قَالَ: (وَإِذَا أَقَرَّ الحُرُّ البَالِغُ العَاقِلُ بِحَقِّ لَزِمَهُ إقْرَارُهُ، مَجْهُولًا كَانَ مَا أَقَرَّ بِهِ أَوْ مَعْلُومًا).
كِتَابُ الْإِقْرَارِ
لما فرغ من الدعوى شرع في الإقرار؛ لأن جواب الدعوى إما أن يكون إقرارًا أو إنكارًا، فشرع في الإقرار، ثم بالصلح؛ لأنه يكون في الأغلب بعد الإنكار.
ومحاسن الإقرار كثيرة، منها: انتفاء الواجب عن ذمته، ومنها إيصال الحق إلى صاحبه، واتباع صاحب الحق، وإرضاء خالق الخلق، فكم من صاحب ملك لا يعرف ملكه، أو لا يعرف مقدار حقه أو ملكه! ومنها: إحماد الناس المُقِرَّ بصدق القول ووفاء العهد.
ثم الكلام في الإقرار لغةً وشرعًا، وفي ركنه وشرطه وحكمه، ودليل كونه حجة.
أمَّا لغةً: (إِفْعال) من قَرَّ الشيء، إذا ثبت، فالإقرار إثبات لما كان متزلزلا بين الإقرار والجحود.
وأما شرعًا: فإخبار عن ثبوت الحق للغير على نفسه.
وسببه: إرادة إسقاط الواجب عن ذمته.
وركنه: الألفاظ فيما يجب به موجب الإقرار.
وشرطه: العقل والبلوغ بلا خلاف، وفي كون المقر غير مبذر وغير سفيه وغير سكران اختلاف.
وحكمه ظهور ما أقر به ولزومه لا إثباته ابتداء؛ ألا ترى أنه لا يصح الإقرار بالطلاق والعتاق مع الإكراه، والإنشاء يصح مع الإكراه عندنا؛ ولهذا
[ ٦ / ٨٧٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قالوا: لو أقرَّ بمال لغيره كاذبًا، والمقر له يعلم أنه كاذب لا يحل له أخذه عن كره منه ديانةً، إلا أن يسلمه بطيب نفسه، فيكون كتمليك مبتدأ.
وقيل: حكمه لزوم ما أقر به على المقر، وعمله إظهار ما أقر به لا التمليك به ابتداء.
ويدل عليه مسائل:
منها: أنه لو أقر بعين لا يملكه يصح إقراره وإن لم يملك تمليكه، حتى لو ملكه المقر يومًا من الدهر يؤمر بتسليمه إلى المقر له.
منها: أن إقرار المسلم بالخمر يصح وإن لم يملك تمليكا مبتدأ.
ومنها: أن المريض الذي لا دين عليه إذا أقر بجميع ماله لأجنبي صح إقراره، ولا يتوقف على إجازة الورثة، ولو كان تمليكا لا ينفذ إلا بقدر الثلث عند عدم الإجازة.
منها: أن العبد المأذون لو أقرَّ بما في يده صح، ولو تبرع به ابتداء لا يجوز.
وهو مشروع بالكتاب، قال تعالى: ﴿بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ﴾ [النساء: ١٣٥] قال المفسرون: شهادة المرء على نفسه إقرار، وقال تعالى: ﴿بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ [القيامة: ١٤] أي شاهدة، وقال تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والإملال: الإقرار، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ إلى قوله ﴿ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران: ٨١]، وقال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٢]، وقال تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢].
وبالسنة، فما روي أنه ﵇ رجم ماعزا بإقراره على نفسه بالزنا، والغامدية بإقرارها (^١)، وفي حديث العسيف «فاغْدُ يا أُنَيْسُ بِامْرَأَةِ هذا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣/ ١٣٢١) رقم (١٦٩٥) من حديث بريدة بن الحصيب ﵁.
[ ٦ / ٨٧٩ ]
اعْلَمْ أَنَّ الإِقْرَارَ إِخْبَارٌ عَنْ ثُبُوتِ الحَقِّ، وَأَنَّهُ مُلْزِمٌ لِوُقُوعِهِ دَلَالَةٌ؛ أَلَا تَرَى كَيْفَ أَلْزَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَاعِزًا ﵁ الرَّحْمَ بِإِقْرَارِهِ وَتِلْكَ المَرْأَةَ بِاعْتِرَافِهَا. وَهُوَ حُجَّةٌ قَاصِرَةٌ لِقُصُورِ وِلَايَةِ الْمُقِرِّ عَنْ غَيْرِهِ فَيَقْتَصِرُ عَلَيْهِ.
وَشَرَطُ الحُرِّيَةَ لِيَصِحَ إِقْرَارُهُ مُطْلَقًا، فَإِنَّ العَبْدَ المَأذُونَ لَهُ وَإِنْ كَانَ مُلْحَقًا بِالحُرِّ فِي حَقِّ الإِقْرَارِ، لَكِنَّ المَحْجُورَ عَلَيْهِ لَا يَصِحُ إِقْرَارُهُ بِالمَالِ وَيَصِحُ بِالحُدُودِ وَالقِصَاصِ، لِأَنَّ إِقْرَارَهُ عُهِدَ مُوجِبًا لِتَعَلَّقِ الدَّيْنِ بِرَقَبَتِهِ وَهِيَ مَالُ المَوْلَى، فَلَا يُصَدَّقُ
فَارْجُمُها» (^١) فلما جعل الإقرار حجة في الحدود التي تدرأ بالشبهات؛ فَلَأَنْ يكون حجة في غيرها أولى، وعليه إجماع الأمة.
والدليل المعقول: أن الإقرار خبر محتمل للصدق والكذب فيرجح جانب الصدق؛ لأنه غير متهم فيه، فإن المال محبوب المرء طبعًا، فلا يقر لغيره كاذبًا مع كمال عقله ودينه وطبعه والزواجر شرعًا عن الكذب.
قوله: (إخبار عن ثبوت الحق لا إثبات كما بينا.
وفي المحيط: ولهذا لو أقرَّ بخمر للمسلم يصح ويؤمر بتسليمها إذا طلب استرداده، ولو أقر بخمر مستهلكة له لا يصح؛ لأنه لا يجب للمسلم يد الخمر.
(لوقوعه دلالة) أي: لوقوع الإقرار دلالة على وجود المخبر به.
قوله: (وتلك المرأة) وهي الغامدية، امرأة من غامِدٍ، حَيٌّ من الأَزْدِ.
قوله: (وهو حجة قاصرة) بخلاف البينة، فإنها تصير حجة بالقضاء، وله ولاية نفسه دون غيره فيقتصر عليه، حتى لو أقرَّ بمجهول الأصل بالرق جاز ذلك على نفسه وماله، ولم يصدق على أولاده وأمهاتهم ومدبريه ومكاتبيه؛ لأنه قد ثبت حق الحرية أو استحقاق الحرية، فلا يصدق عليهم.
وقوله: (لأن إقراره) أي: إقرار العبد المحجور (عهد) أي: عرف (موجبا تعلق الدين) متصل بقوله: (لا يصح إقراره بالمال).
(وهي مال المولى) يعني: ضعفت ذمته بالرق، فانضمت إليها مالية الرقبة، وهي ملك المولى، فلا يصح إقراره عليه.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣/ ١٠٢ رقم ٢٣١٤) ومسلم (٣/ ١٣٢٤ رقم ١٦٩٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٦ / ٨٨٠ ]
عَلَيْهِ، بِخِلَافِ المَأْذُونِ، لِأَنَّهُ مُسَلَّطٌ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ، وَبِخِلَافِ الحَدِّ وَالدَّمِ، لِأَنَّهُ مُبْقَى عَلَى أَصْلِ الحُرِّيَّةِ فِي ذَلِكَ، حَتَّى لَا يَصِحَ إِقْرَارُ المَوْلَى عَلَى العَبْدِ فِيهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ البُلُوغِ وَالعَقْلِ، لِأَنَّ إِقْرَارَ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ غَيْرُ لَازِمٍ لِانْعِدَامِ أَهْلِيَّةِ الالتِزامِ، إِلَّا إِذَا كَانَ الصَّبِيُّ مَأْذُونَا لَهُ، لِأَنَّهُ مُلْحَقِّ بِالبَالِغِ بِحُكْمِ الإِذْنِ،
قوله: (بخلاف المأذون؛ لأنه) أي: المأذون (مسلط عليه) أي: على الإقرار (من جهته) أي: من جهة سيده؛ لأنه لما سلطه على التجارة، والتجارة لا تكون إلا بصحة الإقرار؛ إذ لو لم يصح إقراره انحسم عليه باب التجارة، فإن الناس لا يبايعونه إذا علموا أن إقراره لا يصح؛ إذ لا يتهيأ لهم الإشهاد في كل تجارة. كذا في مبسوط شيخ الإسلام والذخيرة، ولا خلاف فيه.
بخلاف الحدود والقصاص؛ لأنه مبقى على أصل الحرية؛ ولهذا لا يصح إقرار المولى عليه بالحد والقصاص، وبه قال الشافعي ومالك وأبو الخطاب الحنبلي.
وعن أحمد: أن إقرار العبد بالحد والقصاص في ما دون النفس يصح، وإقراره بما يوجب القصاص في النفس لا يقبل، ويبيع به بعد العتق، وبه قال زفر والمزني وداود بن جرير الطبري؛ لأن به يسقط حق سيده، فأشبه الإقرار بقتل الخطأ.
قوله: (ولا بد من البلوغ والعقل) ولا نعلم فيه خلافًا.
قوله: (إلا إذا كان الصبي) العاقل (مأذونا) فيصح إقراره في قدر ما أذن له فيه، وبه قال أحمد في رواية. وقال الشافعي: لا يصح إقراره مطلقا، نعم لو ادعى البلوغ بالاحتلام في وقت إمكان صدق فيه، وبالسن لا يصدق إلا ببينته، وبه قال مالك وأحمد في رواية؛ لظاهر قوله ﵊: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ الصبي حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنْ المَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ، وَعَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» (^١).
وقلنا: إنه عامل مختار يصح تصرفه بإذن الولي، وكذا إقراره كالبالغ، وكما
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤/ ١٤١ رقم ٤٤٠٣)، والترمذي (٤/¬٣٢ رقم ١٤٢٣)، والنسائي في الكبرى (٦/ ٤٨٧ رقم ٧٣٠٣)، وابن ماجه (١/ ٦٥٩ رقم ٢٠٤٢)، وابن خزيمة (٤/ ٣٤٨ رقم ٣٠٤٨)، وابن حبان (١/ ٣٥٦ رقم ١٤٣) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.=
[ ٦ / ٨٨١ ]
وَجَهَالَةُ المُقَرِّ بِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الإِقْرَارِ؛ لِأَنَّ الحَقَّ قَدْ يَلْزَمُ مَجْهُولًا بِأَنْ أَتْلَفَ مَالًا لَا يَدْرِي قِيمَتَهُ، أَوْ يَجْرَحَ جِرَاحَةً لَا يَعْلَمُ أَرْشَهَا، أَوْ تَبْقَى عَلَيْهِ بَاقِيَةُ حِسَابٍ لَا يُحِيطُ بِهِ عِلْمُهُ، وَالإِقْرَارُ إِخْبَارٌ عَنْ ثُبُوتِ الحَقِّ فَيَصِحُ بِهِ، بِخِلَافِ الجَهَالَةِ فِي المُقَرِّ
لو أقر ببلوغه أو دبر أو أوصى، فإنه يصح تدبيره ووصيته في قول عند الشافعي، والخبر يدل على رفع التكليف، والإثم على عدم صحة تصرفه، ولما أذن للصبي في التجارة صح إقراره بدين لرجل أو وديعة أو عارية أو مضاربة أو غصب؛ لأنه التحق بالإذن؛ لدلالة الإذن على عقله، ولا يصح إقراره بالمهر والجناية والكفالة؛ لأنها غير داخلة تحت الإذن في التجارة؛ إذ التجارة مبادلة المال بالمال، والنكاح مبادلة مال بغير مال، والكفالة تبرع من وجه، فلم تكن تجارة، والنائم والمغمى عليه كالمجنون؛ لعدم معرفتهما وتمييزهما، ولا يعلم فيه خلاف.
وإقرار السكران يصح بالحقوق كلها إلا بالحدود الخالصة والردة، وينفذ سائر التصرفات من السكران كما ينفذ من الصاحي، وقد مر تمامه في الطلاق.
قوله: (وجهالة المقر به لا تمنع صحة الإقرار) ولا نعلم فيه خلافًا.
قوله: (لا يعلم أرشها)؛ لأن الواجب في الجراحات أن نسياني حولا، فلا نعلم في الحال موجبه.
قوله: (فيصح به) أي: بكون المقر به مجهولا، بخلاف الشهادة، حيث لا تصح مع كون المشهود به مجهولا، مع أنها إخبار عن ثبوت الحق أيضًا؛ لأن الشرع لم يجعل الشهادة حجة إلا بعدم العلم بالمشهود به، قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، وقال ﵊: «إِذا عَلِمْتَ مِثْلَ الشمس فاشْهَدْ، وإلا فَدَعْ» (^١)، ولأن الشهادة لا توجب حقا إلا بانضمام القضاء والقضاء بالمجهول لا يتصور.
_________________
(١) = قال الترمذي: حديث علي حسن غريب من هذا الوجه، وقد روي من غير وجه عن علي، عن النبي ﷺ.
(٢) أخرجه الحاكم (٤/ ١١٠، رقم ٧٠٤٥)، والعقيلي في الضعفاء الكبير (٤/ ٦٩)، وابن عدي في الكامل في الضعفاء (٦/ ٢٠٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٧/ ٤٥٥، رقم ١٠٩٧٤) من حديث ابن عباس ﵄. وصححه الحاكم، وضعفه العقيلي، وابن عدي.
[ ٦ / ٨٨٢ ]
لَهُ، لِأَنَّ المَجْهُولَ لَا يَصْلُحُ مُسْتَحِقًّا، (وَيُقَالُ لَهُ: بَيِّنْ المَجْهُولَ) لِأَنَّ التَّجْهِيلَ مِنْ جِهَتِهِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَعْتَقَ أَحَدَ عَبْدَيْهِ (فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ أَجْبَرَهُ القَاضِي عَلَى البَيَانِ) لِأَنَّهُ لَزِمَهُ الخُرُوجُ عَمَّا لَزِمَهُ بِصَحِيحِ إِقْرَارِهِ وَذَلِكَ بِالبَيَانِ.
(فَإِنْ قَالَ: لِفُلَانِ عَلَيَّ شَيْءٌ، لَزِمَهُ أَنْ يُبَيِّنَ مَا لَهُ قِيمَةٌ)
أما الإقرار فموجب بنفسه قبل اتصال القضاء، وقد أمكن إزالة الجهالة بالإخبار على البيان، فيصح بالمجهول؛ ولهذا لا يصح الرجوع عن الإقرار، ويصح عن الشهادة قبل القضاء بها. كذا في المبسوط (^١).
قوله: (بخلاف الجهالة في المقر له) (^٢) فإنها تمنع صحة الإقرار بلا خلاف.
وفي الذخيرة: جهالة المقر له إنما تمنع صحة الإقرار إذا كانت متفاحشة، بأن قال: هذا العبد لواحد من الناس، أما إذا لم تكن متفاحشة لا يمنع، بأن قال: هذا العبد لأحد هذين الرجلين.
وقال شمس الأئمة السرخسي: لا يصح أيضًا في هذه الصورة؛ لأنه إقرار للمجهول، وأنه لا يفيد؛ لأن فائدته الخبر على البيان، ولا يخبر على البيان هاهنا، والأصح أنه يصح؛ لأنه يفيد؛ إذ فائدته وصول الحق إلى المستحق، وطريق الوصول ثابت؛ لأنهما إذا اتفقا على أخذه فلهما حق الأخذ.
قوله: (فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ أَجْبَرَهُ على البيان)، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد. وقال الشافعي في قول: إن وقع الإقرار المبهم في جواب دعوى، وامتنع عن التفسير - جعل ذلك إنكارًا منه، وتعرض اليمين عليه، فإن أصر جعل ناكلا عن اليمين، وحلف المدعي، وإن أقر ابتداء قلنا للمقر له: ادَّعِ عليه حقك، فإذا ادعى وأقر أو انكر أجرينا عليه حكمه.
قوله: (بصحيح إقراره) بالباء الجارة.
قوله: (لفلان علي شيء) وكذا لو قال: حق - لزمه أن يبين ماله قيمة قل أو كثر، نحو حبة أو فلس أو جوزة أو ما أشبه ذلك، ولا نعلم فيه خلافًا.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/ ١٨٥).
(٢) انظر المتن ص ٨٨٢.
[ ٦ / ٨٨٣ ]
لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ الوُجُوبِ فِي ذِمَّتِهِ، وَمَا لَا قِيمَةَ لَهُ لَا يَجِبُ فِيهَا، فَإِذَا بَيَّنَ غَيْرَ ذَلِكَ يَكُونُ رُجُوعًا. قَالَ: (وَالقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إِنْ ادَّعَى المُقَرُّ لَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ هُوَ المُنْكِرُ فِيهِ (وَكَذَا إِذَا قَالَ لِفُلَانٍ، عَلَيَّ حَقٌّ) لِمَا بَيَّنَا، وَكَذَا لَوْ قَالَ: غَصَبْت مِنهُ شَيْئًا وَيَجِبُ أَنْ يُبَيِّنَ مَا هُوَ مَالٌ يَجْرِي فِيهِ التَّمَانُعُ تَعْوِيلًا عَلَى العَادَةِ.
وفي الإيضاح: ولا بد أن يبين شيئًا مما يتمانعه الناس، ويقصد بالغصب؛ لأن ما لا يقصد به كالتراب لا يسمى غصبًا، ولو تبين مما يقصده الناس ولا قيمة له - قبل قوله فيه عند مشايخ العراق، نحو أن يقر أنه غصب صبيا حرا أو جلد ميتة. وقال مشايخ ما وراء النهر: لا بد أن يبين ما له قيمة؛ لأن الإقرار بالغصب إقرار بموجبه، وموجبه الرد، وإنما يتكامل الرد بإيجاب القيمة عند تعذر رد العين.
وكذا الخلاف إذا فسر بما لا يضمن بالغصب كغصب العقار وخمر مسلم، ولو فسره بحبة حنطة أو شعير أو سمسم وما أشبه ذلك لا يقبل، وبه قال الشافعي في وجه، ومالك وأحمد. وقال الشافعي في وجه: يقبل؛ لأنه شيء يحرم أخذه، وعلى مَنْ أَخَذَه رَدُّه.
وقلنا: هذا لا يتمول عادة على انفراده، فلا يتحقق فيه التمانع، ويقبل تفسيره بالكلب، وبه قال مالك والشافعي في وجه، وأحمد في رواية، ولو فسره بجلد ميتة أو خنزير أو خمر مسلم - قبل قوله في قول مشايخ العراق، وبه قال الشافعي وأحمد في رواية، وعند مشايخ ما وراء النهر لا يقبل قوله؛ لأنه لا قيمة لهذه الأشياء، وبه قال مالك والشافعي في وجه، وأحمد في رواية.
قوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (أخبر عن الوجوب في ذمته).
وفي المحيط: لو قال: لفلان عليَّ حق، ثم قال: عنيت به حق الإسلام لا يُصدَّق، وإن قال موصولًا صُدِّق؛ لأنه بيان يعتبر باعتبار العرف. وقال الشافعي ومالك وأحمد: لا يصدق في الوجهين؛ لأن كلمة (عليَّ) توجب الوجوب في الذمة، ولا وجوب هنا.
والحاصل أن كل تصرف لا يشترط لصحته وتحققه إعلام ما صادفه ذلك
[ ٦ / ٨٨٤ ]
(وَلَوْ قَالَ: لِفُلَانِ عَلَيَّ مَالٌ، فَالمَرْجِعُ إِلَيْهِ فِي بَيَانِهِ)، لِأَنَّهُ المُجْمِلُ، وَيُقْبَلُ (قَوْلُهُ فِي القَلِيلِ وَالكَثِيرِ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَالٌ فَإِنَّهُ اسْمٌ لِمَا يُتَمَوَّلُ بِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ (فِي أَقَلَّ مِنْ دِرْهَمٍ) لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مَالًا عُرْفًا (وَلَوْ قَالَ: مَالٌ عَظِيمٌ، لَمْ يُصَدَّقْ فِي أَقَلَّ
التصرف، فالإقرار به مع الجهالة صحيح، وذلك كالغصب والوديعة، وكل تصرف يشترط لصحة تحققه إعلام ما صادفه ذلك التصرف، فالإقرار به مع الجهالة لا يصح، وذلك كالبيع والإجارة، فإن من أقر أنه باع من فلان أو اشترى منه شيئًا لا يصح إقراره، ولا يجبر المقر على تسليم شيء؛ لأن الثابت بالإقرار كالثابت معاينة.
ولو عاينا أنه باع شيئًا مجهولًا لا يجب تسليمه بحكم البيع؛ لكونه فاسدًا، فكذا إذا ثبت بالإقرار.
ولو عاينا أنه غصب منه شيئًا مجهولًا في كيس يجبر على الرد، فكذا إذا ثبت بالإقرار.
قوله: (ويقبل قوله في القليل والكثير)، وبه قال الشافعي وأحمد؛ لإطلاق اسم المال عليه، ومالك في وجه.
وحكي عن مالك ثلاثة أوجه:
أحدها: كقولنا.
وثانيها: لا تقبل إلا أول نصب من نصاب الزكاة من نوع من أموالها.
وثالثها: لا يقبل إلا فيما يستباح به البضع والقطع في السرقة، إلا أنه لا يقبل في أقل من عشرة دراهم عندنا؛ لأن الكسور لا تعد مالا عادة. ذكره في المبسوط.
قوله: (ولو قال: مال عظيم) إلى آخره.
وفي المبسوط: عندهما لا يصدق في أقل من مائتي درهم، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعن أبي حنيفة: لا يصدق في أقل من عشرة دراهم، والأصح على قول أبي حنيفة أن ينبني على حال المقر في الفقر والغنى، فإن القليل عند الفقير عظيم، وأضعاف ذلك عند الغني ليست بعظيمة، وكما أن المائتين عظيم في
[ ٦ / ٨٨٥ ]
مِنْ مِائَتَيْ دِرْهَم) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَالٍ مَوْصُوفٍ فَلَا يَجُوزُ إِلْغَاءُ الوَصْفِ وَالنِّصَابُ عَظِيمٌ حَتَّى اعْتُبِرَ صَاحِبُهُ غَنِيًّا بِهِ، وَالغَنِيُّ عَظِيمٌ عِنْدَ النَّاسِ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لَا يُصَدَّقُ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَهِيَ نِصَابُ السَّرِقَةِ، لِأَنَّهُ عَظِيمٌ حَيْثُ تُقْطَعُ بِهِ اليَدُ المُحْتَرَمَةُ، وَعَنْهُ: مِثْلُ جَوَابِ الكِتَابِ، وَهَذَا إِذَا قَالَ: مِنْ الدَّرَاهِمِ، أَمَّا إِذَا قَالَ: مِنْ الدَّنَانِيرِ، فَالتَّقْدِيرُ فِيهَا بِالعِشْرِينِ، وَفِي الإِبِلِ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ، لِأَنَّهُ أَدْنَى نِصَابٍ يَجِبُ فِيهِ مِنْ جِنْسِهِ وَفِي غَيْرِ مَالِ الزَّكَاةِ بِقِيمَةِ
حكم الزكاة، فالعشرة مال عظيم في قطع السرقة، فيتعارض، فيرجع إلى حال المقر، وعلى حاله ينبني (^١).
وقال الشافعي وأحمد يقبل تفسيره في قوله: مال عظيم أو كثير أو جليل أو خطير بالقليل والكثير؛ لأن العظيم والكثير لا حد له في الشرع واللغة والعرف، ويختلفُ الناس فيه، فمنهم من يستعظم القليل، ومنهم من يستعظم الكثير، فاحتمل الوجوه، فيرجع إلى بيانه.
وقلنا: في هذا إلغاء قوله: (عظيم)؛ لأنه حينئذ لا فائدة في تنصيص وصف العظيم.
وعن بعض أصحاب مالك: فيه ثلاثة أوجه كما في المال، وقال بعض أصحابه: يريد على ذلك أقل زيادة، وقال بعض أصحابه: قدر الدية.
وقال الليث الكبير: اثنان وسبعون؛ لأنه قال: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة: ٢٥] وغزواته اثنتان وسبعون. وفيه بعد؛ لأن الآية تدل على أن الاثنتين وسبعين كثيرة، ولا تنفي الكثرة عن غيره.
قوله: (وعنه) أي: أبي حنيفة (مثل جواب الكتاب)، وهو أنه لا يصدق في أقل من مائتي درهم، كما بينا من رواية المبسوط.
قوله: (وهذا) أي: ما ذكرنا أنه لا يصدق في أقل من مائتي درهم (إذا قال: من الدراهم) يعني: بين وقال: مرادي من المال العظيم الدراهم.
قوله: (فيه من جنسه)، وإنما اشترط أن يجب فيه من جنسه حتى يكون
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٨/ ٩٨).
[ ٦ / ٨٨٦ ]
النِّصَابِ (وَلَوْ قَالَ: أَمْوَالٌ عِظَامٌ، فَالتَّقْدِيرُ بِثَلَاثَةِ نُصُبٍ مِنْ أَيِّ فَنِّ سَمَّاهُ) اعْتِبَارًا لِأَدْنَى الجَمْعِ (وَلَوْ قَالَ: دَرَاهِمُ كَثِيرَةٌ، لَمْ يُصَدَّقْ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا: لَمْ يُصَدَّقْ فِي أَقَلَّ مِنْ مِائَتَيْنِ) (*) لِأَنَّ صَاحِبَ النِّصَابِ مُكْثِرُ حَتَّى وَجَبَ عَلَيْهِ مُوَاسَاةُ غَيْرِهِ، بِخِلَافِ مَا دُونَهُ.
وَلَهُ: أَنَّ العَشَرَةَ أَقْصَى مَا يَنْتَهِي إِلَيْهِ اسْمُ الجَمْع، يُقَالُ: عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، ثُمَّ يُقَالُ: أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَيَكُونُ هُوَ الأَكْثَرُ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ فَيَنْصَرِفُ إِلَيْهِ (وَلَوْ قَالَ: دَرَاهِمُ فَهِيَ ثَلَاثَةٌ) لِأَنَّهَا أَقَلُّ الجَمْعِ الصَّحِيحِ (إِلَّا أَنْ يُبَيِّنَ أَكْثَرَ مِنهَا) لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ وَيَنْصَرِفُ إِلَى الوَزْنِ المُعْتَادِ (وَلَوْ قَالَ: كَذَا كَذَا دِرْهَمًا لَمْ يُصَدَّقْ فِي أَقَلَّ مِنْ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا) لِأَنَّهُ ذَكَرَ عَدَدَيْنِ مُبْهَمَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا حَرْفُ العَطْفِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ
عظيما؛ لأن إيجاب خلاف جنسه كإيجاب شاة في خمس من الإبل دليل حقارته وقصوره وقلته.
وفي الذخيرة والإيضاح: لو قال: عليَّ مال نفيس أو كريم أو جليل أو خطير، قال الناطفي: لم أجده منصوصًا، وذكره الجرحاني: يلزمه مائتان، وعند الأئمة الثلاثة: العظيم والكبير والنفيس والجليل والخطير والكريم سواء كما ذكرنا، ولو قال: دُرَيْهم أو دُنَيْنير يلزم در هم تام ودنار تام؛ لأن الصغير قد يذكر لصغر حجمه بالتصغير، وقد يذكر على طريق الاستقلال ولا ينقص عن الوزن، وعند الأئمة الثلاثة يصدق فيما فسره، كما في قوله: حقير أو حضيض.
ولو قال: عليَّ حنطة كثيرة؛ فهذا على خمسة أوسق عندهما، وعند أبي حنيفة لا نصاب للحنطة، فيرجع إلى بيان المقر، وعند الأئمة الثلاثة: الحكم فيها كالحكم في مال كثير، ولو قال: غصبته إبلا كثيرة، فهذا على خمسة وعشرين؛ لأنه أدنى ما يجب فيه الزكاة من جنسه.
قوله: (من فن سماه) (^١) أي: نوع حتى لو قال: من الدراهم كان ستمائة درهم.
قوله: (ولو قال كذا كذا درهما؛ لم يصدق في أقل من أحد وعشر) وكذا
_________________
(١) (*) الراجح: قول أبي حنيفة.
(٢) كذا في الأصول الخطية، وتقد في المتن: (من أي فن سماه).
[ ٦ / ٨٨٧ ]
مِنْ المُفَسَّرِ أَحَدَ عَشَرَ (وَلَوْ قَالَ: كَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا، لَمْ يُصَدَّقْ فِي أَقَلَّ مِنْ أَحَدٍ وَعِشْرِينَ) لِأَنَّهُ ذَكَرَ عَدَدَيْنِ مُبْهَمَيْنِ بَيْنَهُمَا حَرْفُ العَطْفِ، وَأَقَلُّ ذَلِكَ مِنْ المُفَسَّرِ، أَحَدٌ وَعِشْرُونَ فَيُحْمَلُ كُلُّ وَجْهِ عَلَى نَظِيرِهِ وَلَوْ قَالَ: كَذَا دِرْهَمًا فَهُوَ دِرْهَمٌ لِأَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْمُبْهَمِ (وَلَوْ ثَلَّثَ، كَذَا، بِغَيْرِ وَاوِ فَأَحَدَ عَشَرَ) لِأَنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ سِوَاهُ (وَإِنْ ثُلَّثَ بِالوَاوِ فَمِائَةٌ وَأَحَدٌ وَعِشْرُونَ، وَإِنْ رَبَّعَ يُزَادُ عَلَيْهَا أَلْفٌ) لِأَنَّ ذَلِكَ نَظِيرُهُ.
لو قال: دينارًا أو كيليا أو وزنيًا لم يصدق في أقل من أحد عشر، حتى لو قال: كذا كذا مختومًا من حنطة لزمه أحد عشر مختومًا، وبه قال ابن عبد الحكم المالكي، نقله عن مالك، وكذا لو قال: كذا كذا درهما ودينارًا؛ لزمه أحد عشر منهما عنده ومالك، ولو قال: كذا درهما بدون التكرير يلزمه درهم.
وذكر في الذخيرة والتتمة محالًا إلى الجامع الصغير: يلزمه درهمان؛ لأن (كذا) كناية عن العدد وأقل العدد درهمان، والواحد لا يكون عددًا.
وقال الشافعي وأحمد في قوله: كذا درهما وكذا وكذا؛ ففيه أربعة أقوال: أحدها: أن يقول: درهم، بالرفع، يلزمه درهم، وتقديره: شيء هو درهم، فجعل الدرهم بدلا من (كذا).
وثانيها: أن يقول: درهم، بالجر، يلزمه جزء درهم، و(كذا) تكون كناية عن جزء درهم.
وثالثها: أن يقول: درهما، بالنصب، ونصبه على التفسير، وهو التمييز، فيلزمه درهم.
ورابعها: أن يذكره بالوقف فيقبل تفسيره نحو درهم أيضًا؛ لأنه يجوز أن يكون أسقط حركة الجر للوقف.
وقال القاضي الحنبلي وبعض أصحاب الشافعي: يلزمه درهم في الحالات؛ لأن (كذا) كناية عن الدرهم عادة، ولكن قال الشافعي وأحمد: إن (كذا) اسم مبهم يصح تفسيره بجزء درهم، ولو قال: كذا وكذا درهم، بالرفع، يلزمه درهم واحد؛ لأنه ذكر شيئين ثم أبدل منهما درهما، فصار كأنه قال هما درهم.
[ ٦ / ٨٨٨ ]
قَالَ: (وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ أَوْ قِبَلِي، فَقَدْ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ) لِأَنَّ «عَلَيَّ» صِيغَةُ إِيجَابٍ: «وَقِبَلِي» يُنْبِئُ عَنْ الضَّمَانِ عَلَى مَا مَرَّ فِي الكَفَالَةِ.
ولو قال: درهما، بالنصب، فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يلزمه درهم واحد، وهو قول بعض أصحاب أحمد، والشافعي في قول؛ لأن (كذا) يحتمل أقل من درهم، فإذا عطف عليه مثله ثم فسرها بدرهم واحد جاز وكان كلامًا صحيحًا.
وثانيها: يلزمه درهمان، وهو قول بعض أصحاب الشافعي في قول؛ لأنه ذكر جملتين وفسرهما بدرهم، فعاد التفسير إلى كل منهما.
وثالثها: يلزمه أكثر من درهم، وبه قال بعض أصحاب أحمد، ولعله ذهب أن الدرهم تفسير للجملة، وبقيت الأولى على إبهامها، فيرجع في تفسيرها إليه. كذا ذكره ابن قدامه في المغني (^١)، ثم قال: واللفظ يحتمل ما ذكرنا، ويحتمل ما ذكره أصحاب أبي حنيفة، فوجب المصير إلى ما قلنا؛ لأنه يقين، والزيادة مشكوك.
وقلنا: إن (كذا) كناية عن العدد والدرهم، وما دونه لا يكون عددًا، فلا يكون كناية عنهما، فتعين ما قلنا، ولهذا لو قال: لفلان علي كذا درهما يلزمه درهمان على ما نقلناه من الذخيرة، وما قال في الهداية يلزمه درهم؛ لأنه يقع كذا كناية عن الدرهم في العرف والعادة، فيكون درهما تفسيره، وما نقله ابن قدامة في المغني وصاحب الحلية عن محمد أنه ذكر إذا قال: كذا درهما لزمه عشرون درهما عنده؛ لأنه أقل عدد يفسر بالواحد المنصوب، خلاف ما ذكره في الهداية والذخيرة والتتمة وفتاوى قاضي خان كما ذكرنا، ولم أجده في الكتب المشهورة لأصحابنا، وعند ابن الحكم المالكي يلزمه عشرون.
قوله: (و(قبلي) ينبئ عن الضمان) يقال: قبل فلان عن فلان؛ أي: ضمن، وسمي الكفيل قبيلا؛ لأنه ضامن للمال، وسمى الصك الذي هو حجة الدين قبالة، وهو ظاهر قول الأئمة الثلاثة.
_________________
(١) المغني لابن قدامة (٥/ ١٤٢).
[ ٦ / ٨٨٩ ]
(وَلَوْ قَالَ المُقِرُّ: هُوَ وَدِيعَةٌ، وَوَصَلَ صُدِّقَ) لِأَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُهُ مَجَازًا حَيْثُ يَكُونُ المَضْمُونُ عَلَيْهِ حِفْظُهُ، وَالمَالُ مَحَلَّهُ، فَيُصَدَّقُ مَوْصُولًا لَا مَفْصُولًا. قَالَ ﵀: وَفِي نُسَخِ المُخْتَصَرِ فِي قَوْلِهِ: «قِبَلِي» إِنَّهُ إِقْرَارُ بِالأَمَانَةِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَنْتَظِمُهُمَا حَتَّى صَارَ قَوْلُهُ: لَا حَقَّ لِي قِبَلَ فُلَانٍ، إِبْرَاءٌ عَنْ الدَّيْنِ وَالأَمَانَةِ جَمِيعًا، وَالأَمَانَةُ أَقَلُّهُمَا وَالأَوَّلُ أَصَحٌ.
(وَلَوْ قَالَ: عِنْدِي أَوْ مَعِي أَوْ فِي بَيْتِي أَوْ فِي كِيسِي أَوْ فِي صُنْدُوقِي، فَهُوَ إِقْرَارُ بِأَمَانَةٍ فِي يَدِهِ) لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ إِقْرَارٌ بِكَوْنِ الشَّيْءِ فِي يَدِهِ، وَذَلِكَ يَتَنَوَّعُ إِلَى مَضْمُونٍ وَأَمَانَةٍ فَيَثْبُتُ، وَأَقَلُّهَا وَهُوَ الْأَمَانَةُ.
(ولو قال: هو وديعة) أي: في قول (علي) أو (قبلي).
قوله: (والأول) وهو أنه إقرار بالدين (أصح) ذكره في المبسوط، وعلل بأن استعماله في الديون أغلب وأكثر، فكان الحمل عليه أولى. قوله: (أو صندوقي) وكذا لو قال: في كيسي فهو أمانة؛ لما ذكره في المتن، أو لأن هذه المواضع إنما تكون محلا للعين لا للدين، فإن الدين محله الذمة؛ ولهذا قلنا: (عليَّ) كلمة إيجاب فيكون في الذمة، وكذا (قبلي) كلمة ضمان، والضمان في الذمة.
قوله: (فيثبت أقلها وهو الأمانة)، وهو ظاهر مذهب الأئمة الثلاثة، بخلاف ما لو قال: عليَّ مائة درهم دين ووديعة، أو وديعة ودين؛ فإنه لا يثبت الأمانة، ويكون دينًا مع التصريح بلفظ الأمانة؛ لأن تنوع اللفظ إلى الأمانة والدين إنما نشأ من لفظ واحد، وفي تلك المسألة بالصريح من لفظين، والأصل أن أحد اللفظين إذا كان للأمانة والآخر للدين، فإذا جمع بينهما في الإقرار يترجح الدين. كذا في المبسوط (^١).
وهذا لاستعارة لفظ الدين لما يوجب الأمانة ممكن لا على العكس؛ لأنه يمكن أن يستعار لفظ الوجوب لوجوب الحفظ في الأمانة، أما لفظ الأمانة ينبئ عن عدم الوجوب في الذمة، فلا تصلح استعارته للوجوب.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٨/¬١٢).
[ ٦ / ٨٩٠ ]
(وَلَوْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: لِي عَلَيْكَ أَلْفٌ، فَقَالَ: اتَّزِنْهَا أَوْ انْتَقِدْهَا، أَوْ أَجِلْنِي بِهَا، أَوْ قَدْ قَضَيْتُكَهَا: فَهُوَ إِقْرَارُ) لِأَنَّ الهَاءَ فِي الأَوَّلِ وَالثَّانِي كِنَايَةٌ عَنْ المَذْكُورِ فِي الدَّعْوَى، فَكَأَنَّهُ قَالَ: اتَّزِنْ الأَلْفَ الَّتِي لَك عَلَيَّ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَذْكُرْ حَرْفَ الْكِنَايَةِ لَا يَكُونُ إِقْرَارًا لِعَدَمِ انْصِرَافِهِ إِلَى المَذْكُورِ، وَالتَّأْجِيلُ إِنَّمَا يَكُونُ فِي حَقٌّ وَاجِبٍ، وَالقَضَاءُ يَتْلُو الوُجُوبَ وَدَعْوَى الإِبْرَاءِ كَالقَضَاءِ لِمَا بَيَّنَّا،
قوله: (ولو لم يذكر حرف الكناية) وهو الهاء (لا يكون إقرارًا) وقال الشافعي وأحمد في قوله: اتزن وانتقد لا يكون إقرارًا بالهاء وغيره، وبه قال بعض أصحاب مالك؛ لأنه لم يؤخذ منه حقيقة التزام، وقد يوجد مثل ذلك ممن يستهزئ ويبالغ في الجحود، فلا يكون إقرارًا بالشك.
وعن بعض أصحاب الشافعي: إذا كان بحرف الكناية يكون إقرارًا كقولنا، وقال: ابن سحنون المالكي (^١): يكون إقرارًا في الوجهين، إلا إذا قال: اتزن أو زنها ما أبعدك من ذلك، أو قال: من أي ضرب يأخذها ما أبعدك من ذلك؛ فليس بإقرار.
وفي قوله: قضيتكما أو قضيت أو أبرأتني إقرار عند الأئمة الثلاثة، وعن بعض أصحاب الشافعي أن قوله: أبرأتني عنه ليس بإقرار؛ لقوله تعالى: ﴿فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ [الأحزاب: ٦٩] وتبرئته عن عيب الأدرة لا يقتضي إثباته له.
قلنا: هذا هكذا فيما اتهموه، أما لا يصح ذلك في دعوى الدين.
قوله: ودعوى الإبراء كالقضاء بأن قال: أبرأتني (كالقضاء لما بينا) وهو أنه يقتضي سابقة الوجوب.
وفي المحيط: لو قال: لي عليك ألف فقال: اتزنها أو انتقدها أو اقعد فاقبضها أو حدها، أو لم تحل بعد هذا، أو قال: غدًا أو أرسل من يتزنها أو يقبضها، أو قال: ليست بمتهيأة أو متيسرة اليوم أو أخرها عني أو أؤديها، أو قال: ما أكثر ما يتقاضى أو عميتني بها أو حتى يدخل غلامي أو يقدم، أو أجل بها على غرمائك، أو قال: قضيتكها أو أبرأتني أو أحللتني فكلها إقرار؛ لأنها تقتضي سابقة الوجوب.
_________________
(١) كذا بالأصول الخطية، والصواب: سحنون.
[ ٦ / ٨٩١ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ولو قال: اتزن أو انتقد أو أخر أو سوف أعطيك، ولم يذكر مع حرف الكناية - لا يكون إقرارًا، وهكذا لو تكلما بالفارسية، إلا أن كلمة (الشين) في الفارسية مقام الكناية، حتى لو قال الآخر: (هرار درم مر ابرست) فقال: (سننجس) أو (بركشش) أو قال: (كيسه دوزس) أو قال: (بدهمش) أو قال: (بزد اند همش) يكون إقرارًا، ولو قال: بغير كلمة (السين) بأن قال: (بسنج) أو (بركس) أو (كبسة دون) لا يكون إقرارًا، ولو قال: (كيسه دوزشن) بكسر الزاي، أو قال: (بركشش) بكسر الشين، قيل: لا يكون إقرارًا، والأصح أنه يكون إقرارًا.
وفي المبسوط والمحيط: ولو قال: لي عليك ألف ألف، فقال: نعم، يكون إقرارًا؛ لأن (نعم) لا يستقل بنفسه، أما لو قال: هل عليك ألف؟ فأومأ برأسه بنعم لا يكون إقرارًا؛ لأن الإشارة لا تقوم مقام الكلام من غير الأخرس، وكذلك إذا قال: سأعطيكها أو غدًا أعطيكها، أو اتزنها أو خذها بالهاء فلا بد من حمل كلامه على الجواب؛ لأن الكناية راجعة إليها (^١).
بخلاف ما لو قال بغير هاء الكناية بأن قال: اتزن إلى آخر ما ذكرنا، حيث لا يكون إقرارًا؛ لأن الكلام مستقل بنفسه، فيحمل على الابتداء؛ لأنه حقيقته، ومعنى قوله: اقعد واتزن؛ أي: اقعد وراءنا للناس واكتسب به فلا يؤدي بالدعوى الباطلة، وكذا لو قال: والله لا أقضيكها اليوم، ولا أزنها لك اليوم يكون إقرارًا؛ لأن نفي القضاء والوزن في وقت بعينه لا يكون إلا بعد وجوب أصل المال؛ لأنه لو لم يكن أصل المال واجبًا فالقضاء لا يكون منتفيًا أبدًا، فلا يحتاج إلى تأكيد نفي القضاء باليمين؛ لأنه في نفسه منتف.
وقيل: هذا من صوره كان نفي الشيء وإثباته يكون تصديقا لكلام المدعي، فإنه لو قال: قضيتكها يكون إقرارًا أيضًا كما ذكرنا، ولو قال: أعطني ثوب عبدي هذا، فقال: نعم، فقد أقر بالثوب والعبد له، وكذا لو قال: افتح باب
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٨/¬١٥).
[ ٦ / ٨٩٢ ]
وَكَذَا دَعْوَى الصَّدَقَةِ وَالهِبَةِ، لِأَنَّ التَّمْلِيكَ يَقْتَضِي سَابِقَةَ الوُجُوبِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَحَلْتُكَ بِهَا عَلَى فُلَانٍ لِأَنَّهُ تَحْوِيلُ الدَّيْنِ.
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ، فَصَدَّقَهُ المُقَرُّ لَهُ فِي الدَّيْنِ، وَكَذَّبَهُ فِي التَّأْجِيلِ، لَزِمَهُ الدَّيْنُ حَالًا) لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ، بِمَالٍ وَادَّعَى حَقًّا لِنَفْسِهِ فِيهِ، فَصَارَ كَمَا إِذَا أَقَرَّ بِعَبْدِ فِي يَدِهِ وَادَّعَى الإِجَارَةَ، بِخِلَافِ الإِقْرَارِ بِالدَّرَاهِمِ السُّودِ، لِأَنَّهُ صِفَةٌ فِيهِ وَقَدْ مَرَّتْ المَسْأَلَةُ فِي الكَفَالَةِ. قَالَ: (وَيُسْتَحْلَفُ المُقَرُّ لَهُ عَلَى الْأَجَلِ) لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ حَقًّا عَلَيْهِ وَاليَمِينُ عَلَى الْمُنْكِرِ.
(وَإِنْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِائَةٌ وَدِرْهَمٌ: لَزِمَهُ كُلُّهَا دَرَاهِمُ، وَلَوْ قَالَ: مِائَةٌ وَثَوْبٌ،
داري هذا، أو خصص داري هذه، أو اسرج دابتي هذه، أو أعطني سرج بغلي، أو لجام بغلي هذا، فقال: نعم يكون إقرارًا، ولو قال: (لا) في جميع ذلك يكون إقرارًا أيضًا، وفي بعض نسخ كتاب الإقرار لا يكون إقرارًا بذكر (لا)، أما لو قال: لا أعطيكها اليوم أو أبدًا فهو إقرار؛ لأنه ذكره بالكناية فكأنه قال: لا أعطيك سرج بغلك اليوم أو أبدًا، ولو صرح بهذا كان إقرارًا، فكذا في الكناية.
قوله: (وكذا دعوى الصدقة والهبة) بأن قال: تصدقت به علي أو وهبته لي؛ لأن هذا دعوى التمليك منه، وذا لا يكون إلا بعد وجوب المال في ذمته؛ لأنهما يردان على الدين الثابت.
قوله: (لزمه الدين حالا) وبه قال أبو الخطاب وبعض أصحاب الشافعي. وقال الشافعي وأحمد لزمه مؤجلا؛ لأنه أقر بمال بصفة فيلزمه بالوصف الذي أقر، كما لو أقر بدراهم زيوف أو جياد أو سود، وقلنا: أقر بدين وادعى حقًا لنفسه، فلا يصدق، كما لو أقر بعبد وادعى الإجارة، بخلاف السود؛ لأن السواد نوع فيها؛ إذ الدراهم لا تنطبع إلا بغش، والأجل في الدين عارض لا يثبت بلا شرط، والقول لمنكر العارض.
قوله: (وقد مرت المسألة في الكفالة) أي: في باب الضمان ببيان الفرق.
قوله: (عليَّ مائة ودرهم)، وفي جامع قاضي خان: وكذا لو قال:
[ ٦ / ٨٩٣ ]
لَزِمَهُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ، وَالمَرْجِعُ فِي تَفْسِيرِ المِائَةِ إِلَيْهِ) وَهُوَ القِيَاسُ فِي الْأَوَّلِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، لِأَنَّ المِائَةَ مُبْهَمَةٌ وَالدَّرْهَمَ مَعْطُوفٌ عَلَيْهَا بِالوَاوِ العَاطِفَةِ لَا تَفْسِيرًا لَهَا، فَبَقِيَتْ المِائَةُ عَلَى إِبْهَامِهَا كَمَا فِي الفَصْلِ الثَّانِي. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ الفَرْقُ: أَنَّهُمْ اسْتَثْقَلُوا تَكْرَارَ الدِّرْهَم فِي كُلِّ عَدَدٍ وَاكْتَفَوْا بِذِكْرِهِ عَقِيبَ العَدَدَيْنِ.
وَهَذَا فِيمَا يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهُ، وَذَلِكَ عِنْدَ كَثْرَةِ الوُجُوبِ بِكَثْرَةِ أَسْبَابِهِ، وَذَلِكَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالمَكِيلِ وَالمَوْزُونِ، أَمَّا الثَّيَابُ وَمَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ فَلَا: يَكْثُرُ وُجُوبُهَا فَبَقِيَ عَلَى الحَقِيقَةِ.
(وَكَذَا إِذَا قَالَ: مِائَةٌ وَثَوْبَانِ) لِمَا بَيَّنَّا (بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: مِائَةٌ وَثَلَاثَةُ أَنْوَابٍ) لِأَنَّهُ ذَكَرَ عَدَدَيْنِ مُبْهَمَيْنِ وَأَعْقَبَهَا تَفْسِيرًا، إذ الأَثْوَابُ لَمْ تُذْكَرُ بِحَرْفِ العَطْفِ،
ودرهمان كلها دراهم، وبه قال أحمد في رواية في المقدر وغيره؛ لأن العرب تكتفي بتفسير إحدى الجملتين عن الأخرى، قال تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [الكهف: ٢٥]، وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ فَعِيدُ﴾ [ق: ١٧].
(وبه قال الشافعي) أي: بالقياس، وبه قال مالك وأحمد في رواية.
قوله: (وهذا) أي: كون العطف للبيان (فيما يكثر استعماله، وذلك) أي: كثرة الوجوب بكثرة المعاملة في المقدرات كالموزونات والمكيلات لا تثبت دينا في الذمة سلمًا وقرضًا وثمنا، وكذا في جميع المعاملات، بخلاف الثياب وما لا يكال ولا يوزن، فإنها لا يكثر وجوبها في الذمة، فإن الثياب لا تثبت إلا في السلم والنكاح، وذا لا يكثر، فبقي على الحقيقة.
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف في قوله: لفلان علي مائة وثوب أو شاة أن الكل ثياب وشياه؛ لما أن الغنم والثياب تقسم قسمة واحدة، بخلاف العبيد؛ لأنها لا تقسم قسمة واحدة، وما يقسم قسمة واحدة يتحقق في أعدادها المجانسة من وجه، فيمكن جعله تفسيرًا للمبهم.
(وكذا إذا قال: مائة وثوبان) يعني كقوله: (مائة وثوب)، بلا خلاف.
وقوله: (لما بينا) إشارة إلى قوله: (الثياب) إلى آخره.
[ ٦ / ٨٩٤ ]
فانصَرَفَ إِلَيْهِمَا لاِسْتِوَائِهِمَا فِي الْحَاجَةِ إِلَى التَّفْسِيرِ فَكَانَتْ كُلُّهَا ثِيَابًا.
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِتَمْرٍ فِي قُوصرَةٍ لَزِمَهُ التَّمْرُ وَالْقُوصرَةُ) وَفَسَّرَهُ فِي الأَصْلِ بِقَوْلِهِ: غَصَبْتُ تَمْرًا فِي قُوصرَةٍ. وَوَجْهُهُ: أَنَّ الْقُوصرَةَ وِعَاءٌ لَهُ وَظَرْفٌ لَهُ، وَغَصَبَ
قَوْلُهُ: (فانصرف إِلَيْهِمَا) أَي: إِلَى العددين، ولا يقال الأثواب جمع لا يصلح مميزًا للمائة؛ لأنها اقترنت بالثلاثة صار كعدد واحد كما في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ [الكهف: ٢٥] وقيل: يجوز أن يوضع الجمع موضع المفرد، كما ميز بالجمع في قوله: ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ [الكهف: ١٠٣].
قوله: (ومن أقر بتمر في قوصره) إلى آخره.
في المغرب: القُوْصَرَةُ، بالتشديد والتخفيف وعاء التمر يتخذ من قصب، وقولهم: إنما يسمى ذلك ما دام فيها التمر وإلا فهي زنبل، مبني على عرفهم (^١).
والجوالق، بالفتح جمع جُوَالِق، بالضم، والجواليق، بزيادة الياء تسامح.
في المبسوط: الأصل في جنس هذه المسائل أن ما كان الثاني ظرفًا للأول ووعاء له لزماه، نحو ثوب في منديل، وطعام في سفينة، وحنطة في جوالق، وتمر في قوصرة، وإن كان الثاني مما لا يكون وعاء للأول، نحو غصبتك درهمًا في درهم؛ لم يلزم الثاني؛ لأنه غير صالح للظرفية، بخلاف قوله: من قوصَرَةٍ لأن كلمة (من) للانتزاع؛ أي لابتداء الغاية، فيكون إقرارًا بأن مبدأ الغصب من قوصرة، وأما كلمة (على) نحو أن يقول غصبت إكافًا على حمار، وسرجًا على فرس كان إقرارًا بغصب الإكاف خاصة، وبه قالت الأئمة الثلاثة، والحمار لبيان محل الغصب حين أخذه، وغصب الشيء لا يكون مقتضيًا غصب المحل (^٢).
قوله: (وفسره في الأصل) أي: المبسوط (بقوله: غصبت تمرًا في قوصرة) وبقولنا قال أحمد في رواية. وقال الشافعي ومالك وأحمد في رواية: يكون
_________________
(١) المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي (ص ٣٨٥).
(٢) المبسوط للسرخسي (١٧/ ١٩٣).
[ ٦ / ٨٩٥ ]
الشَّيْءِ وَهُوَ مَظْرُوفٌ لَا يَتَحَقَّقُ بِدُونِ الظَّرْفِ فَيَلْزَمَانِهِ، وَكَذَا الطَّعَامُ فِي السَّفِينَةِ وَالحِنْطَةُ فِي الجَوَالِقِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَالَ: غَصَبْت تَمْرًا مِنْ قَوْصَرَّةٍ، لِأَنَّ كَلِمَةَ مِنْ لِلانْتِزَاعِ فَيَكُونُ الإِقْرَارُ بِغَصْبِ المَنْزُوعِ.
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ بِدَابَّةٍ فِي إِصْطَبْلٍ، لَزِمَهُ الدَّابَّةُ خَاصَّةً) لِأَنَّ الإِصْطَبْلَ غَيْرُ مَضْمُونٍ بِالغَصْبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَضْمَنُهُمَا (*)، وَمِثْلُهُ الطَّعَامُ فِي البَيْتِ.
إقرارًا بالمظروف لا بالظرف؛ لأن إقراره لم يتناول الظرف، فيحتمل أن يكون ظرفًا للمقر، فلم يلزمه.
وعن بعض فقهاء المدينة: إن كان المقر به ذائبًا لا يستغني عن ظرف دخل الظرف في الإقرار، وإن كان جامدًا لم يدخل.
وقلنا: إنه أقر بغصب التمر بوصف كونه مظروفًا، وغصب الشيء بوصف كونه مظروفًا لا يتحقق بدون غصب الظرف؛ لأن الإقرار إخبار، والإقرار بالغصب إخبار عن نقله؛ إذ الغصب نقل ونقل المظروف لا يتصور حال كونه مظروفًا إلا بنقل الظرف، فصار إقرارًا بغصبهما ضرورةً كذا في كتب أصحابنا، وفيه نوع تأمل.
قوله: (لزمه الدابة خاصة) وبه قالت الأئمة الثلاثة، وإنما قال: لزمته الدابة، ولم يقل: كان إقرارًا بالدابة خاصة؛ لما أن هذا الكلام إقرار بهما جميعًا، إلا أن اللزوم على قول أبي حنيفة وأبي يوسف في الدابة خاصة، فإنه ذكر في المبسوط: ولو قال: غصبتك طعامًا في بيت؛ كان هذا بمنزلة قوله: طعامي سفينة؛ لأن البيت قد يكون وعاء للطعام فيكون إقرارًا بغصب البيت والطعام، إلا أن الطعام يدخل في ضمانه بالغصب لا البيت في قولهما؛ إذ غصب العقار لا يوجب الضمان عندهما (^١).
_________________
(١) (*) الراجح: قول الشيخين.
(٢) المبسوط للسرخسي (١٧/ ١٩٣).
[ ٦ / ٨٩٦ ]
قَالَ: (وَمَنْ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِخَاتَمٍ: لَزِمَهُ الحَلَقَةُ وَالفَصُّ) لِأَنَّ اسْمَ الخَاتَمِ يَشْمَلُ الكُلَّ (وَمَنْ أَقَرَّ لَهُ بِسَيْفٍ فَلَهُ النَّصْلُ وَالجَفْنُ وَالحَمَائِلُ) لِأَنَّ الإِسْمَ يَنْطَوِي عَلَى الكُلِّ (وَمَنْ أَقَرَّ بِحَجَلَةٍ فَلَهُ العِيدَانُ وَالكِسْوَةُ) لِانْطِلَاقِ الإِسْمِ عَلَى الكُلِّ عُرْفًا.
(وَإِنْ قَالَ غَصَبْتُ ثَوْبًا فِي مِندِيلٍ، لَزِمَاهُ جَمِيعًا) لِأَنَّهُ ظَرْفٌ، لِأَنَّ الثَّوْبَ يُلَفُّ فِيهِ. وَكَذَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ ثَوْبٌ فِي ثَوْبٍ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ. بِخِلَافِ قَوْلِهِ: دِرْهَمٌ فِي دِرْهَمٍ، حَيْثُ يَلْزَمُهُ وَاحِدٌ، لِأَنَّهُ ضَرْبٌ لَا ظَرْفٌ (وَإِنْ قَالَ: ثَوْبٌ فِي عَشَرَةِ أَثْوَابِ، لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَزِمَهُ أَحَدَ عَشَرَ ثَوْبًا) (*)
قوله: (لزمه الحلقة والفص) ولا نعلم فيه خلافًا، وكذا لو أقر بدار أو أرض لرجل يدخل البناء والأشجار إذا كانا فيهما، حتى لو أقام المقر بينة بعد ذلك أن البناء والأشجار لي، وكذا لو قال: الفص لي؛ لم يُصدق، ولم تقبل بينته، ولو قال: هذا الخاتم لي وفصه لك، هذا السيف لي وحليته لك، وهذه الجبة لي وبطانتها لك، وقال المقر له: الكل لي؛ فالقول للمقر، وبعد ذلك ينظر، إن لم يكن في نزع المقر به ضرر يؤمر المقر بالنزع والدفع إلى المقر له، وإن كان في النزع ضرر فواجب على المقر أن يعطيه قيمة ما أقر به. كذا في الذخيرة.
النصل: حديدة السيف. الجفن: غمد السيف. والحمائل: جمع الحمالة، بكسر الحاء، وهي علاقة السيف. الحَجَلَة: بيت يزين بالثياب والأسرة.
و(العيدان)، برفع النون: جمع عود، وهو الخشب كالديدان، في جمع دود، ولا نعلم خلافًا في هذه المسائل.
قوله: (لزماه جميعًا) والخلاف فيه كالخلاف في الإقرار بالتمر في قوصرة.
قوله: (لأن النفيس من الثياب) إلى آخره.
في المبسوط: فإذا صلح ظرفًا كان بمنزلة قوله: حنطة في جوالق، أو
_________________
(١) (*) لراجح: قول أبي يوسف.
[ ٦ / ٨٩٧ ]
لأن النفيس من الثياب قد يلف في عشرة أثواب، فأمكن حمله على الظرف. ولأبي يوسف: أن حرف «في» يستعمل في البين والوسط أيضا، قال الله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَدِي﴾ [الفجر: ٢٩] أي بين عبادي، فوقع الشك، والأصل براءة الذمم، على أن كل ثوب موعى وليس بوعاء فتعذر حمله على الظرف فتعين الأول محملا.
(ولو قال: لفلان علي خمسة في خمسة، يريد الضرب والحساب، لزمه خمسة) لأن الضرب لا يكثر المال. وقال الحسن: يلزمه خمسة وعشرون وقد ذكرناه في الطلاق (ولو قال: أردت خمسة مع خمسة، لزمه عشرة) لأن اللفظ يحتمله.
يحمل كلامه على التقديم والتأخير، فيصير كأنه قال: عشرة أثواب في ثوب. وقال أبو يوسف: العشرة لا يكون وعاء (^١).
معناه: أن الوعاء غير الموعي، فكان كل ثوب يكون موعيا في حق ما وراءه، فلا يكون وعاء إلا الثوب الذي هو ظاهر، فإذا لم يتحقق كون العشرة وعاء لواحد كان آخر كلامه لغوا، وحمله على التقديم والتأخير اشتغال بإيجاب المال في الذمة بالمحتمل، وذا لا يجوز.
وأما قوله: (إن النفيس من الثياب قد يلف في عشرة أثواب) منقوض على أصله، فإنه لو قال: غصبته كرباسا في عشرة أثواب حرير أنه يلزمه الكل عند محمد، مع أن عشرة أثواب حرير لا يجعل وعاء للكرباس عادة.
قوله: (يريد الضرب والحساب لزمه خمسة)، وبه قال الشافعي، وكذا إذا لم تكن له نية يلزمه عشرة عندنا والشافعي ومالك في رواية. وقال الحسن بن زياد: يلزمه خمسة وعشرون إن أراد الضرب، وبه قال أحمد ومالك في رواية. وقال زفر: يلزمه عشرون إذا أطلق؛ لأن حرف (في) بمعنى حرف (مع) قال تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَدِي﴾ [الفجر: ٢٩] أي: مع عبادي، فتحمل على هذا تصحيحا لكلامه.
_________________
(١) المبسوط للسرخسي (١٧/ ١٩٣).
[ ٦ / ٨٩٨ ]
(وَلَوْ قَالَ: لَهُ عَلَيَّ مِنْ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ، أَوْ قَالَ: مَا بَيْنَ دِرْهَمٍ إِلَى عَشَرَةٍ، لَزِمَهُ تِسْعَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَيَلْزَمُهُ الِابْتِدَاءُ وَمَا بَعْدَهُ، وَتَسْقُطُ الغَايَةُ، وَقَالَا: يَلْزَمُهُ العَشَرَةُ كُلُّهَا) (*) فَتَدْخُلُ الغَايَتَانِ. وَقَالَ زُفَرٌ: يَلْزَمُهُ ثَمَانِيَةٌ وَلَا تَدْخُلُ الغَايَتَانِ.
(وَلَوْ قَالَ: لَهُ مِنْ دَارِي مَا بَيْنَ هَذَا الحَائِطِ إِلَى هَذَا الحَائِطِ، فَلَهُ مَا بَيْنَهُمَا، وَلَيْسَ لَهُ مِنْ الحَائِطَيْنِ شَيْءٌ) وَقَدْ مَرَّتْ الدَّلَائِلُ فِي الطَّلَاقِ.