على الِاخْتِلَاف فَقَالَ على قَول أبي يُوسُف يجب على الْفَوْر وعَلى قَول مُحَمَّد يجب على التَّرَاخِي
وروى مُحَمَّد بن شُجَاع الثَّلْجِي قَول أبي حنيفَة مثل قَول أبي يُوسُف
وَفَائِدَة الْخلاف أَن من أخر الْحَج عَن أول أَحْوَال الْإِمْكَان هَل يَأْثَم أم لَا أما لَا خلاف أَنه إِذا أخر ثمَّ أدّى فِي سنة أُخْرَى فَإِنَّهُ يكون مُؤديا وَلَا يكون قَاضِيا بِخِلَاف الْعِبَادَات المؤقتة إِذا فَاتَت عَن أَوْقَاتهَا ثمَّ أدّيت يكون قَضَاء بِالْإِجْمَاع
وَهَذَا حجَّة مُحَمَّد فِي الْمَسْأَلَة
وهما يَقُولَانِ إِنَّا نقُول بِالْوُجُوب على الْفَوْر مَعَ إِطْلَاق الصِّيغَة عَن
[ ٣٨٠ ]
الْوَقْت احْتِيَاطًا فَيظْهر فِي حق الآثم حَتَّى يكون حَامِلا على الْأَدَاء وَبَقِي الْإِطْلَاق فِيمَا رَوَاهُ ذَلِك
وَأما ركن الْحَج فشيئان الْوُقُوف بِعَرَفَة وَطواف الزِّيَارَة
وَأما الْوَاجِبَات فخمسة السَّعْي بَين الصَّفَا والمروة وَالْوُقُوف بِمُزْدَلِفَة وَرمي الْجمار وَالْخُرُوج عَن الْإِحْرَام بِالْحلقِ أَو بالتقصير وَطواف الصَّدْر
وَأما السّنَن والآداب فسنته مَا واظب عَلَيْهِ رَسُول الله ﷺ فِي الْحَج
وَلم يتْركهُ إِلَّا مرّة أَو مرَّتَيْنِ لِمَعْنى من الْمعَانِي
وآدابه مَا لم يواظب عَلَيْهِ وَفعل ذَلِك مرّة أَو مرَّتَيْنِ على مَا يعرف فِي أثْنَاء الْمسَائِل عِنْد بَيَان أَدَاء الْحَج على التَّرْتِيب
ثمَّ إِذا ترك الرُّكْن لَا يجوز الْحَج وَلَا يجزىء عَنهُ الْبَدَل من ذبح الْبَدنَة وَالشَّاة
وَإِذا ترك السّنة أَو الْآدَاب لَا يلْزمه شَيْء وَيكون مسيئا
وَإِذا ترك الْوَاجِب لَا يفوت الْحَج ويجزىء عَنهُ الْبَدَل إِن عجز عَن الْأَدَاء
وَبَيَان ذَلِك أَن الْحَج لَهُ ثَلَاثَة أطوفة
طواف اللِّقَاء وَيُسمى طواف التَّحِيَّة وَطواف أول عهد بِالْبَيْتِ
وَالثَّانِي طواف الزِّيَارَة وَيُسمى طواف يَوْم النَّحْر وَطواف الرُّكْن
وَالثَّالِث طواف الصَّدْر وَيُسمى طواف الْوَدَاع وَطواف الْإِفَاضَة
وَطواف اللِّقَاء سنة وَالسَّعْي عَقِيبه وَاجِب
فَإِذا ترك الطّواف فَلَا شَيْء عَلَيْهِ
[ ٣٨١ ]
وَإِذا ترك السَّعْي فَعَلَيهِ أَن يسْعَى عقيب طواف الزياة وَلَو تَركه أصلا فَعَلَيهِ الدَّم
وَكَذَلِكَ من ترك طواف الصَّدْر أصلا وَهُوَ مِمَّن يجب عَلَيْهِ ذَلِك يجب عَلَيْهِ الدَّم
وَلَو ترك طواف الزِّيَارَة لَا يَخْلُو إِمَّا إِن ترك طواف الزِّيَارَة وَطواف الصَّدْر جَمِيعًا أَو ترك أَحدهَا دون الآخر وَلَا يَخْلُو إِمَّا إِن عَاد إِلَى أَهله أَو لم يعد
فَأَما إِذا تَركهمَا جَمِيعًا فَمَا دَامَ بِمَكَّة فَإِنَّهُ يُعِيدهَا
فَإِن أعَاد طواف الزِّيَارَة فِي أَيَّام النَّحْر فَلَا شَيْء عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَدَّاهُ فِي وقته
وَإِن أعَاد بعد مُضِيّ أَيَّام النَّحْر فَعَلَيهِ الدَّم للتأخير عَن وقته عِنْد أبي حنيفَة
وَعِنْدَهُمَا لَا شَيْء عَلَيْهِ للتأخير
ثمَّ يطوف طواف الصَّدْر قَضَاء لِأَنَّهُ قَاض فِيهِ
وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء لتأخير طواف الصَّدْر بِالْإِجْمَاع
وَإِن رَجَعَ إِلَى أَهله فَهُوَ محرم على النِّسَاء أبدا
وَعَلِيهِ أَن يعود إِلَى مَكَّة بذلك الْإِحْرَام وَيَطوف طواف الزِّيَارَة وَطواف الصَّدْر وَعَلِيهِ دم لتأخير طواف الزِّيَارَة عَن أَيَّام النَّحْر عِنْده وَعِنْدَهُمَا لَا شَيْء عَلَيْهِ
وَأما إِذا طَاف للزيارة وَلم يطف للصدر فَإِن كَانَ بِمَكَّة يَأْتِي بِهِ وَلَا شَيْء عَلَيْهِ للتأخير بِالْإِجْمَاع
وَإِن رَجَعَ إِلَى أَهله فَإِنَّهُ لَا يعود إِلَى مَكَّة وَعَلِيهِ دم لترك طواف الصَّدْر فَإِذا أَرَادَ أَن يعود إِلَى مَكَّة ويقضيه يعود بِإِحْرَام الْعمرَة وَيقوم بِالْعُمْرَةِ
فَإِذا فرغ مِنْهَا طَاف للصدر ثمَّ يرجع
[ ٣٨٢ ]
وَأما إِذا طَاف للصدر وَلم يطف للزيارة فَإِن طواف الصَّدْر ينْقل إِلَى طواف الزِّيَارَة
فَمَا دَامَ بِمَكَّة فَيَأْتِي بِطواف الصَّدْر وَعَلِيهِ دم لتأخير طواف الزِّيَارَة عَن أَيَّام النَّحْر عِنْد أبي حنيفَة خلافًا لَهما
وَإِن عَاد إِلَى أَهله فَعَلَيهِ لترك طواف الصَّدْر دم بالِاتِّفَاقِ وَفِي وجوب الدَّم
فِي تَأْخِير طواف الزِّيَارَة عَن وقته اخْتِلَاف على مَا ذكرنَا
وَأما شَرَائِط الْوُجُوب فبعضها عَام فِي الْعِبَادَات كلهَا نَحْو الْعقل وَالْبُلُوغ وَالْإِسْلَام حَتَّى لَا يجب الْحَج على الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَالْكَافِر وَإِن ملكوا الزَّاد وَالرَّاحِلَة لِأَنَّهُ لَا خطاب على هَؤُلَاءِ
وَلَو أَنه إِذا وجد مِنْهُم الْإِحْرَام ثمَّ بلغ الصَّبِي وأفاق الْمَجْنُون وَأسلم الْكَافِر وَوقت الْحَج بَاقٍ فَإِن جددوا الْإِحْرَام بنية حجَّة الْإِسْلَام فَإِنَّهُ يَقع عَن حجَّة الْإِسْلَام لِأَن إِحْرَام الْكَافِر وَالْمَجْنُون لَا يَصح أصلا لعدم الْأَهْلِيَّة وإحرام الصَّبِي الْعَاقِل صَحِيح لكنه غير مُلْزم فينتقض بِخِلَاف العَبْد إِذا أحرم بِإِذن الْمولى ثمَّ عتق وَالْوَقْت بَاقٍ فجدد الْإِحْرَام بنية حجَّة الْإِسْلَام وَهُوَ مَالك للزاد وَالرَّاحِلَة فَإِنَّهُ لَا ينْتَقض إِحْرَامه الأول وَلَا يَصح الثَّانِي لِأَن إِحْرَام العَبْد بِإِذن الْمولى لَازم فَلَا يحْتَمل الِانْفِسَاخ
وَأما الشَّرْط الْخَاص فالحرية حَتَّى لَا يجب الْحَج على العَبْد وَإِن أذن لَهُ مَوْلَاهُ لِأَن مَنَافِعه فِي حق الْحَج غير مُسْتَثْنَاة عَن ملك الْمولى فَإِذا أذن لَهُ الْمولى فقد أَعَارَهُ مَنَافِع بدنه وَالْحج لَا يجب بقدرة عَارِية
وَلِهَذَا بِالْإِجْمَاع إِن الْأَجْنَبِيّ إِذا أعَار الزَّاد وَالرَّاحِلَة لمن لَا يملك
[ ٣٨٣ ]
الزَّاد وَالرَّاحِلَة فَإِنَّهُ لَا يجب الْحَج عَلَيْهِ فَكَذَلِك هَذَا بِخِلَاف الْفَقِير إِنَّه لَا يجب الْحَج عَلَيْهِ وَلَو تكلّف وَذهب إِلَى مَكَّة بالسؤال وَأدّى يَقع عَن حجَّة الْإِسْلَام لِأَنَّهُ مَالك لمنافع بدنه لَكِن لَا يملك الزَّاد وَالرَّاحِلَة فَلم يجب عَلَيْهِ فَمَتَى وصل إِلَى مَكَّة وَصَارَ قَادِرًا على الْحَج بِالْمَشْيِ وَقَلِيل الزَّاد وَجب عَلَيْهِ الْحَج فَيَقَع عَن الْفَرْض فَهُوَ الْفرق
وَمن شَرطه أَيْضا صِحَة الْبدن وَزَوَال الْمَوَانِع الحسية عَن الذّهاب إِلَى الْحَج حَتَّى إِن المقعد وَالْمَرِيض والزمن والمحبوس والخائف من السُّلْطَان الَّذِي يمْنَع النَّاس من الْخُرُوج إِلَى الْحَج فَإِنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِم الْحَج بِأَنْفسِهِم لِأَن هَذِه عبَادَة بدنية فَلَا بُد من الْقُدْرَة بِصِحَّة الْبدن وَزَوَال الْمَانِع حَتَّى يتَوَجَّه عَلَيْهِم التَّكْلِيف وَلَكِن يجب عَلَيْهِم الإحجاج إِذا ملكوا الزَّاد وَالرَّاحِلَة
وَأما الْأَعْمَى إِذا وجد قائدا بطرِيق الْملك بِأَن كَانَ لَهُ مَال فَاشْترى عبدا أَو اسْتَأْجر أَجِيرا بِمَالِه هَل يجب عَلَيْهِ أَن يحجّ بِنَفسِهِ ذكر فِي الأَصْل أَنه لَا يجب عَلَيْهِ أَن يحجّ بِنَفسِهِ وَلَكِن يجب فِي ملكه عِنْد أبي حنيفَة
وروى الْحسن عَنهُ أَنه يجب عَلَيْهِ أَن يحجّ بِنَفسِهِ
وَكَذَلِكَ رُوِيَ فِي المقعد والزمن أَنه يجب عَلَيْهِمَا إِذا قدر أَن يشتريا عبدا أَو يسْتَأْجر أَجِيرا
وَقَالَ أَبُو يُوسُف وَمُحَمّد بِالْوُجُوب فِي حق الْأَعْمَى دون المقعد والزمن
وَجه رِوَايَة الْحسن أَن الْقُدْرَة وَسِيلَة إِلَى أَدَاء الْحَج فيستوي الْقُدْرَة بِالْملكِ وَالْعَارِية
وهما يَقُولَانِ إِن الْأَعْمَى قَادر بِنَفسِهِ على أَدَاء الْحَج إِلَّا أَنه لَا
[ ٣٨٤ ]
يَهْتَدِي إِلَى الطَّرِيق وَذَلِكَ يحصل بالقائد فَأَما المقعد فعاجز عَن الْأَدَاء بِنَفسِهِ فَلَا يُكَلف بِالْقُدْرَةِ الَّتِي تحصل بِالْغَيْر لِأَن ذَلِك قد يكون وَقد لَا يكون بِأَن أبق العَبْد وَنقض المتسأجر العقد لعذر من الْأَعْذَار
وابوحنيفة يَقُول بِأَن الْأَعْمَى وَإِن كَانَ قَادِرًا بِنَفسِهِ لَكِن لَا يعْمل قدرته بِدُونِ الْقَائِد وإباقه وَمَوته مُحْتَمل
ثمَّ إِذا لم يجب الْحَج على هَؤُلَاءِ بِأَنْفسِهِم وَلَهُم مَال وَزَاد وراحلة فَعَلَيْهِم أَن يأمروا من يحجّ عَنْهُم بمالهم وَيكون ذَلِك مجزئا عَن حجَّة الْإِسْلَام
وَأَصله ماروي أَن الخثعمية جَاءَت إِلَى رَسُول الله ﷺ وَقَالَت إِن أبي أَدْرَكته فَرِيضَة الْحَج وَهُوَ شيخ كَبِير لَا يسْتَمْسك على الرَّاحِلَة فيجزئني أَن أحج عَنهُ فَقَالَ ﵇ أَرَأَيْت لَو كَانَ على أَبِيك دين فقضيته أما كَانَ يقبل مِنْك فَقَالَت نعم فَقَالَ دين الله أَحَق
فَإِن مَاتَ هَؤُلَاءِ قبل أَن يقدروا على الْحَج بِأَنْفسِهِم وَقع ذَلِك عَن حجَّة الْإِسْلَام وَإِن قدرُوا على الْحَج بِأَنْفسِهِم يجب عَلَيْهِم حجَّة الْإِسْلَام وَمَا حج عَنْهُم يكون تَطَوّعا لِأَنَّهُ خلف ضَرُورِيّ فَيسْقط اعْتِبَاره بِالْقُدْرَةِ على الأَصْل كالشيخ الفاني إِذا عجز عَن صَوْم رَمَضَان ثمَّ صَار قَادِرًا على الصَّوْم يجب عَلَيْهِ الْإِعَادَة لما قُلْنَا كَذَا هَذَا
[ ٣٨٥ ]
وَلَو تكلّف المقعد والزمن وَالْمَرِيض فحجوا بِأَنْفسِهِم على الدَّابَّة وَكَذَلِكَ الْأَعْمَى مَعَ الْقَائِد فَإِنَّهُ يسْقط عَنْهُم الْحَج لِأَنَّهُ إِنَّمَا لم يجب عَلَيْهِم دفعا للْحَرج عَنْهُم فَمَتَى تحملوا الْحَرج وَقع موقعه كَالْجُمُعَةِ سَاقِطَة عَن العَبْد بِحَق الْمولى فَإِذا حضر وَأدّى جَازَ لما ذكرنَا كَذَا هَذَا
وَمن شَرطه أَيْضا ملك الزَّاد وَالرَّاحِلَة حَتَّى لَا يجب الْحَج عندنَا لوُجُود الزَّاد بطرِيق الْإِبَاحَة سَوَاء كَانَت الْإِبَاحَة من جِهَة من لَا منَّة لَهُ عَلَيْهِ كالوالدين والمولودين أَو من جِهَة من لَهُ عَلَيْهِ الْمِنَّة كالأجانب
وَقَالَ الشَّافِعِي إِن كَانَت من جِهَة من لَا منَّة لَهُ عَلَيْهِ يجب عَلَيْهِ الْحَج
وَإِن كَانَت من جِهَة الْأَجْنَبِيّ فَلهُ فِيهِ قَولَانِ
وَأما إِذا وهبه إِنْسَان مَالا يحجّ بِهِ فَلَا يجب عَلَيْهِ الْقبُول عندنَا
وَله فِيهِ قَولَانِ
وَأَصله مَا ذكرنَا أَن الْقُدْرَة بِالْملكِ هِيَ الأَصْل فِي توجه الْخطاب
وَأما تَفْسِير الزَّاد وَالرَّاحِلَة فَأن يكون عِنْده دَرَاهِم مِقْدَار مَا يبلغهُ إِلَى مَكَّة ذَاهِبًا وجائيا رَاكِبًا لَا مَاشِيا سوى مَا هُوَ من كفافه وحوائجه من الْمسكن وَالْخَادِم وَالسِّلَاح نَحْو ذَلِك وَسوى مَا يقْضِي بِهِ دُيُونه ويمسك لنفقة عِيَاله وَمَرَمَّة مسكنة وَنَحْوهَا إِلَى وَقت انْصِرَافه
وَرُوِيَ عَن أبي يُوسُف وَنَفَقَة شهر بعد انْصِرَافه أَيْضا
وَإِن لم يبلغ مَاله يكتري رَاحِلَة أَو شقّ رَاحِلَة وَلَكِن يَكْفِي لنفقة الْأَجِير وَالْمَشْي رَاجِلا فَإِنَّهُ لَا يجب عَلَيْهِ الْحَج
وَهَذَا فِي حق الْبعيد من مَكَّة
[ ٣٨٦ ]
وَأما فِي حق من كَانَ بِمَكَّة أَو بمنى وعرفات فَهَل يشْتَرط الزَّاد وَالرَّاحِلَة بَعضهم قَالُوا إِذا كَانَ رجلا قَوِيا يُمكنهُ الْمَشْي بالقدم يجب عَلَيْهِ الْحَج لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى مشي أَرْبَعَة فراسخ لِأَن بَين مَكَّة وعرفات أَرْبَعَة فراسخ وَإِمَّا إِذا كَانَ ضَعِيفا فَلَا يجب عَلَيْهِ مَا لم يقدر على الرَّاحِلَة
وَقَالَ بَعضهم لَا يجب بِدُونِ الرَّاحِلَة لِأَن الْمَشْي رَاجِلا فِيهِ حرج وكل أحد لَا يقدر على مشي أَرْبَعَة فراسخ رَاجِلا وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾
وَمن شَرطه أَمن الطَّرِيق أَيْضا لِأَنَّهُ لَا يجب بِدُونِ الزَّاد وَالرَّاحِلَة وَلَا بَقَاء للزاد وَالرَّاحِلَة بِدُونِ الْأَمْن
وَهَذَا فِي حق الرجل فَأَما فِي حق الْمَرْأَة فَلَا بُد من وجود هَذِه الشَّرَائِط وَيشْتَرط فِي حَقّهَا شَرْطَانِ آخرَانِ
أَحدهمَا أَن يكون لَهَا زوج أَو من لَا يجوز المناكحة بَينهمَا على طَرِيق التأييد إِمَّا بِسَبَب الْقَرَابَة أَو الرَّضَاع أَو الصهرية
وَإِذا لم يخرج الْمحرم إِلَّا بِنَفَقَة مِنْهَا هَل يجب عَلَيْهَا نَفَقَته ذكر فِي شرح الْقَدُورِيّ إِنَّهَا تجب لِأَنَّهَا لَا تتمكن من الْحَج إِلَّا بالمحرم كَمَا لَا تتمكن إِلَّا بالزاد وَالرَّاحِلَة فَيجب عَلَيْهَا بذلك إِذا كَانَ لَهَا مَال
وَذكر فِي شرح الطَّحَاوِيّ أَنه لَا يجب عَلَيْهَا نَفَقَته وَلَا يجب عَلَيْهَا الْحَج
وَإِذا لم يكن لَهَا زوج وَلَا محرم لَا يجب عَلَيْهَا أَن تتَزَوَّج ليذْهب مَعهَا
[ ٣٨٧ ]
إِلَى الْحَج وَلَا يجب عَلَيْهَا الْحَج بِنَفسِهَا وَيجب فِي مَالهَا
وَهَذَا عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي يجب عَلَيْهَا إِذا كَانَ فِي الرّفْقَة نسَاء
وَإِذا وجدت محرما يجب عَلَيْهَا الْحَج وَلَا يشْتَرط رضَا الزَّوْج وإذنه عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي لَا بُد من إِذن الزَّوْج لِأَن فِيهِ فَوَات حَقه
وَلَكنَّا نقُول إِن الْحَج من الْفَرَائِض اللَّازِمَة فَيكون مَنَافِعهَا مُسْتَثْنَاة عَن ملك الزَّوْج فَأَما فِي التَّطَوُّع فَللزَّوْج حق الْمَنْع كَمَا فِي الصَّلَاة
وَيَسْتَوِي الْجَواب بَين أَن تكون الْمَرْأَة شَابة أَو عجوزا فِي اشْتِرَاط الْمحرم لِأَنَّهَا عَورَة أَيْضا
هَذَا إِذا كَانَ بَينهَا وَبَين مَكَّة مُدَّة السّفر وَهِي ثَلَاثَة أَيَّام ولياليها فَأَما إِذا كَانَ دون مُدَّة السّفر فَإِنَّهُ لَا يشْتَرط الْمحرم
وَالشّرط الثَّانِي أَن لَا تكون مُعْتَدَّة من طَلَاق بَائِن أَو رَجْعِيّ أَو عَن وَفَاة لِأَن الْحَج مِمَّا يُمكن أَدَاؤُهُ فِي وَقت آخر فَأَما الْعدة فَيجب قَضَاؤُهَا فِي هَذَا الْوَقْت خَاصَّة وَالله تَعَالَى يَقُول ﴿لَا تخرجوهن من بُيُوتهنَّ وَلَا يخْرجن﴾
فَإِن لزمتها الْعدة بعد الْخُرُوج إِلَى الْحَج إِن كَانَ الطَّلَاق رَجْعِيًا فَإِنَّهَا لَا تفارق زَوجهَا لِأَن النِّكَاح قَائِم فتمضي مَعَه وَالْأَفْضَل للزَّوْج أَن يُرَاجِعهَا
وَإِن كَانَ الطَّلَاق بَائِنا أَو عَن وَفَاة فَإِن كَانَ إِلَى منزلهَا أقل من مُدَّة
[ ٣٨٨ ]
السّفر وَإِلَى مَكَّة مُدَّة السّفر فَإِنَّهَا تعود وَجعلت كَأَنَّهَا فِي الْمصر
وَإِن كَانَ إِلَى مَكَّة أقل من مُدَّة السّفر فَإِنَّهَا تمْضِي لِأَنَّهُ لَا حَاجَة بهَا إِلَى الْمحرم وَفِي أقل من مُدَّة السّفر
وَإِن كَانَ إِلَى الْجَانِبَيْنِ مُدَّة السّفر فَإِن كَانَت فِي الْمصر فَإِنَّهَا لَا تخرج حَتَّى تَنْقَضِي الْعدة وَإِن وجدت محرما
وَعِنْدَهُمَا تخرج إِن وجدت محرما
وَلَا تخرج بِغَيْر محرم بِالْإِجْمَاع
وَإِن كَانَت فِي الْمَفَازَة أَو فِي قَرْيَة لَا يُؤمن على نَفسهَا وَمَالهَا تمْضِي حَتَّى تدخل مَوضِع الْأَمْن ثمَّ لَا تخرج مَا لم تنقض عدتهَا وَإِن وجدت محرما عِنْده
وَعِنْدَهُمَا تخرج على مَا نذْكر فِي بَاب الْعدة
وَهَذَا كُله مَذْهَب عُلَمَائِنَا
وَقَالَ مالكو الضَّحَّاك بن مُزَاحم بِأَن الزَّاد وَالرَّاحِلَة ليسَا بِشَرْط بل يجب الْحَج على كل مُسلم بَالغ عَاقل صَحِيح الْبدن
وَالصَّحِيح قَول عَامَّة الْعلمَاء لقَوْله تَعَالَى ﴿الْحَيّ من الْمَيِّت وَتخرج الْمَيِّت من الْحَيّ وترزق من﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير بِأَن المُرَاد مِنْهُ الزَّاد وَالرَّاحِلَة
ثمَّ هَذِه الشَّرَائِط الَّتِي ذكرنَا إِنَّمَا تعْتَبر عِنْد خُرُوج أهل بَلْدَة إِلَى الْحَج لِأَن ذَلِك وَقت الْوُجُوب فِي حَقه حَتَّى إِنَّه إِذا كَانَ عِنْده دَرَاهِم قبل خُرُوج أهل بَلَده وَاشْترى بهَا الْمسكن وَالْخَادِم وأثاث الْبَيْت وَنَحْو
[ ٣٨٩ ]
ذَلِك
فَعِنْدَ خُرُوج أهل بَلَده لَا يجب عَلَيْهِ أَن يَبِيع ذَلِك وَلَا يجب الْحَج عَلَيْهِ
فَأَما إِذا كَانَ لَهُ دَرَاهِم وَقت الْخُرُوج مِقْدَار الزَّاد وَالرَّاحِلَة وَلم يكن لَهُ مسكن وَلَا خدام وَلَا زَوْجَة فَأَرَادَ أَن يصرفهَا إِلَى هَذِه الْأَشْيَاء فَإِنَّهُ يَأْثَم وَيجب عَلَيْهِ الْحَج وَيلْزمهُ الْخُرُوج مَعَهم
وَمن شَرَائِط الْأَدَاء الْإِحْرَام فَإِنَّهُ لَا يَصح أَدَاء أَفعَال الْحَج بِدُونِ الْإِحْرَام كَمَا لَا تصح الصَّلَاة بِدُونِ التَّحْرِيمَة وَهِي التَّكْبِير
وَهَذَا عندنَا
وَقَالَ الشَّافِعِي الْإِحْرَام ركن وَلَيْسَ بِشَرْط
وَيَنْبَنِي على هَذَا الأَصْل أَن الْإِحْرَام قبل أشهر الْحَج جَائِز عندنَا
وَعند الشَّافِعِي لَا يجوز وَهِي شَوَّال وَذُو الْقعدَة وَعشر من ذِي الْحجَّة لِأَن ركن عِنْده وَأَدَاء الرُّكْن لَا يَصح فِي غير وقته كأداء الصَّلَاة قبل الْوَقْت
وَعِنْدنَا لما كَانَ شرطا يجوز وجوده قبل وَقت الْفِعْل كالطهارة وَستر الْعَوْرَة فِي بَاب الصَّلَاة قبل الْوَقْت
وَأَجْمعُوا أَن الْإِحْرَام قبل أشهر الْحَج مَكْرُوه لَا لِأَنَّهُ قبل وَقت الْفِعْل لَكِن لاحْتِمَال أَن يلْحقهُ حرج عَظِيم فِي الِامْتِنَاع عَن مَحْظُورَات الْحَج
وَمِنْهَا الْوَقْت شَرط لِأَن أَدَاء الْحَج فِي غير وقته غير مَشْرُوع لكَونه مؤقتا قَالَ الله تَعَالَى ﴿الْحَج أشهر مَعْلُومَات﴾ وَهُوَ شَوَّال وَذُو الْقعدَة وَعشر من ذِي الْحجَّة فَلَا يجوز أَدَاء شَيْء من الْأَفْعَال قبلهَا
[ ٣٩٠ ]
ومعظم أَفعَال الْحَج مُؤَقّت بِوَقْت خَاص فِي مَكَان خَاص كطواف الزِّيَارَة فِي يَوْم النَّحْر وَالْوُقُوف بِعَرَفَة فِي يَوْم عَرَفَة وَنَحْو ذَلِك على مَا يعرف إِن شَاءَ الله
وَمِنْهَا شَرط الْخُرُوج عَن الْحَج وَهُوَ الْحلق أَو التَّقْصِير بِمَنْزِلَة السَّلَام شَرط الْخُرُوج عَن الصَّلَاة
وَأما الطَّهَارَة عَن الْحَدث والجنابة فِي حَالَة الطّواف فَشرط الْكَمَال عندنَا لَا شَرط الْجَوَاز
وَعند الشَّافِعِي شَرط الْجَوَاز حَتَّى إِن الْأَفْضَل أَن يُعِيد الطّواف وَلَو لم يعد يلْزمه الدَّم فِي الْجَنَابَة يلْزمه الْبَدنَة وَفِي الْحَدث يلْزمه الشَّاة لِأَن النُّقْصَان بِسَبَب الْجَنَابَة أفحش فَكَانَ الْجَزَاء أكمل
وَأما مَحْظُورَات الْإِحْرَام فكثيرة وَهُوَ الارتفاق بمرافق المقيمين لِأَنَّهُ عبَادَة سفر من لبس الْمخيط وَالْوَطْء ودواعيه من اللَّمْس والقبلة والتطيب وَإِزَالَة التفث وَحلق الشّعْر ونتف شعر الْإِبِط وتقليم الْأَظْفَار وَقتل الْقمل من أَخذ الصيود وَالْإِشَارَة إِلَيْهَا وَالدّلَالَة عَلَيْهَا وقتلها سَوَاء كَانَ مَأْكُول اللَّحْم أَولا وَنَحْو ذَلِك
هَذَا بَيَان شَرَائِط الْحَج
فَأَما الْعمرَة فعندنا لَيست بفريضة
وَقَالَ الشَّافِعِي فَرِيضَة وَهِي الْحجَّة الصُّغْرَى
[ ٣٩١ ]
وَاخْتلف مَشَايِخنَا بَعضهم قَالُوا هِيَ سنة مُؤَكدَة وَبَعْضهمْ قَالُوا وَاجِبَة وهما متقاربان
وَاحْتج بقوله تَعَالَى ﴿وَأَتمُّوا الْحَج وَالْعمْرَة لله﴾ وَلقَوْله ﵇ الْعمرَة هِيَ الْحجَّة الصُّغْرَى
وَلنَا مَا روى أَبُو هُرَيْرَة أَن أَعْرَابِيًا سَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْإِيمَان والشرائع فَبين إِلَى أَن قَالَ وَأَن تقيم الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة وَتُؤَدِّي الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة وَأَن تحج الْبَيْت فَقَالَ الْأَعرَابِي هَل عَليّ شَيْء سوى هَذَا فَقَالَ لَا أَن تتطوع وَلم يذكر الْعمرَة وَأما الْآيَة فَقَرَأَ بَعضهم ﴿وَالْعمْرَة﴾ بِالرَّفْع ووقف على قَوْله ﴿وَأَتمُّوا الْحَج﴾
وَمَعَ اخْتِلَاف الْقُرَّاء لَا تكون حجَّة وَلِأَن الْآيَة نزلت فِي أهل الْحُدَيْبِيَة وهم خَرجُوا محرمين بِالْعُمْرَةِ وَأَنَّهَا تصير وَاجِبَة بِالشُّرُوعِ ثمَّ حصروا فَأوجب عَلَيْهِم إتْمَام الْعمرَة بطرِيق الْقَضَاء وَالْحج بطرِيق الِابْتِدَاء
وَأما ركن الْعمرَة فشيئان الطّواف وَالسَّعْي
وَالْإِحْرَام شَرط أَدَائِهَا
وَالْحلق أَو التَّقْصِير شَرط الْخُرُوج
وَمَا ذكرنَا من الشَّرَائِط فِي الْحَج فَشرط فِي الْعمرَة
وَكَذَلِكَ مَا ذكرنَا من مَحْظُورَات الْحَج فَهُوَ من مَحْظُورَات الْعمرَة
وَأما وَقت الْعمرَة فَالسنة كلهَا وَقت لَهَا وَلَا تكره سَوَاء كَانَت فِي أشهر الْحَج أَو فِي غَيره إِلَّا فِي خَمْسَة أَيَّام يَوْم عَرَفَة وَيَوْم النَّحْر وَأَيَّام التَّشْرِيق لِأَن الْحَاج مَشْغُول بأَدَاء الْحَج إِلَّا إِذا قضى الْقُرْآن أَو التَّمَتُّع فَلَا بَأْس بِهِ يكون أفضل فِي حق الآفاقي
[ ٣٩٢ ]