===
ودانوا ذلك، وقالوا: مَنْ أَذنب صغيرةً أَوْ كبيرةً فقد كَفَرَ وحَلَّ قَتْلُه إِلاَّ أَنْ يتوب، وتمسكوا بظاهرِ قوله تعالى: ﴿ومَنْ يَعْصِ اللَّهَ ورسولَهُ فإِنَّ له نارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فيها﴾ (^١)، فإِذا ظهر هؤلاء على بلدة فيها أَهلُ العدل فأَخذوا الخَراج وصدقة السوائم، ثم ظهر عليهم (^٢) الإِمامُ، لا يأْخذ منهم شيئًا ثانيًا، لأَنه لم يَحْمِهم، والجباية بالحماية.
وأفتوا بأَنْ يُعيدوا الزكاة دون الخراج، وهو اختيار أَبي بكر الأَعمش، لأَنهم مصارف الخَراج لكونهم مقاتِلَة، حتى إِذا ظهر عَدُوٌّ ذَبُّوه عن دار الإِسلام. وأَمَّا الصدقات فَمَصْرِفُها الفقراء وهم لا يصرفونها إِليهم. وقيل: إِذا نوى بالدفع التصدّقَ عليهم يسقط، وهو المحكي عن الفقيه أَبي جعفر، وكذا الدَّفْع إِلى كلَ جائرٌ، لأَنهم بما عليهم من التَّبِعات فقراء. والإِفتاء بالإِعادة أَحْوط، بناءً على أَنَّ عِلْم من يأْخذ لما يأخذ شرط، وهذا يقتضي التعميم في الإِعادة للأَموال الباطنة والظاهرة سوى الخراج. وقد لا يبنى على ذلك، بل على أَنْ المقصود من شرعية الزكاة سَدُّ خَلَّة (^٣) المحتاج وذلك يَفُوت (^٤) بالدفع إِلى هؤلاء.
وقال الحاكم الشهيد: هذا يعني السقوط في صدقات الأَموال الظاهرة. وأَمَّا إِذا صادره ظالم، فنوى عند الدفع أَداء الزكاة إِليه فعلى قول طائفةٍ يجوز، والصحيح أَنه لا يجوز، لأَنه ليس لظالم ولايةُ أَخْذِ زكاةِ الأَموال الباطنة. والله تعالى أَعلم.
فصلٌ في مَصْرِفِ الزكاةِ
والأَصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ للفُقَرَاءِ والمَسَاكِينَ والعَامِلِينَ عَلَيْها والمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وفي الرِّقاب والغَارِمينَ وفي سبيل اللهِ وابنِ السَّبِيلِ﴾ (^٥)، فذكر تعالى ثمانية أَصناف، وقد سقط منها «المؤلّفة قلوبهم»، لما روى ابن أَبي شيبة عن عامر الشَّعْبي أَنه قال: «إِنَّمَا كانت المؤلّفة على عَهْدِ رسولِ الله ﷺ فلما وَلِيَ أَبو بكر انقطعت.
_________________
(١) سورة الجن، الآية: (٢٣).
(٢) أي على أهل البلدة.
(٣) الخَلَّة: الحاجة والفقر. مختار الصحاح ص: ٧٩، مادة (خلل).
(٤) في المطبوعة: يفرق، وما أثبتناه من المخطوطة.
(٥) سورة التوبة، الآية: (٦٠).
[ ١ / ٥٢٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
قال الشيخ عبد العزيز: سُقُوطُهم تقريرٌ لما كان زَمَنَ النبيِّ ﷺ من حيثُ المعنى، لأَنَّ الدَّفْعَ إِليهم في ذلك الوقت كان لإِعزاز الإِسلام لكثرة أَهل الكفر، والإِعزاز بعد ذلك في عدم الدفع لكثرة أَهل الإِسلام. انتهى.
وتردّد في سقوطهم مالكٌ والشافعيُّ. والصحيحُ بقاءُ حكمهم إِنْ احتيج إِليهم. وهم كانوا ثلاثة أَقسام: قسم كفار كان ﷺ يعطيهم ليتألفهم على الإسلام، وقسم كان يعطيهم لدفع شرّهم، وقسم أَسلموا وفيهم ضعفٌ في الإِسلام فكان يتأَلفهم ليثبتوا.
لا يُقَال كيف يجوز صرف الصدقات إِلى الكفار، لأَنا نقول بإِعطاء النبيِّ ﷺ إِيَّاهم على أَنهم كانوا مخصوصين في زمنه ﷺ من قوله ﷺ لمعاذ: «خُذْها من أَغنياءهم وَرُدَّها في فقرائهم» (^١) .
ثُم روى الطبري (^٢) في «تفسيره» في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ للفُقَرَاءِ﴾ الآيةَ، بإِسناده عن يَحْيَى بن أبي كثير أَنه قال: المؤلّفة مِنْ بني أُمية: أَبو سفيان بن حَرْب، ومِن بني مَخْزُوم: الحارث بن هشام وعبد الرحمن بن يَرْبُوع، ومن بني جُمَح: صفوان بن أُمية، ومن بني عامر بن لُؤي: سُهَيْل بن عمرو، وحُوَيْطب بن عبد العُزَّى، ومن بني أَسد بن عبد العُزَّى: حكيم بن حِزَام، ومن بني هاشم: أَبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ومن بني فَزَارة: عُيَيْنَة بن حِصْن، ومن بني تميم: الأَقْرَع بن الحابِس، ومن بني النصر: مالك بن عوف، ومن بني سُلَيم: العباس بن مِرْدَاس، ومن بني ثَقِيف: العلاء بن حارثة، أَعْطَى النبيُّ ﷺ كُلَّ رجلٍ منهم مئةَ ناقةٍ إِلا عبد الرحمن بن يَرْبُوعٍ وحُوَيطب بن عبد العُزَّى، فإِنه أَعْطَى كل رجل منهم خمسين.
وأَسند أَيضًا: «قال عمر بن الخطاب حين جاءه عيينة بن حِصْن: ﴿الحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ ومَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (^٣)، يعني ليس اليوم مؤلفة». وقيل: «جاء عيينة والأَقرع إِلى أَبي بكر الصدّيق يطلبان أَرضًا، فكتب لهما الخَطَّ (^٤)، فمرَّا بعمر فَمَزَّقَهُ وقال: هذا شيءٌ كان رسول الله ﷺ يعطيكموه ليتأَلَّفكم به على الإِسلام، والآن
_________________
(١) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه (فتح الباري) ٣/ ٣٥٧، كتاب الزكاة (٢٤)، باب أخذ الصدقة من الأغنياء (٦٣)، رقم (١٤٩٦).
(٢) حُرِّفت في المطبوع إلى: الطبراني، والمثبت من المخطوط وهو الصواب. انظر "تفسير الطبري" ١٠/ ١١١.
(٣) سورة الكهف، الآية: (٢٩).
(٤) الخط: موضع باليمامة. مختار الصحاح ص ٧٦، مادة (خط).
[ ١ / ٥٣٠ ]
مَصْرِفُ الزَّكَاةِ الفَقِيرُ: أَي مَنْ لَهُ مَا دُونَ النِّصَابِ،
===
قد أَعَزَّ اللهُ الإِسلام وأَغنى عنكم، فإِن ثبتم على الإِسلام وإِلاَّ فبيننا وبينكم السيف، فرجعوا إِلى أَبي بكر فقالوا: الخليفةُ أَنْت أَمْ عُمَرُ؟ فقال: هو إِنْ شاء. ووافقه ولم يُنكر أَحَدٌ من الصحابة ذلك مع ما يتبادر منه من كونه سببًا لإِثارة النائرة (^١)، أَوْ ارتداد بعض المسلمين. فلولا اتفاق عقائدهم على حقيته، وأَنَّ مفسدة مخالفته أَكثر من المفسدة المتوقعة لبادروا إِلى إِنكاره.
ثم اختلف كلام القوم في وجه سقوطهم بعد النبيِّ ﷺ مع ثبوته بالكتاب إِلى حينِ وفاته ﵊: فمنهم مَنْ ارتكب جواز نَسْخ الكتاب بالإِجماع، بناءً على أَنه حجَّةٌ قطعيةٌ كالكتاب، وليس بالصحيح من المذهب. ومنهم مَنْ قال: هو من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علّته، كانتهاء صوم رمضان بانتهائه. واعْتُرِض بأَن الحكم في البقاء لا يحتاج إِلى علة، كما في الرِّقِّ، والرَّمَل (^٢) والاضطِبَاع (^٣) في الطواف. والجواب: أَنْ الشارع حَكَمَ ببقائه ثَمَّةَ بعد زوال السبب لِحَقِّ العبد في الرِّقِّ، والذُّل (^٤) بقاء في ضِمْنِهِ، ولحكمة لائحة في الأَخيرين ولا ذل فيهما، ولا يُحْكمُ ههنا ببقائه بعد زوال السبب، فلو أُعطوا منها بعده لزِم ذل الإِسلام وإِنَّه لا يجوز، فكان من قبيل انتهاء الشيء بانتهاء علَّته، فلا جَرَم أَجْمَعَ الصحابة على قطعه، إِذْ لا نَسْخَ بعده ﵊.
(مَصْرِفُ الزَّكَاةِ) وكذا العُشْر، وما أَخَذَ العاشِر من تجار المسلمين (الفَقِيرُ: أَي مَنْ لَهُ مَا دُونَ النِّصَابِ) وفي «الهداية» وغيرها: الفقير مَنْ له أَدنى شيءٍ.
وكان المصنف أَخذ ما فسر به الفقير، من قولهم بجواز دَفْعِ الزكاة إِلى مَنْ يملك دون النصاب، وقد صَرَّح به في «الخُلاصة»، وأَيضًا ما في «الهداية» وغيرها مُبْهَم يحتاج إِلى هذا التبيين. وفي معناه مَنْ له قَدْر نصاب غير نامٍ وهو مُسْتَغْرَقٌ في الحاجة.
وفي «المحيط»: لا يَحِلُّ للفقير أَنْ يأْخذ من مالِ غَنِيَ - لا يُزَكِّي - بغير علمه، فإِنْ أَخذ كان لِلْغَنيِّ أَنْ يستردَّ إِنْ كان قائمًا، ويضمن إِنْ كان هَالِكًا، لأَنَّ الحق ليس
_________________
(١) النَّائرة: العداوة والشَّحْناء. مختار الصحاح ص ٢٨٥، مادة (نور).
(٢) الرَّمَل: المشي السّريع مع هَزِّ الكتفين. معجم لغة الفقهاء ص: ٢٢٧.
(٣) الاضْطِباع بالرداء: يكون بإِخراجه من تحت الإِبط الأَيمن، وإِلقائه على المنكب الأيسر. معجم لغة الفقهاء، ص: ٧٣.
(٤) في المطبوعة: للذل، ما أثبتناه من المخطوطة.
[ ١ / ٥٣١ ]
والمِسْكِينُ: أَي مَنْ لا شَيءَ لَهُ، وعَامِلُ الصَّدَقَةِ، فَيُعْطَى بِقَدْرِ عَمَلِهِ،
===
لهذا الفقير بعينه. ولو كان الفقير مُكْتَسِبًا قويًا تَحِلُّ له الصدقةُ، ولا يَحِلُّ له السؤال.
(والمِسْكِينُ: أَي مَنْ لا شَيءَ لَهُ) فيكون أَسوأ حالًا من الفقير، وهو قول عامة السلف. وعن أَبي حنيفة - وهو قول الشافعي - أَنَّ الفقير أَسوء حالًا من المِسكين، لقوله تعالى: ﴿أَمَّا السفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ (^١)، ووجه الأَول قوله تعالى: ﴿فإِطْعَامُ ستينَ مِسْكِينًا﴾ (^٢)، فإِنَّه لا فَاقَةَ أَحوج من الحاجة إِلى الطعام، ويؤيده قوله تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (^٣) وذِكْرُ المساكين في الآية الأُولى جاز أَنْ يكون لِلتَّرَحُّم، أَوْ يُقال: لام ﴿لِمَسَاكِيَن﴾ للاختصاص لا للملك، فإنها (^٤) - أي (^٥) السفينة - كانت للعمل، وهم كانوا خَدَمَة السفينة.
وقيل: إِنها كانت عارِيَّةً عندهم، ثُم عن أَبي يوسف أَنهما صِنْفٌ واحدٌ إِذْ يُعَبَّرُ عن كُلَ بالآخَر. وقال أَبو حنيفة: صنفان، وهو الصحيح كما قال فَخْرُ الإِسلام، لأَنَّ عطف أَحدهما على الآخر يقتضي المغايرة بينهما، فلو قال: ثلث مالي لفلان وللفقراء والمساكين، على قول أَبي يوسف لفلان نصفه، وعلى قول أَبي حنيفة ثلثه.
(وعَامِلُ الصَّدَقَةِ) وهو مَنْ يبعثه الإِمام لجبايتها (فَيُعْطَى بِقَدْرِ عَمَلِهِ) أَي ما يكفيه وأَعوانه ذهابًا وإِيابًا، لأَنه فرَّغ نفسه لِعَمَلٍ من أُمور المسلمين فيستحق الكفاية، كالمقاتلة والقضاة. وليس ما يأْخذُه أَجرةً، لأَنها لا تكون إِلاَّ على عَمَلٍ مَعْلُومٍ، ومُدةٍ معينةٍ، ولا صدقةً، لأَنه يأْخذ وإِنْ كان غنيًا. ويَحِلُّ به العَمَالة (^٦) بالإِجماع، لكن فيه شبهةُ الصدقة، فلم يجز أَخذها للعامل الهاشمي صيانةً لقَرابةِ رسول الله ﷺ عن أَوساخ الناس، وهذا عندنا خلافًا للشافعي.
وفي «شرح الكنز»: لو استغرقت كفايةُ العامل الزكاةَ لا يزاد على نصفها، لأَن الأَنصاف غايةُ الإِنصاف، ولو حُمِلت الزكاةُ إِلى الإِمام لم يستحق هو شيئًا إِذا كان غنيًا.
_________________
(١) سورة الكهف، الآية: (٧٩).
(٢) سورى المجادلة، الآية: (٤).
(٣) سورة البلد، الآية: (١٦) المَتْرَبَة: المَسْكَنةُ والفاقةُ، ومِسْكين ذو مَتْرَبَة: أي لاصقٌ بالتراب. مختار الصحاح ص: ٣٢، مادة (ترب).
(٤) في المطبوعة: فإِن، وما أثبتناه من المخطوطة.
(٥) سقط من المطبوعة.
(٦) العَمَالة: أجرة العامل أو رزقه. معجم لغة الفقهاء ص ٣٢١.
[ ١ / ٥٣٢ ]
والمُكاتَبُ فَيُعَانُ عَلى فَكِّ رَقَبَتِهِ، ومَدْيُونٌ لا يَمْلِكُ نِصَابًا فاضلًا عن دَيْنِهِ، وفي سَبِيلِ اللَّهِ: أَي مُنْقَطِعِ الغُزاةِ عِنْدَ أَبي يُوسُفَ، ومُنْقَطِعِ الحَاجِّ عِنْدَ مُحَمّدٍ،
===
(والمُكَاتَبُ فَيُعَانُ عَلى فَكِّ رَقَبَتِهِ) غنيًا كان مولاه أَوْ فقيرًا، بشرط أَنْ لا يكون المُكَاتَبُ مُكَاتَبَ المُزَكّي ولا مكاتَبَ الهاشمي، لما روى الطبري في «تفسيره» عن الحسن البَصْرِي، والزُّهْرِي، وعبد الرحمن بن زيد (^١) بن أَسْلم أَنَّهُمْ قالوا: ﴿وفي الرِّقَابِ﴾ هم المُكَاتَبُونَ، ولأَنَّ التمليك لا بد منه في الزكاة، ولا يتصور من القِنِّ وقال مالك: يبتاع رقبةً فيعتق، فيكون الولاء على مذهبه لجماعة المسلمين دون المُعْتِقِ.
(ومَدْيُونٌ لا يَمْلِكُ نِصَابًا فاضلًا عن دَيْنِهِ) أَوْ يملكه، ولكنه عند الناس، ولا يتمكن من أَخْذهِ منهم كما مَرَّ (^٢) في مال الضِّمَار. وتوضيحه: أَنَّ مقدار الدين مِنْ مَالِهِ مستحق لحاجَتِهِ الأَصْلِيةِ فَجُعِلَ كالمَعْدُوم، وما وراء ذلك لا يبلغ مئتي درهم فلا يؤثر في حرمان الصدقة. فقال الشافعي: الغَارِمُ أَيضًا مَنْ تَحَمَّلَ غرامةً لإِصلاح ذاتِ البين وإِطفاء العداوة بين القبيلتين.
(وفي سَبِيلِ اللَّهِ: أَي مُنْقَطِعِ الغُزاةِ) أَي فقيرهم المنقطع بهم (^٣) (عِنْدَ أَبي يُوسُفَ) لأَنه المفهوم مِنْ إِطلاق هذا اللفظ، فينصرف إِليه لا غير. يؤيده ما في البخاري أَنه ﵊ قال: «إِنَّ خالدًا احْتَبَسَ (^٤) أَدْرَاعَه في سبيل الله»، ولا شك أَنَّ الدرع لِلغَزْو لا للحج.
(ومُنْقَطِعِ الحَاجِّ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) يعني كذلك، لأَنه في معناه، وكأَنَّه أَراد بالحاج ما يعم الحج الأَكبر والأَصغر: وهو العمرة، لِمَا روى أَبو داود في «سُنَنِه» عن أُمِّ مَعْقِل قالت: يا رسول الله إِنَّ عليَّ حجّة ولأَبي مَعْقِل بَكْرًا (^٥)، قال أَبو مَعْقِل: جعلتُه في سبيلِ الله، فقال رسولُ الله ﷺ «أَعْطِها فَلْتُحج عليه، فإِنَّه في سبيلِ الله، فأَعطاها البَكْر». ولما في البخاري عن أَبي لاسٍ الخُزَاعي أَنه قال: «حَمَلَنا النبيُّ ﷺ على إِبِل الصَّدَقَةِ للحَجِّ».
ورَوى الحاكم في «المستدرك» من طريق أَحمد بن حنبل - وقال: صحيح على
_________________
(١) في المطبوعة: يزيد، وما أثبتناه من المخطوطة وهو الصواب.
(٢) سقط من المطبوعة.
(٣) سقط في المطبوعة.
(٤) في المطبوعة: حَبَس، وما أثبتناه من المخطوطة.
(٥) البَكْر: الفتيُّ من الغنم، والأُنثى بَكْرة. النهاية: ١/ ١٤٩، بتصرف.
[ ١ / ٥٣٣ ]
وابْنُ السَّبِيل: أي مَنْ لَهُ مَالٌ لا مَعَهُ.
===
شرط مسلم - عن أَبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: أَرسل مروان إِلى أُمِّ مَعْقِلٍ يسأَلها عن هذا الحديث، فحدثت أَنَّ زوجها جعل بَكْرًا في سبيل الله، وأَنها أَرادت العُمرة فَسَأَلَتْ زَوْجَها البَكْرَ، فأَبى عليها، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فأَمره أَنْ يعطيها فقال: «إِنَّ الحج والعُمرة لَمِنْ سبيلِ الله».
وفي البخاري عن ابن عباس أَنه قال: يعتق الرجل من زكاة ماله ويعطي في الحج. والشاهد في الفِقرة الثانية، أَما الأُولى فليس بالمذهب، وكأَنه مُختارُ ابن عباس. وقد منع علماؤنا والشافعي شراء قريبه بالزكاة ليعتق لأَجلها، لأَن الإِعتاق إِسقاطٌ لا تمليك، ولا بد منه (^١) فيها. وجَوَّزه مالك لإِطلاق الرّقاب. قلنا: المراد به المعاونة على أَداء بدل الكِتَابة لِمَا قَدَّمنا.
هذا، ولا يَدفعُ الزكاة إِلى أَغنياء الغزاة والحجاج كما يفهم من قيد الانقطاع. وجوز مالك والشافعي دفعَها إِلى أَغنياء الغزاة لما في «سُنن أَبي داود» و«ابن ماجه» عن أَبي سعيد الخُدْري قال: قال رسولُ الله ﷺ «لا تَحِلُّ الصدقة لغنيَ إِلاَّ لِخَمسةٍ: العامل عليها، ورجل اشتراها بماله، أَوْ غارم، أَوْ غازٍ في سبيل الله، أَوْ مِسْكِين تُصُدِّقَ بها عليه فأَهداها لِغني».
ولنا ما في أَبي داود والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أَنَّ رسولُ الله ﷺ قال: «لا تَحِلُّ الصدقة لِغنيَ ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِي (^٢)». رواه الحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، إِلاَّ أَنَّ الاستثناء في الحديث الأَول يمنعُ من الاحتجاج بعموم الثاني، لاستلزامه التعارضَ بينهما، وهو خِلاف الأَصل كما عُرِفَ في محله.
(وابْنُ السَّبِيل: أي مَنْ لَهُ مَالٌ لا مَعَهُ) بأَن كان مالُه في بلدٍ آخر. وفي معناه: مَنْ يكون في البلد الذي هو فيه ولكنه غائبٌ عن مالِهِ، لأَنَّ الحاجة هي المعتبرة وقد وجدت، لكونه فقيرًا يدًا وإِنْ كان غنيًا ظاهرًا، فيأخذ من الصدقة بِقَدْرِ حاجته. ولا يجوز له أَنْ يَأْخُذ أَكثر منها، والأَوْلى أَنْ يَسْتَقرض إِنْ قَدَرَ، ولا يلزمه ذلك لاحتمال عجزه عن الأَداء. ولو فضل في يده شيءٌ من الصدقة عند قدرته على ماله لا يلزم أَنْ يتصدق به كالفقير إِذا استغنى، والمُكَاتَب إِذا عجز، لأَنها وقعت في مَصْرِفِها عند
_________________
(١) أي التمليك.
(٢) المِرَّة: القُوَّة والشِّدَّة. والسَّوِي: الصحيحُ الأَعضاء. النهاية: ٤/ ٣١٦.
[ ١ / ٥٣٤ ]
فَيُصرَفُ إِلى الكُلِّ أَوْ البَعْضِ
===
الأَخذ.
(فَيُصْرَفُ إِلى الكُلِّ) أَي كل الأَصناف المذكورة (أَوْ البَعْضِ) ولو كان شخصًا واحدًا منهم، روى ذلك الطَّبَرِي (^١) في «تفسيره» عن ابن عباس، وعُمر، وحذيفة، وسعيد بن جُبَيْر، وعطاء بن أَبي رباح، وإِبراهيم النَّخَعِي وأَبي العالية، وميمون بن مهران، فلفظ ابن عباس: «في أَيِّ صِنْفٍ وَضَعْتَه أَجْزَأَك». ولفظ عمر: «أَيُّمَا صِنْفٍ أَعطيت من هذا أَجزأَ عنك». ولفظ حذيفة: «إِذا وَضَعْتَها في صِنْفٍ واحدٍ أَجزأَك».
قيل: ولم يُرْو عن غيرهم ما يُخَالفهم قولًا ولا فعلًا، ولم يُرْو عن غيرهم من الصحابة خلاف ذلك فيكون إِجماعًا. وهو قول مالك وأَحمد، ولقوله ﷺ لِمُعَاذ: «فأَعْلِمْهُم أَنَّ الله افتَرَضَ عليهم صدقةً في أَموالِهِم: تُؤخَذُ مِنْ أَغنيائهم فَتُرَدّ في فُقَرَائِهِم» (^٢) . ولأَنه ﷺ أَمَرَ لِسَلَمَةَ بن صخر البَيَاضي بصدقةِ قومه.
ولِمَا رَوى القاسم بنُ سَلاَّم: أَنَّ النبيَّ ﷺ أَتاه مال بعد ذلك، فجعل محله في صنفٍ واحدٍ، وهم المؤلّفة قلوبهم: الأَقْرَع بن حابس، وعُيَيْنَة بن حِصْن (^٣)، وعلقمة بن عُلاثة (^٤)، وزيد الخيل، قسم فيهم ذُهيبة بعث بها معاذ من اليمن، وإِنَّما يؤخذ من أَهل اليمن الصدقة، ثُم أَتاه مالٌ آخَرُ فجعله في صِنْفٍ واحدٍ وهم الغارمون، فقال لِقَبِيصَة بن المُخَارِق - حين أَتاه وقد تحمَّل حَمَالة ـ: «يا قَبيصةُ أَقِمْ حتى تأْتينا الصدقة فنأْمر لك بها».
وأَوجبَ الشافعي أَنْ يُقسم على ثلاثة من كل صنف منهم، لأَن الإِضافة بحرف اللام إِنْ لم تُوجِب حقيقةَ المِلْك فلا أَقَلَّ من أَنْ تُوجِبَ الاستحقاق، ولهذا لو أَوْصَى بثُلث ماله لهؤلاء الأَصناف لم يَجُز حِرمانُ بَعْضِهِم، وقد ذُكِر كُلُّ صِنْفٍ بلفظ الجمع، فَوَجب أَنْ يُصْرف اإلى ثلاثة مِنْ كل صنف وإِنْ كان مُحَلَّىً باللام، لأَن الجنس هنا لا يمكن فيه الاستغراق فتبقى الجمعية على حالها.
ولنا: أَنَّ حقيقة اللام للاختصاص الذي هو المعنى الكلّي الثابت في ضمن
_________________
(١) حُرِّفَتْ في المطبوعة إلى: الطبراني، وما أثبتناه من المخطوطة وهو الصواب.
(٢) تقدم تخريجه ص: ٥٣٠، تعليق رقم (١).
(٣) في المطبوعة: حصين، والصواب ما أثبتناه من المخطوطة و"الإصابة" ٤/ ٢٦٤.
(٤) في المطبوعة: علاية، والصواب ما أثبتناه من المخطوطة و"الإصابة" ٤/ ٢٦٤.
[ ١ / ٥٣٥ ]
تَمْلِيكًا، لا إِلى مَنْ بَيْنَهُمَا وِلادٌ أَو زَوْجِيَّةٌ،
===
الخصوصيات من الملك والاستحقاق، وقد يكون مُجرّدًا، فحاصل التركيب: إِضافة الصدقات - العامُّ الشاملُ لِكُلِّ صدقةِ متصدِّقٍ - إِلى الأَصناف - العام كل منها الشامل لكل فردٍ فردٍ، بمعنى أَنهم أَجمعين أَخصُّ بها كُلِّها، وهذا لا يقتضي أَنْ تكون كل صدقة منقسمة على أَفراد كُلِّ صِنفٍ، بل يقتضي أَنَّ الصدقات كُلَّهَا للجميع أَعم من أَنْ تكون كل صدقةٍ صدقةٍ لكل فردٍ فردٍ إِنْ أَمكن، أَوْ كل صدقة جزئية لطائفة، أَوْ لواحدٍ، ومما يدل على صحّة ما قلنا الأَحاديثُ التي قدمنا. (^١)
(تَمْلِيكًا) لأَن الإِيتاء في قوله: ﴿وآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^٢) يقتضي التمليك، فلو بنى مسجدًا، أَوْ قنطرةً، أَوْ سقايةً، أَوْ أَحَجَّ إِنسانًا، أَوْ كَفَّنَ ميتًا لا يُجزِئه، لانعدام التمليك.
وفي «الخانية»: لو أَطعم يتيمًا، أَوْ كساه من زكاته بالتسليم إِليه جاز إِنْ كان مُرَاهِقًا أَوْ يعقل القبض، وإِنْ كان صغيرًا لا يَجُوز، كما لو وضعها على مكان فأَخذَها فقير. وفي «المحيط»: ولو قضى بها دَيْنَ حيَ بأَمره جاز، ويكون القابضُ كالوكيل بالقبض عنه.
(لا إِلى مَنْ بَيْنَهُمَا وِلادٌ) أَي لا يَصْرِفُ المُزَكِّي زكاته إِلى مَنْ بينه وبينه موالدة: فلا يَصْرِف إِلى أَصْلٍ من أُصوله وإِنْ علا، ذكرًا كان كالأَب والجد أَوْ أُنْثَى كالأم والجدة، ولا إِلى فَرْعٍ من فروعه وهم: الابن والبنت وأَولادهم وإِنْ سفل، ذكرًا كان أَوْ أُنثى، لأَن المنافع في الأَملاك بينهما متصلةٌ عادةً باعتبار الجزئية والبعضية، ولهذا لا تُقْبَلُ الشهادة فيما بينهم، فلا يتحقق التمليك على الكمال.
(أَوْ زَوْجِيَّةٌ) فلا يدفع الرجل زكاته إِلى امرأَته باتفاق. ولا تدفع المرأَة زكاتها إِلى زوجها عند أَبي حنيفة للاشتراك بينهما في المنافع عادةً.
وقال أَبو يوسف ومحمد: تدفع، لما روى الجماعة إِلاَّ أَبا داود عن زينب امرأَة عبد الله بن مسعود ﵁ قالت: قال رسول الله ﷺ «يا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ ولو مِنْ حُلِيِّكُن، قالت: فرجعت إِلى عبد الله فقلت: إِنك رجلٌ خفيفُ ذاتِ اليد (^٣)، وإِنَّ رسول الله ﷺ قد أَمرنا بالصدقة، فأْته فاسأَله، فإِن كان ذلك يُجْزِاء عني دَفَعْتُها إِليك، وإِلاَّ صرفتُها إِلى غيركم؟ قالت: فقال عبد الله: بل ائتيه أَنْتِ. قالت: انطلقت
_________________
(١) نقل المؤلف هنا كلام ابن الهمام بشيء من الاختصار، فمن شاء التفصيل فلينظر "فتح القدير" ٢/ ٢٠٦.
(٢) سورة البقرة، الآية: (٤٣).
(٣) خَفيفُ ذاتِ اليد: أَي فقير قليل المال والحظّ من الدنيا. النهاية: ٢/ ٥٤.
[ ١ / ٥٣٦ ]
ولا إِلى مَمْلُوكِهِ، ولا عَبْدٍ أَعْتَقَ بَعْضهُ،
===
فإِذا امرأَةٌ من الأَنصار جاءت (^١) رسولَ الله ﷺ حَاجَتُها حاجتي، قالت: وكان رسول الله ﷺ قد أُلقي عليه المهابة، قالت: فخرج علينا بلالٌ فقلنا له: أَخبر رسول الله ﷺ أَنَّ امرأَتين بالباب تسأَلانِك: أَتُجزِاءُ الصدقة عنهما على أَزواجهما، وعلى أَيتام في حجورهما؟ ولا تخبره مَنْ نحن. قالت: فدخل بلالٌ فسأَله، فقال رسول الله ﷺ «مَنْ هما؟ قال: امرأَة من الأَنصار وزينب، قال: أَيُّ الزيانب»؟ فقال: امرأَة عبد الله بن مسعود، فقال رسول الله ﷺ «لهما أَجران: أَجْر القَرَابة، وأَجر الصدقة».
وأُجيب عنه بأَنها كانت صدقةَ تَطَوّعٍ. قلنا: الحديث محمول على التطوع، بدليلِ ما رواه البَزَّار (^٢) في «مسْنَدِهِ» عن أَبي سعيدٍ قال: خرج رسول الله ﷺ في أَضحى أَوْ فطر، ثُم انصرف فوعظ الناس وأَمرهم بالصدقة، ثُم مَرَّ على النِّساء فقال لهن: «تصدقنّ». فلما انصرف وصار إِلى منزله، جاءته زينبُ امرأَة عبد الله بن مسعود فاستأذنت عليه فأَذن لها، فقالت: يا نبي اللهاِ إِنَّك اليوم أَمَرْتَنَا بالصدقةِ وعندي حُلِي لي، فأَردتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ به، فزعم ابنُ مسعود أَنه هو وولدهُ أَحقُّ مَنْ أَتصدق به عليهم. فقال رسولُ الله ﷺ «صدق ابن مسعود، زَوْجُكِ وولدُك احق مَنْ تصدّقت به عليهم».
وما رواه الطحاوي أَنها قالت لرسول الله ﷺ إِنِّي امرأَةٌ ذاتُ صَنْعَة أَبيعُ منها، وليس لزوجي ولا ولدي شيءٌ فشغلوني فلا أَتصدق، فهل لي فيهم أَجر؟ فقال ﷺ «لك في ذلك أَجران: أَجْرُ الصدقة، وأَجْرُ الصِّلَة». ومعلومٌ أَنَّ الصدقة الواجبة لا تدفع إِلى الولد بالاتفاق.
(ولا إِلى مَمْلُوكِهِ) أَي مملوك نفسه، سواءٌ كان قِنًَّا، أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُم ولد، لأَن كسبهم للسيد، أَوْ مُكَاتَبًا
، لأَن للسيد حقًا في كسبه، فلا يتم التمليك.
(ولا) إِلى (عَبْدٍ أَعْتَقَ بَعْضَهُ) وهذا عند أَبي حنيفة، لأَنَّ عنده مُعْتَقَ البَعْض تجب عليه السِّعَايةُ (^٣) في البعض الذي لم يُعتَق، فلا يدفعُ مولاه الزكاةَ إِليه، كما لا يدفعها إِلى مُكاتَبِه. وأَمَّا عندهما إِذا أَعْتَقَ بعض عبده عَتَقَ جَميعُه، فيدفع مولاه الزكاة إِليه، لأَنَّه حينئذٍ ليس بمملوكه.
_________________
(١) في المخطوطة: بباب.
(٢) وفى المطبوعة: الترمذي، والصواب ما أثبتناه لموافقته ما في فتح القدير ٢/ ٢٧١.
(٣) السِّعَاية: تكليف العبد بعمل يفي به ما ترتب من مال. معجم لغة الفقهاء. ص ٢٤٤.
[ ١ / ٥٣٧ ]
ولا إِلى غَنِيٍّ،
===
(ولا إِلى غَنِيَ) لما رواه أَبو داود، والنسائي والترمذي وحسنه، عن أَبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إِنَّ الصدقة لا تحِلّ لغني، ولا لذي مِرَّةٍ سَوِي - أَي صحيح البدن ـ». والمِرَّة: بكسر الميم وتشديد الراء: القوة، ومنه قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ﴾ (^١) .
وفي «المحيط»: إِنَّ الغِنَى ثلاثة أَنواع: غِنَى يُوجِبُ الزكاة وهو مِلْك نصاب حولي نامٍ (^٢)، وغِنَى يُحَرِّم الصدقة - أَي أَخذَها - ويوجب صدقة الفطر والأُضحية: وهو ملك ما يبلغ قيمة نصاب من الأَموال الفاضلة عن حاجته الأَصلية، وغِنىً يُحَرِّم السؤال دون الصدقة: وهو أَنْ يكون له قوتُ يومه وما يستر عورته. انتهى. وكذا مَنْ قَدِرَ على تحصيل قوت يومه بِكَسْبه وهو المراد بقوله: «ذي مِرَّةٍ سَوِيَ».
والحاصل: أَنه يحرم سؤال من له قوتُ يومه، وله ما يَقِيه من حرِّه وبرده، لقوله ﵊: «ما يزال الرجلُ يسأَلُ النَّاسَ حتى يأْتي (يوم القيامة) (^٣) ليس في وجهه مزْعَةُ لحم (^٤)». متفق عليه. وقوله ﵊: «مَنْ سأَل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسأَلته في وجهه خموشٌ، أَوْ خدوش، أَوْ كُدُوح (^٥)»، قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: «خَمسونَ دِرْهمًا أَوْ قيمتُها من الذهب». رواه أَصحاب السُّنن. وفي رواية: «وما الغِنَى الذي لا تنبغي معه المسأَلة؟ قال: «قَدْر ما يغديه ويعشيه». وفي رواية: «أَنْ يكون له شِبَع يوم وليلة».
وأَمَّا ما أَخَذَهُ مِنْ غير مسأَلة فلا يَحْرُم، لقول عمر: كان النبيُّ ﷺ يعطيني العطاء، فَأَقول: أَعطه أَفْقَرَ إِليه مِنِّي، فقال: خذه فَتَمَوَّلْه (^٦) وتصدّق به، فما جاءك مِنْ هذا المال وأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ (^٧) ولا سائل فخذه، وما لا فلا تُتْبِعْهُ نَفْسَك»، متفق عليه.
_________________
(١) سورة النجم، الآية: (٦).
(٢) وفي المخطوطة: تام.
(٣) سقط من المطبوعة.
(٤) مُزْعَة: أي قطعةٌ يسيرةٌ من اللحم. النهاية: ٤/ ٣٢٥.
(٥) الكُدُوح: الخُدُوش، وكُلُّ أثَرٍ من خَدْش أَو عَضٍّ فهو كَدْح. النهاية: ٤/ ١٥٥.
(٦) حُرِّفت في المطبوع إلى: فتحوله، وما أثبتناه من المخطوطة، وهو موافق لما في فتح الباري ٣/ ٣٣٧، كتاب الزكاة (٢٤)، باب من أعطاه الله شيئًا من غير مسألة … (٥١)، في سياق شرح الحديث رقم (١٤٧٣).
(٧) الإِشْراف: التعرض للشيء والحرص عليه، من قولهم أَشرف على كذا إِذا تطاول له، وقيل للمكان المرتفع شرفٌ لذلك. فتح الباري ٣/ ٣٣٧.
[ ١ / ٥٣٨ ]
ولا إِلى مَمْلُوكِهِ، ولا إِلى طِفْلِهِ، ولا إِلى بَنِي هَاشِمٍ
===
وقيل: لا تَحِلُّ الزكاة لصحيح البدن لما تقدم، والله تعالى أَعلم.
(ولا إِلى مَمْلُوكِهِ) أَي مملوكِ الغَنِيِّ، لأَن كَسْبه لمولاه، ويستثنى من ذلك المُكَاتَبُ على ما قدمناه. وفي «الذخيرة»: لو كان عبدُ الغَنِيِّ زَمِنًا (^١) لا يجد شيئًا ولم يكن في عيالِ مولاه، أَوْ كان غائبًا مولاه، يجوز الدفع إِليه.
(ولا إِلى طِفْلِهِ) أَي طفل الغَنِي، سواء كان ذكرًا أَوْ أُنْثَى، في عيال الأَب أَوْ ليس في عياله، لأَنه يعد غنيًا بمال أَبيه. واحتُرِز بالطفل عن الولد الكبير إِذا كان فقيرًا، فإِنه يجوز الدفع إِليه وإِنْ كان أَبوه ينفق عليه، لأَنه لا يعد غنيًا بِغِنَى أَبيه.
(ولا إِلى بَنِي هَاشِمٍ) وهم: بَنُو الحارث، والعباس ابنا عبد المطلب - جَدّ النبي ﷺ وبَنُو عليّ، وجعفر، وعَقِيل - أَولاد أَبي طالب عمّ النبيِّ ﷺ، لا بَنُو أَبي لهب، لأَن حُرمة الصدقة أَولًا في الآباء إِكرامًا لهم، ثُم سَرَت إِلى الأَبناء، ولا إِكرام لأَبي لهب.
وفي «المحيط»: ويجوز صَرْفُ صدقات الأَوقاف والتطوعات إِليهم - أَي إِلى بني هاشم - إِذا سُمّوا في الوقف. رُوي ذلك عن أَبي يوسف، ومحمد في «النَّوَادِر». وإِنما لا تدفع الزكاة إِليهم لأَن الفَرْض مُطَهِّر فيتدنسُ المُؤَدَّى، كالماء المستعمل (^٢)، فَنُزِّه الهاشمِيُّ عنه كرامةً له، ولقوله ﵊: «نحن أَهل البيت لا تَحِلُّ لنا الصدقات». رواه البخاري. وقوله ﵊: «إِنَّ هذه الصدقاتِ إِنَّما هي أَوساخ الناس، لا تَحِلُّ لمحمدٍ ولا آل محمد». رواه مسلم. وفيه قصةٌ طويلة، رواه الطبراني، وفي آخِرِها: فقال لهما: «إِنه لا يحل لكم أَهلَ البيت من الصدقات شيء، إِنَّما هي غُسَالة الأَيدي، وإِن لكم في خُمْسِ الخُمْسِ ما يغنيكم».
وأَمَّا قول صاحب «الهداية»: لقوله ﵊: «يا بني هاشم، إِنَّ الله حرّم عليكم غُسَالة أَيدي الناس، وأَوساخهم، وعوَّضكم منها بِخُمْس الخُمْس». فَغَيْرُ مَعروفٍ بهذا اللفظ. قال الطحاوي: وعن أَبي حنيفة أَنَّ الصدقاتِ كُلَّها جائزة على بني هاشم، والحرمةُ كانت في عهده ﵊، لِوُصُولِ خُمْسِ الخُمْسِ إِليهم، فلما سَقَط ذلك بموته ﷺ حَلَّت لهم الصدقة، قال: وبه نأخذ. وعن أَبي حنيفة رحمه
_________________
(١) الزَّمِن: المُبْتَلى بعاهةٍ قديمةٍ. معجم لغة الفقهاء ص: ٢٣٤.
(٢) حيث إنه أُدِّي به الفَرْض، أي رفع به الحدث لأجل الصلاة، فيدنَّس، أي لا يجوز أن يستعمل في رَفْع الحدث المطبوعة.
[ ١ / ٥٣٩ ]
وإِلى مَوَالِيهِم وإِلى ذِمِّي. وجَازَ غَيْرُهَا إِليه.
===
الله جواز دَفْعِ الهاشمي زكاتَه للهاشمي.
(و) لا (إِلى مَوَالِيهِم) أَي مُعْتَقِي بني هاشم، لما روى أَبو داود، والترمذي والنَّسائي عن ابن أَبي رافع مولى رسول الله ﷺ عن أَبيه: أَنَّ رسولَ الله ﷺ بَعَثَ رجلًا من بني مَخْزوم على الصدقةِ، فقال لأَبي رافع: اصحبني، فإِنَّك تُصِيبُ منها، قال: حتى آتي النبيَّ ﷺ فأَسأَله، فأَتاه فسأَله، فقال رسُول الله ﷺ «مَوْلى القوم مِنْ أَنْفسِهِم، وإِنَّا لا تَحِلُّ لنا الصدقة». وفي رواية الجماعة، وصححه الترمذي: «إِنَّ الصدقة لا تَحِل لنا، وإِنَّ مولى القوم مِنْ أَنْفُسِهِم».
(و) لا (إِلى ذِمِّي) لما في الكتب الستة من حديث ابن عباس: أَنَّ رسول الله ﷺ بَعَثَ مُعَاذًا إِلى اليمن فقال: «إِنَّك تأْتي قومًا أَهلَ كتابٍ، فادعهم إِلى شهادةِ أَنْ لا إِله إِلا الله وأَني رسولُ الله، فإِنْ هم أَطاعوك لذلك فأَعْلِمْهُم أَنَّ الله فَرَض عليهم خَمْسَ صلواتٍ في كُلِّ يَوْمٍ وليلةٍ، فإِنْ هم أَطاعوك لذلك، فأَعلمهم أَنَّ الله افترض عليهم صدقةً في أَموالهم، تُؤخذ من أَغنيائهم وتُرَدُّ على فقرائهم، فإِنْ هم أَطاعوك لذلك فإِيَّاكَ وكَرَائِممَموالِهِم، واتِّق دعوةَ المظلوم، فإِنه ليس بينها وبين اللهاِ حِجَابٌ».
فإِنْ قيل: هذا لا يمنع جواز الصَّرْف إِلى غير المسلمين، قلنا: لَمَّا كان مأمورًا بالصرف اإلى فقرائنا، فلو صرف إِلى غيرهم لكان تاركًا الأَمرَ، فلا يجوز. وأَجَازَهُ زُفَرُ لِعُموم قوله تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُم اللَّهُ عن الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلوكُم في الدِّينِ ولم يُخرجُوكم مِنْ دِيَارِكُم أَنْ تَبَرُّوهُم وتُقْسِطُوا إِلَيْهِم﴾ (^١)، وعموم آية المَصَارف، والتقييدُ زيادةٌ، وهو نَسْخٌ معنوي على ما عُرِف، ولهذا جاز صَرْفُ سائر الصدقات إِليهم إِلاَّ في روايةٍ عن أَبي يوسف بخلاف الحربي المستأمَن، حيث لا يجوز دَفْعُهَا إِليه لقوله سبحانه: ﴿إِنَّما يَنْهَاكُم اللهُ عنِ الذين قَاتَلُوكم في الدِّين﴾ (^٢) … الآيةَ، قلنا: حيثُ خص منها الحربي بما تلونا، جاز تخصيصُ الذِّمي منها بما روينا، وإِنْ سلم أَنه من الآحاد، كيف وقد خرج منها أُصول المزكِّي (^٣) وفروعه وزوجته.
(وجَازَ غَيْرُهَا) أَي غير الزكاة من سائر الصدقات (إِليه) أَي إِلى الذِّمي، سواء كان تطوعًا أَوْ واجبًا، كالكفارة وصدقة الفطر، والنَّذر.
_________________
(١) سورة الممتحنة، الآية: (٨).
(٢) سورة الممتحنة، الآية: (٩).
(٣) في المطبوعة: المولى، وما أثبتناه من المخطوطة.
[ ١ / ٥٤٠ ]
وإِنْ دَفَعَ إِلى مَن ظَنَّهُ مَصْرِفًا فَظَهَرَ أَنه عَبْدُهُ، يُعِيدُها. وإِنْ ظَهَرَ مَوَانِعُ أُخَرُ لا.
===
وقال أَبو يوسف: لا يجوز صرْفُ الواجب إِلى الذِّمي، كما لا يجوز صرْفُ الزكاة إِليه.
ولهما ما روى ابنُ أَبي شيبةَ عن سعيد بن جُبَيْر مُرْسلًا قال: قال رسول الله ﷺ «لا تَصَدَّقُوا إِلاَّ عَلَى (^١) أَهل دينكم، فأَنزل اللَّهُ تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُم﴾ إِلى قوله ﴿وما تُنفِقوا من خير يُوَفَّ إِليكم﴾ (^٢) فقال ﷺ «تصدّقوا على أَهل الأَديان كُلِّها»، وهو بإِطلاقه يتناول الزكاة، لكن خرجت منه بحديث معاذ. ولقائل أَنْ يقول: آية الصدقة هي آية الزكاة وقد خُصَّتْ، وآية المبرّة (^٣) والحديثُ، محمولان على التطوع، وهذه صدقة واجبة فكانت أَنسبَ بالزكاة. ثم لا يُبْنَى منها نحو مسجد، ولا يُكَفن بها ميت، فإِنَّ التمليك شرط.
(وإِنْ دَفَعَ) الزكاة (إِلى مَنْ ظَنَّهُ مَصْرِفًا) لها (فَظَهَرَ أَنَّه عَبْدُهُ) أَوْ مكاتَبُهُ (يُعِيدُها) أَي يُعْطي الزكاة مرةً أُخرى، لانعدام التمليك أَوْ تمامِه.
(وإِنْ ظَهَرَ مَوَانِعُ أُخَرُ لا) أَي لا يعطي الزكاة مرة أُخرى. وقال أَبو يوسف: يعيدها، لأَنه ظهر خطؤه بيقين مع إِمْكانِ الوقوف على الصواب، فصار كما لو توضّأ بماءٍ، أَوْ صَلَّى في ثوبٍ ثُم تبين أَنه نَجس.
ولهما ما روى البخاري من حديث مَعْن بن يزيد قال: بايعت رسول الله ﷺ أَنا وأَبي وَجَدِّي، وخطب علي فأَنكحني وخاصمت إِليه، وكان أَبي يَزِيدُ أَخرج دنانيرَ يتصدق بها، فوضعها عند رجلٍ في المسجد، فجئت فأَخذتُها فأَتيتُه بها، فقال: واللهِ ما إِيَّاكَ أَرَدْتُ، فَخَاصَمْتُ إِلى رسولِ الله ﷺ فقال: «لك ما نَوَيْتَ يا يزيدُ، ولك ما أَخَذْتَ يا معن». وهو وإِنْ كان واقعة حال، فيجوز فيه كونُ تلك الصدقةِ كانت نَفْلًا، لكن عموم لفظ «ما في» قوله ﵊: «لك ما نويت» يفيد المطلوب، ويؤيده ما في الصحيحين عن أَبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: «قال رجلٌ لأَتصدَّقن الليلة بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يدِ غَنِيَ» … الحديثَ.
وقَيَّدَ بِمَنْ ظنه مَصْرِفًا، لأَنه لو دفع بغير اجتهادٍ، أَوْ باجتهاد وبدون ظَنَ، أَوْ بِظَنَ أَنه ليس بِمَصْرِفٍ، ثم تَبينَ المانع لا يجزئه. ولو دفع إِلى مَنْ يَظُنُّ أَنه ليس بِمَصْرِف ثُم
_________________
(١) سقط من المطبوع.
(٢) سورة البقرة، الآية: (٢٧٢).
(٣) حُرِّفت في المطبوع إلى: المبراة، والمثبت من المخطوط.
[ ١ / ٥٤١ ]
ونُدِبَ دَفْعُ ما يُغْنِيهِ عَن السُّؤالِ يومًا، وكُرِهَ دَفْعُ النِّصابِ إِلى فقيرٍ غَيْرِ مَدْيُونٍ، ونَقْلُهَا إِلى بَلَدٍ آخَرَ،
===
تبين أَنه مَصْرفٌ يُجزئه، وذلك لأَن الواجبَ عليه الصَّرف إِلى مَنْ هو مَصْرفٌ عنده وقد فعله، فيجوز، كما إِذا صلى إِلى جهةٍ بالتحري ثُم تبين خطؤُه. وهذا لأَن الوقوف على هذه الأَشياء بالاجتهاد دون القطع، وقد لا يعرف الإِنسان ذلك من نفسه، فضلًا عن غيره والتكليف بحَسَبِ الوسع، بخلاف التحري في الثياب والأَواني، فإِنه يوقف على الطهارة والنجاسة فيهما. وعن أَبي حنيفة أَنه لا يجزيه في غير الغَنِي، والظاهر هو الأَول، ووجه الفرق على هذه الرواية أَنْ الغَني مَصْرِفٌ في الجملة كما في العامل.
(ونُدِبَ دَفْعُ ما يُغْنِيهِ) أَي يُغْنِي الفقير (عَنْ السُّؤالِ يومًا) لأَن في ذلك صيانةً له عن ذُلِّ السؤال، ولقوله: «اغْنُوهم عنِ المسأَلةِ في هذا اليوم».
(وكُرِهَ دَفْعُ النِّصابِ إِلى فقيرٍ غَيْرِ مَدْيُونٍ) وقال زفر: لا يجوز، لأَن الغِنَى حالَ العطاء حكمُ حال الأَداء، وحكم الشيء معه، فصار كما لو دفع إِلى غَنِيَ. ولنا أَنْ الأَداء يلاقي الفقير، لأَن المدفوع إِليه حال التمليك فقير، وإِنَّما يصيرُ غنيًا بعد تمام التمليك، فَيَتَأْخَّر الغنى عن التمليك، وإِنما كره لوجود الانتفاع به حال الغِنى، والأَصل حصول الانتفاع به حال الفقر، لأَن المقصود سَدُّ خَلَّةِ (^١) الفقير، وكماله في حصوله حالًا ومآلًا.
وههنا حصل حالًا وكُرِه لأَنه لم يحصل مآلًا. وعن أَبي يوسف أنه لم يُجزئه أَكثر من نصاب.
قَيَّدَ بغير المديون لأَن المديون لا بأْس به بأَن يُعْطى قَدْرَ وفاء دينه وزيادة دون النصاب، وكذا إِذا كان الفقير له عيالٌ لا بأس به بأَن يُعْطَى قدر ما لو فُرِّق عليهم حصل (^٢) كل واحد منهم دون النصاب.
(و) كره (نَقْلُهَا) أَي نَقْل الزكاة (إِلى بَلَدٍ آخَرَ) غير البلد الذي فيه المال، لأَن فيه إِضاعة حق فقراءِ بلده، وهذا إِذا كان مسافة قَصْر الصلاة. وبه قال مالك، ومنعه الشافعي لقول النبيِّ ﷺ لمعاذ: «فأَعْلِمْهُم أَنَّ الله تعالى افترض عليهم صدقةً في أَموالهم تؤخذ من أَغنيائهم وترد على فقرائهم» (^٣) .
_________________
(١) تقدم شرحها ص: ٥٢٩، تعليق رقم (٣).
(٢) وفي المخطوطة: خصّ.
(٣) تقدم تخريجه ص: ٥٣٠، تعليق رقم (١).
[ ١ / ٥٤٢ ]
لا نَقْلُهَا إِلى قَرِيبِهِ أَوْ أَحْوَجَ مِنْ أَهْل بَلَدِهِ.
===
ولنا أَنَّ المَصْرِفَ مُطْلَقُ الفقراء لقوله تعالى: ﴿إِنَّما الصَّدَقَاتُ للفُقَرَاءِ﴾ (^١) ولا ذِكْرَ للمكان فيه، فالتَقييدُ به يكون نسخًا، وحديث معاذ حجةٌ لنا، لأَنه ﷺ قال ذلك لأَهل اليمن، وهي بلادٌ شتى، على أَنَّ مراده ﷺ أَنه لا طمع له في الصدقة، بل هي مصروفةٌ إِلى فقراء المسلمين، كما هي مأْخوذةٌ من أَغنيائهم. وإِنما يُكْره نقله لظاهرِ ما روينا، ولرعاية حق الجِوَار، والمعتبر في الزكاة فقراء مكانِ المال، لأَنه محل الوجوب، ولذا يسقط بهلاكه.
والأَفضل صَرْفُها إِلى إِخوته، ثُم أَعمامه، ثُم أَخواله، ثُم ذوي أَرحامه، ثُم جيرانِهِ، (ثُم أَهْل سَكَنِهِ) (^٢)، ثم أَهل محلّته، ثُم أَهل مصره.
وفي «المحيط»: وعند محمد يُعتبر في زكاة المال حيث المال، لا حيث المُزَكِّي، لأَن الواجب في المال لا في الذمة. وفي صدقة الفطر إِنْ كان يؤدي عن نفسه حيث هو، وإِن كان يؤدي عن ولده وعبده فعند أَبي يوسف يؤدي حيث العبد، وعند محمد حيث المَوْلَى وهو الأَصح، لأَن الواجب في ذِمَّة المَوْلى، حتى لو هلك العبد لم يسقط عنه.
(لا) يكره (نَقْلُهَا إِلى قَرِيبِهِ) لما فيه من الصلة مع الصدقة (^٣) (أَوْ) إِلى قومٍ (أَحْوَجَ مِنْ أَهْل بَلَدِهِ) لما فيه من زيادة دفع الحاجة، ولما قَدَّمنا من قول معاذ لأَهل اليمن: «ائتوني بعرض ثياب خميس أَوْ لبيس مكان الذرة والشعير أَهون عليكم وخير لأَصحاب رسولُ الله ﷺ بالمدينة». إِلاَّ أَنه يجب حَمْله على أَنْ مَنْ بالمدينة كانوا أَحوجَ، أَوْ على ما فَضَل مِنْ فقراء اليمن. وكذا لا يكره النقل إِلى أَهل بلدٍ أَورع من أَهل بلده، أَوْ أَنْفَع للمسلمين منهم، والله ﷾ أَعلم بالصواب.
_________________
(١) سورة التوبة، الآية: (٦٠).
(٢) سقط من المطبوعة.
(٣) الخَمِيس: الثوبُ الذي طولهُ خَمْسُ أذْرُع. النهاية: ٢/ ٧٩.
[ ١ / ٥٤٣ ]