(المسح على الخفَّين) (^٢): الخفُّ الشَّرعي إلى الكعب، فهذا الباب ينبغي أن يكون مقدمًا على باب التَّيمُّم؛ لأنَّ المسح يدل عن الغسل فيكون مذكورًا عند الغسل، إلّا أنَّه أخر لثلاثة (^٣) معان، أحدها: أن التيمم بوضع الله تعالى، والمسح بفعل العبد واختياره، فيكون التَّيمُّم أقوى، والثانية: أن التَّيمُّم بدل الكلِّ والمسح بدل البعض، وبدل الكل أقوى.
والثالثة: أن التَّيمُّم ثابتٌ بالكتاب، والمسح ثابتٌ بالسُّنَّة، على ما هو أصح (^٤)، فعند البعض المسح ثابتٌ بالكتاب، بالعطف على برؤوسكم.
قوله: (جائزٌ بالسُّنَّة (^٥) [من كل حدثٍ موجبة (^٦) الوضوء إذا لبس الخفين على الطهارة ثم أحدث فإن كان مقيمًا مسح يوم وليلة وإن كان مسافرًا فمسح ثلاثة أيام ولياليها ابتداؤها عقيب الحدث).
لما روي عن عائشة أنها قالت: "ما زال رسول الله - ﷺ - يمسح على
_________________
(١) زاد في (ب): "على الخفين"؛ ولأنَّ الباب يشتمل المسح على العمامة والجبائر، فيناسب أن يسميه بالمسح ليشتمل على أنواع المسح المختلفة.
(٢) سقطت من (خ).
(٣) في (ب): "لثلاث".
(٤) في (ب): "الأصح"، وفي (خ): "الصح".
(٥) من هنا وقع سقط في (خ)، ويتصل عند قوله: "ولم يقل واجب إنما قال جايز".
(٦) في المتن: موجبٌ، وهو الأصح.
[ ١ / ١١٣ ]
الخفين بعد نزول المائدة حتى قبضه الله تعالى" (^١)، وعن حسن البصري (^٢) قال: حدثني سبعون رجلًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - أنَّهم رأوه يمسح على الخفين.
وروي عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: "المسح للمقيم يومٌ وليلةٌ، وللمسافر ثلاثة أيامٍ وليالها" (^٣) على الخفين إن لبسهما وهو متوضِّئ، وروي عن صفوان (^٤) بن عسَّال المرادي أنّه قال: "أمرنا رسول الله - ﷺ - إذا كنّا
_________________
(١) الطَّبراني، سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، (مسند الشَّاميين)، تح: حمدي بن عبد المجيد، (٢/ ٣٦٤)، رقم الحديث: ١٥٠٣، ط: مؤسسة الرسالة. ونصُّه: عن عائشة - ﵂ -، أنه بلغها أن علي بن أبي طالب - ﵁ - قال: "وجب الوضوء إذا خلع الخفين على كل حاضر وباد"، فأرسلت محمدا الخزاعِي إِليه، فقالت: قل له: "أنشدك الله، هل علمت ما عمل به رسول الله - ﷺ - عند نزولِ المائدة"، قال: "لا وما الذي عمل به" قال: "إنَّ نبي الله - ﷺ - مسح على الخفين بعد نزول المائدة حتى قبضه الله تعالى"، فقال علي - ﵁ -: "عائشة أعلم بما كان رسول الله - ﷺ - ". والدارقطني، السنن، (مصدر سابق)، كتاب الطَّهارة، باب المسح على الخفين، (١/ ٣٥٧)، رقم الحديث: ٧٤٦.
(٢) هو أبو سعيد، الحسن بن يسار البصري، التابعي، كان إمام أهل البصرة، وحبر الأمة في زمنه. وهو أحد العلماء الفقهاء الفصحاء الشجعان النساك. ولد بالمدينة سنة ٢١ هـ، وشب في كنف علي بن أبي طالب - ﵁ -، سكن البصرة. قال الغزالي: كان الحسن البصري أشبه الناس كلاما بكلام الأنبياء، وأقربهم هديا من الصحابة. وكان غاية في الفصاحة (ت: ١١٠ هـ)، بالبصرة. ينظر: الزركلي، الأعلام (مرجع سابق)، (٢/ ٢٢٦). و: الكندي، السُلوك في طبقات العلماء والملوك (مرجع سابق)، (١/ ١٢٥).
(٣) مسلم، الجامع الصحيح، (مصدر سابق)، كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين، رقم الحديث: ٢٧٦، (١/ ٢٣٢). ونصه: عن شُرَيْحِ بن هانئ، قال: أتيت عائشة - ﵂ - أسألها عن المسح على الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب، فسأله فإنَّه كان يسافر مع رسول الله - ﷺ -، فسألناه فقال: "جعل رسول الله - ﷺ - ثلاث أيامٍ وليالِيهن للمسافر، ويومًا وليلةً للمقيم".
(٤) في (أ): (صفيان).
[ ١ / ١١٤ ]
سفرًا لا تُنزع خفافنا ثلاثة أيامٍ إلَّا من جنابةٍ، لكن من غائطٍ أو بولٍ، أو نومٍ" (^١)؛ لأنَّ الحدث تتكرر في كلِّ وقت، فيشقُّ على الإنسان نزع الخفِّ، والجنابة لا تتكرَّر فلم يشق نزعه] (^٢).
ولم يقل: واجبٌ إنَّما قال: (جائزٌ)؛ لأنَّ العبد مختارٌ في المسح، فلو ترك الرُّخصة (^٣) وأخذ بالعزيمة: [أي الأصل] (^٤) فهو جائزٌ، فلهذا قال جائز (^٥) وفي جواز المسح جاءت السنن، منها أنَّه روى مسح النَّبي - ﷺ - قبل نزول المائدة وبعده حتى قُبِضَ النبي - ﷺ - (^٦)، وروي عن النَّبي - ﷺ -، يوم الخندق توضأ وضوءًا واحدًا لخمس (^٧) صلوات ومسح على الخفين (^٨).
_________________
(١) أحمد بن حنبل، المسند (مرجع سابق)، كتاب مسند الكوفيين، باب حديث صفوان بن عسال المرادي، (٣٠/ ١٨ - ١٩)، رقم الحديث: ١٨٠٩٥. ونصه: "كان يأمرنا إِذا كنا سفرا أو مسافرين أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهِن، إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم". وأخرجه الترمذي في سننه (مرجع سابق)، كتاب أبواب الطهارة، باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم، (١/ ١٥٩)، رقم الحديث: ٩٦. و: ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجه، (ت: ٢٧٣ هـ)، كتاب الطهارة وسننها، باب الوضوء من النوم، تح محمد فؤاد عبد الباقي، (١/ ١٦١)، رقم الحديث: ٤٧٨. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح
(٢) ما بين المعكوفتين سقط من (ب)، (ت)، (خ).
(٣) الرُّخصة: هي الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر هو المشقة والحرج. ينظر: الإسنوي، أبو محمد، عبد الرحيم بن الحسن الأسنوي، التمهيد في تخريج الفروع على الأصول (المعروف بالتمهيد للأسنوي)، تح: د. محمد حسن هيتو، ط: مؤسسة الرسالة، (٧١).
(٤) سقط من (ب)، والأصل: هو ما شُرِعَ ابتداءً.
(٥) في (أ)، و(خ): "جاز".
(٦) سبق تخريجه ص ٦١.
(٧) في (أ)، (ب): "وصلَّى خمس".
(٨) مسلم، الجامع الصحيح، (مرجع سابق)، كتاب الطهارة، باب جواز الصَّلوات كلها بوضوءٍ =
[ ١ / ١١٥ ]
روى أنَّه قال الحسن البصري - ﵀ - حدَّثني سبعون رجلًا من أصحاب النَّبي - ﷺ - أنَّهم رأوه (^١) يمسح (^٢) على الخفين.
والغسل أفضل؛ لأنَّ فيه استدامةٌ، أمَّا المسح ففي (^٣) أسباب الانتقاض كثيرةٌ، من نزع الخف، ومضي المدَّة ونحوهما.
قوله: (إذا لبسهما على طهارةٍ كاملةٍ)، إنَّما قيَّد كاملةً؛ لأنَّه إذا توضَّأ بسؤر الحمار والنَّبيذ، [أمَّا في سؤر الحمار (^٤) قيل: أنَّه يجوز المسح، والمسألة في الزِّيادات (^٥)، والنبيذ] (^٦) لا يجوز له أن يمسح؛ لأنَّه لم يلبس على طهارةٍ كاملةٍ (^٧).
_________________
(١) = واحدٍ، (١/ ١٦٠)، رقم الحديث: ٦٦٤. ونصُّه: عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: "صلى رسول الله - ﷺ - يوم الفتح خمس صلواتٍ بوضوء واحدٍ، ومسح على خفَّيه فقال له: عمر إني رأيتك صنعت اليوم شيئًا لم تكن تصنعه". قال: "عمدًا صنعته يا عمر".
(٢) في (خ): "راوا" كتب الناسخ تحتها دون أن يضرب عليها "جوازوا".
(٣) في (أ)، و(خ): "المسح".
(٤) في (أ): "فعند".
(٥) لو فقد الماء ووجد سؤر الحمار أو نبيذًا يتوضَّأ بأحدهما ثمَّ يتيمَّم، وتكون طهارته ناقصةَّ غَير كاملةٍ. ينظر: برهان الدين مازه، المحيط البرهاني (مرجع سابق)، (١/ ٢٢٢).
(٦) كتاب الزِّيادات من كتب ظاهر الرواية للإمام محمد بن الحسن الشيباني وهن خمسة كنب (كتاب المبسوط ويسمى بالأصل - السير الكبير - الجامع الكبير - الجامع الصغير - الزيادات)، ووقع الكثير في وهم فأضاف كتاب السير الصغير معهم والصَّحيح أن السير الصغير جزء من كتاب الأصل وليس كتاب مستقل، وأول من وقع بهذا الوهم هو الإمام ابن عابدين - ﵀ -، ذكر هذا د. لؤي الخليلي حفظه الله في شرحه لكتاب الاختيار في تعليل المختار.
(٧) سقط من (ب)، (خ).
(٨) لو توضأ بالنبيذ في سفر وهو لا يجد الماء، ولبس خفَّيه ثمَّ وجد الماء فعليه أن ينزع خفيه =
[ ١ / ١١٦ ]
(^١) قوله: (إذا لبسهما)، وأنشأ اللَّبس ليس بشرط؛ لأنَّ اللِّبس يقبل الدوام فيكون لدوامه حكم الابتداء حتى إذا حلف لا يلبس (^٢) ولم ينزع في الحال حنث، ونظيره بأن غسل الأعضاء دون الرجل ولبس الخف ودخل الماء في خفه ثم أحدث فتوضأ يجوز المسح فلا يحتاج إلى إنشاء اللبس.
قوله: (وابتداؤها عقيب الحدث) (^٣)، بأن لبس الخفَّين ولم يحدث إلى الظُّهر مثلًا فيكون ابتداؤها (^٤) من الظُّهر، لا من وقت اللِّبس؛ لأنَّ الخفَّ يمنع طربان (^٥) الحدث في الرجل، فيعتبر من وقت الحدث لا من وقت اللِّبس.
قوله: (ثمَّ أحدث)، يدلُّ على أن المستحاضة والمتيمِّم [ومن بمعناهما،] (^٦) لا يجوز لهما أن يمسح بعد خروج الوقت؛ لأنَّ الحدث مقارن لهما.
_________________
(١) = ويغسل قدميه؛ لأنَّ الطَّهارة بالنبيذ بدلٌ عن الطَّهارة بالماء، فلا يكون معتبرًا مع القدرة على الأصل، وهو الماء فإنَّما لبس الخفَّ بطهارةً غير معتبرةً بعد وجود الماء، وكذلك لو توضَّأ بسؤر الحمار ثم تيمم ولبس الخف ثم وجد ماء طهورا فعليه أن ينزع خفَّيه ويغسل قدميه؛ لأنَّ التوضؤ بسؤر الحمار طهارةٌ مؤقتةٌ، ولا وترتفع بعد وجود الماء. ينظر: السرخسي، المبسوط، (مرجع سابق)، (٢/ ١٣٥).
(٢) في (ب): "وقوله".
(٣) في حاشية (خ): "ثوبا … "، ولم أعتمدها بالكتاب حتى يشمل اللبس الثوب والخف.
(٤) أي ابتداء مدَّة المسح.
(٥) في (ب): "ابتداء المدة".
(٦) في (أ)، (ب): "طربان"، وفيها تصحيفٌ، لعله يريد سريان الحدث.
(٧) سقط من (أ) ومن في معناهما: كمن به سلس بول.
[ ١ / ١١٧ ]
قوله: (من أصابع اليد) (^١) روى أبو الحسن (^٢) الكرخي (^٣) عن أبي حنيفة - ﵀ -، من أصابع الرِّجل.
فقوله (^٤): (من أصابع (^٥» يدل على أن الغسل يبدأ (^٦) من الأصابع (^٧)؛ لأنَّ المسح بدلٌ عن الغسل، وفي المسح يعتبر الأصابع كذلك في المبدل.
قوله: (مقدار ثلاث (^٨) أصابع) (^٩) معتبر لا عين
_________________
(١) أقل ما يتحقق به الفرض في مقدار المسح ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد، وهو قياسٌ على ظاهر الرواية، وقال الكرخي: أن التَّقدير بأصابع الرِّجل؛ فلو أصاب موضع المسح ماءٌ قدر ثلاث أصابع جاز، والأول أصح؛ اعتبارًا لآلة المسح. ينظر: المرغيناني، أبو الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الرشداني المرغياني، الهداية شرح بداية المبتدي، (ت: ٥٩٣ هـ) ط: المكتبة الإسلامية (١/ ٢٨). و: ابن مودود، الاختيار لتعليل المختار، (مرجع سابق)، (١/ ٢٧).
(٢) هو أبو الحسن، عبيد الله بن الحسين بن دلال الكرخي، انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة، وكان كثير الصَّوم والصَّلاة، صبورًا على الفقر والحاجة، ولمَّا أصابه الفالج آخر عمره كتب أصحابه إلى سيف الدولة بن حمدان بما ينفق عليه؛ فعلم بذلك فبكى، وقال اللهم لا تجعل رزقي إلا من حيث عودتني فمات قبل أن يصل إليه صلة سيف الدولة، وهى عشرة آلاف درهم، وكان من تولى القضاء من أصحابه هجره، مولده (٢٦٠ هـ)، (ت ٣٤٠ هـ). انظر: القرشي، الجواهر المضية في طبقات الحنفية، (مرجع سابق)، (١/ ٣٣٧)، و: الذهبي، سير أعلام النبلاء (مرجع سابق)، (١٥/ ٤٢٦).
(٣) سقط من (أ)، و(خ).
(٤) في (أ): "فقوله".
(٥) في (ب)، (خ): "الأصابع".
(٦) في (ب)، (خ): "يبتداء".
(٧) المسح على الخفين يكون على ظاهرهما، خطوطًا طوليًا، يبدأ من رؤوس أصابع الرِّجل إلى السَّاق.
(٨) في (أ)، و(ب): "ثلاثة".
(٩) في (ب): "أو مقدار ثلاثة أصابع أصابع معتبر" هكذا بالتكرار.
[ ١ / ١١٨ ]
الثلاث (^١)، ولهذا لو مسح بإصبعِ واحدةَ ثلاث مرات، والماء يسيل من الإصبع يجوز.
أما في الخرق (^٢) الثلاث (^٣) معتبرة، ولهذا لو خرج إبهامه وإبهامه كبير مقدار الثلاثة لا يكون مانعًا للصَّلاة؛ لأنَّ في موضع النَّص لا يعتبر المعنى بل يعتبر المنصوص، فأمّا (^٤) إذا (^٥) كان الموضع (^٦) الذي فيه الإصبع [يعتبر الإصبع] (^٧) لا المقدار، أمّا في الموضع الذي فيه الإصبع معدوم فيعتبر المقدار (^٨) فعند البعض الوضع مع الكف مراد في المسح، وعند البعض وضع الأصابع فقط (^٩).
قوله: (يبين (^١٠) منه) (^١١) التبيين مراده عند المشي، لا حالة الوضع، حتى إذا كان (^١٢) الصرم (^١٣) صرم تركي والخرق كبيرٌ لكن لا يتبين
_________________
(١) في (أ)، و(ب): "الثلاثة".
(٢) في (أ): "خرق".
(٣) في (أ)، و(ب): "الثلاثة".
(٤) سقطت من (ب)، (خ).
(٥) في (ب): "فإذا".
(٦) في (أ): "موضع".
(٧) سقط من (خ).
(٨) سقط من (أ).
(٩) من كان مقطوع الإصبع فيقدِّر بالمسح مقدار الإصبع.
(١٠) في (ب): "يتبين".
(١١) ضابط الخرق الكبير في الخفِّ: أن يبين منه مقدار ثلاث أصابع من أصابع الرجل، فإن كان أقل من ذلك جاز المسح.
(١٢) في (ب): "الخف من".
(١٣) أي الفتحة أو القطع في الخف. ينظر: الرازي، مختار الصحاح (مرجع سابق)، (٣٧٥).
[ ١ / ١١٩ ]
لصلابته، لا يكون مانعًا للمسح.
الأصحُّ أن يقال: كبيرٌ (^١) بالباء الموحَّدة، لا بالثّاء المثلَّثة، لأنَّ في الكم المنفصلة تستعمل (^٢) الكثرة والقلة (^٣)، وفي الكم المتصلة يستعمل الصغير والكبير (^٤) فالخفُّ كم متصلةٌ فلا يذكر إلا الكبير لا الكثير مستعملًا (^٥).
في الزيادات (^٦) قال (^٧) المراد أصغر الأصابع وفي موضع آخر المراد مطلق الأصابع (^٨).
قوله: (جائزٌ بالسُّنَّة) (^٩)، ولم يقل جائزٌ بالحديث، لأنَّ الحديث يختصُّ (^١٠) بالقول، أمَّا السُّنَّة يتناول الفعل والقول، والدَّليل الذي يقتضي العموم أولى لأجل تكثير (^١١) الفائدة.
قوله: (ولا يجوز المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل)، قال
_________________
(١) في (خ): "كبر"، وفي (ب): "كبيرًا".
(٢) في (أ): "يستعمل".
(٣) في (أ)، و(خ): "المُقلة".
(٤) في (ب)، (خ): "الصغر والكبر".
(٥) المعتبر بالقطع الحجم لا الكثرة.
(٦) كتاب الزيادات من كتب ظاهر الرواية لمحمد بن الحسن الشيباني.
(٧) سقط من (ب).
(٨) في (خ): "الأصبع".
(٩) أي المسح جائزٌ بالسُّنَّة.
(١٠) في (ب): "مختص".
(١١) سقط من (أ).
[ ١ / ١٢٠ ]
شمس الأئمة (^١): بأن غسل الجُنُبُ سائر [جسده دون] (^٢) الرجلين، ورفع (^٣) الرجلين، ثمَّ بعد ذلك أراد أن يمسح على الرجلين، لا يجوز بالحديث المشهور.
وغيره تكلَّف فيه وعيَّن صورتين منهما: إذا توضَّأ وغسل رجليه ثمَّ أجنب، ثمَّ وجد ماءً يكفي للوضوء (^٤) ولا يكفي للغسل، يتوضَّأ ولا يمسح وينزع خفيه، ومنها: إذا توضَّأ وغسل رجليه ولبس خفَّيه ثمَّ أجنب ثمَّ تيمَّم لعدم الماء، ثمَّ مرَّ بالماء تعود (^٥) جنابته، ثمَّ وجد ماءً يكفي للوضوء يتوضَّأ ويغسل رجليه ولا يمسح.
قوله: (فإذا تمت المدَّة انتقض مسحه)، [إنَّما ينتقض] (^٦) إذا لم يتضرَّر باستعمال الماء، أمّا إذا تضرَّر، أو كان في الفلاةٍ (^٧) ولم يجد الماء يجوز المسح، ولم ينتقض مسحه بمضي (^٨) المدَّة.
فإن قيل: إذا انقضى مدَّة مسحه (^٩) يغسل رجليه، ولا يجب استئناف الوضوء. ينبغي أن يستأنف؛ لأنَّ الوضوء لا يتجزَّأ (^١٠) ثبوتًا وزوالًا، فإذا
_________________
(١) محمد بن عبد الستار الكردري (سبقت ترجمته) ص ٣٧.
(٢) سقط من (ب)، وفي (خ): "سوى سائر".
(٣) في (أ)، و(خ): "دفع".
(٤) في (ب): "للغسل".
(٥) في (أ): "يعود".
(٦) في (أ): "بتقض"، وسقطت من (خ).
(٧) في (أ): "الفلوات".
(٨) في (أ): "مضي".
(٩) في (ب): "المسح".
(١٠) في (أ): "يتحرى"، وفي (خ): "تجزء".
[ ١ / ١٢١ ]
انتقض (^١) في البعض … (^٢) ينتقض في الكل. قلنا: لا ينتقض؛ لأنَّ الموالاة ليس بشرط عندنا، فلا يجب الغسل بمرةٍ واحدةٍ، فإذا تمت المدَّة يعمل الحدث (^٣) الأوَّل؛ لأنَّ الخفَّ كان مانعًا سراية الحدث، فلا يبطل الوضوء، فلا يجب الاستئناف.
قوله: (مجلدين (^٤» (^٥) بأن يجوز بالمجلد (^٦) إلى الكعب.
… (^٧) دوله: (منعلين) كف [ياي جرم كرفته بوذ]! (^٨).
قوله: (ومن لبس الجُرمُوق (^٩» و(^١٠) هذا تعريب بربوك (^١١) بالفارسية
_________________
(١) في (أ): "انقض".
(٢) زاد في (أ): "و".
(٣) في (أ)، و(خ): "الحديث".
(٤) في (أ)، و(خ): "المجلدين".
(٥) مجلدين ضابطٌ للجورب الذي يجوز المسح عليه، حيث لا يجوز المسح على الجوربين.
(٦) عند أبي حنيفة ﵀ إلَّا أن يكونا منعلين أو مجلدين، والمجلد: هو أن يوضع الجلد على أعلاه وأسفله، والمنعل: هو الذي يوضع على أسفله جلدة كالنَّعل. وقال أبو يوسف ومحمد رَحِمَهُما اللهُ: يجوز المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين لا يشفان الماء. ينظر: الزبيدي، الجوهرة النيرة (مرجع سابق)، (١/ ١٠٧).
(٧) في (ب): "الجلد"، وفي (خ): "نحرز المجلد".
(٨) زاد في (ب): "و".
(٩) هكذا كتبت في (أ)، و(خ)، و(ت): وفي (ب): "بأي خرم كرقته بود". جُرمُوق: مُعَرَّب سَرمُوزَه، ومثله موق وهما عند الجوهري ما لُبِسَ فوق الخفِّ وِقايةً له. وقيل الموق ما يلبس فوق الخفِّ، والجرموق ما يلبس فوقه، ولم يستند قائله على نقل يؤيده، والعامة عربته سرموجة. ينظر: الخفاجي، شهاب الدين أحمد بن محمد الخفاجي، شفاء العليل في ما في كلام العرب من الدَّخيل، تح: د. محمد كشَّاش، ط: دار الكتب العلمية، (١١٦).
(١٠) سقط من: (ب).
(١١) في (أ): "يرموك"، في (خ): "سرموك".
[ ١ / ١٢٢ ]
سَر مُوزَه (^١) قيل: الجرموق بمنزلة [خف ذي طاق] (^٢) قلنا: لبس الجرموق بمنزلة [الخفِّ ذي طاقين؛ (^٣)] (^٤) لأنَّه إذا رفع إحدى (^٥) الطَّاقين لا يجوز المسح على الآخر، وها هنا لو نزع الجرموق يجوز المسح على الخفِّ الذي تحت الجرموق (^٦).
قوله: (لا يشفان (^٧» صحيحٌ، وقوله: (لا ينشفان) خطأٌ و(^٨) أي خطأٍ، من حيث الرِّواية أن الرواية غيره، أمَّا من حيث اللُّغة فصحيحٌ بالفارسية … (^٩) نجو يشتن (^١٠) درجيذه باشد (^١١).
قوله: (لا يشفان (^١٢» تأكيدٌ لقوله (^١٣): (ثخينين).
_________________
(١) في (ب): "سرموحة".
(٢) في (أ): "خف ذي طاقين".
(٣) في (خ): "طاق".
(٤) في (ب): "خف ذي طاق الخف ذي طاقين".
(٥) في (أ)، (خ): "أحد".
(٦) جرت العادة أن يلبس الجرموق فوق الخف، فيكون في معنى الخف ذي الطاقين، ولو لبس خفًا ذا طاقين كان له أن يمسح عليه فهذا مثله، وإنَّما يجوز المسح على الجرموقين عند الحنفية: إذا لبسهما فوق الخفين قبل أن يحدث ويمسح، فأمَّا إذا كان مسح على الخفِّ أولا ثمَّ لبس الجرموق، فليس له أن يمسح على الجرموق؛ لأنَّ حكم المسح استقر على الخف. ينظر: السرخسي، المبسوط (مرجع سابق)، (١/ ١٨٥).
(٧) في (أ): "لا ينشفان".
(٨) سقط من (ب).
(٩) زاد في (خ): "در".
(١٠) في (ب): "شتن".
(١١) في (خ): "باشذ".
(١٢) في (أ): "ينشفان". ومعنى "لا يشفان".: أي لا يجذبان الماء، وينفذانه إلى القدمين. ينظر: الميداني، اللباب في شرح الكتاب، (مرجع سابق)، (٢١).
(١٣) في (أ)، و(خ): "لقول".
[ ١ / ١٢٣ ]
قوله: (ويجوز المسح على الجبائر (^١) [وإن شدها على غير وضوء)؛ لما روي عن علي - ﵁ - أنَّه كُسِرَت يده يوم أُحد لسقط اللِّواء فقال رسول الله - ﷺ -: "اجعلوها في اليسار فإنَّه صاحب اللواء في الدنيا والآخرة" فقال يا رسول الله: ما أصنع بالجبائر قال: "امسح عليها" (^٢)، ولم يستفصل أنَّه شدَّها على وضوءٍ أو غير وضوء] (^٣).
قيل: الاستيعاب شرطٌ (^٤)، أي الخرقة والعقدة التي تربط، وقيل: الاستيعاب ليس بشرطٍ (^٥)، ويمسح على العقدة التي عقد الجبائر.
_________________
(١) من هنا سقط في (خ).
(٢) ابن ماجه، السنن (مصدر سابق)، كتاب الطَّهارة وسننها، باب المسح على الجبائر، (١/ ٢١٥)، رقم الحديث: ٦٥٧. ونصُّه: عن علي بن أبي طالب - ﵁ -، قال: انكسرت إحدى زندي، فسألت النبي - ﷺ -، "فأمرني أن أمسح على الجبائر". الدارقطني، السنن (مصدر سابق)، كتاب الحيض، باب جواز المسح على الجبائر، (١/ ٤٢٢)، رقم الحديث: ٨٧٨. و: البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى البيهقي، سنن البيهقي الكبرى، تح محمد عبد القادر عطا، ط: دار الكتب العلمية، كتاب جماع أبواب التيمم، باب المسح على العصائب والجبائر، (١/ ٣٤٩)، رقم الحديث: ١٠٨٢. قال الحافظ ابن حجر في (بلوغ المرام): "رواه ابن ماجه بسند واه جدا".
(٣) سقط من (ب)، ومن هنا نواصل المقابلة مع (خ).
(٤) لم تذكر المسألة في ظاهر الرِّواية، وذكر فيها روايتين صاحب الخلاصة في رواية الاستيعاب شرط وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة ﵀. ينظر: ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (مرجع سابق)، (١/ ١٩٧). و: برهان الدين ابن مازه، المحيط البرهاني (مرجع سابق)، (١/ ٢٣٥).
(٥) رواية المسح على الأكثر، وعدم اشتراط الاستيعاب؛ لأنَّه قد يؤدي إلى إفساد الجرح، ولكن إذا مسح على أكثر العصابة يجوز، وإن مسح على النِّصف فما دونه لا يجوز، وبه كان يقول شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده ﵀. هي التي عليها الفتوى. ينظر: ابن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق (مرجع سابق)، (١/ ١٩٧). و: برهان الدين مازه، المحيط البرهاني (مرجع سابق)، (١/ ٢٣٥).
[ ١ / ١٢٤ ]
ولا يقال: المسح (^١) بدل الغسل، والغسل إلى الكعاب ينبغي أنَّ المسح أيضًا إلى الكعاب، لا إلى الساق، قلنا: ينبغي أن يكون كذلك، إلَّا أن النَّبي - ﷺ - فعل كذلك، فثبت بفعل (^٢) النَّبي - ﷺ - السُّنَّة إلى الساق.
و(^٣) أمَّا الفرض مجرَّد الوضع بمقدار ثلاثة أصابع معما أن السَّاق (^٤) [مبتدأة الكعب] (^٥)؛ لأنَّ المسح على وجه الرجل، وإن كان المسح على طرف (^٦) الرجل [جائزٌ، أمَّا] (^٧) تحت القدم ليس بمحلٍ للمسح، وعند مالك (^٨) يجوز، فإذا كان وجه الرجل محلّ ولا كعبَ في وجه الرجل
_________________
(١) الحديث عن المسح على الخفين، لا المسح على الجبائر.
(٢) في (أ): "فعل"، سقط من (ب).
(٣) سقط من (ب).
(٤) سقط من (ب).
(٥) في (ب): "مبتدأ الكعاب".
(٦) في (أ)، و(خ): "طرق".
(٧) في (أ)، (خ): "جائزا ما".
(٨) يرى المالكية وجوب مسح جميع ظاهر الخف، كما يستحب مسح أسفله أيضًا، فيضع أصابع يده اليمنى فوق أطراف أصابع رجله اليمنى ويضع أصابع يده اليسرى تحت أصابع رجله اليمنى، ويمر بكلتا يديه على خفِّ رجله اليمنى باتجاه الكعبين، ويضع أصابع يده اليسرى فوق أطراف رجله اليسرى ويده اليمنى تحت أصابعها، ويمر بكلتا يديه على خف رجله اليسرى باتجاه الكعبين كذلك، فيكون قد مسح جميع الخف ظاهره وباطنه. ينظر الصاوي الملكي، أبو العباس، أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي المالكي، بلغة السالك لأقرب المسالك المعروف (بحاشية الصاوي على الشرح الصغير)، والشرح الصَّغير هو شرح الشيخ الدردير لكتابه المسمى أقرب المسالك لِمَذْهَبِ الإمام مالكٍ)، (ت: ١٢٤١ هـ) ط: دار المعارف، (١/ ٢٦٣). و: النفراوي، أحمد بن غنيم بن سالم النفراوي، الفواكه الدَّواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، (ت ١١٢٦ هـ)، تح: رضا فرحات، ط: مكتبة الثَّقافة الدِّينية (١/ ٤٣٢).
[ ١ / ١٢٥ ]
فلذلك (^١) قال: إلى الساق وإلَّا لا تفاوت بين الساق والكعب.
قال مولانا شمس الدين الكرداري (^٢) ﵀، ناقلًا عن شيخه صاحب الهداية (^٣): فلو كان الخفُّ مانعًا سراية الحدث، ينبغي أن لا يمسح ولا يغسل رجليه بعد النزع؛ لأنَّ الخفَّ قد منع. قلنا: ينبغي أن يكون كذلك إلَّا أنَّه إنَّما مسح لأجل أن لا يكون عضو من أعضائه خاليا (^٤) عن الطَّهارة، فلهذا مسح، والمسح يجوز إذا ابتدأ من طرف (^٥) السَّاق.
وإذا مسح على عرض الرِّجل أيضًا يجوز، إلَّا أن السُّنة الابتداء من أصابع الرجل إلى الساق (^٦).
* * *
_________________
(١) في (ب): "فكذلك".
(٢) في (ب): "الكردي"، (سبقت ترجمته) ص ٣٧.
(٣) المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدي (مرجع سابق).
(٤) في (أ): "حاليًا".
(٥) في (أ): "طرق".
(٦) في (أ)، و(خ): "السابق".
[ ١ / ١٢٦ ]