[الودع] (^١): الترك الوديعة، فعيلة بمعنى المتروكة، ويقال: الودع، أي: قيل: الوديعة، ويقال: أودع إنسان [إنسان] (^٢)، فيمكن الاستدلال بجواز الوديعة؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (^٣)؛ وقبول الوديعة معاونة، فيجوز مناسبة باب الوديعة بباب الغصب، وهو أن الغصب يدُ ضمان، ويد المودع أمانة، فالمصنّف بيّن يد الضمان، ثم انتقل إلى بيان يد الأمانة، أو [يقول] (^٤): يد الغاصب يد ضمان ابتداء، وانتهاء قيّد الوديعة يد ضمان انتهاء، [فإن] (^٥) خالف، كما أن في الوقف منفعة من جانب واحد وهو الموقوف عليه، ولا يقال: للواقف أيضًا منفعة، وهو الثواب، قلنا: أحكام الآخرة لا يبتني على أحكام الدنيا، والثواب من أحكام الآخرة.
قوله: ([و] (^٦) الوديعة أمانة)، ينبغي أن يكون المبتدأ أخصّ من الخبر، أو مساويًا له، وهنا الخبر عام، وهو الأمانة، لأن الريح إذا هبّت،
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (خ) "الوديعة".
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٣) سورة المائدة، ج ٦، آية ٢.
(٤) ما بين المعقوفين أو (ب)، (خ) "نقول".
(٥) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "بأن".
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
[ ٢ / ٨١ ]
وألقت الثوب في دار الجار، أو في غير دار الجار، [فإنه] (^١) أمانة وليس بوديعة؛ لأن الوديعة [لا] (^٢) تثبت بدون [العقد] (^٣) الوديعة، قيل: إذا [وقع] (^٤) في دار [جار] (^٥)، وجاره طلب ثوبه، وقال صاحبه: ([باش] (^٦)، [تاآب] (^٧)، آرم جامه دهم) (^٨)، ثم هلك يضمن، لأن هذا القدر يُعدّ تعديًا، وإنما قيّد الجار في هبوب الريح، وإن كان دار غير الجار، فالحكم فيه [كذلك] (^٩)، وإنما قيّد باعتبار العادة؛ لأن العادة إلقاء الريح الثوب يكون في دار [الجار] (^١٠)، فالحكم في غير الجار كذلك، والفرق [بين] (^١١) الأمانة، والوديعة أن في الوديعة إذا خالف، أي: خالف بالفعل، ثم إذا عاد إلى الوفاق بأن لبس الثوب الذي أودعه عنده، ثم نزع عاد [وديعة] (^١٢)، ففي الأمانة لا يبرأ إذا ترك اللبس، فأما إذا جحد الوديعة، ثم أقرّ بها لا يبرأ عن الضمان، لأن بالجحود ارتفع عقد الوديعة، لأنه لا يبقى أمينًا بالجحود، فبعد الإقرار لا يمكن أن يصير مودعًا، لأن الوديعة ثبت بالمودع
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (خ) "كانت".
(٢) ما بين المعقوفين في (خ) "لم".
(٣) ما بين المعقوفين في (ب) "عقد".
(٤) ما بين المعقوفين في (خ) "كان".
(٥) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "الجار".
(٦) ما بين المعقوفين في (خ) "تاش".
(٧) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "آب".
(٨) ألفاظ فارسية.
(٩) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "كذا".
(١٠) ما بين المعقوفين في (خ) "الجوار".
(١١) ما بين المعقوفين في الأصل "من" والتصويب من (ب)، (خ).
(١٢) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "الوديعة".
[ ٢ / ٨٢ ]
والمودع، فلا يثبت بقول المودع، فأما إذا خالف بالفعل لا يرتفع العقد، بل العقد باق، فإذا رده إلى [يده] (^١)، فقد رد إلى يد النائب الغائب، فعاد الوديعة لا يقال: كيف يتحقق الرد إلى يده؟ لأنه لم يدفع إلى الغير، بل يصرف بنفسه، قلنا: يمكن الرد؛ لأن بالتصرف صار ضامنًا [وبالترك] (^٢) التصرف انتفى الضمان، فيكون الرد متحققًا باعتبار [الحالة] (^٣)، فأما إذا أودعه عند غيره، فالرد إلى يده ظاهر، فإن قيل: بالخلاف من حيث [العقل] (^٤) لم يرتفع العقد ينبغي أن لا يضمن المودع إذا هلك حالة استعمال المودَع، فالضمان واجب إذا هلك حالة الاستعمال، قلنا: العقد باق؛ لأن يحفظ، فإذا استعمل الوديعة يكون الخلاف موجودًا من المودع حسًّا، فيضمن فبعض المشايخ استدلّ ببقاء عقد الوديعة بالخلاف من حيث الفعل على مسألة أصول الدين، وهو أن العبد ينبغي أن لا يخرج من الإيمان بارتكاب المعاصي؛ لأن الإيمان هو التصديق، وضده التكذيب، وارتكاب المعاصي ليس بضد الإيمان، كما أن الوديعة [تثبت] (^٥) بالقبول، وزوال عقد الوديعة بالجحود لا بمخالفة المودَع في الحفظ، وارتكاب المعاصي بمنزلة المخالفة في الوديعة.
قال - ﵀ - ناقلًا عن عالمه - ﵀ - في مسألة إشارة: أن العبد إذا تاب لم يبق عليه العقاب، فإن الجوارح وديعة من الله تعالى عند العبد، وإذا
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (خ) "هذه".
(٢) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "وبترك".
(٣) ما بين المعقوفين في (ب) "الحاقة".
(٤) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "الفعل".
(٥) ما بين المعقوفين في (خ) "يثبت".
[ ٢ / ٨٣ ]
استعملها في المعصية، فقد خالفه، فإذا تاب فقد عاد إلى الوفاق بعدما خالف هذا إذا خالف بالقول، ثم عاد إلى الوفاق يبرأ عن ضمان الارتداد، والمودَع إذا خالف بالقول، ثم عاد لا يبرأ عن ضمان الوديعة، والفرق بينهما أن المودَع غير مستبد، أي: مثبتة في الوديعة، فإذا خالف بالقول، ثم عاد إلى الوفاق بالإقرار لا يعود الوديعة؛ لأن العقد قائم بالأسلف، لكنه مستبد، يعني: مثبتة في نقض عقد الوديعة حتى إذا نقض عقد الوديعة عند حضرة المودِع بغير رضاه ينتقض، والمؤمن عقد الإيمان إذا رجع من الإنكار إلى الإقرار يصير مؤمنًا عن ضمان الارتداد.
قوله: ([ومن] (^١) في عياله)، ذكر في "شرح الطحاوي" من في عياله الذي ساكن معه، ويجري عليه نفقته، ولم يعتبر نفس [المساكن] (^٢)، بل المساكنة مع جريان النفقة معتبرة لا نفس المساكنة يجري عليه نفقته نحو أجيره، وولده، وامرأته إلا في [المزوّجة] (^٣)، والعبد، والولد الصغير لم يعتبر المساكنة، فإنه إذا كان ساكنًا في محلة أخرى، فدفع إليهم لا يضمن، وإن كان لا ينفق، وذكر في "الفتاوى" من في عياله الذي ساكن اعتبر نفس المساكنة.
قوله: (فيلقيها)، وفي نسخة: (فينقُلَها).
قوله: (حتى [لا] (^٤) يتميز)، صاحبها بأن خلط البر بالبر،
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "وبمن".
(٢) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "المساكنة".
(٣) ما بين المعقوفين في (ب) "الزوجة".
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
[ ٢ / ٨٤ ]
والدراهم بالدراهم ضمن، ولا سبيل له عند أبي حنيفة [- ﵀ -] (^١)، [لأن الخلط الذي لا يتميز استهلاك عند أبي حنيفة] (^٢)، وعندهما، فصاحبه بالخيار بين أن يضمن، وبين أن يكون شريكًا له في المخلوط.
قال الشيخ [- ﵀ -] (^٣): ينبغي أن يذكر قوله: فإن طلبها صاحبها بعد قوله: (وإن اختلط)؛ لأن الخلط اختياري، والاختلاط بدون الاختيار، فينبغي أن يكون الخلط مع الاختلاط مقارنًا إلا أن بعد الخلط لا يبقى الخيار للمالك، فصار بمنزلة الاختلاط بنفسه، فيكون مناسبًا للخلط.
قوله: ([وجحده] (^٤) إيّاها)، حتى لو جحدها عند غير صاحبها لا يضمن عند أبي يوسف - ﵀ - خلافًا لزفر، فقول أبي يوسف يدل على أن بالإقرار لا يثبت الوديعة، لأن الإثبات بقولهما كذلك الدّفع بقولهما، فإذا جحد عند صاحبها، فلا يثبت بالإقرار.
قوله: (حمل ومؤنة الحمل)، بالفتح مصدر، أي: ثقل يحتاج إلى حمله، وذكر في الأصل [مالها المؤنة] (^٥) في الحمل فالمذكور في الأصل يدل على أن المؤنة لابد أن يكون مذكورة عند الحمل لفظًا.
قوله: (وإذا أودع رجلان عند رجل وديعة)، في هذه المسألة حكاية بأن جاء سارقان، وطرازان إلى حمام، فدفعا الصرة إلى الحمامي، ثم خرج
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب) "- ﵁ - ".
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٣) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "- ﵁ - ".
(٤) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "فجحده".
(٥) ما بين المعقوفين في (ب) "أنها مؤنة".
[ ٢ / ٨٥ ]
أحدهما، فطلب الصرة، فلم يدفع الحمامي، فقال: لا أدفع حتى يخرج صاحبُك، فصاحَ إلى صاحبه، فقال: [ادفع] (^١)، فقال من الحمام: نعم، فدفع الصرة إليه، ثم خرج صاحبه، [فيطلب] (^٢)، الصرة، فقال: أنت أذنت من الحمام، فقال صاحبه: ما أذنتُ، [وقلت] (^٣): [دفع] (^٤) شيئًا آخر المشط، [و] (^٥) الطين، فتنازعا [وذهب] (^٦) إلى القاضي، فقال القاضي للحمامي: لم دفعت إلى أحدهما، فتحير الحمامي، فسمع أبو حنيفة - ﵀ - هذه الواقعة، فقال للحمامي: لا تحزن، وقل لصاحبه معي [صرة] (^٧) جيء بصاحبك، فإنك تقول: لم دفعت إلى أحدنا، بل ينبغي أن تدفع إلينا معًا، فهذا يعدّ من كرامة أبي حنيفة [- ﵀ -] (^٨)، وفراسته، [ومن كياسته] (^٩)، فإنه إذا جاء صاحبه يأتي مع الصرة لا محالة، فيمكن للحمامي الدعوى عليه، فيجد مخلصًا من تعليم أبي حنيفة [- ﵀ -] (^١٠).
قوله: (وإذا أودع رجل عند رجلين ممّا يقسم)، فإذا دفع، فالدافع صاحب [القابض] (^١١)
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب) "يدفع"، وفي (خ) "أأدفع".
(٢) ما بين المعقوفين في (ب) "فطلب".
(٣) ما بين المعقوفين في (ب) "فقلت".
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٥) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "أو".
(٦) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "وذهبا".
(٧) ما بين المعقوفين في (ب) "الصرة".
(٨) ما بين المعقوفين في (ب) "- ﵁ - ".
(٩) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(١٠) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "- ﵁ - ".
(١١) ما بين المعقوفين في (ب) "القبض".
[ ٢ / ٨٦ ]
عند أبي حنيفة [- ﵀ -] (^١)، لأن مودع المودِع لا يضمن عند أبي حنيفة [- ﵀ -] (^٢)، فيكون القابض مودع المودِع، وهذا التفصيل، و[هو] (^٣) ما لا يقسم، ويقسم على قول أبي حنيفة - ﵀ -، فأما عندهما لا يضمن فيما لا يقسم كالقوس، ويقسم، وهو معروف.
قوله: (ولا [سلّمها] (^٤) إلى زوجتك)، وذكر في "الجامع الصغير" لا يسلّمها إلى أحد من في [عياله] (^٥) نحو الأجير والعبد، فينظر إن كانت الوديعة شيئًا يحفظ في أيد النساء كالذهب واللآلى، فلو دفعها بعد المنع لا يضمن.
قوله: (لم يضمن)، فأما إذا كان شيئًا [لا] (^٦) يحفظ في أيدي النساء كالدابة [مثلا] (^٧)، فدفعها بعد المنع [ضمن] (^٨).
قوله: (لم [يضمن] (^٩)، إنما لم يضمن [إذا كانت البيت الآخر] (^١٠) مساويًا في الحرز مع ذلك البيت، أو أحرز، فأما إذا لم يكن مساويًا، أو
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب) "- ﵁ - "
(٢) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "- ﵁ - "
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٤) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "تسلمها"
(٥) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "عيالك"
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ب)، (خ).
(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ب).
(٨) ما بين المعقوفين في (ب) "يضمن"
(٩) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "ضمن"
(١٠) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "إذا لم يكن الدار الأخرى".
[ ٢ / ٨٧ ]
أحرز ضمن.
قوله: (ضمن)، إنما يضمن إذا لم يكن الدار الآخر مساويًا بأن قال: احفظ في الشتوي، وقد حفظ في الصيفي، أو أحرز لا يضمن كما في البيت، [فإذا] (^١) لم يكن مساويًا، أو أحرز ضمن، فالحكم في الدار، والبيت سواء، فلأي معنى ذكر لا يضمن في البيت، وذكر ضمن في الدار الآخر؛ لأن الغالب في الدارين تفاوت، أما الغالب في البيتين عدم التفاوت، فلهذا قال: (لا يضمن في البيت الآخر)، معما أن المصنّف - ﵀ - وضع المسألة في الكوفة، [وأبيات] (^٢)، الكوفة مساوٍ في الحرز.
* * *
_________________
(١) ما بين المعقوفين في (ب)، (خ) "فأما إذا".
(٢) ما بين المعقوفين في (ب) "وبيوت".
[ ٢ / ٨٨ ]