قال: حقيقة الغصب أخذ مال الغير بغير رضاه على غير وجه الحقيقة، وهو محرم عقلًا وشرعًا، أما العقل فلأن فيه إدخال الضرر على الغير، وأما الشرع، فلقوله - ﷺ -: "من غصب شبرًا من أرض طوّقه الله تعالى به يوم القيامة من سبع أرضين" (^١)، وقال - ﵇ -: "حرمة له مال المسلم كحرمة دمه" (^٢) مناسبة الغصب بالوقف في الوقف إزالة الملك على [جهة] (^٣) يكون مثابًا، وفي الغصب إزالة على وجه يكون مؤاخذًا، فيكون مناسبة من حيث الإزالة.
والغصب في اللغة: أخذ مال الغير ظلمًا، وفي الشريعة: عبارة عن
_________________
(١) البخاري، صحيح البخاري، مصدر سابق، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في سبعين أرضين، رقم الحديث: ٣١٩٨، ج ٤، ص ١٠٧. ونصه: "مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الأَرْضِ ظُلْمًا، فَإِنَّهُ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ".
(٢) الدارقطني، سنن الدارقطني، مصدر سابق، كتاب البيوع، رقم الحديث ٢٨٨٨، ج ٣، ص ٤٢٥. ونصه: عن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "حرمة مال المؤمن كحرمة دمه". أحمد، مسند أحمد، مصدر سابق، مسند المكثرين من الصحابة، مسند عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، رقم الحديث: ٤٢٦٢، ج ٧، ص ٢٩٦. ونصه: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "سِبَابُ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ فُسُوقٌ، وَقِتَالُهُ كُفْرٌ، وَحُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ". قال ابن القيسراني في أطراف الغرائب والأفراد من حديث رسول الله - ﷺ - للإمام الدارقطنى (١٧٥١٤): "تفرد بِهِ أَبُو شهَاب الحناط عَن الْأَعْمَش عَنهُ، وَلم يرويهِ عَنهُ غير عَمْرو بن عُثْمَان الرقي".
(٣) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "وجه".
[ ٢ / ٧٣ ]
إزالة [اليد] (^١) المالك بفعل في العين على [جهة] (^٢) التعدي حتى إذا كان استخدام العبد، وحمل الدابة غصبًا دون الجلوس على البساط؛ لوجود الإزالة في الأول دون الثاني حتى إذا جلس على بساط الغير لا يكون غاصبًا، وإن كان بفعل في العين، [وهو التعدي لا يفعل في المالك، كما في الجلوس على البساط فعل في المالك دون العين، يعني: من المالك عن الجلوس عليه] (^٣)؛ لعدم الإزالة فعندنا الغصب إزالة اليد، وعند الشافعي (^٤) - ﵀ - إثبات اليد، ولهذا يضمن الغاصب الولد؛ لثبوت يد الغاصب فيه، وعندنا لا يضمن؛ لعدم إزالة المالك، فالغصب على نوعين غصب يوجب الضمان، وهو الإزالة، وغصب يوجب الرد، وهو إثبات اليد دون الإزالة كغصب العقار، وكولد المغصوب.
قوله: (فهلك في يده)، [أي: هلك بفعله، أو بفعل غيره] (^٥)، ومن غصب شيئًا له مثل، فهلك في يده، فله ضمان مثله، وإن كان مما لا مثل له فعليه قيمته؛ لأن المثل فيما لا مثل له أعدل من القيمة لقلة التفاوت فيه، والقيمة فيما لا مثل له أعدل من المثل؛ لأنه لا يكاد يقف أعيان على صفة واحدة، فوجب أن يقضي ما هو الأعدل؛ لأنه إذا أمكن رد العين، فهو أولى فإذا تعذّر ذلك وجب أن يردّ ما هو أعدل إليه، أي: هلك بفعله، أو
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "يد".
(٢) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "وجه".
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٤) انظر: الرافعي، عبد الكريم بن محمد الرافعي القزويني، (ت: ٦٢٣ هـ)، فتح العزيز بشرح الوجيز، ط: دار الفكر، (١١/ ٢٣٩).
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
[ ٢ / ٧٤ ]
بفعل غيره، فعليه ضمانه؛ لأن ضمان الغصب يتعلق بالقبض.
قوله: (فعليه ضمان مثله)، يجوز على الإضافة، [و] (^١) بدون الإضافة، فإذا كانت بطريق الإضافة يكون إضافة الشيء إلى نفسه، أي: الضمان، [و] (^٢) المثل، وإن قال: بدون الإضافة يكون مثله بدل ضمان.
قوله: (غصب عقارًا فهلك)، بأن انهدم الدار المغصوبة لا من سكنى الغاصب، أو انتقصت الأرض [لا] (^٣) من زراعة الغاصب، أما إذا كان من علمه يضمن بالاتفاق بأن كان صحراء، [و] (^٤) غرق بالماء.
قوله: (ويحوّل)، عطف تفسير، لقوله: (ينقل).
قوله: (ضمن في قولهم)؛ لأنه إتلاف، وليس بغصب، كما إذا نقل ترابه الغصب مصدر، ويطلق على المغصوب، وجمعه غصوب، كما أن الهبة مصدر، ويطلق على الموهوب، وجمعه هبات.
قوله: (من ذبح شاة)، وإذا تغيرت العين العين المغصوبة بفعل الغاصب حتى زال اسمها، وعظم منافعها زال ملك المغصوب عنها، وملكها الغاصب، وضمنها، ولم يحل له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها، وهذا كمن غصب شاة فذبحها، وشويها إذا كانت حنطة فطحنها، أو كانت حديدًا فاتخذه سيفًا، أو صفرًا فعمله آنية، ولو غصب فضة أو ذهبًا،
_________________
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٢) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "هو".
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٤) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "أو".
[ ٢ / ٧٥ ]
فضربها دنانير ودراهم يزول ملك مالكها عنها عند أبي حنيفة؛ لما روي: أن قومًا من الأنصار أضافوا رسول الله - ﵇ -، فقدموا له شاة مصلية فأخذ منها لقمة، فمضغها، فلم يسغها، فقال - ﵇ -: "أما أن هذه الشاة لتخبرني أنها ذبحت بغير حق" (^١)، فقال الرجل: هذه شاة أخي، وسأرضيه بخير منها، فأمر النبي - ﵇ - بأن يتصدق بها على الأسارى، ولو كان ذلك ملكًا لصاحبها لأمر ببيعها، وحفظ ثمنها عليه، ولأن الغاصب أزال الاسم في عامة المنافع المباحة من العين بفعل من جهته، فوجب أن يزول ملك صاحبها عنها، كما لو خلط دهنًا طيبًا بزيت بذر، وهذا بخلاف الذهب والفضة؛ لأن اسمهما باقي، والصناعة فيها لا يخرجها من حكمه بدليل بقاء المنفعة، وحكم الربا والزكاة، فصار كمن قبل الضرب، وههنا بخلافه على ما ذكرنا، أي: ذبح المأ كول، فالذبح لا ينحصر في الشاة، وإنما خص الشاة باعتبار العرف أن ذبح الشاة أكثر عرفًا.
قوله: (ضمن نقصانه)، أطلق النقصان، وفي النقصان وجوه [أربعة] (^٢) لا يضمن بالنقصان بسبب تراجع السعر، ويضمن بالنقصان؛ لفوات الجزء بأن قطع يده أو رجله، ونقصان بفوات الوصف بأن ذهب سمعه أو بصره،
_________________
(١) الطبراني، المعجم الأوسط، مصدر سابق، باب الألف، من اسمه أحمد، رقم الحديث: ١٦٠٢، ج ٢، ص ١٦٨. ونصه: عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - زَارَ قَوْمًا مِنَ الْأَنْصَارِ فِي دَرَاهِمْ، فَذَبَحُوا لَهُ شَاةً، وَصَنَعُوا لَهُ مِنْهَا طَعَامًا، فَأَخَذَ مِنَ اللَّحْمِ شَيْئًا لِيَأْكُلَهُ، فَمَضَغَهُ سَاعَةً لَا يُسِيغُهُ، فَقَالَ: "مَا شَأنُ هَذَا اللَّحْمِ؟ " فَقَالُوا: شَاةٌ لِفُلَانٍ، ذَبَحْنَاهَا حَتَّى يَجِيءَ صَاحِبُهَا، فَنُرْضِيهِ مِنْ لَحْمِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: "أَطْعِمُوهَا الْأُسَارَى".
(٢) ما بين المعقوفين في (ب) "أربع".
[ ٢ / ٧٦ ]
ونقصان بسبب فوات معنى المرغوب، وهو أن يكون طازجة بالفارسية درست، [فصار] (^١) قراضة، أو غصب عبدًا شابًا، فشاخ، أو نسى الحرفة، فالنقصان بسبب فوات معنى المرغوب لا يكون مضمونًا في الأموال الربوية؛ [لأنه يكون مؤديا إلى الربا] (^٢)؛ لوجوب الضمان، فأما إذا كان في غير أموال الربوية جميع النقصانات مضمونة إلا النقصان بسبب تراجع السعر؛ لأنه لا يوجد من الغاصب شيء في تراجع السعر في فوات الوصف المرغوب يقوّم مع ذلك الوصف، وبدون ذلك الوصف يغرم فضل ما بينهما.
قوله: (ومن ذبح شاة غيره، وشواها زال ملك المالك)؛ لأنه زال اسم الشاة بأن يقال: مشوي، ولا يقال أيضًا: شاة مذبوحة، أما إذا ذبحها لم يزل اسم الشاة، بل يقال: شاة مذبوحة، فزوال ملك المالك ببطلان عامة منافع المغصوب، اختلف المشايخ [- ﵏ -] (^٣) في عامة المنافع، قيل: فوات جزء المغصوب [كقطع يد المغصوب والرجل، أو] (^٤) فوات جنس المنفعة [لذهاب العين والسمع] (^٥)، وقيل: إن أوجب نقصان الربع، [فصاعدا] (^٦).
قوله: (إذا تغيرت العين)، فالعين معنية في جميع المعاني بأن أريد من العين الذهب، أو الركبة، أو الباصرة، [أو] (^٧)، الينبوع،
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "فصارت".
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٧) ما بين المعقوفين في (خ) "و".
[ ٢ / ٧٧ ]
أو [الجاسوس] (^١).
قوله: (ومن غصب ساجة)، الساجة: خشبة تجلب من الهند، المراد [ها] (^٢) هنا: مطلق الخشبة، يعني: أي خشبة غصب، وبنى [عليه] (^٣) زال ملك المالك، ولزم الغاصب قيمتها.
قوله: (فغيبها)، ليس [بوصف] (^٤) لازم حتى لو غاب بنفسه، فالحكم لا يتفاوت بأن كان عبدًا فأبق، فأما خص التغييب؛ لأن الغصب حرام، والتغييب حرام أيضًا، فلهذا خص التغييب.
قوله: (ولا خيار)، لأنه يكون راضيًا به حيث ضمن الغاصب بقوله، أو بنيته، أو بقول [الغاصب] (^٥) عند إبائه عن [الثمن] (^٦)، فأما إذا كان الضمان بقول الغاصب [مع يمينه] (^٧) فله الخيار؛ لأنه لم يكن راضيًا به.
قوله: (وولد المغصوبة)، ترك الموصوف، أي: الجارية المغصوبة، [أو] (^٨) الشاة المغصوبة، وإنما ترك الموصوف، لأن يتناول الناطق، وغير الناطق، كما في قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾ (^٩)، أي: محبوسات
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب) "الجاموس".
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (ج).
(٣) ما بين المعقوفين في (ب)، (ج) "عليها".
(٤) ما بين المعقوفين في (ب) "بشرط".
(٥) ما بين المعقوفين في (ب) "الغصب".
(٦) ما بين المعقوفين في (ب)، (ج) "اليمين".
(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٨) ما بين المعقوفين في (ب) "إلى".
(٩) سورة الرحمن، ج ٢٧، آية ٥٦.
[ ٢ / ٧٨ ]
العين، فترك الموصوف، وهو النساء يتناول الحور العين، ونساء الدنيا، فولد المغصوبة لا يضمن باعتبار أن الغصب إزالة الملك عندنا، فالغاصب ما أزال [عن الولد] (^١)، فأما إذا باع الغاصب الولد، أو [الثمن] (^٢)، فللمالك أن يضمن البائع، [أي: بالبيع يصير متعديا؛ لأن البائع الغاصب، والمشتري بمنزلة غاصب الغاصب والتجبر] (^٣)، أو المشتري يوم [البيع] (^٤)، والتسليم إذا كانا وجدا معًا، فأما إذا كان التسليم مؤخرا عن البيع يطالبه وقت التسليم.
قوله: (وما نقصت الجارية)، [وإنما] (^٥) قيّد النقصان حتى إذا ماتت الجارية، وقيمة الولد، وفاء بالجارية لا [تتجبر] (^٦) على ظاهر الرواية، بل يجب [لأجل] (^٧) القيمة، وصورة المسألة إذا حبلت عن الغاصب، أو زنت بغير الغاصب، وأما إذا كان الحبل من الزوج، أو من المولى لا ضمان أصلًا، [و] (^٨) [قيد] (^٩) الجارية باعتبار أن الولادة منقصة في بني آدم دون الحيوان ظاهرًا، والأحكم، والنقصان لا يتفاوت بالغصب في الحيوان، وبني آدم.
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "يد المالك".
(٢) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "الثمرة".
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٤) ما بين المعقوفين في (ب) "المبيع".
(٥) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "فإنما".
(٦) ما بين المعقوفين في (خ) "يتجبر".
(٧) ما بين المعقوفين في (ب) "لأجله".
(٨) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٩) ما بين المعقوفين في (ب) "الجارية".
[ ٢ / ٧٩ ]
قوله: ([و] (^١) لا يضمن منافع ما غصبه)، أي: لا يضمن المنافع سواء استهلك المنافع أو أتلفها، [وصورة] (^٢) استهلاك المنافع: بأن غصب عبد الغير، أو حيوانه، فحبسه يومًا أو شهرًا في البيت، وصورة وصفها الإتلاف: بأن غصب عبد الغير، أو استخدمه، [أو اشتغله] (^٣)، أو استغل الحمار بعد الغصب.
قوله: (وإذا [استهلك] (^٤) المسلم خمر الذمي، أو خنزيرا ضمن قيمتها، وإن استهلكها مسلم لمسلم لا يضمن)، قيل: إذا كان الخمر لا معدًّا للتخليل بأن كان الخمر للخلال يضمن.
* * *
_________________
(١) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٤) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "استهلكها".
[ ٢ / ٨٠ ]