قَالَ: (وَإِذَا تَنَازَعَا فِي دَابَّةٍ، أَحَدُهُمَا رَاكِبُهَا، وَالآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِلِجَامِهَا: فَالرَّاكِبُ أَوْلَى) لِأَنَّ تَصَرُّفَهُ أَظْهَرُ، فَإِنَّهُ يَخْتَصُّ بِالمِلْكِ وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا رَاكِبًا فِي السَّرْجِ وَالآخَرُ رَدِيفُهُ: فَالرَّاكِبُ أَوْلَى بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَا رَاكِبَيْنِ، حَيْثُ تَكُونُ بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي التَّصَرُّفِ وَكَذَا إِذَا تَنَازَعَا فِي بَعِيرٍ وَعَلَيْهِ حِمْلٌ لِأَحَدِهِمَا، وللآخر كوزٌ مُعلقٌ فَصَاحِبُ الحِمْلِ أَوْلَى لِأَنَّهُ هُوَ المُتَصَرِّفُ (وَكَذَا إِذَا تَنَازَعَا فِي قَمِيصِ أَحَدُهُمَا لَا بِسُهُ وَالآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِكُمِّهِ، فَاللَّابِسُ أَوْلَى) لِأَنَّهُ أَظْهَرُهُمَا تَصَرُّفًا (وَلَوْ تَنَازَعَا فِي بِسَاطِ: أَحَدُهُمَا جَالِسٌ عَلَيْهِ، وَالآخَرُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ: فَهُوَ بَيْنَهُمَا) مَعْنَاهُ: لَا عَلَى طَرِيقِ القَضَاءِ، لِأَنَّ القُعُودَ لَيْسَ بِيَدٍ عَلَيْهِ فَاسْتَوَيَا.
فَصْلٌ فِي التَّنَازُعِ بِالْأَيْدِي
لما ذكر إثبات الملك بالبينة شرع في إثباته باليد والتصرف، وهذا أضعف دليل الملك، فأخره؛ ولهذا لو تعارض اليد والبينة ترجح البينة بالإجماع.
قوله: (فالراكب) أولى ولا خلاف فيه للأئمة الأربعة.
وفي الذخيرة: لو تعلق أحدهما بلجامها والآخر بذنبها؛ فالمتعلق باللجام أولى؛ لأنه لا يتعلق باللجام غالبًا إلا المالك، أما الذنب قد يتعلق به غيره.
قوله: (فالراكب) أي: في السرج (أولى) لأن العادة جرت بأن الملاك يركبون في السرج، وغيرهم يكون رديفا.
قوله: (فصاحب الحمل أولى) ولا يعلم فيه خلاف، وكذا اللابس أولى من المتعلق بالكم، ولا يعلم فيه خلاف أيضًا (لأنه) أي: اللابس (أظهرهما تصرفًا) ولهذا يصير به غاصبا.
قوله: (فهو بينهما) أي: لا على طريق القضاء؛ بل يترك في يديهما، وكذا لو كانا جالسين عليه وادعياه فهو بينهما؛ لأن العقود ليس بيد عليه؛ إذ اليد على البساط لا يثبت إلا بالنقل والتحويل، أو بكونه في يده، ولم يوجد شيء من ذلك؛ ولهذا لا يصير غاصبا بمجرد القعود عليه بخلاف الركوب على الدابة، فإنه يصير غاصبا بمجرد الركوب عليه بغير الإذن.
[ ٦ / ٨٤٩ ]
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ ثَوْبٌ فِي يَدِ رَجُلٍ، وَطَرَفٌ مِنهُ فِي يَدِ آخَرَ، فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ)
فإن قيل: فلما لم تثبت اليد عليه بالقعود، ينبغي ألا يقضى بينهما نصفين، كما في الدار لو كانا قاعدين فيها؛ فإنه لا يقضى بها بينهما؛ لأن بالقعود في الدار لا تثبت اليد عليها كالجلوس على البساط، فما وجه الفرق؟
قلنا: القضاء في البساط باعتبار علم القاضي حسا وعيانًا أنه ليس في يد غيرهما، فقضى بينهما لانعدام مدع غيرهما عيانًا باليد أو بالملك، أما في الدار إن علم القاضي أنها ليست في أيديهما يخلو بينها فيها، ولكن لما لم يعلم أنها ليست في يد غيرهما؛ لأن اليد على الدار إنما تثبت بالسكنى فيها أو بالاحتطاط له، والقاضي إن علم أنه ليس أحد يسكن فيها لكن لم يعلم زوال يد الاحتطاط عنها؛ لأن الدار إن ثبتت يد المحيط عليها في مكان لم يتحول عن ذلك إلى مكان آخر، فكان يد المحيط له ثابتة على الدار حكمًا، إلا أنه جهل صاحب اليد، وجهالة صاحب اليد لا يجوز القضاء لغيره لم يثبت عدم كونها في يد غيرها، ويثبت في المنقول، فجوزنا الحكم في المنقول دون العقار. إليه أشار في الذخيرة.
قوله: (وطرف منه في يد آخر فهو بينهما) وهذا يدل على أن جميع الثوب لو كان في يد رجل وادعى أنه له؛ كان القول له، لكن هذا إذا عرف مثل هذا الثوب كان له في العادة، وإلا فلا، فإنه ذكر في المحيط والذخيرة: خرج رجل من دار رجل وعلى عاتقه متاع، فإن كان هذا المتاع يعرف الرجل ببيعه وحمله؛ فهو له، وإن لم يعرف بذلك؛ فهو لرب الدار.
وفي القدوري: لو أن خيَّاطًا يخيط ثوبًا في دار رجل وتنازعا في الثوب؛ فالقول لصاحب الدار.
وفي نوادر ابن سماعة عن أبي يوسف: رجل دخل دارا فوجد معه مال، فقال رب الدار: هذا مالي أخذته من منزلي، فقال أبو حنيفة: القول لرب الدار ولا يصدق الداخل في شيء ما خلا ثيابه التي عليه إن كانت الثياب مما يلبسه.
وقال أبو يوسف: إن كان الداخل رجلا يعرف بصناعة شيء، بأن كان مثلا حمالًا يحمل الزيت فدخل وعلى رقبته زق زيت، أو كان ممن يبيع ويطوف
[ ٦ / ٨٥٠ ]
لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ جِنْسِ الحُجَّةِ، فَلَا تُوجِبُ زِيَادَةً فِي الاسْتِحْقَاقِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ صَبِيٌّ فِي يَدِ رَجُلٍ وَهُوَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ: أَنَا حُرٌّ، فَالقَوْلُ
بالمتاع في الأسواق؛ فالقول له، وإلا فلا، فأثبت في هذه المسائل أن اليد في المنقول إنما تعتبر عند دلالة الدليل على أن ذلك الشيء له عادة، وإلا فلا.
قوله: (لأن الزيادة من جنس الحجة) فإن كل واحد مستمسك باليد، إلا أن أحدهما أكثر استمساكًا، فلا يوجب ذلك رجحانا، كما لو تنازعا في دابة ولواحدٍ عليها مائة منّ، ولآخر خمسون منا؛ كانت بينهما نصفين، وكما لو أقام أحدهما اثنين من الشهود والآخر أربعة، وهذا احتراز عما ذكر قبله، لو تنازعا في قميص، وأحدهما لابسه والآخر متعلق بكمه؛ فاللابس أولى؛ لأن اللبس تصرف آخر سوى التصرف باليد.
فإن قيل: يشكل على هذا ما لو ذكر بعده، وإن كان جذوع أحدهما أقل من ثلاثة، وللآخر ثلاثة؛ فهو لصاحب الثلاثة، حيث جعل الزيادة من جنس الحجة موجبة للترجيح؛ إذ الشاهد من الطرفين وضع الجذع.
قلنا: جوابه يجيء في تلك المسألة.
قوله: (وهو يعبر عن نفسه) أي: يتكلم ويعقل ما يقول.
وفي الذخيرة: ادعيا عبدًا وهو في أيديهما، فإن كان العبد لا يعبر عن نفسه؛ فالقاضي لا يقضي لهما بالملك ما لم تقم البينة، ولكن يجعله في يديهما إذا لم يعبر عن نفسه، فهو والبهيمة سواء، وعرف القاضي يدهما ولا يعرف الملك لهما فيحكم باليد دون الملك، وعند الأئمة الثلاثة يحكم بالملك أيضًا؛ لأن اليد فيه دليل الملك.
وإن كان العبد يعبر عن نفسه، وقال: أنا حر؛ فالقول له، ولا يقضى لهما بشيء، وبه قال الشافعي في وجه، وأحمد في رواية. وقال في وجه: هو كالذي يعبر عن نفسه، وبه قال أحمد في رواية.
ولو قال: أنا عبد أحدهما؛ لم يصدق، وهو عبدهما؛ لأنه لما أقر بالرق فقد ثبتت يدهما عليه حقيقة وحكمًا؛ لأن يد الحر تثبت على الرقيق، ثم هو
[ ٦ / ٨٥١ ]
قوله) لأنه في يد نفسه (ولو قال: أنا عبد لفلان: فهو عبد للذي هو في يده) لأنه
بقوله: أنا عبد أحدهما، يريد إبطال اليد الثابتة عليه لأحدهما حقيقة وحكما، فلا يقدر عليه بخلاف ما لو قال: أنا حر الأصل؛ لأنه أنكر ثبوت اليد على نفسه، واليد لا تثبت للحر على الحر، فكان القول قوله، وكذا لو كان عبد في يد رجل فأقر أنه لآخر لم يصدق، والقول لصاحب اليد.
فإن قيل: إقراره بالرق من المضار المحض، فينبغي ألا يصح، كإقراره بالدين والطلاق والعتاق.
قلنا: الرق هاهنا لا يثبت بإقراره؛ بل بدعوى ذي اليد؛ لأن عند معارضته إياه بدعوى الحرية لا تتقرر يده عليه، وعند عدم المعارضة تتقرر يده عليه، كما في الصبي الذي لا يعقل؛ لأن الإقرار بالرق مما يمكن تداركه؛ إذ التناقض في معنى الحرية لا يمنع صحة الدعوى، بخلاف الإقرار بالدين؛ لأنه مما لا يمكن تداركه؛ لأن التناقض فيه يمنع صحة الدعوى، وكذا في الطلاق والعتاق.
قوله: وإن كان لا يعبر عن نفسه (فهو عبد للذي في يده).
فإن قيل: يشكل باللقيط، فإن الملتقط لو ادعى أنه عبد لا يصدق، وبه قال الشافعي وأحمد، وهذا يصدق.
قلنا: يد الملتقط نائب من وجه دون وجه؛ لأنها نائبة حقيقة لا حكما، فإن الملتقط أمين في اللقيط، ويد الأمين في الحكم يد غيره، فلم تصح الدعوى منه مع الشك، بخلاف غيره؛ لأن يده عليه ليست يد غيره، فتكون اليد عليه ثابتة حقيقة وحكما، فتصح الدعوى منه.
فإن قيل: وجب ألا يصدق في دعوى الرق؛ لأن الحرية ثابتة الأصل؛ إذ الأصل في بني آدم الحرية؛ لأنهم أولاد آدم وحواء، وهما كانا حرين، فكان ما يدعيه من الرق أمرا عارضا، فلا يقبل قوله إلا بحجة.
قلنا: اعترض على الأصل ما يدل على خلافه فيبطل الأصل؛ إذ اليد على من هذا شأنه دليل على خلاف ذلك الأصل؛ لأنها دليل
الملك، فيبطل ذلك الأصل. كذا في الفوائد الظهيرية، وفيه نوع تأمل.
[ ٦ / ٨٥٢ ]
أَقَرَّ بِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ حَيْثُ أَقَرَّ بِالرِّقِّ (وَإِنْ كَانَ لَا يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ عَبْدٌ لِلَّذِي هُوَ فِي يَدِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَدَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ لَمَّا كَانَ لَا يُعَبِّرُ عَنْهَا وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَتَاعِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ يُعَبِّرُ، فَلَوْ كَبِرَ وَادَّعَى الحُرِّيَّةَ لَا يَكُونُ القَوْلُ قَوْلَهُ لِأَنَّهُ ظَهَرَ الرِّقُ عَلَيْهِ فِي حَالِ صِغَرِهِ.
قَالَ: (وَإِذَا كَانَ الحَائِطُ لِرَجُلٍ عَلَيْهِ جُذُوعٌ، أَوْ مُتَّصِلٌ بِبِنَائِهِ، وَلَآخَرَ عَلَيْهِ هَرَادِيٌّ: فَهُوَ لِصَاحِبِ الجُذُوعِ وَالاتِّصَالِ، وَالهَرَادِيُّ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ) لِأَنَّ صَاحِبَ الجُذُوعِ صَاحِبُ اسْتِعْمَالٍ، وَالآخَرُ صَاحِبُ تَعَلُّقِ، فَصَارَ كَدَابَّةٍ تَنَازَعَا فِيهَا وَلِأَحَدِهِمَا حِمْلٌ عَلَيْهَا، وَلِلْآخَرِ كُوزٌ مُعَلَّقٌ بِهَا، وَالمُرَادُ بِالاتِّصَالِ مُدَاخَلَةُ لَبِنِ جِدَارِهِ فِيهِ، وَلَبِنُ هَذَا فِي جِدَارِهِ، وَقَدْ يُسَمَّى اتِّصَالُ تَرْبِيعٍ، وَهَذَا شَاهِدٌ ظَاهِرٌ لِصَاحِبِهِ، لِأَنَّ بَعْضَ بِنَائِهِ عَلَى بَعْضٍ بِنَاءِ هَذَا الحَائِطِ.
واليد على البالغ لا تدل على الملك باتفاق الأئمة الأربعة.
قوله: (فهو لصاحب الجذوع) وقال الشافعي وأحمد: لا ترجيح بوضع الجذوع؛ لأن الوضع قد يكون عن ملك، وقد يكون عن استعارة أو غصب، فلا ترجيح بالمحتمل.
وقلنا: واضع الجذوع مستعمل للحائط بالوضع، والاستعمال يد، وعند التعارض القول لصاحب اليد.
قوله: (والمراد بالاتصال)؛ أي: الاتصال المذكور في قوله: (أو متصل ببنائه) يعني: الاتصال ضربان اتصال تربيع واتصال ملاصقة، والأول هو المراد (وقد يسمى اتصال تربيع).
في الذخيرة: تفسيره: إذا كان الحائط من مَدَرٍ أو أجر أن يكون أنصاف لبن الحائط المتنازع فيه داخله في أنصاف لبن غير المتنازع فيه، وأنصاف لبن غير المتنازع فيه داخلة في المتنازع فيه، ولو كان الجدار من خشب؛ فالتربيع أن يكون ساجة، بالجيم، إحداهما مركبة في الأخرى، وأما إذا نقب فأدخل لا يكون تربيعا، وهذا ظاهر الرواية، وهو شاهد ظاهر لصاحبه؛ لأن الظاهر هو الذي بناه مع حائطه؛ إذ داخله أنصاف اللبن لا يتصور إلا عند بناء الحائطين معًا، فهو أولى، وبه قال الشافعي وأحمد.
[ ٦ / ٨٥٣ ]
وَقَوْلُهُ: «الهَرَادِيُّ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ»: يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ لِلْهَرَادِيِّ أَصْلًا، وَكَذَا البَوَارِي، لِأَنَّ الحَائِطَ لَا تُبْنَى لَهَا أَصْلًا، حَتَّى لَوْ تَنَازَعَا فِي حَائِطٍ وَلِأَحَدِهِمَا عَلَيْهِ هَرَادِيٌّ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ عَلَيْهِ شَيْءٌ: فَهُوَ بَيْنَهُمَا (وَلَوْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَيْهِ جُذُوعٌ ثَلَاثَةٌ فَهُوَ بَيْنَهُمَا) لِاسْتِوَائِهِمَا، وَلَا مُعْتَبَرَ بِالأَكْثَرِ مِنهَا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ (وَإِنْ كَانَ جُذُوعُ أَحَدِهِمَا أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَهُوَ لِصَاحِبِ الثَّلَاثَةِ وَلِلْآخَرِ مَوْضِعُ جِذْعِهِ)
وفي الذخيرة الاتصال بالتربيع أولى، وكان الكرخي يقول: صفة هذا الاتصال أن يكون الحائط المتنازع فيه من الجانبين جميعًا متصلا بحائطين لأحدهما، والحائطان متصلان بمقابلة الحائط المتنازع، حتى يصير متربعًا شبه القبة، فحينئذ يكون الكل في حكم شيء واحد، فصاحب الاتصال أولى، والمروي عن أبي يوسف أن المعتبر اتصال جانبي الحائط.
قوله: (والهرادي ليس بشيء) وفي دستور اللغة: هرادي السقف: خشباته، وبالفارسية (شه).
قوله: (فهو بينهما باتفاق الأئمة الأربعة؛ لأن وضع الهرادي والبواري لا تثبت لصاحبها على الحائط يد استعمال؛ لأن الحائط للتسقيف، وذلك بوضع الجذوع عليه لا بوضع الهرادي والبواري، وإنما توضع البواري والهرادي للاستظلال، والحائط لا يُبتنى إلا للاستظلال، فصار كما لو كان لأحدهما على الحائط ثوبٌ مبسوط ولا شيء للآخر، وهناك يقضى بينهما، فكذا هاهنا.
قوله: (ولا معتبر بالأكثر منها) أي: من الثلاثة، حتى لو كان لأحدهما عشر خشبات ولآخر ثلاثة؛ فهو بينهما، ولا يعتبر التفاوت بعد تمام النصاب؛ إذ الثلاث أقل الجمع، كما في البينات، وكما لو كان لأحدهما على الدابة مائة من، ولآخر خمسون منا.
قوله: (وللآخر) أي: لصاحب الجذع أو الاثنين موضع جذعه) وهو رواية كتاب الإقرار.
وفي الإيضاح: يريد به له حق وضع الجذع حتى لا يمنع منه، وهذا إذا ثبت ملكه بسبب العلامة، أما لو ثبت بالبينة كان لصاحب الجذوع أن يمنع
[ ٦ / ٨٥٤ ]
فِي رِوَايَةٍ، وَفِي رِوَايَةٍ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا تَحْتَ خَشَبَتِهِ، ثُمَّ قِيلَ: مَا بَيْنَ الخَشَبِ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: عَلَى قَدْرِ خَشَبِهِمَا، وَالقِيَاسُ: أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ، لِأَنَّهُ لَا مُعْتَبَرَ بِالكَثْرَةِ فِي نَفْسِ الحُجَّةِ.
وَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الِاسْتِعْمَالَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ خَشَبَتِهِ. وَوَجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّ
صاحب الجذع الواحد أو الاثنين من وضع جذعه على جداره، وهكذا ذكر في المبسوط وغيره.
(وفي رواية: لكل واحد ما تحت خشبته) وهو رواية كتاب الدعوى، حيث قال: إن الحائط بينهما على قدر الأجذاع، ثم قيل: ما بين الخشب بينهما؛ أي: نصفان.
(وقيل: على قدر خشبهما) أي: على رواية كتاب الدعوى.
وفي الذخيرة: يقضى ما بين الحشبات على رواية كتاب الدعوى عند البعض على أحد عشر سهما، وعند البعض بينهما نصفين؛ لاستوائهما في ذلك، كما لو اختلفا في ساحة المنزل يقضى بينهما نصفان، والقياس أن يكون بينهما نصفين، وهو رواية عن أبي حنيفة، وقياس قول الشافعي وأحمد؛ لأنه لا اعتبار للجذوع عندهما، فلا تجيء هذه التفاصيل عندهما.
ووجهه: أن وضع الخشبة حجة في هذا الباب؛ لأن به يثبت الاستعمال، كما كان لأحدهما خشبة واحدة ولا شيء للآخر، وإذا كان كذلك لا يترجح بزيادة الخشبات؛ لأن الحجة لا تترجح بزيادة من جنسها.
قوله: (ووجه الثاني) وهو رواية كتاب الدعوى؛ (لأن الاستعمال من كل واحد بقدر خشبته)؛ إذ ذلك الموضع مشغول بجذعه.
قوله: (وجه الأول) وهو رواية كتاب الإقرار، وهو الاستحسان، أن الحائط يبنى للتسقيف والتسقيف لا يحصل بالخشبة الواحدة، ووضع الخشبة وإن كان حجة لكن ناقصة، فلا تعتبر، ولو كان لأحدهما خشبتان وللآخر ثلاثة اختلف فيه.
قيل: كالثلاثة؛ لأنه لا يمكن التسقيف بهما، وقيل: بمنزلة الواحدة؛ إذ لا
[ ٦ / ٨٥٥ ]
الحَائِط يُبْنَى لِوَضْعِ كَثِيرِ الجُذُوعِ دُونَ الوَاحِدِ وَالمُثَنَّى، فَكَانَ الظَّاهِرُ شَاهِدًا لِصَاحِبِ الكَثِيرِ، إِلَّا أَنَّهُ يَبْقَى لَهُ حَقُّ الوَضْعِ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي اسْتِحْقَاقِ يَدِهِ وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا جُذُوعٌ، وَلِلْآخَرِ اتِّصَالُ: فَالأَوَّلُ أَوْلَى وَيُرْوَى: الثَّانِي أَوْلَى وَجْهُ الأَوَّلِ: أَنَّ لِصَاحِبِ الجُذُوعِ التَّصَرُّفَ وَلِصَاحِبِ الاتِّصَالِ اليَدَ، وَالتَّصَرُّفُ أَقْوَى.
وَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الحَائِطَيْنِ بِالاتِّصَالِ يَصِيرَانِ كَبِنَاءٍ وَاحِدٍ مِنْ ضَرُورَةِ القَضَاءِ لَهُ بِبَعْضِهِ القَضَاءُ بِكُلِّهِ، ثُمَّ يَبْقَى لِلْآخَرِ حَقٌّ وَضْعِ جُذُوعِهِ لِمَا قُلْنَا، وَهَذِهِ رِوَايَةُ الطَّحَاوِيِّ وَصَحَّحَهَا الجُرْجَانِيُّ.
يمكن التسقيف بهما إلا على الندرة باعتبار الظاهر، وهو ليس بحجة في استحقاق يده، ويعلم منه الجواب الموعود، وهذا احتراز عما لو ثبت بالبينة، فإن فيه له أن يمنع عن الوضع؛ لأن البينة حجة صالحة للاستحقاق.
قوله: (ولو كان لأحدهما اتصال وللآخر جذوع) وهو الصحيح من النسخ؛ ليوافق الدليل المدعى، وفي بعض النسخ: (ولو كان لأحدهما جذوع وللآخر اتصال).
وفي الذخيرة: لو كان الاتصال في طرف واحد، فقال شيخ الإسلام والطحاوي وأبو عبد الله المرشد: إن صاحب الاتصال أولى، وذكر شمس الأئمة السرخسي: صاحب الجذوع أولى (^١).
ولو كان الاتصال في طرفي الحائط المتنازع فيه فصاحب الاتصال أولى، وعليه عامة المشايخ، وهكذا روي عن أبي يوسف في الأمالي، ومن ضرورة القضاء ببعضه القضاء بكله، أو يرد المختلف فيه إلى المتفق عليه.
قوله: (لما قلنا) إشارة إلى قوله: (لأن الظاهر ليس بحجة).
فإن قيل: لما قضي بالحائط لصاحب الاتصال ينبغي أن يؤمر الآخر برفع جذوعه لا وضعها على ملك الغير بغير سبب ظاهر، كما لو تنازعا في دابة لأحدهما عليها حمل، وللآخر عليها مخلاة - يقضى بها لصاحب الحمل، ويؤمر برفع المخلاة.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٨/ ٨٨).
[ ٦ / ٨٥٦ ]
قَالَ: (وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ مِنهَا فِي يَدِ رَجُلٍ عَشَرَةُ أَبْيَاتٍ وَفِي يَدِ آخَرَ بَيْتٌ فَالسَّاحَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي اسْتِعْمَالِهَا وَهُوَ الْمُرُورُ فِيهَا.
قلنا: وضع المخلاة لا يكون مستحقا له على دابة الغير بسبب في الأصل، وكان من ضرورة القضاء بالدابة لصاحب العمل أمر الآخر برفع المخلاة، أما هاهنا حق وضع الجذع يثبت له على حائط بأن كان ذلك مشروطًا في أصل القسمة، فليس من ضرورة الحكم لصاحب الاتصال استحقاق رفع الجذع على الآخر، وهذا بخلاف ما لو أقام أحدهما البينة وقضى له؛ حيث يؤمر برفع جذوعه عن ملكه؛ لما ذكرنا.
قوله: (فالساحة) بالحاء المهملة، وهو عرصة في الدار وبين يديها.
(لاستوائهما في استعمالها) أي: استعمال الساحة؛ لأن استعمال الساحة للمرور، ووضع الأمتعة أيضًا، وصب الوضوء وكسر الحطب، وهما في ذلك سواء، ولعل مرور صاحب القليل أكثر لزمانة صاحب الكثير، وكون صاحب القليل وَلاجًا وخرَّاجًا، على أن الترجيح لا يقع بكثرة ما هو من جنس العلة، وصار كالطريق يستوي فيه صاحب المنزل والدار والبيت؛ وهذا لأن الاستحقاق باعتبار أصل اليد؛ ألا ترى أنهما لو تنازعا في ثوب وعامته في يد أحدهما وفي يد الآخر طرف منه؛ يقضى بينهما؛ لما أن أصل اليد حجة للاستحقاق، فالقليل فيه يساوي الكثير، وكما لو أقام أحدهما شاهدين والآخر أربعة، فهما سواء، وبقولنا: قال الشافعي وأحمد.
فإن قيل: لو أقام أحدهما شاهدًا والآخر شاهدين يقضى بالكثرة، وكذا لو كان في يد أحدهما [ثوب] (^١) وفي يد الآخر هُدْبُهُ؛ يقضى للذي في يده، فهذا ترجيح بالكثرة، وكذا لو أخبر عدلان بطهارة الماء، وعدل واحد بنجاسته؛ يحكم بطهارته، وهذا ترجيح بالكثرة، وكذا لو تنازعا في حائط، ولأحدهما عليه جذوع ولآخر جذع؛ فهو لصاحب الجذوع وهذا ترجيح بالكثرة، وكذا لو تنازعا في الشرب يقسم بينهما على قدر الأراضي، بخلاف مسألة الكتاب ففي الكل ترجيح بالكثرة.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٨٥٧ ]
قَالَ: (وَإِذَا ادَّعَى رَجُلَانِ أَرْضًا) يَعْنِي يَدَّعِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا فِي يَدِهِ (لَمْ يُقْضَ أَنَّهَا فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى يُقِيمَا البَيِّنَةَ أَنَّهَا فِي أَيْدِيهِمَا) لِأَنَّ اليَدَ فِيهَا غَيْرُ مُشَاهَدَةٍ لِتَعَذَّرِ إِحْضَارِهَا وَمَا غَابَ عَنْ عِلْمِ القَاضِي فَالبَيِّنَةُ تُثْبِتُهُ.
قلنا: أما مسألة الشهادة لا تلزمنا؛ لأن الشاهد الواحد غير معتبر بالنص، فلا يصلح حجة للقضاء والاستحقاق، وأما في مسألة الثوب الاستحقاق باعتبار اليد، ويد صاحب الهدب على الهُذب لا الثوب، فلا يثبت الاستحقاق به، أما هاهنا يثبت سبب الاستحقاق، وهو المرور.
وأما في الإخبار بنجاسة الماء وطهارته، فخبر العدل يترجح في أمور الدين باعتبار ترجيح الصدق، وفي العدد يفيد زيادة الصدق أيضًا، وفيما نحن فيه استويا في سبب الاستحقاق.
وأما مسألة الجذوع، فلما بينا أن الحائط لا يبتنى لوضع خشبة واحدة لعدم التسقيف فيه، وأما مسألة الشرب، فإن الشرب شيء تحتاج إليه الأراضي دون الأرباب، فبكثرة الأراضي كثر الاحتياج إليه، فيستدل به على كثرة حق له في الشرب، أما الساحة فيحتاج إليه الأرباب بنفسه، وهما سواء في الاحتياج كما ذكرنا. إليه أشار الإمام التمرتاشي والمحبوبي.
قوله: (وإذا ادعى الرجلان أرضًا) إلى آخره.
في الفوائد الظهيرية: هاهنا مسألة غفل عنها القضاة، وهي أنه لو ادعى أرضًا، والمدعى عليه يزعم أنها في يده، وأقام المدعي بينة على الملك؛ فالقاضي لا يقضي ببينته؛ لجواز أن تكون الأرض في يد ثالث، والمدعي والمدعى عليه تواضعا على ذلك، وهذه حيلة ليجعلها القاضي في يد أحدهما ما لم يثبت كون الأرض في يد المدعى عليه بالبينة لا يقضي، إلا أنه يمنع المقر من أن يزاحم المقر له؛ لأن إقراره حجة في حقه، وإن أقام أحدهما البينة جعلت في يده.
فإن قيل: البينة حجة على الخصم، ولا خصم هاهنا؛ لأنه لم يثبت كونها
[ ٦ / ٨٥٨ ]
(وَإِنْ أَقَامَ أَحَدُهُمَا البَيِّنَةَ جُعِلَتْ فِي يَدِهِ) لِقِيَامِ الحُجَّةِ، لِأَنَّ اليَدَ حَقٌّ مَقْصُودٌ (وَإِنْ أَقَامَا البَيِّنَةَ جُعِلَتْ فِي أَيْدِيهِمَا) لِمَا بَيَّنَّا فَلَا يَسْتَحِقُّ لِأَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ لَبَّنَ فِي الْأَرْضِ أَوْ بَنَى أَوْ حَفَرَ فَهِيَ فِي يَدِهِ) لِوُجُودِ التَّصَرُّفِ وَالاسْتِعْمَالِ فِيهَا.
في يد الآخر، فكيف يقضى باليد؟
قلنا: هو خصم باعتبار منازعته في اليد، ومن كان خصمًا لغيره باعتبار منازعته في شيء شرعًا كانت بينته مقبولة.
وذكر التمرتاشي: لو طلب كل واحدٍ يمين صاحبه ما هي في يده؛ حلف كل واحد ما في يد صاحبه على البتات، ولو حلفا ولم يقض باليد لهما، وبرئ كل واحد [عن] (^١) دعوى صاحبه، وتوقف الدار إلى أن تظهر حقيقة الحال، ولو نكلا قضي لكل واحد بالنصف الذي في يد صاحبه، ولو نكل أحدهما قضي عليه لكلها للحالف نصفها كان في يده، ونصفها الذي كان في يد صاحبه لنكوله، ولو كانت الدار في يد ثالث لم تنزع من يده؛ لأن نكوله ليس بحجة في حق الثالث.
قوله: (وإن أقاما البينة جعلت في أيديهما؛ لما بينا) وهو قيام الحجة، كما لو ادعى الملك وأقاما بينة، أما لو طلبا القسمة؛ فالقاضي لا يقسم بينهما ما لم يقيما البينة على الملك.
وفي الفوائد الظهيرية: قال بعض مشايخنا: هذا قول أبي حنيفة، وأما على قولهما يقسم بناء على مسألة أخرى، وهي أن الدار في يد ورثة كبار أقروا عند القاضي أنها ميراث عن أبيهم، والتمسوا منه القسمة - لا يقسمها بينهم حتى يقيموا البينة أن أباهم مات وخلَّفَها ميرانا لهم عند أبي حنيفة، وعندهما يقسمها بإقرارهم.
قوله: (لوجود التصرف والاستعمال فيها) أي: في الدار، ومن ضرورته إثبات اليد، كالركوب في الدابة واللبس في الثوب. ذكره البزدوي.
_________________
(١) ما بين المعقوفتين مثبت من النسخة الثانية.
[ ٦ / ٨٥٩ ]