خرجت عَن ملكي فَإِن نوى الْعتْق يعْتق وَإِن لم ينْو يصدق فِي الْقَضَاء لِأَنَّهُ لفظ مُشْتَرك إِلَّا إِذا قَالَ لَا سَبِيل لي عَلَيْك إِلَّا سَبِيل الْوَلَاء فَهُوَ حر فِي الْقَضَاء وَلَا يصدق أَنه أَرَادَ بِهِ غير الْعتْق
وَلَو قَالَ إِلَّا سَبِيل الْمُوَالَاة يصدق فِي الْقَضَاء لِأَنَّهُ قد يُرَاد بِهِ الْمُوَالَاة فِي الدّين بِخِلَاف لفظ الْوَلَاء فَإِنَّهُ مُسْتَعْمل فِي وَلَاء الْعتْق
وَأما الْأَلْفَاظ الَّتِي لَا يعْتق بهَا وَإِن نوى بِأَن قَالَ لعَبْدِهِ لَا سُلْطَان لي عَلَيْك أَو قَالَ لعَبْدِهِ اذْهَبْ حَيْثُ شِئْت أَو توجه أَيْن شِئْت من بِلَاد الله أَو قَالَ لعَبْدِهِ أَنْت طَالِق أَو طَلقتك أَو أَنْت بَائِن أَو أَنْت عَليّ حرَام أَو قَالَ ذَلِك لأمته وَكَذَلِكَ سَائِر كنايات الطَّلَاق وَنوى الْعتْق فِي هَذِه الْفُصُول لَا يعْتق لِأَنَّهَا عبارَة عَن زَوَال الْيَد وَإنَّهُ لَا يَقْتَضِي الْعتْق كَمَا فِي الْكِنَايَة
وَلَو قَالَ يدك أَو رجلك حر وَنوى الْعتْق لَا يعْتق وَإِنَّمَا يعْتق إِذا أضيف إِلَى جُزْء شَائِع أَو جُزْء جَامع بِأَن قَالَ رَأسك حر أَو
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وَجهك حر كَمَا فِي الطَّلَاق
وَلَو نوى فَقَالَ رَأسك رَأس حر أَو بدنك بدن حر أَو وَجهك وَجه حر يعْتق
وَلَو قَالَ على الْإِضَافَة وَجهك وَجه حر أَو رَأسك رَأس حر أَو بدنك بدن حر لَا يعْتق لِأَن هَذَا تَشْبِيه
وَلَو قَالَ مَا أَنْت إِلَّا مثل الْحر أَو أَنْت مثل الْحر وَنوى الْعتْق لَا يعْتق لِأَنَّهُ تَشْبِيه
وَقد قَالُوا إِذا نوى الْعتْق يعْتق فَإِنَّهُ ذكر فِي كتاب الطَّلَاق إِذا قَالَ لامْرَأَته أَنْت مثل امْرَأَة فلَان وَفُلَان آلى من امْرَأَته وَنوى الْإِيلَاء يصدق وَيصير مولى
وَمن الْأَلْفَاظ الَّتِي يثبت بهَا الْعتْق أَلْفَاظ النّسَب
وَالْأَصْل فِيهِ أَن من وصف مَمْلُوكه بِصفة شخص يعْتق عَلَيْهِ إِذا ملكه فَهُوَ على وَجْهَيْن أَحدهمَا أَن يذكرهُ بطرِيق الصّفة وَالْآخر أَن يذكرهُ بطرِيق النداء
أما الصّفة فنحو أَن يَقُول هَذَا ابْني أَو هَذِه ابْنَتي
والنداء أَن يَقُول يَا بني يَا بِنْتي وَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ العَبْد مَجْهُول النّسَب أَو مَعْرُوف النّسَب من غَيره
وَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن كَانَ يصلح ولدا لَهُ أَو لَا يصلح وَكَذَلِكَ فِي سَائِر الْقرَابَات الْمُحرمَة للنِّكَاح
أما فِي الصّفة بِأَن قَالَ هَذَا أخي أَو عمي أَو خَالِي فقد ذكر فِي ظَاهر الرِّوَايَة أَنه يعْتق وَسوى بَين الْكل إِلَّا فِي الْأُخْت وَالْأَخ فَإِنَّهُ لَا يعْتق إِلَّا بِالنِّيَّةِ وروى الْحسن عَن أبي حنيفَة أَنه سوى بَين الْكل وَقَالَ يعْتق
وَأما النداء إِذا قَالَ يَا بني يَا بِنْتي يَا أُمِّي يَا أبي فَإِنَّهُ لَا يعْتق إِلَّا إِذا نوى لِأَن النداء لَا يُرَاد بِهِ مَا وضع لَهُ
[ ٢ / ٢٥٨ ]
اللَّفْظ وَإِنَّمَا يُرَاد بِهِ استحضار المنادى إِلَّا إِذا ذكر اللَّفْظ الْمَوْضُوع للحرية كَقَوْلِه يَا حر يَا مولَايَ فَيعتق لِأَن فِي الْمَوْضُوع لَا يعْتَبر الْمَعْنى
ثمَّ ينظر إِن كَانَ مَجْهُول النّسَب وَهُوَ يصلح ولدا لَهُ أَو والدا فَإِنَّهُ يثبت النّسَب وَيعتق
وَإِن كَانَ مَعْرُوف النّسَب من غَيره فَإِنَّهُ لَا يثبت النّسَب وَلَكِن يعْتق لاحْتِمَال النّسَب مِنْهُ بِالنِّكَاحِ أَو الْوَطْء عَن شُبْهَة والاشتهار من غَيره أَو بِسَبَب الزِّنَا
وَعند الشَّافِعِي مَا لم يثبت النّسَب مِنْهُ لَا يثبت الْعتْق
وَإِن كَانَ لَا يصلح ولدا وَلَا والدا وَلَا عَمَّا قَالَ أَبُو حنيفَة يعْتق
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ لَا يعْتق
وَلَو قَالَ هَذِه بِنْتي أَو أُمِّي وَهِي تصلح لذَلِك فَإِن كَانَت مَجْهُولَة النّسَب وَلَيْسَ للْمُدَّعِي أم مَعْرُوفَة يثبت النّسَب وَالْعِتْق وَالْحُرْمَة
وَإِن كَانَت مَعْرُوفَة النّسَب أَو كَانَت للْمُدَّعِي أم مَعْرُوفَة لَا يثبت النّسَب وَلَكِن يثبت الْعتْق وَالْحُرْمَة
وَإِن كَانَت لَا تصلح بِنْتا لَهُ أَو أما لَهُ يثبت الْعتْق عِنْد أبي حنيفَة وَلَكِن لَا تثبت الْحُرْمَة
وَهَذَا إِذا لم تكن زَوْجَة لَهُ
فَإِن كَانَت زَوْجَة لَهُ فَقَالَ هَذِه بِنْتي أَو أُمِّي فَإِن كَانَت مَعْرُوفَة النّسَب لَا تثبت الْحُرْمَة أَيْضا
وَكَذَلِكَ إِذا كَانَت الْبِنْت أكبر سنا مِنْهُ وَالأُم أَصْغَر سنا مِنْهُ لَا تقع الْفرْقَة
[ ٢ / ٢٥٩ ]
وعَلى هَذَا قَالُوا فِي الزَّوْجَة إِذا قَالَ هَذِه بِنْتي وَهِي تصلح بِنْتا لَهُ ثمَّ قَالَ أوهمت أَو أَخْطَأت لم تقع الْفرْقَة وَإِنَّمَا تقع إِذا دَامَ على ذَلِك وَثَبت
وَلَو قَالَ لعَبْدِهِ هَذَا ابْني أَو لأمته هَذِه بِنْتي ثمَّ قَالَ أَخْطَأت يعْتق وَلَا يصدق
لَو قَالَ لأمته وَهِي مَجْهُولَة النّسَب وَهِي أَصْغَر سنا مِنْهُ هَذِه بِنْتي ثمَّ تزَوجهَا جَازَ سَوَاء أصر على ذَلِك أم لَا كَذَلِك ذكر فِي كتاب النِّكَاح
وَلَكِن قَالُوا هَذَا الْجَواب فِي مَعْرُوفَة النّسَب فَأَما فِي المجهولة إِن دَامَ على ذَلِك ثمَّ تزَوجهَا لم يجز وَإِن لم يدم عَلَيْهِ جَازَ
وَلَو قَالَ لعَبْدِهِ هَذِه بِنْتي أَو لأمته هَذَا ابْني اخْتلف الْمَشَايِخ فِيهِ
ثمَّ فِي مَعْرُوف النّسَب من الْغَيْر إِذا أعتق هَل تصير أمه أم ولد لَهُ إِذا كَانَت فِي ملكه بَعضهم قَالُوا لَا يثبت الِاسْتِيلَاد سَوَاء كَانَ الْوَلَد مَعْرُوف النّسَب أَو مَجْهُول النّسَب
وَقَالَ بَعضهم يثبت فِي الْحَالين
وَبَعْضهمْ فرق إِن كَانَ مَعْرُوف النّسَب لَا يثبت وَفِي مَجْهُول النّسَب يثبت
[ ٢ / ٢٦٠ ]