وَقَدْ قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ الْحَلْوَانِيُّ: إمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ أَوْ يَكُونَ مِنْ مُشْكِلَاتِ هَذَا الْكِتَابِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: لَا إشْكَالَ فِيهِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِشُبْهَةِ الْمُجَانَسَةِ الشُّبْهَةُ الثَّابِتَةُ بِهَا لِأَنَّهُ قَالَ جِنْسٌ وَاحِدٌ فَكَيْفَ يَقُولُ بِشُبْهَةِ الْمُجَانَسَةِ انْتَهَى كَلَامُهُ.
أَقُولُ: فِي الْجَوَابِ خَلَلٌ، إذْ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِشُبْهَةِ الْمُجَانَسَةِ الشُّبْهَةَ الثَّابِتَةَ بِنَفْسِ الْمُجَانَسَةِ لَمَا تَمَّ التَّوْفِيقُ بَيْنَ مَسْأَلَتِنَا وَمَسْأَلَةِ إجَارَاتِ الْأَصْلِ بِقَوْلِهِ أَوْ تُبْنَى حُرْمَةُ الرِّبَا هُنَالِكَ عَلَى شُبْهَةِ الْمُجَانَسَةِ، إذْ يَصِيرُ مَدَارُ مَسْأَلَةِ إجَارَاتِ الْأَصْلِ حِينَئِذٍ عَلَى اتِّحَادِ الدَّارِ وَالْحَانُوتِ فِي الْجِنْسِ وَمَدَارُ مَسْأَلَتِنَا عَلَى اخْتِلَافِهِمَا فِي الْجِنْسِ قَطْعًا، فَتَتَنَاقَضَانِ، وَالْمُصَنِّفُ قَصَدَ التَّوْفِيقَ بِذَلِكَ فَنَشَأَ مِنْهُ الْإِشْكَالُ الْمَذْكُورُ ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ قَالَ جِنْسٌ وَاحِدٌ فَكَيْفَ يَقُولُ بِشُبْهَةِ الْمُجَانَسَةِ لَيْسَ بِسَدِيدٍ، إذْ لَمْ يَقَعْ التَّصْرِيحُ فِي إجَارَاتِ الْأَصْلِ بِأَنْ قَالَ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَلَوْ وَقَعَ كَانَ الْمُرَادُ كَجِنْسٍ وَاحِدٍ عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ بِحَذْفِ أَدَاةِ التَّشْبِيهِ عَلَى مَا عُرِفَ فَلَا يُنَافِي الْقَوْلَ بِشُبْهَةِ الْمُجَانَسَةِ كَمَا لَا يَخْفَى؛ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى قَوْلِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ، لِأَنَّ الْمُرَادَ بِشُبْهَةِ الْمُجَانَسَةِ الشُّبْهَةُ الثَّابِتَةُ بِهَا: يَعْنِي أَنَّهُمَا مُتَّحِدَا الْجِنْسِ نَظَرًا إلَى أَصْلِ السُّكْنَى فَتُبْنَى حُرْمَةُ الرِّبَا عَلَيْهِ وَمُخْتَلِفَاهُ نَظَرًا إلَى اخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ فَاعْتُبِرَ ذَلِكَ فِي الْقِسْمَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى أَقُولُ: لَيْسَ ذَلِكَ بِمُسْتَقِيمٍ، لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُسْتَفَادٍ مِنْ عِبَارَةِ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ أَصْلًا لَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ هَاهُنَا أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ الْإِشْكَالَ الْمَذْكُورَ، إذْ حَاصِلُهُ أَنَّ اتِّحَادَهُمَا فِي الْجِنْسِ غَيْرُ مُقَرَّرٍ، بَلْ هُنَاكَ شَبَّهَا الِاتِّحَادَ وَالِاخْتِلَافَ فِي الْجِنْسِ مِنْ جِهَتَيْنِ فَكَانَ فِي الْجِنْسِيَّةِ شُبْهَةٌ فَيَئُولَ بِنَاءُ حُرْمَةِ الرِّبَا عَلَى ذَلِكَ إلَى اعْتِبَارِ شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ كَمَا عَرَفْت فِيمَا مَرَّ.
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ اتِّحَادِ الْجِنْسِ نَظَرًا إلَى أَصْلِ السُّكْنَى وَاخْتِلَافِهِ نَظَرًا إلَى اخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ مُتَحَقِّقٌ فِي الدُّورِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي مِصْرٍ وَاحِدٍ أَيْضًا، فَبِنَاءً عَلَى أَصْلِ ذَلِكَ خَالَفَ أَبَا حَنِيفَةَ صَاحِبَاهُ هُنَاكَ فَقَالَا: إنْ كَانَ الْأَصْلَحُ لَهُمْ قِسْمَةَ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ قَسَمَهَا الْقَاضِي كَمَا مَرَّ فِي الْكِتَابِ، فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ فِي مَسْأَلَتِنَا مَا ذُكِرَ لَمَا وَافَقَ الْإِمَامَانِ أَبَا حَنِيفَةَ هَاهُنَا فِي وُجُوبِ قِسْمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ، وَاتِّفَاقُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعَ كَوْنِهِ مُتَفَهِّمًا مِنْ عَدَمِ بَيَانِ الْخِلَافِ فِيهَا فِي الْكِتَابِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ: أَمَّا دَارٌ وَضِيعَةٌ أَوْ دَارٌ وَحَانُوتٌ فَلَا يُجْمَعُ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ يُقْسَمُ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ انْتَهَى
(فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ)
لَمَّا فَرَغَ مِنْ بَيَانِ مَا يُقْسَمُ وَمَا لَا يُقْسَمُ شَرَعَ فِي بَيَانِ كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ فِيمَا يُقْسَمُ، لِأَنَّ الْكَيْفِيَّةَ صِفَةٌ فَتَتْبَعْ جَوَازَ أَصْلِ الْقِسْمَةِ
[ ٩ / ٤٣٩ ]
قَالَ (وَيَنْبَغِي لِلْقَاسِمِ أَنْ يُصَوِّرَ مَا يَقْسِمُهُ) لِيُمْكِنَهُ حِفْظُهُ (وَيَعْدِلَهُ) يَعْنِي يُسَوِّيَهُ عَلَى سِهَامِ الْقِسْمَةِ وَيُرْوَى يَعْزِلَهُ: أَيْ يَقْطَعَهُ بِالْقِسْمَةِ عَنْ غَيْرِهِ (وَيَذْرَعَهُ) لِيَعْرِفَ قَدْرَهُ (وَيُقَوِّمَ الْبِنَاءَ) لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ (وَيَفْرِزَ كُلَّ نَصِيبٍ عَنْ الْبَاقِي بِطَرِيقِهِ وَشُرْبِهِ حَتَّى لَا يَكُونَ لِنَصِيبِ بَعْضِهِمْ بِنَصِيبِ الْآخَرِ تَعَلُّقٌ) فَتَنْقَطِعَ الْمُنَازَعَةُ وَيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْقِسْمَةِ عَلَى التَّمَامِ (ثُمَّ يُلَقِّبَ نَصِيبًا بِالْأَوَّلِ، وَاَلَّذِي يَلِيهِ بِالثَّانِي وَالثَّالِثُ عَلَى هَذَا ثُمَّ يُخْرِجَ الْقُرْعَةَ، فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ أَوَّلًا فَلَهُ السَّهْمُ الْأَوَّلُ، وَمَنْ خَرَجَ ثَانِيًا فَلَهُ السَّهْمُ الثَّانِي) وَالْأَصْلُ أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ إلَى أَقَلِّ الْأَنْصِبَاءِ، حَتَّى إذَا كَانَ الْأَقَلُّ ثُلُثًا جَعَلَهَا أَثْلَاثًا، وَإِنْ كَانَ سُدُسًا جَعَلَهَا أَسْدَاسًا لِتَمَكُّنِ الْقِسْمَةِ، وَقَدْ شَرَحْنَاهُ مُشَبَّعًا فِي كِفَايَةِ الْمُنْتَهَى بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَوْلُهُ فِي الْكِتَابِ: وَيَفْرِزَ كُلَّ نَصِيبٍ بِطَرِيقِهِ وَشُرْبِهِ بَيَانُ الْأَفْضَلِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَوْ لَمْ يُمْكِنْ جَازَ عَلَى مَا نَذْكُرُهُ بِتَفْصِيلِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَالْقُرْعَةُ لِتَطْيِيبِ الْقُلُوبِ وَإِزَاحَةِ تُهْمَةِ الْمِيلِ،
الَّذِي هُوَ الْمَوْصُوفُ
(قَوْلُهُ وَالْقُرْعَةُ لِتَطْيِيبِ الْقُلُوبِ وَإِزَاحَةِ تُهْمَةِ الْمَيْلِ) قَالَ الشُّرَّاحُ: هَذَا جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ، وَالْقِيَاسُ يَأْبَاهَا لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ الْقُرْعَةِ تَعْلِيقُ الِاسْتِحْقَاقِ بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ وَهُوَ فِي مَعْنَى الْقِمَارِ وَالْقِمَارُ حَرَامٌ، وَلِهَذَا لَمْ يُجَوِّزْ عُلَمَاؤُنَا اسْتِعْمَالَهَا فِي دَعْوَى النَّسَبِ وَدَعْوَى الْمِلْكِ وَتَعْيِينِ الْعِتْقِ أَوْ الْمُطَلَّقَةِ، وَلَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ هَاهُنَا بِالسُّنَّةِ وَالتَّعَامُلِ الظَّاهِرِ مِنْ لَدُنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَى يَوْمِنَا هَذَا مِنْ غَيْرِ نَكِيرِ مُنْكِرٍ، وَلَيْسَ هَذَا فِي مَعْنَى الْقِمَارِ، لِأَنَّ أَصْلَ الِاسْتِحْقَاقِ فِي الْقِمَارِ يَتَعَلَّقُ بِمَا يُسْتَعْمَلُ فِيهِ، وَفِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا يَتَعَلَّقُ أَصْلُ الِاسْتِحْقَاقِ بِخُرُوجِ الْقُرْعَةِ، لِأَنَّ الْقَاسِمَ لَوْ قَالَ أَنَا عَدَلْت فِي الْقِسْمَةِ فَخُذْ أَنْتَ هَذَا الْجَانِبَ وَأَنْتَ ذَاكَ الْجَانِبَ، كَانَ مُسْتَقِيمًا إلَّا أَنَّهُ رُبَّمَا يُتَّهَمُ فِي ذَلِكَ فَيَسْتَعْمِلَ الْقُرْعَةَ لِتَطْيِيبِ قُلُوبِ الشُّرَكَاءِ وَنَفْيِ تُهْمَةِ الْمَيْلِ عَنْ نَفْسِهِ
[ ٩ / ٤٤٠ ]
حَتَّى لَوْ عَيَّنَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ نَصِيبًا مِنْ غَيْرِ إقْرَاعٍ جَازَ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْقَضَاءِ فَيَمْلِكَ الْإِلْزَامَ. قَالَ (وَلَا يَدْخُلُ فِي الْقِسْمَةِ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ إلَّا بِتَرَاضِيهِمْ لِأَنَّهُ لَا شَرِكَةَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالْقِسْمَةُ مِنْ حُقُوقِ الِاشْتِرَاكِ)، وَلِأَنَّهُ يَفُوتُ بِهِ التَّعْدِيلُ فِي الْقِسْمَةِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَصِلُ إلَى عَيْنِ الْعَقَارِ وَدَرَاهِمُ الْآخَرِ فِي ذِمَّتِهِ وَلَعَلَّهَا لَا تُسَلَّمُ لَهُ (وَإِذَا كَانَ أَرْضٌ وَبِنَاءٌ؛ فَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَقْسِمُ كُلَّ ذَلِكَ عَلَى اعْتِبَارِ الْقِيمَةِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُعَادَلَةِ إلَّا بِالتَّقْوِيمِ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَقْسِمُ الْأَرْضَ بِالْمَسَّاحَةِ لِأَنَّهُ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْمَمْسُوحَاتِ، ثُمَّ يَرُدُّ مَنْ وَقَعَ الْبِنَاءُ فِي نَصِيبِهِ أَوْ مَنْ كَانَ نَصِيبُهُ أَجْوَدَ دَرَاهِمَ عَلَى الْآخَرِ حَتَّى يُسَاوِيَهُ فَتَدْخُلَ الدَّرَاهِمُ فِي الْقِسْمَةِ ضَرُورَةً كَالْأَخِ لَا وِلَايَةَ لَهُ فِي الْمَالِ، ثُمَّ يَمْلِكُ تَسْمِيَةَ الصَّدَاقِ ضَرُورَةَ التَّزْوِيجِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَى شَرِيكِهِ بِمُقَابَلَةِ الْبِنَاءِ مَا يُسَاوِيهِ مِنْ الْعَرْصَةِ، وَإِذَا بَقِيَ فَضْلٌ وَلَمْ يُمْكِنْ تَحْقِيقُ التَّسْوِيَةِ بِأَنْ كَانَ لَا تَفِي الْعَرْصَةُ بِقِيمَةِ الْبِنَاءِ فَحِينَئِذٍ يُرَدُّ لِلْفَضْلِ دَرَاهِمُ، لِأَنَّ الضَّرُورَةَ فِي هَذَا الْقَدْرِ فَلَا يُتْرَكُ الْأَصْلُ إلَّا بِهَا.
وَهَذَا يُوَافِقُ رِوَايَةَ الْأَصْلِ قَالَ (فَإِنْ قَسَمَ بَيْنَهُمْ وَلِأَحَدِهِمْ مَسِيلٌ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ أَوْ طَرِيقٌ لَمْ يَشْتَرِطْ فِي الْقِسْمَةِ)، فَإِنْ أَمْكَنَ صَرْفُ الطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ عَنْهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَطْرِقَ فِي نَصِيبِ الْآخَرِ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْقِسْمَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ
وَذَلِكَ جَائِزٌ، أَلَا يَرَى أَنَّ يُونُسَ ﵇ فِي مِثْلِ هَذَا اسْتَعْمَلَ الْقُرْعَةَ مَعَ أَصْحَابِ السَّفِينَةِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ، وَلَكِنْ لَوْ أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْمَاءِ رُبَّمَا نُسِبَ إلَى مَا لَا يَلِيقُ بِالْأَنْبِيَاءِ فَاسْتَعْمَلَ الْقُرْعَةَ لِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ زَكَرِيَّا ﵇ اسْتَعْمَلَ الْقُرْعَةَ مَعَ الْأَحْبَارِ فِي ضَمِّ مَرْيَمَ إلَى نَفْسِهِ مَعَ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ أَحَقَّ بِهَا مِنْهُمْ لِكَوْنِ خَالَتِهَا عِنْدَهُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقْرِعُ بَيْنَ نِسَائِهِ إذَا أَرَادَ السَّفَرَ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِنَّ»، انْتَهَى كَلَامُهُمْ وَعَزَا فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ هَذَا التَّفْصِيلَ إلَى الْمَبْسُوطِ
[ ٩ / ٤٤١ ]
(وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فُسِخَتْ الْقِسْمَةُ) لِأَنَّ الْقِسْمَةَ مُخْتَلَّةٌ لِبَقَاءِ الِاخْتِلَاطِ فَتُسْتَأْنَفَ بِخِلَافِ الْبَيْعِ حَيْثُ لَا يَفْسُدُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ تَمَلُّكُ الْعَيْنِ، وَأَنَّهُ يُجَامَعُ تَعَذُّرُ الِانْتِفَاعِ فِي الْحَالِ، أَمَّا الْقِسْمَةُ لِتَكْمِيلِ الْمَنْفَعَةِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِالطَّرِيقِ، وَلَوْ ذَكَرَ الْحُقُوقَ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ كَذَلِكَ الْجَوَابُ، لِأَنَّ مَعْنَى الْقِسْمَةِ الْإِفْرَازُ وَالتَّمْيِيزُ، وَتَمَامُ ذَلِكَ بِأَنْ لَا يَبْقَى لِكُلِّ وَاحِدٍ تَعَلُّقٌ بِنَصِيبِ الْآخَرِ وَقَدْ أَمْكَنَ تَحْقِيقُهُ بِصَرْفِ الطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ إلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ فَيُصَارَ إلَيْهِ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ إذَا ذُكِرَ فِيهِ الْحُقُوقُ حَيْثُ يَدْخُلُ فِيهِ مَا كَانَ لَهُ مِنْ الطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ، لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْبَيْعِ وَهُوَ التَّمْلِيكُ مَعَ بَقَاءِ هَذَا التَّعَلُّقِ بِمِلْكِ غَيْرِهِ وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي يَدْخُلُ فِيهَا لِأَنَّ الْقِسْمَةَ لِتَكْمِيلِ الْمَنْفَعَةِ وَذَلِكَ بِالطَّرِيقِ وَالْمَسِيلِ فَيَدْخُلَ عِنْدَ التَّنْصِيصِ بِاعْتِبَارِهِ، وَفِيهَا مَعْنَى الْإِفْرَازِ وَذَلِكَ بِانْقِطَاعِ التَّعَلُّقِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَبِاعْتِبَارِهِ لَا يَدْخُلُ مِنْ غَيْرِ تَنْصِيصٍ، بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ حَيْثُ يَدْخُلُ فِيهَا بِدُونِ التَّنْصِيصِ، لِأَنَّ كُلَّ الْمَقْصُودِ الِانْتِفَاعُ وَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إلَّا بِإِدْخَالِ الشُّرْبِ وَالطَّرِيقِ فَيَدْخُلَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ (وَلَوْ اخْتَلَفُوا فِي رَفْعِ الطَّرِيقِ بَيْنَهُمْ فِي الْقِسْمَةِ، إنْ كَانَ يَسْتَقِيمُ لِكُلِّ وَاحِدٍ طَرِيقٌ يَفْتَحُهُ فِي نَصِيبِهِ قَسَمَ الْحَاكِمُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ يُرْفَعُ لِجَمَاعَتِهِمْ) لِتَحَقُّقِ الْإِفْرَازِ بِالْكُلِّيَّةِ دُونَهُ.
(وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ رَفَعَ طَرِيقًا بَيْنَ جَمَاعَتِهِمْ) لِيَتَحَقَّقَ تَكْمِيلُ الْمَنْفَعَةِ فِيمَا وَرَاءَ الطَّرِيقِ (وَلَوْ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ جُعِلَ عَلَى عَرْضِ بَابِ الدَّارِ وَطُولِهِ) لِأَنَّ الْحَاجَةَ تَنْدَفِعُ بِهِ (وَالطَّرِيقُ عَلَى سِهَامِهِمْ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ) لِأَنَّ الْقِسْمَةَ فِيمَا وَرَاءَ الطَّرِيقِ لَا فِيهِ (وَلَوْ شَرَطُوا أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ
أَقُولُ: بَيْنَ أَوَّلِ كَلَامِهِمْ هَذَا وَآخِرِهِ تَدَافُعٌ، لِأَنَّهُمْ صَرَّحُوا أَوَّلًا بِأَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ اسْتِعْمَالِ الْقُرْعَةِ هَاهُنَا جَوَابُ الِاسْتِحْسَانِ، وَالْقِيَاسُ يَأْبَى ذَلِكَ لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَى الْقِمَارِ. وَقَالُوا آخِرًا إنَّ هَذَا لَيْسَ فِي مَعْنَى الْقِمَارِ، وَبَيَّنُوا الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِمَارِ، وَذَكَرُوا وُرُودَ
[ ٩ / ٤٤٢ ]
بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا جَازَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الدَّارِ نِصْفَيْنِ) لِأَنَّ الْقِسْمَةَ عَلَى التَّفَاضُلِ جَائِزَةٌ بِالتَّرَاضِي.
قَالَ (وَإِذَا كَانَ سُفْلٌ لَا عُلُوَّ عَلَيْهِ وَعُلُوٌّ لَا سُفْلَ لَهُ وَسُفْلٌ لَهُ عُلُوٌّ قُوِّمَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَتِهِ وَقُسِمَ بِالْقِيمَةِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ) قَالَ
نَظَائِرَ لَهُ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، فَقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يَأْبَاهُ الْقِيَاسُ أَصْلًا بَلْ هُوَ مِمَّا يَقْتَضِيهِ الْقِيَاسُ أَيْضًا فَتَدَافَعَا
(قَوْلَهُ وَإِذَا كَانَ سُفْلٌ لَا عُلُوَّ لَهُ وَعُلُوٌّ لَا سُفْلَ لَهُ وَسُفْلٌ لَهُ عُلُوٌّ إلَى آخِرِهِ) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ: صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ عُلُوٌّ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَسُفْلُهُ لِآخَرَ وَسُفْلٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَعُلُوُّهُ لِآخَرَ وَبَيْتٌ كَامِلٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَالْكُلُّ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ أَوْ فِي دَارَيْنِ لَكِنْ تَرَاضَيَا عَلَى الْقِسْمَةِ وَطَلَبَا مِنْ الْقَاضِي الْقِسْمَةَ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِذَلِكَ لِئَلَّا يُقَالَ تَقْسِيمُ الْعُلُوِّ مَعَ السُّفْلِ قِسْمَةٌ وَاحِدَةٌ إذَا كَانَتْ الْبُيُوتُ مُتَفَرِّقَةً لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ انْتَهَى وَقَدْ أَخَذَ الشَّارِحُ الْمَزْبُورُ ذَلِكَ التَّقْيِيدَ مِمَّا ذُكِرَ فِي النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ بِأَنْ يُقَالَ: فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ يُقْسَمُ الْعُلُوُّ مَعَ السُّفْلِ قِسْمَةً وَاحِدَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْبُيُوتَ الْمُتَفَرِّقَةَ لَا تُقْسَمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً إذَا لَمْ تَكُنْ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ؟ قُلْنَا: مَوْضُوعُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُمَا كَانَا فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ، وَالْبَيْتَانِ فِي دَارٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يُقْسَمُ قِسْمَةَ جَمْعٍ، وَلَئِنْ كَانَا فِي دَارَيْنِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَرَاضَيَا عَلَى الْقِسْمَةِ، وَلَكِنْ طَلَبُوا مِنْ الْقَاضِي الْمُعَادَلَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ تَجُوزُ الْقِسْمَةُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَالَةَ الرِّضَا انْتَهَى وَقَدْ ذُكِرَ هَذَا السُّؤَالُ وَالْجَوَابُ فِي الذَّخِيرَةِ أَيْضًا، فَهِيَ الْمَأْخَذُ الْأَصْلِيُّ أَقُولُ: فِيهِ إشْكَالٌ مِنْ حَيْثُ الرِّوَايَةُ وَالدِّرَايَةُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ ذَلِكَ التَّقْيِيدَ مُخَالِفٌ لِرِوَايَاتِ عَامَّةِ الْكُتُبِ، مِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ حَيْثُ قَالَ: وَالْبُيُوتُ فِي مَحِلٍّ أَوْ مَحَالَّ تُقْسَمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهَا يَسِيرٌ انْتَهَى وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَحَلَّةَ فَوْقَ الدَّارِ، فَإِذَا قُسِمَتْ الْبُيُوتُ فِي مَحَالَّ مُتَعَدِّدَةٍ قِسْمَةً وَاحِدَةً بِالْإِجْمَاعِ، فَلَأَنْ قُسِمَتْ فِي دُورٍ مُتَعَدِّدَةٍ قِسْمَةً وَاحِدَةً بِالْإِجْمَاعِ أَوْلَى كَمَا لَا يَخْفَى وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْكَافِي فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ حَيْثُ قَالَ: ثُمَّ هِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: الدُّورُ، وَالْبُيُوتُ، وَالْمَنَازِلُ فَالدُّورُ لَا تُقْسَمُ عِنْدَهُ قِسْمَةً وَاحِدَةً إلَّا بِرِضَا الشُّرَكَاءِ سَوَاءً كَانَتْ مُتَبَايِنَةً أَوْ مُتَلَازِقَةً، وَالْبُيُوتُ تُقْسَمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً سَوَاءً كَانَتْ مُتَبَايِنَةً أَوْ مُتَلَازِقَةً، لِأَنَّهَا لَا تَتَفَاوَتُ فِي مَعْنَى السُّكْنَى وَلِهَذَا تُؤَجَّرُ بِأُجْرَةٍ وَاحِدَةٍ فِي كُلِّ مَحِلَّةٍ، وَالْمَنَازِلُ الْمُتَلَازِقَةُ كَالْبُيُوتِ تُقْسَمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً، وَالْمُتَبَايِنَةُ كَالدُّورِ لَا تُقْسَمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً لِأَنَّ الْمَنْزِلَ فَوْقَ الْبَيْتِ وَدُونَ الدَّارِ، فَأُلْحِقَتْ الْمَنَازِلُ بِالْبُيُوتِ إذَا كَانَتْ مُتَلَازِقَةً، وَبِالدُّورِ إذَا كَانَتْ مُتَبَايِنَةً.
وَقَالَا فِي الْفُصُولِ كُلِّهَا: يَنْظُرُ الْقَاضِي إلَى أَعْدَلِ الْوُجُوهِ لِيُمْضِيَ الْقِسْمَةَ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى وَهَكَذَا ذَكَرَ فِي الْفَصْلِ السَّابِقِ فِي عَامَّةِ الشُّرُوحِ حَتَّى قَالَ فِي الْعِنَايَةِ هُنَاكَ: وَالْبُيُوتُ تُقْسَمُ مُطْلَقًا لِتَقَارُبِهَا فِي مَعْنَى السُّكْنَى وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْإِمَامُ قَاضِي خَانْ فِي فَتَاوَاهُ حَيْثُ قَالَ: وَإِنْ كَانَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ بَيْتَانِ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ مُتَّصِلَيْنِ كَانَا أَوْ مُنْفَصِلَيْنِ، وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا مَنْزِلَانِ إنْ كَانَ مُنْفَصِلَيْنِ فَهُمَا كَالدَّارَيْنِ لَا يُجْمَعُ نَصِيبُ أَحَدِهِمَا فِي مَنْزِلٍ وَاحِدٍ وَلَكِنَّهُ يُقْسَمُ كُلُّ مَنْزِلٍ قِسْمَةً عَلَى حِدَةٍ، وَلَوْ كَانَا مُتَّصِلَيْنِ فَهُمَا كَالْبَيْتَيْنِ لَهُ أَنْ يَجْمَعَ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا فِي مَنْزِلٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ صَاحِبَاهُ: الدَّارُ وَالْبَيْتُ سَوَاءٌ وَالرَّأْيُ فِيهِ لِلْقَاضِي انْتَهَى
[ ٩ / ٤٤٣ ]
﵁: هَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ ﵀: وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: يُقْسَمُ بِالذَّرْعِ؛ لِمُحَمَّدٍ أَنَّ السُّفْلَ يَصْلُحُ لِمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ الْعُلُوُّ مِنْ اتِّخَاذِهِ بِئْرَ مَاءٍ أَوْ سِرْدَابًا أَوْ إصْطَبْلًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّعْدِيلُ إلَّا بِالْقِيمَةِ، وَهُمَا يَقُولَانِ إنَّ الْقِسْمَةَ بِالذَّرْعِ هِيَ الْأَصْلُ، لِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِي الْمَذْرُوعِ لَا فِي الْقِيمَةِ فَيُصَارَ إلَيْهِ مَا أَمْكَنَ، وَالْمُرَاعَى التَّسْوِيَةُ فِي السُّكْنَى لَا فِي الْمَرَافِقِ ثُمَّ اخْتَلَفَا فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ بِالذَّرْعِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀: ذِرَاعٌ مِنْ سُفْلٍ بِذِرَاعَيْنِ مِنْ عُلُوٍّ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ ﵀: ذِرَاعٌ بِذِرَاعٍ قِيلَ أَجَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ عَصْرِهِ أَوْ أَهْلِ بَلَدِهِ فِي تَفْضِيلِ السُّفْلِ عَلَى الْعُلُوِّ وَاسْتِوَائِهِمَا وَتَفْضِيلِ السُّفْلِ مَرَّةً وَالْعُلُوِّ أُخْرَى.
وَقِيلَ هُوَ اخْتِلَافُ مَعْنًى وَوَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ مَنْفَعَةَ السُّفْلِ تَرْبُو عَلَى مَنْفَعَةِ الْعُلُوِّ بِضَعْفِهِ لِأَنَّهَا تَبْقَى بَعْدَ فَوَاتِ
وَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْبَدَائِعِ حَيْثُ قَالَ: وَأَمَّا الْبَيْتَانِ فَيُقْسَمَانِ قِسْمَةَ جَمْعٍ بِالْإِجْمَاعِ مُتَّصِلَيْنِ كَانَا أَوْ مُنْفَصِلَيْنِ. اهـ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُعْتَبَرَاتِ وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي فِطْنَةٍ أَنَّ مَدْلُولَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُقْسَمَ الْبَيْتَانِ أَوْ الْبُيُوتُ عِنْدَهُ قِسْمَةً وَاحِدَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالتَّرَاضِي فِي قَوْلِهِ أَوْ فِي دَارَيْنِ لَكِنْ تَرَاضَيَا عَلَى الْقِسْمَةِ تَرَاضِيَهُمَا فِيمَا بَيْنَهُمَا عَلَى قِسْمَةٍ مُعَيَّنَةٍ لَزِمَ أَنْ لَا يَسْتَقِيمَ بَيَانُ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَئِمَّتِنَا الثَّلَاثَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُفَصَّلِ فِي الْكِتَابِ، إذْ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ حِينَئِذٍ بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْقِسْمَةُ عَلَى وَفْقِ تَرَاضِيهِمَا عَلَى شَيْءٍ مُعَيَّنٍ كَيْفَمَا كَانَ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ؛ أَلَا يَرَى أَنَّ الدُّورَ مُطْلَقًا لَا تُقْسَمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَ تَرَاضِي الشُّرَكَاءِ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْقِسْمَةِ تُقْسَمُ بِهَا عِنْدَهُ أَيْضًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ قَاطِبَةً، وَإِنْ أُرِيدَ بِالتَّرَاضِي الْمَذْكُورِ تَرَاضِيهِمَا عَلَى مُجَرَّدِ الْقِسْمَةِ بِدُونِ تَعْيِينِ شَيْءٍ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ عِبَارَةِ النِّهَايَةِ وَمِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَالذَّخِيرَةِ وَهِيَ قَوْلُهُمْ: وَلَئِنْ كَانَا فِي دَارَيْنِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا تَرَاضَوْا عَلَى الْقِسْمَةِ وَلَكِنْ طَلَبُوا مِنْ الْقَاضِي الْمُعَادَلَةَ فِيمَا بَيْنَهُمْ لَمْ يُفِدْ التَّقْيِيدُ بِذَلِكَ شَيْئًا لِأَنَّهُمَا إنَّمَا تَرَاضَيَا حِينَئِذٍ عَلَى الْقِسْمَةِ الْعَادِلَةِ، فَإِنْ كَانَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْبُيُوتَ الْمُتَفَرِّقَةَ لَا تُقْسَمُ قِسْمَةً وَاحِدَةً، فَالظَّاهِرُ أَنَّ وَجْهَهُ عَدَمُ إمْكَانِ التَّعْدِيلِ فِي قِسْمَتِهَا قِسْمَةً وَاحِدَةً كَمَا قَالَ فِي الدُّورِ، فَإِذَا لَمْ يُمْكِنُ التَّعْدِيلُ فِيهَا فَكَيْفَ تَجُوزُ بِمُجَرَّدِ تَرَاضِيهِمَا عَلَى الْقِسْمَةِ مَعَ طَلَبِ الْمُعَادَلَةِ فِيهَا وَبِالْجُمْلَةِ لَا يُرَى مَعْنًى فِقْهِيٌّ فَارَقَ بَيْنَ صُدُورِ التَّصْرِيحِ بِالتَّرَاضِي عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى مِنْهُمَا وَعَدَمِ صُدُورِهِ، فَمَا مَعْنَى اخْتِلَافِ جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ فِي الصُّورَتَيْنِ فَتَأَمَّلْ
(قَوْلَهُ لِمُحَمَّدٍ أَنَّ السُّفْلَ يَصْلُحُ لِمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ الْعُلُوُّ مِنْ اتِّخَاذِهِ بِئْرَ مَاءٍ أَوْ سِرْدَابًا أَوْ إصْطَبْلًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَتَحَقَّقُ التَّعْدِيلُ إلَّا بِالْقِيمَةِ) أَقُولُ: كَانَ الظَّاهِرُ فِي التَّعْلِيلِ مِنْ قِبَلِ مُحَمَّدٍ أَنْ يُزَادَ عَلَى قَوْلِهِ إنَّ السُّفْلَ يَصْلُحُ لِمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ الْعُلُوُّ، وَإِنَّ الْعُلُوَّ يَصْلُحُ لِمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ السُّفْلُ كَدَفْعِ ضَرَرِ النَّدَى فِي مَوْضِعٍ يَكْثُرُ فِيهِ النَّدَى وَاسْتِنْشَاقُ الْهَوَاءِ الْمُلَائِمِ وَغَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّ مُجَرَّدَ صَلَاحِيَّةِ السُّفْلِ لِمَا لَا يَصْلُحُ لَهُ الْعُلُوُّ بِدُونِ الْعَكْسِ تَقْتَضِي تَفْضِيلَ السُّفْلِ عَلَى الْعُلُوِّ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَلَا يُنَافِي تَقْسِيمُ ذِرَاعٍ مِنْ سُفْلٍ بِذِرَاعَيْنِ مِنْ عُلُوٍّ، بِخِلَافِ تَفْضِيلِ السُّفْلِ مَرَّةً وَتَفْضِيلِ الْعُلُوِّ أُخْرَى فَإِنَّهُ يُنَافِي الْقِسْمَةَ بِالذَّرْعِ أَصْلًا وَيَقْتَضِي الْمَصِيرَ إلَى الْقِسْمَةِ بِالْقِيمَةِ لِيَتَحَقَّقَ التَّعْدِيلُ، وَعَنْ هَذَا قَالَ فِيمَا سَيَأْتِي: وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِمَا، فَلَا يُمْكِنُ التَّعْدِيلُ إلَّا بِالْقِيمَةِ وَقَالَ: وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ
(قَوْلُهُ قِيلَ أَجَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ عَصْرِهِ أَوْ أَهْلِ بَلَدِهِ فِي تَفْضِيلِ السُّفْلِ عَلَى الْعُلُوِّ وَاسْتِوَائِهِمَا وَتَفْضِيلِ السُّفْلِ مَرَّةً وَالْعُلُوِّ أُخْرَى وَقِيلَ هُوَ اخْتِلَافُ مَعْنًى) قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْمَقَامِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ بِأَنَّ
[ ٩ / ٤٤٤ ]
الْعُلُوِّ، وَمَنْفَعَةُ الْعُلُوِّ لَا تَبْقَى بَعْدَ فِنَاءِ السُّفْلِ، وَكَذَا السُّفْلُ فِيهِ مَنْفَعَةُ الْبِنَاءِ وَالسُّكْنَى، وَفِي الْعُلُوِّ السُّكْنَى لَا غَيْرُ إذْ
مَبْنَى هَذَا الِاخْتِلَافِ اخْتِلَافُ عَادَةِ أَهْلِ الْعَصْرِ وَالْبُلْدَانِ فِي تَفْضِيلِ السُّفْلِ عَلَى الْعُلُوِّ أَوْ الْعَكْسُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ اسْتِوَاؤُهُمَا، أَوْ هُوَ مَعْنًى فِقْهِيٌّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَجَابَ كُلٌّ مِنْهُمْ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ عَصْرِهِ أَجَابَ أَبُو حَنِيفَةَ بِنَاءً عَلَى مَا شَاهَدَ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي اخْتِيَارِ السُّفْلِ عَلَى الْعُلُوِّ. وَأَبُو يُوسُفَ بِنَاءً عَلَى مَا شَاهَدَ مِنْ أَهْلِ بَغْدَادَ فِي التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْعُلُوِّ وَالسُّفْلِ فِي مَنْفَعَةِ السُّكْنَى. وَمُحَمَّدٌ بِنَاءً عَلَى مَا شَاهَدَ مِنْ اخْتِلَافِ الْعَادَاتِ فِي الْبُلْدَانِ مِنْ تَفْضِيلِ السُّفْلِ مَرَّةً وَالْعُلُوِّ أُخْرَى انْتَهَى أَقُولُ: فِي أَوَائِلِ تَحْرِيرِهِ خَلَلٌ حَيْثُ قَالَ أَوْ الْعَكْسُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ عَكْسَ تَفْضِيلِ السُّفْلِ عَلَى الْعُلُوِّ مُطْلَقًا إنَّمَا هُوَ تَفْضِيلُ الْعُلُوِّ عَلَى السُّفْلِ مُطْلَقًا، وَهُوَ لَيْسَ بِمَذْهَبِ أَحَدٍ فِي الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا الْمَذْهَبُ فِيهِ تَفْضِيلُ السُّفْلِ عَلَى الْعُلُوِّ مُطْلَقًا كَمَا قَالَ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَاسْتِوَاؤُهُمَا كَمَا قَالَ بِهِ أَبُو يُوسُفَ، وَتَفْضِيلُ السُّفْلِ مَرَّةً وَالْعُلُوِّ أُخْرَى كَمَا قَالَ بِهِ مُحَمَّدٌ، وَلَيْسَ الثَّالِثُ بِعَكْسِ الْأَوَّلِ كَمَا لَا يَخْفَى وَلِلَّهِ دَرُّ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ فِي حُسْنِ تَحْرِيرِهِ وَإِصَابَتِهِ حَيْثُ قَالَ فِي تَفْضِيلِ السُّفْلِ عَلَى الْعُلُوِّ وَاسْتِوَائِهِمَا وَتَفْضِيلِ السُّفْلِ مَرَّةً وَالْعُلُوِّ أُخْرَى: فَأَصَابَ الْمُحَزَّ فِي إفَادَةِ عَيْنِ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ الْوَاقِعَةِ فِي الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ كَمَا تَرَى
(قَوْلُهُ وَكَذَا السُّفْلُ فِيهِ مَنْفَعَةُ الْبِنَاءِ وَالسُّكْنَى وَفِي الْعُلُوِّ السُّكْنَى لَا غَيْرُ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: هَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ وَالْمُرَاعَى التَّسْوِيَةُ فِي السُّكْنَى لَا الْمَرَافِقُ، إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ اهـ أَقُولُ: لَيْسَ ذَاكَ بِسَدِيدٍ، أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ فِيمَا مَرَّ وَالْمُرَاعَى التَّسْوِيَةُ فِي السُّكْنَى لَا فِي الْمَرَافِقِ أَنَّ الْمُرَاعَى فِي نَفْسِ الْقِسْمَةِ بِالذَّرْعِ الَّتِي هِيَ الْأَصْلُ التَّسْوِيَةُ فِي السُّكْنَى لَا فِي الْمَرَافِقِ، إذْ الِاتِّحَادُ فِي الْجِنْسِ يَحْصُلُ بِالِاتِّحَادِ فِي مَنْفَعَةِ السُّكْنَى بِدُونِ الِاحْتِيَاجِ إلَى الِاتِّحَادِ فِي الْمَرَافِقِ، فَيُصَارَ إلَى مَا هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَ الِاتِّحَادِ فِي الْجِنْسِ مِنْ قِسْمَةِ الْعَيْنِ دُونَ الْقِيمَةِ، وَمُرَادُهُ هَاهُنَا بِقَوْلِهِ وَكَذَا السُّفْلُ فِيهِ مَنْفَعَةُ الْبِنَاءِ وَالسُّكْنَى وَفِي الْعُلُوِّ السُّكْنَى لَا غَيْرُ بَيَانُ مُرَاعَاةِ مَنْفَعَةِ غَيْرِ السُّكْنَى أَيْضًا فِي كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَهِيَ ذِرَاعٌ مِنْ سُفْلٍ بِذِرَاعَيْنِ مِنْ عُلُوٍّ، وَلَا يُعَدُّ فِي أَنْ يُرَاعَى فِي كَيْفِيَّةِ الْقِسْمَةِ بِالذَّرْعِ مَا لَا يُرَاعَى فِي نَفْسِ الْقِسْمَةِ بِالذَّرْعِ، فَإِنَّ نَفْسَ الْقِسْمَةِ بِالذَّرْعِ قَدْ تَتَحَقَّقُ مُنْفَكَّةً عَنْ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ كَمَا فِي قِسْمَةِ الْبَيْتِ السُّفْلِيِّ فَقَطْ أَوْ الْعُلْوِيِّ فَقَطْ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ فِي الْمَقَامَيْنِ كَمَا لَا يَخْفَى وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، فَإِنَّ الْمَذْكُورَ فِيمَا مَرَّ بِقَوْلِهِ وَالْمُرَاعَى التَّسْوِيَةُ فِي السُّكْنَى لَا فِي الْمَرَافِقِ إنَّمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَالْمَذْكُورُ هَاهُنَا بِقَوْلِهِ وَكَذَا السُّفْلُ فِيهِ مَنْفَعَةُ السُّكْنَى إلَى آخِرِهِ إنَّمَا هُوَ وَجْهُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَحْدَهُ،
[ ٩ / ٤٤٥ ]
لَا يُمْكِنُهُ الْبِنَاءُ عَلَى عُلُوِّهِ إلَّا بِرِضَا صَاحِبِ السُّفْلِ، فَيُعْتَبَرَ ذِرَاعَانِ مِنْهُ بِذِرَاعٍ مِنْ السُّفْلِ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَصْلُ السُّكْنَى وَهُمَا يَتَسَاوَيَانِ فِيهِ، وَالْمَنْفَعَتَانِ مُتَمَاثِلَتَانِ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَفْعَلَ مَا لَا يَضُرُّ بِالْآخَرِ عَلَى أَصْلِهِ وَلِمُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَنْفَعَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ بِالْإِضَافَةِ إلَيْهِمَا فَلَا يُمْكِنُ التَّعْدِيلُ إلَّا بِالْقِيمَةِ، وَالْفَتْوَى الْيَوْمَ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ﵀ وَقَوْلُهُ لَا يَفْتَقِرُ إلَى التَّفْسِيرِ، وَتَفْسِيرُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ فِي مَسْأَلَةِ الْكِتَابِ أَنْ يُجْعَلَ بِمُقَابَلَةِ مِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ الْعُلُوِّ الْمُجَرَّدِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثُ ذِرَاعٍ مِنْ الْبَيْتِ الْكَامِلِ لِأَنَّ الْعُلُوَّ مِثْلُ نِصْفِ السُّفْلِ فَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ مِنْ السُّفْلِ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ مِنْ الْعُلُوِّ الْمُجَرَّدِ وَمَعَهُ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثُ ذِرَاعٍ مِنْ الْعُلُوِّ فَبَلَغَتْ مِائَةَ ذِرَاعٍ تُسَاوِي مِائَةً مِنْ الْعُلُوِّ الْمُجَرَّدِ، وَيُجْعَلُ بِمُقَابَلَةِ مِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ السُّفْلِ الْمُجَرَّدِ مِنْ الْبَيْتِ الْكَامِلِ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَا ذِرَاعٍ، لِأَنَّ عُلُوَّهُ مِثْلُ نِصْفِ سُفْلِهِ فَبَلَغَتْ مِائَةَ ذِرَاعٍ كَمَا ذَكَرْنَا، وَالسُّفْلُ الْمُجَرَّدُ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ لِأَنَّهُ ضَعْفُ الْعُلُوِّ فَيُجْعَلَ بِمُقَابَلَةِ مِثْلِهِ وَتَفْسِيرُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنْ يُجْعَلَ بِإِزَاءِ خَمْسِينَ ذِرَاعًا مِنْ الْبَيْتِ الْكَامِلِ مِائَةُ ذِرَاعٍ مِنْ السُّفْلِ الْمُجَرَّدِ، وَمِائَةُ ذِرَاعٍ مِنْ الْعُلُوِّ الْمُجَرَّدِ، لِأَنَّ السُّفْلَ وَالْعُلُوَّ عِنْدَهُ سَوَاءٌ، فَخَمْسُونَ ذِرَاعًا مِنْ الْبَيْتِ الْكَامِلِ بِمَنْزِلَةِ مِائَةِ ذِرَاعٍ خَمْسُونَ مِنْهَا سُفْلٌ وَخَمْسُونَ مِنْهَا عُلُوٌّ قَالَ (وَإِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَقَاسِمُونَ وَشَهِدَ الْقَاسِمَانِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا) قَالَ ﵁: هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا تُقْبَلُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَوَّلًا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَذَكَرَ الْخَصَّافُ قَوْلَ مُحَمَّدٍ مَعَ قَوْلِهِمَا وَقَاسَمَا الْقَاضِيَ وَغَيْرَهُمَا سَوَاءٌ، لِمُحَمَّدٍ أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى فِعْلِ أَنْفُسِهِمَا فَلَا تُقْبَلُ، كَمَنْ عَلَّقَ عِتْقَ عَبْدِهِ بِفِعْلِ غَيْرِهِ فَشَهِدَ ذَلِكَ الْغَيْرُ عَلَى فِعْلِهِ وَلَهُمَا أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِمَا وَهُوَ الِاسْتِيفَاءُ وَالْقَبْضُ لَا عَلَى فِعْلِ أَنْفُسِهِمَا، لِأَنَّ فِعْلَهُمَا التَّمْيِيزُ وَلَا حَاجَةَ إلَى الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ مَشْهُودًا بِهِ لِمَا أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ بِالْقَبْضِ وَالِاسْتِيفَاءِ وَهُوَ فِعْلُ الْغَيْرِ فَتُقْبَلَ الشَّهَادَةُ عَلَيْهِ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: إذَا قَسَمَا بِأَجْرٍ لَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِلَيْهِ مَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ لِأَنَّهُمَا يَدَّعِيَانِ إيفَاءَ عَمَلٍ اُسْتُؤْجِرَا عَلَيْهِ فَكَانَتْ شَهَادَةً صُورَةً وَدَعْوَى مَعْنًى فَلَا تُقْبَلُ إلَّا أَنَّا نَقُولُ: هُمَا لَا يَجُرَّانِ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ إلَى أَنْفُسِهِمَا مَغْنَمًا
وَمَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ بِمَعْزِلٍ عَنْ ذَيْنِك الْقَوْلَيْنِ مَعًا فَلَا تَأْثِيرَ لِلْفَرْقِ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ، وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي دَفْعِ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَهُمَا كَمَا ادَّعَاهَا، عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، إذْ لَا شَكَّ فِي ظُهُورِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ وَمَا ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ كَمَا تَرَى
(قَوْلُهُ وَلِأَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمَقْصُودَ أَصْلُ السُّكْنَى) أَقُولُ: حَقُّ التَّحْرِيرِ أَنْ يُقَالَ: إنَّ أَصْلَ الْمَقْصُودِ هُوَ السُّكْنَى، وَهَذَا ظَاهِرٌ لَلْفَطِنِ الْمُتَدَبِّرِ فِي الْمَقَامِ
(قَوْلُهُ وَالسُّفْلُ الْمُجَرَّدُ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ لِأَنَّهُ ضَعْفُ الْعُلُوِّ فَيُجْعَلَ بِمُقَابَلَةِ مِثْلِهِ) قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: قَوْلُهُ وَالسُّفْلُ الْمُجَرَّدُ إلَى آخِرِهِ مُسْتَدْرَكٌ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ كَمَا لَا يَخْفَى انْتَهَى أَقُولُ: دَعْوَى اسْتِدْرَاكِهِ بِالْكُلِّيَّةِ خُرُوجٌ عَنْ دَائِرَةِ الْإِنْصَافِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ فِيمَا قَبْلُ لِأَنَّ الْعُلُوَّ مِثْلُ نِصْفِ السُّفْل لَيْسَ بِبَيَانٍ كَامِلٍ لِقَوْلِهِ وَيُجْعَلُ بِمُقَابَلَةِ مِائَةِ ذِرَاعٍ مِنْ السُّفْلِ الْمُجَرَّدِ مِنْ الْبَيْتِ الْكَامِلِ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَا ذِرَاعٍ، وَإِنَّمَا يَكْمُلُ الْبَيَانُ بِقَوْلِهِ وَالسُّفْلُ الْمُجَرَّدُ: أَيْ سُفْلُ الْبَيْتِ الْكَامِلِ سِتَّةٌ وَسِتُّونَ وَثُلُثَانِ لِأَنَّهُ
[ ٩ / ٤٤٦ ]
لِاتِّفَاقِ الْخُصُومِ عَلَى إيفَائِهِمَا الْعَمَلَ الْمُسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ وَهُوَ التَّمْيِيزُ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي الِاسْتِيفَاءِ فَانْتَفَتْ التُّهْمَةُ (وَلَوْ شَهِدَ قَاسِمٌ وَاحِدٌ لَا تُقْبَلُ) لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَرْدِ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ عَلَى الْغَيْرِ، وَلَوْ أَمَرَ الْقَاضِي أَمِينَهُ بِدَفْعِ الْمَالِ إلَى آخَرَ يُقْبَلُ قَوْلُ الْأَمِينِ فِي دَفْعِ الضَّمَانِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يُقْبَلُ فِي إلْزَامِ الْآخَرِ إذَا كَانَ مُنْكِرًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.