كان الزمخشري أبىّ النفس، معتزًا بها، يأنف الضيم، ومن ثم كان شديد الاعتداد برأيه، والثقة بنفسه والصلابة فيما يذهب إليه من آراء والتمسك بما يعتقد أنه
_________________
(١) انظر: الكشاف ١/ ١٣٤ آية (٢٠٣)، ١/ ١٢٥، ١٢٦، آية (٢٣٣)، ١/ ١٤١، وبالتفصيل: تفسير سورة الحج والطلاق.
(٢) الفوائد البهية في تراجم الحنفية، ص ٢٠٩.
(٣) انظر: الزمخشري لغويًا ومفسرًا، ص ١٤١.
[ ٥١ ]
الحق، ولكن هذا لم يمنعه من قبول الحق والرجوع إليه إذا تبيّن له واقتنع بأن الصواب مع غيره، يقول تلميذه رشيد الدين الوطواط عنه: "وقد جرى بيني وبينه، في حياته وأوقات راحته مما يتعلق بفنون الآداب وأقسام علوم العرب، مسائل أكثر من أن يحصى عددها، أو يستقصى آمدها، رجع فيها إلى كلامي، ونزل على قضيتي وأحكامي، فالسعيد من إذا سمع الحق، سكتت شقاشق لجاجه، وسكنت صواعق حجاجه، ثم يقول: وإنما ذكرت هذا القدر اليسير ليعلم فتيان هذه الخطة، أن هذا الإِمام كان صبورًا على مرارة الحق، وحرارة الصدق، مع أنه رب هذه البضائع، وصاحب هذه الوقائع، فهو مع الحق ولو على نفسه" (١).
وكان متواضعًا شديد التواضع جم الأدب، يقول في جوابه للحافظ السِلَفي حينما استجازه: "ولا يغرّنكم قول فلان فيّ ، فإن ذلك اغترار منهم بالظاهر المموه، وجهل بالباطن المشوه، ولعل الذين غرّهم مني ما رأوا من حسن النصح للمسلمين، وتبليغ الشفقة على المستفيدين، وقطع المطامع عنهم، وإفادة المبارّ والصنائع عليهم، وعزة النفس والربء بها عن السفاسف الدنيات، والإِقبال على خويصتي، والإِعراض عما يعنيني، فجللت في عيونهم، وغلطوا فيّ، ونسبوا إليّ ما لست منه في قبيل ولا دبير، وما أنا فيما أقول بها ضيم لنفسي " (٢).
ويقول في مقاماته: "نعم يا أبا القاسم إن سمعتهم يقولون: ما أكثر فضلك! فقل: إن فضولي أكثر، وما أغزر أدبك! فقل: إن قلة أدبي أغزر" (٣).
وكان على حظ كبير من التدين والزهد والبعد عن الشبهات والعزوف عن الدنيا. حتى أن بعض مؤرخيه لم يجدوا فيه مطعنًا إلا الاعتزال، يقول ابن حجر: "إنه صالح لكنه داعية إلى الاعتزال" (٤).
_________________
(١) نقله الشيرازي في كتابه الزمخشري، ص ١٤٧، من: رسائل البلغاء، كرد علي، ص ٢٧٨، ٣٨٠.
(٢) انظر: معجم الأدباء ١٩/ ١٣٢؛ وفيات الأعيان ٥/ ١٧١.
(٣) انظر: مقامات الزمخشري، ص ١٠١ (مع الشرح).
(٤) لسان الميزان ٦/ ٤.
[ ٥٢ ]
وقد اضطرته الحاجة وضيق ذات اليد إلى الاتصال بالملوك والأمراء يستمنحهم ويمدحهم بشعره، فترة من حياته الأولى، مع أن مدائحه لم تخل من الدعاء لهم بالتوفيق، لإزالة الظلم والجور، ونشر العدل على أيديهم (١).
ولكنه حينما أدرك - في مرحلته الأخيرة من حياته - مغبة صنعه آثر العزلة على الحياة العامة، وأخذ على نفسه الميثاق: "بأن لا يطأ بأخمصه عتبة السلطان، ولا واصل بخدمة السلطان أذياله، وأن يربأ بنفسه ولسانه عن قرض الشعر فيهم " (٢).
وكان حربًا على الجهلة من أدعياء التصوّف كلما سنحت مناسبة لذلك، يقول في تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٣): "إذا رأيت من يذكر محبة الله ويصفّق بيديه مع ذكرها، ويطرب، وينعر ويصعق، فلا تشك في أنه لا يعرف ما الله، ولا يدري ما محبة الله، وما تصفيقه وطربه ونعرته وصعقته إلا لأنه تصور في نفسه الخبيثة، صورة مستملحة معشقة، فسمّاها الله بجهله ودعارته، ثم صفق وطرب ونعر وصعق على تصورها " (٤).