(أَوَّلُ وَقْتِ الفَجْرِ: إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ الثَّانِي، وَهُوَ البَيَاضُ المُعْتَرِضُ فِي الأُفُقِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَطْلُعُ الشَّمْسُ) لِحَدِيثِ «إِمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇، فَإِنَّهُ أَمَّ
بَابُ الْمَوَاقِيتِ
وابتداء بيان وقت الفجر
وكان أولى أن يبتدي ببيان وقت الظهر؛ لأنها أول صلاة أم فيها جبريل ﵇، إلا أن وقت الفجر وقت ما اختلف في أوله وآخره، ولأنه أول صلاة وجبت بعد النوم، والنوم أخ الموت، فكان ابتداؤه بأول وقت صلاة يخاطب المرء بأدائها إذ الخطاب على اليقظان لا على النائم، كذا في المبسوط (^١).
وقوله: (وأول وقت الفجر)، من باب حذف المضاف أي أول وقت صلاة الفجر إذا طلع الفجر الثاني.
وفي الْمُجْتَبى: اختلف المشايخ في أن العبرة لأول طلوعه، أو لاستطارته وانتشاره (^٢).
وفي البدرية: في قوله: (ما لم تطلع الشمس) إطلاق اسم الكل على البعض؛ لأن قوله (ما لم تطلع الشمس) يتناول من أول الوقت إلى ما قبيل طلوع الشمس، والمراد منه جزء قبيل طلوع الشمس.
وفي شرح التأويلات: في قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ [طه: ١٣٠] أي: صَلِّ بأمر ربك، في هذا التخصيص إشارة إلى أنه آخر الوقت وإلا لم يكن فيه فائدة.
فإن قيل: قوله «ما بين هذين وقتٌ لكَ ولأمَّتِكَ» يقتضي أن لا يكون الأول والآخر وقتا لتلك الفريضة.
قلنا: وجدنا البيان في حق الأول والآخر بالفعل؛ فإنه ﵇
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٤).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٠٠).
[ ١ / ٤٧٧ ]
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهَا فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ حِينَ طَلَعَ الفَجْرُ، وَفِي اليَوْمِ الثَّانِي حِينَ أَسْفَرَ جِدًا، وَكَادَت الشَّمْسُ تَطْلُعُ»، ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ الحَدِيثِ: «مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ وَقْتُ لَكَ وَلِأُمَّتِكَ».
وَلَا مُعْتَبَرَ بِالفَجْرِ الكَاذِبِ، وَهُوَ البَيَاضُ الَّذِي يَبْدُو طُولًا ثُمَّ يَعْقُبُهُ الظَّلَامُ، لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ وَلَا الفَجْرُ المُسْتَطِيلُ، وَإِنَّمَا
صلى في أوله وآخره، وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ للصلاة أولا وآخرًا، وإن أوّل وقت الفجر حين يطلع الفجر، وآخِرُهُ حين تطلُعُ الشمس» (^١)، وفيه بيان في حقهما، ولأن إمامة جبريل ﵇ لم تكن لنفي ما وراء وقت الإمامة عن وقت الصلاة.
ألا ترى أنه ﵇ أم في اليوم الثاني حين أسفر جدا، والوقت يبقى بعده إلى طلوع الشمس، وصلى العشاء في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل، والوقت يبقى بعده إلى طلوع الفجر، وهذا جواب أبي حنيفة عن احتجاجهما بإمامة جبريل ﵇ للظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، كذا في المبسوط (^٢).
أو نقول هذا بيان للوقت المستحب؛ إذ الأداء في أول الوقت مما يتعسر على الناس فيؤدي إلى تقليل الجماعة، وفي التأخير إلى آخر الوقت خشية الفوات، فكان المستحب ما بينهما، مع قوله ﵇: «خير الأمور أواسطها» (^٣).
(قوله ﵇: «لَا يَغُرَّنَّكُمْ»)، أي لا تغتروا بأذانه لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ [لقمان: ٣٣].
ولا الفجر المستطيل، أي الذي يبدو طولا كذنب السرحان، وسمي كاذبًا لأن نوره يبدو ثم يختلف ويعقبه الظلام.
_________________
(١) تقدم في المتن.
(٢) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٣).
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٣/ ٢٧٣، رقم ٦٣١٩) وقال: هذا منقطع.
[ ١ / ٤٧٨ ]
الفَجْرُ المُسْتَطِيرُ فِي الْأُفُقِ» أَيْ: المُنْتَشِرُ فِيهِ.
(وَأَوَّلُ وَقْتِ الظُّهْرِ، إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ)
والفيء بالهمز بوزن الشيء، (وفيء الزوال) رجوع الظل من جانب المغرب إلى جانب المشرق.
ثم عند الفقهاء الفيء الذي يكون للأشياء وقت الزوال في الزوال، قال محمد بن شجاع: إذا أردت معرفته فاغْرِزْ في مكان مستو، ثم تخط على رأس ظلها خطا فما دام الظل ينقص عن الخط تعلم أن لم يزل، وإذا سكن الظل ولم يزد ولم ينقص فذلك وقت الاستواء، وذا القدر الذي بقي من الظل في الزوال، وقد يكون ذلك في أيام الشتاء أطول وفي أيام الصيف أقصر، وإذا أخذ الظل في الزيادة علمت أن الشمس قد زالت، كذا في المبسوط (^١).
وفي المحيط: فإذا أخذ الظل في الزيادة فالشمس قد زالت فخط على رأس موضع الزيادة فيكون من رأس الخط إلى العود في الزوال، فإذا صار ظل العود مِثلَيْهِ منه لا إلى العود، خرج وقت الظهر عند أبي حنيفة (^٢).
وفي الْمُجْتَبى: زوال الشمس انحطاطها عن كبد السماء يسيرًا، وقيل: أن يأخذ الظل في الزيادة، والظل بين القصر والطول هو المسمى بفيء الزوال، ولو لم يجد ما يغرزه لمعرفة الفيء وللإمثال فليعتبره بقامته، وقامة كل إنسان ستة أقدام ونصف بقدمه، وقال الطحاوي وعامة المشايخ: سبعة أقدام، ويمكن الجمع بينهما بأن تعتبر سبعة أقدام من طرف سمت الساق، وستة ونصف من طرف الإبهام، وإليه أشار البقالي في شرح الأربعين.
ثم اعلم أن لكل شيء ظل وقت الزوال إلا بمكة والمدينة، وصنعاء اليمن في أطول أيام السنة فإن الشمس فيها تأخذ الحيطان الأربعة (^٣).
وهو رواية عن أبي حنيفة، روى عنه الحسن بن زياد، وهو قول زفر،
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٢).
(٢) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٧٣).
(٣) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٠٠).
[ ١ / ٤٧٩ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
والشافعي (^١)، والثوري، وأحمد (^٢)، واختاره الطحاوي، وحكي عن مالك مثله (^٣).
وحكى أبو نصر عن مالك: وقت الظهر إلى أن يصير ظل الشيء مثله وقت مختار، وأما وقت الأداء فآخره إذا بقي إلى غروب الشمس قدر أربع ركعات (^٤).
وفي المبسوط: وقال مالك: إذا زالت الشمس دخل وقت الظهر، فإذا مضى مقدار ما يصلي فيه أربع ركعات دخل وقت العصر، ولم يخرج وقت الظهر وكان الوقت مشتركًا بينهما إلى أن يصير الظل قامتين؛ لظاهر حديث إمامة جبريل عليه الإسلام، وهذا فاسد عندنا لأنه ﵇ قال: «لا يدخُلُ وقتُ صلاة حتى يخرج وقت صلاةٍ أُخرى»، وتأويل حديث إمامة جبريل ﵇ وهو أنه «صلى به الظهر في اليوم الثاني حين صار ظلُّ كلّ شيءٍ على مثلِهِ»، أي قرب، «وصلّى بي العصر في اليوم الأول حين صار ظلُّ كلّ شيء مثله»، أي تم وزاد عليه فلا اشتراك بينهما، وهو نظير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] أي قارب بلوغ أجلهن، وقوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] أي تم انقضاء عدتهن (^٥).
وكذا في شرح الوجيز أيضًا، وفيه: ويروى هذا عن المزني (^٦).
وفي الحلية: عن جرير وعطاء أنه لا يكون بتأخر الظهر إلى صفرة الشمس مُفَرِّطًا، وعن طاووس أنه لا يفوت حتى الليل (^٧).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: اختلافهم في آخر وقت الظهر اختلاف في أول
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٩٠)، والبيان للعمراني (٢/¬٢١).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٦٩)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٤٦٣).
(٣) انظر: التلقين للقاضي عبد الوهاب (١/¬٣٨)، والذخيرة للقرافي (٢/¬١٢).
(٤) انظر: المقدمات الممهدات لابن رشد (١/ ٢٢٠).
(٥) المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٣).
(٦) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٣/¬١٢).
(٧) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٢/¬١٦).
[ ١ / ٤٨٠ ]
لِإِمَامَةِ جِبْرِيلَ ﵇ فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ (وَآخِرُ وَقْتِهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إِذَا صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ سِوَى فَيْءِ الزَّوَالِ وَقَالَا: إِذَا صَارَ الظُّلُّ مِثْلَهُ) (*) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، وَفَيْءُ الزَّوَالِ: هُوَ الفَيْءُ الَّذِي يَكُونُ لِلْأَشْيَاءِ وَقْتَ الزَّوَالِ.
لَهُمَا: إِمَامَهُ جِبْرِيلَ ﵇ فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ فِي هَذَا الوَقْتِ.
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ قَوْلُهُ ﵊: «أَبْرِدُوا بِالظَّهْرِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ»، وَأَشَدُّ الحَرِّ فِي دِيَارِهِمْ فِي هَذَا الوَقْتِ، وَإِذَا تَعَارَضَتِ الْآثَارُ لَا يَنْقَضِي الوَقْتُ بِالشَّكْ.
[وقت] (^١) العصر لأنه ليس بين الوقتين وقت مهمل إلا في رواية رواها علي بن جعد، وأسد بن عمرو عن أبي حنيفة، فإنهما رويا أن ما بين المثل إلى المثلين وقت مهمل، وهو الذي يسميه الناس بين الصلاتين.
(ولهما إمامة جبريل ﵇ في اليوم الأول)، أي إمامته للعصر في اليوم الأول في هذا الوقت، وهو ما صار ظل كل شيء مثله، وفي بعض النسخ: (إمامته العصر في اليوم الثاني في هذا الوقت)، وفي نسخة: (إمامته الظهر في اليوم الثاني في هذا الوقت).
(«أبردوا بالظهر»)، أي صلوها إذا سكنت شدة الحر، وفيح جهنم شدة حرها، وأشد ما يكون من الحر في ديارهم إذا صار ظل كل شيء مثله.
(تعارضت الآثار)، قال شيخ الإسلام: في بعض الروايات أم جبريل ﵇ في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه، فتعارضت الروايات.
وقيل: أراد بتعارض الآثار قوله ﵇: «أبْرِدُوا»، الحديث، فإنه يعارض إمامة جبريل ﵇ فوقع الشك في خروجه، ووقت الظهر كان ثابتا بيقين فلا يزول به، وما لم يكن ثابتًا بيقين وهو وقت العصر لا يثبت بالشك.
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) في الاصل (في العصر).
[ ١ / ٤٨١ ]
(وَأَوَّلُ وَقْتِ العَصْرِ، إِذَا خَرَجَ وَقْتُ الظُّهْرِ عَلَى القَوْلَيْنِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ تَغْرُبُ الشَّمْسُ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا».
فإن قيل: يعارض حديث الفتح حديث زهير، عن أبي إسحاق، عن ابن وهب، عن خباب أنه قال: أتينا النبي ﵇ فشكونا إليه حر الرمضاء فلم يشكنا (^١)، أي لم يُزِلْ شكوانا والهمزة للسلب كأعجمت الكتاب، أي: أزلت عجميته.
قلنا: إنه منسوخ ذكره البيهقي وغيره، ولئن ثبت فحديث الإبراد محمول على إذا ما صار للتلول ظلال، لكن الرمضاء التي سجد عليها لم تبرد فشكوا ذلك فلم يُجِبْ إذ لا يزول ذلك إلا بعد اصفرار الشمس.
وفي إشارات الأسرار، والمبسوط: لأبي حنيفة ما رواه ابن عمر أنه ﵇ قال «إنّما أجَلُكُم في أجَلِ مَنْ خَلَا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، إنما مثلُكُمْ ومثل اليهود والنصارى كرجل استعملَ عُمالًا فقال: من يعمل إلى نصف النهار على قيراط قيراط، فعَمِلَت اليهود إلى نصف النهار بقيراط قيراط، ثم قال: مَنْ يَعْمَلْ من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط فعملت النصارى إلى صلاة العصر على قيراط قيراط، ثم قال: من يعمل لي من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ألا فأنتم الذين يعملون من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين، ألا لَكُمُ الأجرُ مرَّتين، فغَضِبَت اليهود والنصارى وقالوا: نحنُ أكثر عملًا وأقلُّ عطاءً، قال تعالى: وهل ظلمتُكُم من حَقَّكُم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فإنه فضُلُ أعطيتُهُ مَنْ أشاءُ» (^٢) فهذا الحديث يدل على أن وقت الظهر أكثر امتدادًا من وقت العصر؛ لأنه جعل معيار طول العمل وقصره طول الزمان وقصره، ولو كان وقت العصر عند كون ظل الشيء مثله لانعكس الأمر، فعلم أن وقت العصر كله أقصر من وقت الظهر، فحينئذ يكون هذا الحديث معارضًا لرواية إمامة جبريل ﵇، مع أن
_________________
(١) أخرجه مسلم (١/ ٤٣٣، رقم ٦١٩).
(٢) أخرجه البخاري (٤/ ١٧٠، رقم ٣٤٥٩).
[ ١ / ٤٨٢ ]
(وَأَوَّلُ وَقْتِ المَغْرِبِ، إِذَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ، وَآخِرُ وَقْتِهَا، مَا لَمْ يَغِب الشَّفَقُ)
الباب باب العبادة والأخذ بالاحتياط فيها أولى، وما ذهبنا إليه وقت العصر بالاتفاق.
فإن قيل: حديث إمامة جبريل ﵇ نص في تقدير الأوقات مع أن كثرة العمل لا توجب كثرة الزمان، وحديث ابن عمر سيق لضرب المثل، وهو معرض للتوسع فيه والمجاز فكان العمل بالنص أولى.
قلنا: معرفة بيان الأوقات لم يستقر على بيان جبريل ﵇؛ لأن فيه أنه صلى الفجر في الثاني حين أسفر، ووقت المختار يبقى إلى طلوع الشمس عند أعلام العلماء، ولا يلتفت إلى من شذ، ويدل عليه فعله ﵇ في اليوم الثاني حين كادت الشمس تطلع في بيان وقت الاختيار، مع أن حديثنا أصح لأنه في الصحيحين، وحديثهم حسنه الترمذي واحتمل، فلا يخرج وقت الظهر بالشك، مع أن ما قلنا أجود في الدين ويثبت براءة الذمة باليقين إذ تقديم الصلاة على الوقت لا يجوز بالإجماع، ويجوز التأخير وإن وقعت قضاء، فكان ما قلنا أولى وأجود.
وأما قولهم: كثرة العمل إلى آخره، فقلنا: لم تذكر وأكثره عملهم إلا من أجل طول الزمان فإن اليهود عملت من أول النهار إلى انتصافه، فكانت كثرته مأخوذة من طول الزمان لا من الاجتهاد في العمل.
وعلى القولين، يعني على حسب الاختلاف في آخر وقت الظهر، وهذا على ظاهر الرواية، أما على رواية الأسد وعلي بن جعد معناه: إذا خرج وقت الظهر بصيرورة الظل مثله، ولا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه فكان بينهما وقت مهمل، فالاحتياط أن يصلي الظهر قبل أن يصير ظل كل شيء مثليه ليكون مؤديا في الوقت بيقين، والعصر حين صار ظل كل شيء مثله ليكون مؤديا بالاتفاق، كذا في المبسوطين (^١).
وفي الحلية: إذا صار الظل مثليه وزاد أدنى زيادة دخل وقت العصر،
_________________
(١) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٣).
[ ١ / ٤٨٣ ]
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: مِقْدَارُ مَا يُصَلَّى فِيهِ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ، لِأَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَمَّ فِي اليَوْمَيْنِ فِي وَقْتِ وَاحِدٍ.
وَلَنَا: قَوْلُهُ ﵊: «أَوَّلُ وَقْتِ المَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وَآخِرُ وَقْتِهَا حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ»، وَمَا رَوَاهُ كَانَ لِلتَّحَرُّزِ عَنِ الكَرَاهَةِ (ثُمَّ الشَّفَقُ هُوَ
ووقت الاختيار إلى مصير الظل مثليه، وبعده وقت الجواز بلا كراهة إلى الاصفرار، ومنه إلى الغروب وقت الكراهة.
وقال الإِصْطَخري: آخر وقت العصر إذا أصار ظل الشيء مثليه؛ لأنه لو زاد عليه لبينه جبريل ﵇ (^١).
وظاهر المذهب الأول لقوله ﵇: «مَنْ أدرك ركعةً مِنَ العَصرِ قَبل أَنْ تَغُرُب الشَّمسُ فقد أدرك العصر»، ذكره في الصحيحين (^٢).
وفي المبسوط: آخر وقت العصر عند غروب الشمس عندنا، وقال الحسن: تغير الشمس إلى الصفرة، وهو قول الشافعي في المختصر لحديث إمامة جبريل ﵇ أنه ﷺ قال: «صلى بي العصر في اليوم الثاني حين كادت الشمس تتغير» (^٣).
وهذا قول الإِصْطخري من أصحابه، وما ذكر في الحلية ذكر في شرح الوجيز وقال: وهو قول الشافعي في المختصر، والجواب عنه: أنه لا خلاف في دخول وقت العصر بخروج وقت الظهر، وكلام الشافعي محمول على أن خروجه لا يكاد يعرف إلا بزيادة الظل على المثل وإلا فتلك الزيادة من وقت العصر (^٤).
قوله: (وقال الشافعي)، وفي شرح الوجيز: وقت المغرب يدخل بالغروب ويمتد إلى غروب الشفق في قول (^٥).
_________________
(١) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٢/¬١٦).
(٢) أخرجه البخاري (١/ ١٢٠، رقم ٥٧٩)، ومسلم (١/ ٤٢٤، رقم ٦٠٨) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) انظر: المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٤).
(٤) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٣/¬١٩).
(٥) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٣/¬٢٠).
[ ١ / ٤٨٤ ]
البَيَاضُ الَّذِي فِي الأُفُقِ بَعْدَ الحُمْرَةِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَهُما: هُوَ الحُمْرَةُ) (*)
وفي الحلية: وبه قال أبو حنيفة، وأحمد (^١).
قال النواوي: وهو الصحيح، واختاره البغوي، والخطابي، والبيهقي، والغزالي من أصحابه لورود الأحاديث الصحيحة به، وعلى قول: إذا مضى بعد الغروب مقدار وضوء، وأذان وإقامة، وقدر خمس ركعات انقضى وقته (^٢).
وفي الحلية: قدر ثلاث ركعات وله وقت واحد، وبه قال مالك؛ لأن جبريل ﵇ أم في يومين في وقت واحد (^٣).
ولمالك ثلاث روايات، أحدها كقولنا، والثانية: كقول الشافعي الجديد، والثالثة: يبقى إلى طلوع الفجر (^٤)، وهو قول عطاء، وطاووس، وحكي عن الشعبي أن أول وقتها إذا اشتبكت النجوم.
وفي مبسوط شيخ الإسلام، والأسرار وحجتنا ما روي عن ابن عمر (^٥) أنه ﵇ قال: «وقتُ المَغربِ ما لَمْ يَسقُط ثورُ الشَّفَقِ» (^٦)، بالثاء المثلثة وهو ثورانه، وفي رواية أبي داود: «فورُ الشَّفق» (^٧)، بالفاء وهو بمعناه، وفي رواية: «ما لَمْ يَغِبِ الشَّفَقُ» (^٨)، إلا أن التأخير عن أول الغروب مكروه، فلذلك لم يؤخر جبريل ﵇؛ فإنه أتاه ليعلمه المباح من الأوقات.
ألا ترى أنه لم يؤخر العصر إلى الغروب والوقت باق، ولا العشاء إلى ثلث الليل وبعده وقت العشاء بالإجماع، على أن المصير إلى ما روينا أولى؛ لأنه
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة لكن الفتوى على قولهم.
(٢) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٢/¬١٧). قال الماوردي: وقد حكاه أبو ثور عن الشافعي في القديم، فمن أصحابنا من خرجه قولا ثانيا، وأنكره جمهورهم أن يكون قولا محكيًا عنه؛ لأن الزعفراني وهو أثبت أصحاب القديم حكى عنه للمغرب وقتًا واحدًا. الحاوي الكبير (٢/¬٢٩).
(٣) انظر: المجموع للنووي (٣/¬٣٠).
(٤) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٢/¬١٧).
(٥) انظر: البيان والتحصيبل لابن رشد (١/ ٢٥٩)، والكافي لابن عبد البر (١/ ١٩١).
(٦) كذا في النسخ الخطية، والصواب أنه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
(٧) أخرجه مسلم (١/ ٤٢٧، رقم ٦١٢).
(٨) أخرجه أبو داود (١/ ١٠٩، رقم ٣٩٦).
(٩) أخرجه مسلم (١/ ٤٢٧، رقم ٦١٢).
[ ١ / ٤٨٥ ]
وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ لِقَوْلِهِ ﵊: «الشَّفَقُ الحُمْرَةُ» وَلِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀: قَوْلُهُ ﵊: «وَآخِرُ وَقْتِ المَغْرِبِ إِذَا اسْوَدَّ الأُفُقُ» وَمَا رَوَاهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ عُمَرَ ﵄ ذَكَرَهُ
كان بالمدينة، وما رواه كان بمكة.
وفي المبسوط: يكره تأخير المغرب بعد الغروب إلا بقدر ما يستوي فيه الغروب، رواه الحسن عن أبي حنيفة؛ لقوله ﵇: «لا تَزالُ أُمتي بخير ما عجلوا المَغِرب، وأخُروا العِشاء» (^١)، وأخر ابن عمر أداءها حتى رأى نجمًا طالعًا أعتق رقبة، وعمر ﵁ رأى نجمين قبل أدائها أعتق رقبتين، وتأويل حديث جبريل ﵇ أنه أراد به بان وقت الاستحباب (^٢).
قوله: (وهو رواية عن أبي حنيفة)، رواه أسد بن عمرو عنه، وعليها الفتوى، وبه قال مالك (^٣)، وأحمد (^٤)، وداود (^٥)، وهو أول وقت العشاء بإجماع الأئمة الأربعة، وما حكي عن أحمد أن الشفق هو البياض في الحصر فإنما قاله لأن الحمرة تواريها الحيطان فظن أنها قد غابت ولم تغب، فإذا غاب البياض تحقق مغيب الحمرة، كذا في الحلية (^٦).
وفي شرح الحلية: وقد نقل رجوع الإمام إليها لما ثبت عنده من حمل عامة الصحابة الشفق على الحمرة، وإثبات هذا الاسم للبياض قياس في اللغة، ولأنه لا يجوز ومذهبهما مختار الأصمعي، والخليل، وفيه تأمل لما يجيء بعد.
وفي المبسوط: قال الخليل راعيت البياض ليلا بمكة فلم يذهب إلا بعد
_________________
(١) أخرجه أبو داود (١/ ١١٣، رقم ٤١٨)، وابن خزيمة (١/ ١٧٤، رقم ٣٣٩)، وأحمد (٤/ ١٤٧) رقم (١٧٣٦٧)، والحاكم (١/ ١٩٠، رقم ٦٨٥) من حديث أبي أيوب الأنصاري ﵁. وصححه الحاكم.
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٤).
(٣) انظر: الموطأ لمالك (١٢١)، والمدونة لابن القاسم (١/ ٢٦٥).
(٤) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٧٧)، والمبدع لابن مفلح (١/ ٣٠٢).
(٥) انظر: المُحَلّى لابن حزم (٢/ ١٩٧).
(٦) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٢/¬١٨).
[ ١ / ٤٨٦ ]
مَالِكُ ﵀ فِي المُوَطَّأ،
نصف الليل، وقيل: لا يذهب البياض في ليالي الصيف، بل يتفرق في الأفق، ثم يجمع عند الصبح، فلدفع الحرج جعلنا الشفق هو الحمرة (^١).
ولأن الطوالع ثلاث فجر كاذب، وفجر صادق، وطلوع الشمس، والغروبات ثلاث: غروب الشمس، وغروب الحمرة، وغروب البياض.
ثم المعتبر لدخول وقت الفجر الوسطي من الطوالع، وهو الفجر الثاني، فكذا المعتبر لخروج وقت المغرب الوسط من الغوارب وهو الحمرة، ومذهب أبي حنيفة مختار المبرد، والفراء، وأبي بكر، وعائشة، وبه قال زفر، والمزني، وحكي عن أحمد أنه البياض في البنيان، والحمرة في الصحراء (^٢).
احتج أبو حنيفة ﵁ بظاهر قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] الآية، جاء في التفسير عن ابن عباس: أن الدلوك غروب الشمس (^٣)، فالله تعالى مد وقت المغرب إلى غسق الليل، والغسق عبارة عن اجتماع الظلمة، والظلمة لا تجتمع إلا بعد ذهاب البياض.
وبما روي عن أنس أنه قال للنبي ﵇: متى أصلي العشاء؟ قال: «متى يسودُّ الأفقُ»، واسوداده لا يكون إلا بعد ذهاب البياض أيضًا.
وأيضًا أهل اللغة يطلقونه على البياض كما يطلقونه على الحمرة، هكذا جاء عن المبرد، والفراء، وأحمد بن يحيى، فحمل على البياض احتياطا، ويضرب من الاستدلال من طريق اللغة والفقه.
أما اللغة: فإن الشفق عبارة عن الرقة، يقال: ثوب شفق، أي رقيق النسج، أو رَقَّ من طول ما لبس، والشفقة من رقة القلب، والبياض أولى بهذا الاسم؛ لأن أجزاءه أرق من أجزاء الحمرة.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٥).
(٢) انظر: المغني لابن قدامة (١/ ٢٧٧)، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي (١/ ٤٧٥).
(٣) أخرج الطبري في التفسير (١٥/¬٢٥) عن ابن عباس، قال في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ قال: دلوكها: زوالها.
[ ١ / ٤٨٧ ]
وَفِيهِ اخْتِلَافُ الصَّحَابَةِ.
وأما الفقه: فإن المغرب بمنزلة الفجر؛ لأنها تقام في ساعة إثر نور الشمس دون عينها كالفجر، ثم البياض المعترض في وقت الفجر من الحمرة فليكن كذلك في المغرب لتكون صلاتان في وضح النهار مع قيام عين الشمس، وصلاتان في إثرها، وصلاتان في غسق الليل: العشاء، والوتر. وقولهما أوسع للناس، وقول أبي حنيفة أحوط؛ لأن الأصل في الصلاة أن لا يثبت ركن منها، أو شرط إلا بما فيه يقين، كذا في مبسوط شيخ الإسلام، والأسرار، والمحيط (^١).
وقيل: يؤخذ في الصيف بقولهما لقصر، الليالي، وبقاء البياض إلى ثلث الليل أو نصفه، وفي الشتاء بقوله لطولها وعدم بقاء البياض إليه، كذا في التجنيس.
وفي السهيلي: وما حكي عن الخليل أنه قال: (راعيت البياض إلى نصف الليل) بعيد؛ لأنه من آثار الشمس، فإذا بعدت عن الأفق لم يصح بقاء أثرها، والخليل مقبول القول في اللغة، وهو كغيره في الأشياء المحسوسة.
وقيل: كان ما يراعيه بياض الجو.
وفي المبسوط: الحمرة أثر الشمس، والبياض أثر النهار، فما لم يذهب ذلك كله لا يصير الليل مطلقا، وصلاة العشاء صلاة الليل كيف وقد قال ﵇: «وقت العشاء إذا أملأ الظلام الظراب»، وفي رواية: «إذا ادلهم الليل»، أي يستوي الأفق في الظلام، وإنما يكون ذلك إذا ذهب البياض كله (^٢).
(وفيه اختلاف)، أي في الشفق كما قلنا، يعني التمسك بالحديث فيما اختلف فيه الصحابة لا يجوز؛ لأن عدم التمسك به أو عدم القبول دليل انقطاعه، على ما عرف في الأصول، فكيف جوز التمسك بالموقوف فيه، كذا في الخبازية.
_________________
(١) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٧٤).
(٢) المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٥).
[ ١ / ٤٨٨ ]
(وَأَوَّلُ وَقْتِ العِشَاءِ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ، وَآخِرُ وَقْتِهَا مَا لَمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ الثَّانِي) لِقَوْلِهِ ﵊: «وَآخِرُ وَقْتِ العِشَاءِ حِينَ يَطْلُعُ الفَجْرُ».
وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي تَقْدِيرِهِ بِذَهَابِ ثُلُثِ اللَّيْلِ.
قوله: (بذهاب ثلث الليل)، ثم لا خلاف للشافعي (^١)، ومالك (^٢)، وأحمد (^٣) في أول وقت العشاء أنه إذا غاب الشفق، وهو الحمرة والخلاف في آخر وقتها.
وفي الحلية: آخر وقتها المختار إلى نصف الليل في القديم، وبه قال أبو حنيفة، وأحمد في رواية؛ لقوله ﵇: «لولا أن أشُقَّ على أمتي لأَخَّرْتُ العشاء إلى نصف الليل» (^٤)، وفي الجديد إلى ثلث الليل، وبه قال مالك، وأحمد في رواية لحديث إمامة جبريل ﵇ فإنه ﵇ قال: «صلى بي العشاء في اليوم الثاني حينَ ذهب ثلث الليل» (^٥)، ووقت الجواز إلى طلوع الفجر خلافًا للإصطخري، فإنه يقول: إذا ذهب وقت المختار على القولين ذهب وقت الجواز (^٦).
أما على قول الثلث لحديث جبريل ﵇ أنه قال: «الوقت ما بين هذين الوقتين» (^٧)، وأما على قول النصف فلما روي أنه ﵇ قال: «وقتُ العشاء ما بينك وبين النصف» (^٨)، والمذهب الأول؛ لقوله ﵇: «ليس التفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة أن يُؤخر الصلاة حتى يدخل وقتُ
_________________
(١) انظر: الأم للشافعي (١/ ٩٣)، والبيان للعمراني (٢/¬٢٩).
(٢) انظر: الذخيرة للقرافي (٢/¬١٦)، والفواكه الدواني للنفراوي (١/ ١٦٩).
(٣) انظر: مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله (ص ٥٢)، والمغني لابن قدامة (١/ ٢٧٧).
(٤) أخرجه الترمذي (١/ ٢٣٤، رقم ١٦٧)، وابن ماجه (١/ ٢٢٦، رقم ٦٩١)، وابن حبان (٤/ ٣٩٩، رقم ١٥٣١) من حديث أبي هريرة ﵁. قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٥) تقدم تخريجه في المتن.
(٦) حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء للشاشي (٢/¬١٩).
(٧) أخرجه مسلم (١/ ٤٢٩، رقم ٦١٤) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٨) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١/ ٣٦٦، رقم ١٧٨٤) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄. وأصل الحديث أخرجه مسلم (١/ ٤٢٧، رقم ٦١٢).
[ ١ / ٤٨٩ ]
(وَأَوَّلُ وَقْتِ الوَتْرِ بَعْدَ العِشَاءِ، وَآخِرُهُ مَا لَمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ) لِقَوْلِهِ ﵊ فِي الوَتْرِ: «فَصَلُّوهَا مَا بَيْنَ العِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الفَجْرِ» قَالَ ﵁: هَذَا عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَيْهِ: وَقْتُهُ وَقْتُ العِشَاءِ (*)، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُقَدَّمُ عَلَيْهِ عِنْدَ التَّذَكَّرِ لِلتَّرْتِيبِ.
صلاة أخرى» (^١)، حصر التفريط في التأخير إلى وقت صلاة أخرى، فيكون الوقت ممتد إلى طلوع الفجر، كذا في شرح الوجيز (^٢).
وفي المبسوط: روى أبو هريرة أنه ﵇ قال: «آخر وقت العشاء حين طلع الفجر الثاني»، وقال ﵇: «لا يخرُجُ وقت صلاةٍ حتى يدخل وقت صلاةٍ أُخرَى»، وهذا دليل لنا إن ثبت هذا اللفظ، ولكنه شاذ، والمشهور هو الأول (^٣).
قيل: ما نسبه إلى الشذوذ رواه مسلم بمعناه، وما نسبه إلى الشهرة لم يعرف في كتب الحديث، ولأن صلاة العشاء صلاة الليل فيبقى وقتها ما بقي الليل، وفيه تأمل.
وفي شرح الأقطع: ما قبل طلوع الفجر وقت لمن بلغ وأسلم فكان وقتًا لغيرهما، كما قيل نصف الليل، وإمامة جبريل ﵇ في الليل الثاني إلى النصف بيان لوقت الاستحباب لما أن التأخير إليه مكروه.
قوله: (هذا عندهما)، أي ما ذكره القدوري أن وقت الوتر بعد العشاء عند أبي يوسف ومحمد؛ لأنها سنة عندهما، فيكون وقتها بعد العشاء كركعتي الظهر (^٤).
أما عند أبي حنيفة الوتر فرض عملًا فيكون وقته وقت العشاء، إلا أنها لا تقدم عليها لما أن الترتيب بين الفرائض واجب، حتى لو قدم الوتر على العشاء
_________________
(١) (*) الراجح قول أبي حنيفة.
(٢) أخرجه مسلم (١/ ٤٧٢، رقم ٦٨١) من حديث أبي قتادة الأنصاري ﵁.
(٣) فتح العزيز بشرح الوجيز للرافعي (٣/¬٣١).
(٤) المبسوط للسرخسي (١/ ١٤٥).
(٥) انظر: الجوهرة النيرة على مختصر القدوري للحدادي (١/¬٤٢).
[ ١ / ٤٩٠ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
عمدًا تلزمه الإعادة عنده، أما لو قدمه ناسيًا، أو صلى العشاء على غير وضوء، ثم نام وقام وتوضأ وصلى الوتر، ثم تذكر أنه صلى العشاء بغير وضوء فعنده لا يعيد الوتر، وعندهما يعيده في الحالين؛ لأنه سنة، كذا في مبسوط شيخ الإسلام (^١).
وفيمن لا يحد وقت العشاء كما في بلاد بلغار حيث يطلع الفجر فيها قبل غيبوبة الشفق أفتى البقالي والمرغيناني بعدم وجوب العشاء، وأفتى الحلواني بقضائها، فبلغه جواب البقالي فأرسل من يسأله في عامته في جامع خوارزم: ما تقول فيمن أسقط من الصلوات الخمس واحدة هل يكفر؟
فقال البقالي في جوابه: ما تقول فيمن قطع يداه مع المرافق، أو رجلاه مع الكعبين كم فرائض وضوئه لقال ثلاث؛ لفوات محل الرابع، قال: فكذلك الصلاة الخامسة. فبلغ جوابه الحلواني فاستحسنه ووافقه فيه، كذا في الْمُجْتَبى (^٢).
وفي المحيط: أفتى الإمام البرهاني الكبير بوجوب صلاة العشاء، والصحيح أنه لا ينوي القضاء لفقد وقت الأداء (^٣).
وفي تتمة أصحاب الشافعي: في بلاد لا يغيب الشفق عندهم أول وقت العشاء في حقهم أن يمضي من الزمان بعد غروب الشمس قدر ما يغيب الشفق في مثله في أقرب البلاد إليهم، كما في الفطرة إذا لم يكن لهم قوت معلوم معهود يلزمهم قوت أقرب بلاد إليهم، يؤيده ما روى نواس بن سمعان قال: ذكر الدجال رسول الله ﷺ، قلنا: ما لُبْتُهُ في الأرض؟ قال: «أربعون يومًا، يوم كسَنَةٍ، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم»، فقيل: يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنةٍ أيكفينا صلاة يوم؟ قال: «لا، اقدروا له قدره»، رواه مسلم في صحيحه (^٤).
_________________
(١) انظر: درر الحكام لابن فرامرز (١/ ٥١)، والعناية شرح الهداية للبابرتي (١/ ٤٩٧).
(٢) المجتبى لنجم الدين الزاهدي (١/ ٣٠٣).
(٣) المحيط البرهاني لابن مازة (١/ ٢٧٤).
(٤) أخرجه مسلم (٤/ ٢٢٥٠، رقم ٢٩٣٧).
[ ١ / ٤٩١ ]