فَصْلٌ
قَالَ (وَإِذَا بَاعَ دَارًا إلَّا مِقْدَارَ ذِرَاعٍ مِنْهَا فِي طُولِ الْحَدِّ الَّذِي يَلِي الشَّفِيعَ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ) لِانْقِطَاعِ الْجِوَارِ، وَهَذِهِ حِيلَةٌ، وَكَذَا إذَا وَهَبَ مِنْهُ هَذَا الْمِقْدَارَ وَسَلَّمَهُ إلَيْهِ لِمَا بَيَّنَّا، قَالَ (وَإِذَا ابْتَاعَ مِنْهَا سَهْمًا بِثَمَنٍ ثُمَّ ابْتَاعَ بَقِيَّتَهَا فَالشُّفْعَةُ لِلْجَارِ فِي السَّهْمِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي) لِأَنَّ الشَّفِيعَ جَارٍ فِيهِمَا، إلَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ فِي الثَّانِي شَرِيكٌ فَيَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ،
الشَّارِحُ الْأَتْقَانِيُّ فِيمَا تَقَدَّمَ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَنَقَلْنَاهُ عَنْهُ، وَذَكَرْنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ الْكَلِمَاتِ هُنَالِكَ.
وَقَصَدَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ دَفْعَ ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ: وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ فَرَّقَ مَا بَيْنَ شَرْطٍ وَشَرْطٍ، فَمَا سَبَقَ كَانَ مِنْ الشُّرُوطِ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْ الشُّفْعَةِ وَالرِّضَا بِالْجِوَارِ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ مَا ذُكِرَ هُنَا فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ لِلشَّفِيعِ أَدَاءُ مَا اشْتَرَى بِهِ الدَّارَ لَمْ يَدُلَّ تَسْلِيمُهُ عَلَى الْإِعْرَاضِ، إذْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى أَخْذِهِ، وَكَذَا تَسْلِيمُهُ لِزَيْدٍ لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَا بِجِوَارِ عَمْرٍو فَلْيُتَأَمَّلْ اهـ كَلَامُهُ أَقُولُ: هَذَا لَيْسَ بِسَدِيدٍ، لِأَنَّ حَاصِلَهُ حَمْلُ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِيمَا سَبَقَ عَلَى الشَّرْطِ الْمَخْصُوصِ وَهُوَ الشَّرْطُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ، وَحَمْلُ الشَّرْطِ الْمَذْكُورِ فِي كَلَامِ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ عَلَى الشَّرْطِ الْمَخْصُوصِ الْآخَرِ وَهُوَ الشَّرْطُ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ وَلَا يَخْفَى عَلَى الْفَطِنِ أَنَّ شَيْئًا مِنْ كَلَامَيْهِمَا لَا يُسَاعِدُ ذَلِكَ أَصْلًا، أَمَّا كَلَامُ الْمُصَنِّفِ فَلِأَنَّهُ قَالَ: وَلَا يَتَعَلَّقُ إسْقَاطُهُ بِالْجَائِزِ مِنْ الشَّرْطِ فَبِالْفَاسِدِ أَوْلَى، وَلَا شَكَّ أَنَّ أَوْلَوِيَّةَ عَدَمِ تَعَلُّقِ إسْقَاطِهِ بِالْفَاسِدِ مِنْ عَدَمِ تَعَلُّقِ إسْقَاطِهِ بِالْجَائِزِ مِنْ الشَّرْطِ إنَّمَا تَظْهَرُ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالشَّرْطِ الْجَائِزِ جِنْسَ الشَّرْطِ الْجَائِزِ لَا الشَّرْطَ الْجَائِزَ الْمَخْصُوصَ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ لِخُصُوصِهِ حَالَةٌ مَانِعَةٌ عَنْ التَّعْلِيقِ لَمْ تُوجَدْ تِلْكَ فِي الْفَاسِدِ، وَأَمَّا كَلَامُ الْإِمَامِ مُحَمَّدٍ فَلِأَنَّهُ قَالَ: لِأَنَّ تَسْلِيمَ الشُّفْعَةِ إسْقَاطٌ مَحْضٌ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ فَصَحَّ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَا يَتَفَرَّعُ عَلَى كَوْنِ تَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ إسْقَاطًا مَحْضًا إنَّمَا هُوَ صِحَّةُ تَعْلِيقِهِ بِالشَّرْطِ مُطْلَقًا لَا صِحَّةُ تَعْلِيقِهِ بِشَرْطٍ مُعَيَّنٍ، سِيَّمَا الشَّرْطَ الَّذِي لَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ، فَإِنَّ كَوْنَهُ إسْقَاطًا يَقْتَضِي الْإِعْرَاضَ دُونَ عَدَمِ الْإِعْرَاضِ، تَأَمَّلْ تَقِفْ
(فَصْلٌ)
لَمَّا كَانَتْ الشُّفْعَةُ تَسْقُطُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ عُلِمَ تِلْكَ الْأَحْوَالُ فِي هَذَا الْفَصْلِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْجَارُ فَاسِقًا يُتَأَذَّى بِهِ، وَفِي اسْتِعْمَالِ الْحِيلَةِ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ يَحْصُلُ الْخَلَاصُ مِنْ مِثْلِ هَذَا الْجَارِ فَاحْتِيجَ إلَى بَيَانِهِ، كَذَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَمَّا كَانَ يَتَّجِهُ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا التَّوْجِيهِ أَنَّ الْبَائِعَ يُخْرِجُ الْمَبِيعَ مِنْ يَدِهِ وَمِلْكِهِ بِالْبَيْعِ فَيَحْصُلُ بِهِ الْخَلَاصُ لَهُ مِنْ أَذِيَّةِ مِثْلِ ذَلِكَ الْجَارِ الْفَاسِقِ فَمَا الِاحْتِيَاجُ إلَى اسْتِعْمَالِ الْحِيلَةِ لِإِسْقَاطِ شُفْعَتِهِ؟ تَدَارَكَ دَفْعَ ذَلِكَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ حَيْثُ قَالَ: قَوْلُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ يُتَأَذَّى بِهِ فِي قَوْلِهِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْجَارُ فَاسِقًا يُتَأَذَّى بِهِ بِأَنْ قَالَ فِي اسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، وَقَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ لِلْبَائِعِ دَارٌ أُخْرَى وَرَاءَ دَارِهِ الْمَبِيعَةِ فَتَدَبَّرْ اهـ أَقُولُ: الْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ الْمَقْصُودُ مِنْ إسْقَاطِ شُفْعَةِ مِثْلِ ذَلِكَ الْجَارِ الْفَاسِقِ الَّذِي يُتَأَذَّى بِهِ دَفْعُ تَأَذِّي الْجِيرَانِ الْمُلَاصِقِينَ بِالدَّارِ الْمَبِيعَةِ دُونَ دَارِ ذَلِكَ الْجَارِ الْفَاسِقِ، لَا دَفْعُ مُجَرَّدِ تَأَذِّي نَفْسِ الْبَائِعِ، وَلَا يَذْهَبُ عَلَيْك أَنَّ هَذِهِ
[ ٩ / ٤٢٠ ]
فَإِنْ أَرَادَ الْحِيلَةَ ابْتَاعَ السَّهْمَ بِالثَّمَنِ إلَّا دِرْهَمًا مَثَلًا وَالْبَاقِي بِالْبَاقِي، وَإِنْ ابْتَاعَهَا بِثَمَنٍ ثُمَّ دَفَعَ إلَيْهِ ثَوْبًا عِوَضًا عَنْهُ فَالشُّفْعَةُ بِالثَّمَنِ دُونَ الثَّوْبِ لِأَنَّهُ عَقْدٌ آخَرُ، وَالثَّمَنُ هُوَ الْعِوَضُ عَنْ الدَّارِ قَالَ ﵁: وَهَذِهِ حِيلَةٌ أُخْرَى تَعُمُّ الْجِوَارَ وَالشَّرِكَةَ فَيُبَاعَ بِأَضْعَافِ قِيمَتِهِ وَيُعْطَى بِهَا ثَوْبٌ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَوْ اسْتَحَقَّتْ الْمَشْفُوعَةُ يَبْقَى كُلُّ الثَّمَنِ عَلَى مُشْتَرِي الثَّوْبِ لِقِيَامِ الْبَيْعِ الثَّانِي فَيَتَضَرَّرَ بِهِ وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُبَاعَ بِالدَّرَاهِمِ الثَّمَنُ دِينَارٌ حَتَّى إذَا اسْتَحَقَّ الْمَشْفُوعُ يَبْطُلُ الصَّرْفُ فَيَجِبَ رَدُّ الدِّينَارُ لَا غَيْرُ
قَالَ (وَلَا تُكْرَهُ الْحِيلَةُ
الْفَائِدَةَ مِمَّا تَتَحَقَّقُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الصُّوَرِ، بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ ذَلِكَ الْبَعْضُ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ وَالْأَوْجَهُ أَنْ يُبَاعَ بِالدَّرَاهِمِ الثَّمَنُ دِينَارٌ حَتَّى إذَا اسْتَحَقَّ الْمَشْفُوعُ يَبْطُلُ الصَّرْفُ فَيَجِبَ رَدُّ الدِّينَارِ لَا غَيْرُ) قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ: وَبَيَانُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ فِي شُفْعَةِ فَتَاوَى قَاضِي خَانْ فَقَالَ: وَمِنْ الْحِيلَةِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الدَّارَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ يَبِيعُهَا بِعِشْرِينَ أَلْفًا ثُمَّ يَقْبِضُ تِسْعَةَ آلَافٍ وَخَمْسَمِائَةٍ وَيَقْبِضُ بِالْبَاقِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَلَوْ أَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَهَا يَأْخُذُهَا بِعِشْرِينَ أَلْفًا فَلَا يَرْغَبُ فِي الشُّفْعَةِ، وَلَوْ اسْتَحَقَّ الدَّارَ عَلَى الْمُشْتَرِي لَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِعِشْرِينَ أَلْفًا، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا أَعْطَاهُ لِأَنَّهُ إذَا اسْتَحَقَّ الدَّارَ ظَهَرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَمَنُ الدَّارِ فَيَبْطُلَ الصَّرْفُ كَمَا لَوْ بَاعَ الدِّينَارَ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ ثُمَّ تَصَادَقَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ الصَّرْفُ اهـ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي بَيَانِ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَذَا بِذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَذْكُورِ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِكَوْنِ ذَلِكَ مَذْكُورًا فِيهَا بَلْ جَعَلَهُ شَرْحًا مَحْضًا لِكَلَامِ الْمُصَنِّفِ حَيْثُ قَالَ: وَقَوْلُهُ وَالْأَوْجَهُ إلَخْ تَقْرِيرُهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ الدَّارَ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ إلَى آخِرِ مَا ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ مَعْزِيًّا إلَى فَتَاوَى قَاضِي خَانْ أَقُولُ: لَا يَذْهَبُ عَلَى ذِي فِطْنَةٍ أَنَّ مَعْنَى كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هَذَا لَيْسَ عَيْنَ مَا ذُكِرَ فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَفِي الشَّرْحَيْنِ الْمَزْبُورَيْنِ: فَإِنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ أَنْ يُبَاعَ بِكُلِّ الدَّرَاهِمِ الَّتِي هِيَ الثَّمَنُ دِينَارٌ، وَمَعْنَى مَا ذُكِرَ فِيهَا أَنْ يَقْبِضَ بَعْضَ ثَمَنِهَا وَيُبَاعَ بِالْبَاقِي دَنَانِيرَ، وَعَنْ هَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ فِيمَا إذَا اسْتَحَقَّ الْمَشْفُوعُ فَيَجِبَ رَدُّ الدِّينَارِ لَا غَيْرُ، وَقَالُوا ثَمَّةَ لَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِعِشْرِينَ أَلْفًا، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ بِمَا أَعْطَاهُ نَعَمْ كِلَا الْعَيْنَيْنِ مُشْتَرَكَانِ فِي أَنْ يَعُمَّا الْجِوَارَ وَالشَّرِكَةَ وَأَنْ لَا يَتَضَرَّرَ بَائِعُ الدَّارِ فِيهَا لِعَدَمِ لُزُومِ رُجُوعِ مُشْتَرِي الدَّارِ عَلَيْهِ بِكُلِّ الثَّمَنِ عِنْدَ ظُهُورِ مَنْ يَسْتَحِقُّ الدَّارَ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا فَصَارَ أَحَدُهُمَا نَظِيرَ الْآخَرِ فِي الْحِيلَةِ لَا عَيْنَهُ، فَلَا يَصْلُحُ أَحَدُهُمَا لَأَنْ يَكُونَ بَيَانًا وَشَرْحًا لِلْآخَرِ كَمَا لَا يَخْفَى
(قَوْلُهُ وَلَا تُكْرَهُ الْحِيلَةُ
[ ٩ / ٤٢١ ]
فِي إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَتُكْرَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) لِأَنَّ الشُّفْعَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، وَلَوْ أَبَحْنَا الْحِيلَةَ مَا دَفَعْنَاهُ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ مَنَعَ عَنْ إثْبَاتِ الْحَقِّ فَلَا يُعَدُّ ضَرَرًا، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْحِيلَةُ فِي إسْقَاطِ الزَّكَاةِ
مَسَائِلُ مُتَفَرِّقَةٌ
قَالَ (وَإِذَا اشْتَرَى خَمْسَةُ نَفَرٍ دَارًا مِنْ رَجُلٍ فَلِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ نَصِيبَ أَحَدِهِمْ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا رَجُلٌ مِنْ خَمْسَةٍ أَخَذَهَا كُلَّهَا أَوْ تَرَكَهَا) وَالْفَرْقُ أَنَّ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي بِأَخْذِ الْبَعْضِ تَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي فَيَتَضَرَّرَ بِهِ زِيَادَةَ الضَّرَرِ، وَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَقُومُ الشَّفِيعُ مَقَامَ أَحَدِهِمْ فَلَا تَتَفَرَّقُ الصَّفْقَةُ، وَلَا فَرْقَ فِي هَذَا بَيْنَ مَا إذَا كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ، إلَّا أَنَّ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يُمْكِنُهُ أَخْذُ نَصِيبِ أَحَدِهِمْ إذَا نَقَدَ مَا عَلَيْهِ مَا لَمْ يَنْقُدْ الْآخَرُ حِصَّتَهُ كَيْ لَا يُؤَدِّيَ إلَى تَفْرِيقِ الْيَدِ عَلَى الْبَائِعِ بِمَنْزِلَةِ أَحَدِ الْمُشْتَرِيَيْنِ، بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ سَقَطَتْ يَدُ الْبَائِعِ، وَسَوَاءً سَمَّى لِكُلِّ بَعْضٍ ثَمَنًا أَوْ كَانَ الثَّمَنُ جُمْلَةً، لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي هَذَا لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ لَا لِلثَّمَنِ، وَهَاهُنَا تَفْرِيعَاتٌ ذَكَرْنَاهَا
فِي إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ﵀ وَتُكْرَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀) قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَخْذًا مِنْ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ: اعْلَمْ أَنَّ الْحِيلَةَ فِي هَذَا الْبَابِ إمَّا أَنْ تَكُونَ لِلرَّفْعِ بَعْدَ الْوُجُوبِ أَوْ لِدَفْعِهِ؛ فَالْأَوَّلُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي لِلشَّفِيعِ أَنَا أُولِيهَا لَك فَلَا حَاجَةَ لَك فِي الْأَخْذِ فَيَقُولَ نَعَمْ تَسْقُطُ بِهِ الشُّفْعَةُ وَهُوَ مَكْرُوهٌ بِالْإِجْمَاعِ وَالثَّانِي مُخْتَلَفٌ فِيهِ قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: غَيْرُ مَكْرُوهٍ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الَّذِي ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ، وَهَذَا الْقَائِلُ قَاسَ فَصْلَ الشُّفْعَةِ عَلَى فَصْلِ الزَّكَاةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا تُكْرَهُ الْحِيلَةُ لِمَنْعِ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي فَصْلِ الزَّكَاةِ انْتَهَى أَقُولُ: فِي هَذَا التَّقْرِيرِ شَيْءٌ، وَهُوَ أَنَّهُ
[ ٩ / ٤٢٢ ]
فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى
قَالَ (وَمَنْ اشْتَرَى نِصْفَ دَارِ غَيْرَ مَقْسُومٍ فَقَاسَمَهُ الْبَائِعُ أَخَذَ الشَّفِيعُ النِّصْفَ الَّذِي صَارَ لِلْمُشْتَرِي أَوْ يَدَعُ) لِأَنَّ الْقِسْمَةَ مِنْ تَمَامِ الْقَبْضِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَكْمِيلِ الِانْتِفَاعِ وَلِهَذَا يَتِمُّ الْقَبْضُ بِالْقِسْمَةِ فِي الْهِبَةِ، وَالشَّفِيعُ لَا يَنْقُضُ الْقَبْضَ وَإِنْ كَانَ لَهُ نَفْعٌ فِيهِ بِعَوْدِ الْعُهْدَةِ عَلَى الْبَائِعِ، فَكَذَا لَا يُنْقَضُ مَا هُوَ مِنْ تَمَامِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ الدَّارِ الْمُشْتَرِكَةِ وَقَاسَمَ الْمُشْتَرِيَ الَّذِي لَمْ يَبِعْ حَيْثُ يَكُونُ لِلشَّفِيعِ نَقْضُهُ، لِأَنَّ الْعَقْدَ مَا وَقَعَ مَعَ الَّذِي قَاسَمَ فَلَمْ تَكُنْ الْقِسْمَةُ مِنْ تَمَامِ الْقَبْضِ الَّذِي هُوَ حُكْمُ الْعَقْدِ بَلْ هُوَ تَصَرُّفٌ بِحُكْمِ الْمِلْكِ فَيَنْقُضَهُ الشَّفِيعُ كَمَا يَنْقُضُ بَيْعَهُ وَهِبَتَهُ، ثُمَّ إطْلَاقُ الْجَوَابِ فِي الْكِتَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ النِّصْفَ الَّذِي صَارَ لِلْمُشْتَرِي فِي أَيِّ جَانِبٍ كَانَ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ إبْطَالَ حَقِّهِ بِالْقِسْمَةِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إنَّمَا يَأْخُذُهُ إذَا وَقَعَ فِي جَانِبِ الدَّارِ الَّتِي يُشْفَعُ بِهَا لِأَنَّهُ لَا يَبْقَى جَارًا فِيمَا يَقَعُ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ.
قَالَ (وَمَنْ بَاعَ دَارًا وَلَهُ عَبْدٌ مَأْذُونٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَهُ الشُّفْعَةُ، وَكَذَا إذَا كَانَ الْعَبْدُ هُوَ الْبَائِعُ فَلِمَوْلَاهُ الشُّفْعَةُ) لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ تَمَلُّكٌ بِالثَّمَنِ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الشِّرَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مُفِيدٌ لِأَنَّهُ يَتَصَرَّفُ لِلْغُرَمَاءِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ لِأَنَّهُ يَبِيعُهُ لِمَوْلَاهُ، وَلَا شُفْعَةَ لِمَنْ يَبِيعُ لَهُ
قَالَ (وَتَسْلِيمُ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ الشُّفْعَةَ عَلَى الصَّغِيرِ جَائِزٌ
إمَّا أَنْ يُرَادَ بِالْإِجْمَاعِ وَالِاخْتِلَافِ فِي قَوْلِهِ (وَهُوَ مَكْرُوهٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَالثَّانِي مُخْتَلَفٌ فِيهِ) إجْمَاعُ الْمُجْتَهِدِينَ وَاخْتِلَافُهُمْ فِي نَفْسِ الْمَسْأَلَةِ أَوْ إجْمَاعُ الْمَشَايِخِ وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الرِّوَايَةِ.
وَأَيًّا مَّا كَانَ لَا يَخْلُو التَّقْرِيرُ الْمَذْكُورُ عَنْ اضْطِرَابٍ أَمَّا عَلَى الْأَوَّلِ فَلِأَنَّ الْقَطْعَ بِكَوْنِ الثَّانِي مُخْتَلَفًا فِيهِ لَا يَكُونُ تَامًّا حِينَئِذٍ، لِأَنَّ اخْتِلَافَ الِاجْتِهَادِ فِي الثَّانِي إنَّمَا كَانَ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ مِنْ الرُّوَاةِ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي عَدَمِ كَرَاهَةِ الْحِيلَةِ فِي هَذَا الْفَصْلِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي فَصْلِ الزَّكَاةِ كَمَا ذَكَرَهُ وَأَمَّا عَلَى الثَّانِي كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ إلَخْ، فَلِأَنَّ الْقَطْعَ بِكَوْنِ الْأَوَّلِ مَكْرُوهًا لَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ لِأَنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيَّ رَوَى عَدَمَ كَرَاهَةِ الِاحْتِيَالِ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ حَيْثُ قَالَ فِي بَابِ الشُّفْعَةِ بِالْعُرُوضِ مِنْ الْمَبْسُوطِ بَعْدَ مَا ذَكَرَ وُجُوهَ الْحِيَلِ وَالِاسْتِعْمَالِ بِهَذِهِ الْحِيَلِ لِإِبْطَالِ حَقِّ الشُّفْعَةِ: لَا بَأْسَ بِهِ، أَمَّا قَبْلَ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ
[ ٩ / ٤٢٣ ]
عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: هُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ إذَا بَلَغَ) قَالُوا: وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ إذَا بَلَغَهُمَا شِرَاءُ دَارٍ بِجِوَارِ دَارِ الصَّبِيِّ فَلَمْ يَطْلُبَا الشُّفْعَةَ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ تَسْلِيمُ الْوَكِيلِ بِطَلَبِ الشُّفْعَةِ فِي رِوَايَةِ كِتَابِ الْوِكَالَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِمُحَمَّدٍ وَزُفَرَ أَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ لِلصَّغِيرِ فَلَا يَمْلِكَانِ إبْطَالَهُ كَدِيَتِهِ وَقَوْدِهِ، وَلِأَنَّهُ شُرِعَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ فَكَانَ إبْطَالُهُ إضْرَارًا بِهِ وَلَهُمَا أَنَّهُ فِي مَعْنَى التِّجَارَةِ فَيَمْلِكَانِ تَرْكَهُ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَوْجَبَ بَيْعًا لِلصَّبِيِّ صَحَّ رَدُّهُ مِنْ الْأَبِ وَالْوَصِيِّ، وَلِأَنَّهُ دَائِرٌ بَيْنَ النَّفْعِ وَالضَّرَرِ، وَقَدْ يَكُونُ النَّظَرُ فِي تَرْكِهِ لِيَبْقَى الثَّمَنُ عَلَى مِلْكِهِ وَالْوِلَايَةُ نَظَرِيَّةٌ فَيَمْلِكَانِهِ وَسُكُوتُهُمَا كَإِبْطَالِهِمَا لِكَوْنِهِ دَلِيلَ الْإِعْرَاضِ، وَهَذَا إذَا بِيعَتْ بِمِثْلِ قِيمَتِهَا، فَإِنْ بِيعَتْ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهَا بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ قِيلَ جَازَ التَّسْلِيمُ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّهُ تَمَحَّضَ نَظَرًا وَقِيلَ لَا يَصِحُّ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْأَخْذَ فَلَا يَمْلِكُ التَّسْلِيمَ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ بِيعَتْ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا مُحَابَاةً كَثِيرَةً، فَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّسْلِيمُ مِنْهُمَا أَيْضًا وَلَا رِوَايَةَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَعْدَ الْوُجُوبِ إذَا لَمْ يَكُنْ قَصْدُ الْمُشْتَرِي الْإِضْرَارَ بِهِ وَإِنَّمَا قَصْدُهُ الدَّفْعُ عَنْ مِلْكِ نَفْسِهِ ثُمَّ قَالَ: وَقِيلَ هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَأَمَّا عِنْدَ مُحَمَّدٍ فَيُكْرَهُ ذَلِكَ عَلَى قِيَاسِ اخْتِلَافِهِمْ فِي الِاحْتِيَالِ لِإِسْقَاطِ الِاسْتِبْرَاءِ وَلِلْمَنْعِ مِنْ وُجُوبِ الزَّكَاةِ انْتَهَى قَالَ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ ذَكَرَ مُحَمَّدٌ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ: الْحِيلَةُ فِي إسْقَاطِ الشُّفْعَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْكَرَاهَةَ قَالُوا: عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا تُكْرَهُ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ تُكْرَهُ وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْحِيلَةِ لِمَنْعِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ وَمَنْعِ الِاسْتِبْرَاءِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا تُكْرَهُ وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: تُكْرَهُ الْحِيلَةُ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ بَعْدَ الْوُجُوبِ لِأَنَّهُ احْتِيَالٌ لِإِبْطَالِ حَقٍّ وَاجِبٍ، وَقَبْلَ الْوُجُوبِ إنْ كَانَ الْجَارُ فَاسِقًا يُتَأَذَّى مِنْهُ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: لَا بَأْسَ بِالِاحْتِيَالِ لِإِبْطَالِ حَقِّ الشُّفْعَةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ أَمَّا قَبْلَ وُجُوبِ الشُّفْعَةِ
[ ٩ / ٤٢٤ ]