وفيه أطراف أربعة الأول: في آداب متفرقة
"منها أن يكتب (^١) له الإمام (^٢) " إذا ولاه القضاء في بلد كتاب العهد "بالولاية (^٣) ويعظه" فيه ويذكر فيه ما يحتاج إلى القيام به، "لأنه ﷺ كتب لعمرو بن حزم لما بعثه إلى اليمن"، رواه أصحاب السنن (^٤) "ولأن أبا بكر (^٥) كتب لأنس لما بعثه إلى البحرين وختمه بخاتم رسول الله ﷺ"، رواه البخاري (^٦)
"ويشهد" وجوبا "عليها" أي الولاية "للبعيد" من محلها عبارة الأصل فإن كان يبعثه إلى بلد آخر فإن كان بعيدا لا ينتشر الخبر إليه فليشهد "شاهدين (^٧) يخرجان معه" يخبران بها وعند إشهادهما يقرآن الكتاب أو يقرؤه الإمام عليهما فإن قرأه غير الإمام فالأحوط أن ينظر الشاهدان فيه ولو أشهد ولم يكتب كفى فإن الاعتماد على الشهود "ولو استفاض" الخبر "كفى" عن الإشهاد (^٨) ; لأن الاستفاضة آكد منه ولأنه لم ينقل عن رسول الله ﷺ ولا عن الخلفاء الإشهاد فلا يقبل في الولاية قول مدعيها فلو صدقه أهل البلد ففي وجوب طاعته وجهان وقياس ما مر في الوكالة عدم وجوبها لأن الإمام لو أنكر توليته كان القول قوله
_________________
(١) "قوله منها أن يكتب" أي ندبا
(٢) "قوله الإمام" مثل الإمام قاضي الإقليم إذا ولى نائبا من عمل من إقليمه
(٣) "قوله بالولاية" قال القفال الشاشي ينبغي للإمام أن يتخذ لنفسه نسخة حتى يتذكر بها إن نسي أنه ولاه عمل كذا قال الأذرعي ومن فوائده أن يتذكر به ما اختل عليه من شرط وإلى هذا أشار الماوردي
(٤) رواه النسائي "٨/ ٥٧" كتاب القسامة، باب ذكر حديث عمرو بن حزم في العقول، حديث "٤٨٥٣" والحاكم في المستدرك "١/ ٥٥٢" حديث "١٤٤٧" وصححه.
(٥) "قوله ولأن أبا بكر إلخ" وعمر لابن مسعود لما بعثه قاضيا إلى الكوفة
(٦) رواه البخاري، كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم، حديث "١٤٥٤"
(٧) "قوله شاهدين" قال البلقيني: عندي أنه إذا كان المدار على الأخبار فينبغي أن يكتفي بواحد ولم أر من تعرض له ا هـ ويؤيده الوجه الآتي أنهم إذا صدقوه لزمهم طاعته
(٨) "قوله ولو استفاض الخبر كفى عن الإشهاد" وإن كان البلد بعيدا
[ ٩ / ١٣٥ ]
لكن قال الأذرعي (^١) لعل وجوبها أشبه وفي الآثار والأخبار ما يعضده "ولا يعتمد الكتاب وحده" أي بلا إشهاد واستفاضة لإمكان تحريفه
"و" منها "أن يسأل قبل الدخول" للبلد الذي لا يعرف من فيه "عن" حال "من في البلد من العدول والعلماء" ليدخل على بصيرة بحال من فيه فيسأل عن ذلك قبل الخروج فإن تعسر ففي الطريق فإن تعسر فحين يدخل
"و" أن "يدخل" يوم "الاثنين" لأنه ﷺ دخل المدينة فيه "فإن تعسر فالخميس أو السبت" كذا عبر به في التنبيه وعبارة الروضة وإلا فالسبت (^٢) ويستحب أن يدخل صبيحة اليوم (^٣)
"و" أن يدخل "في عمامة سوداء" ففي مسلم أنه ﷺ دخل مكة يوم الفتح بها ولأنها أهيب له
"و" أن "ينزل وسط البلد" ليتساوى أهله في القرب منه قال الزركشي: وكأنه (^٤) حيث اتسعت خطته والإنزال حيث تيسر قال وهذا إذا لم يكن فيه موضع يعتاد القضاة النزول فيه
"ثم" إذا دخل "إن شاء قرأ العهد فورا، وإن شاء واعد الناس ليوم" يحضرون فيه ليقرأه عليهم، وإن كان معه شهود شهدوا ثم انصرف إلى منزله وأن يبحث عن الشهود والمزكين سرا وعلانية والأحوط السر لأنه أعون له على اطلاعه على معرفة أحوالهم
"و" أن "يتسلم ديوان الحكم"، وهو ما كان عند القاضي قبله "من
_________________
(١) "قوله لكن قال الأذرعي": أي وغيره لعل وجوبها أشبه أشار إلى تصحيحه وكتب عليه; لأنهم اعترفوا بحق عليهم ولا نعدم له من الآثار والأخبار دليلا
(٢) "قوله وعبارة الروضة وإلا فالسبت" فبين تقديم الخميس على السبت فأو للتنويع
(٣) "قوله ويستحب أن يدخل صبيحة اليوم" لخبر ابن ماجه "اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم الخميس" قال الأذرعي واستدلوا له بما يذكر مرفوعا "بورك لأمتي في سبتها وخميسها" وهذا غير معروف وقال بعض الحفاظ: لا أصل له وكتب أيضا قال ﷺ "اللهم بارك لأمتي في بكورها" حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم من أصحاب السنن بأسانيد صحيحة قال الترمذي هذا حديث حسن وقال غيره من الحفاظ إنه حديث حسن صحيح
(٤) "قوله قال الزركشي وكأنه إلخ" أشار إلى تصحيحه وكذا قوله وهذا إذا لم يكن
[ ٩ / ١٣٦ ]
المحاضر"، وهي التي فيها ذكر ما جرى من غير حكم "والسجلات"، وهي ما يشمل على الحكم "وحجج الأيتام وأموالهم ونحو ذلك" من الحجج المودعة في الديوان كحجج الأوقاف; لأنها كانت في يد الأول بحكم الولاية وقد انتقلت الولاية إليه فيتسلمها ليحفظها على أربابها
"ثم" يبحث "عن المحبوسين" هل يستحقون الحبس أو لا وقدم على ما يأتي; لأن الحبس عذاب وقدم عليه ما مر لأنه أهم ويؤخذ منه ما جزم به البلقيني (^١) أنه يقدم على البحث عنهم أيضا كل ما كان أهم منه كالنظر في المحاجير (^٢) الجائعين الذين تحت نظره وما أشرف على الهلاك من الحيوان في التركات وغيرها وما أشرف من الأوقاف وأملاك محاجيره على السقوط بحيث يتعين الفور في تداركه
"و" أن "يكتب" في رقاع "أسماءهم وما حبس به" كل منهم "و" من حبس "له" فإن بعث إليهم أمينا ليكتب ذلك كفى وإن بعث أمينين فهو أحوط "فينادي" بأن يأمر قبل أن يجلس للبحث عنهم من ينادي ألا "من له حبيس فليحضر" يوم كذا فإذا جلس لذلك وحضر الناس صبت الرقاع بين يديه فيأخذ رقعة رقعة وينظر في الاسم المثبت فيها "ويحضر المحبوسين واحدا واحدا" بحسب ما أخذه من الرقاع فيسألهم بعد اجتماعهم مع خصومهم عن سبب حبسهم "فمن اعترف" منهم "بحق طولب" به "وإن أوفى" الحق أو ثبت إعساره كما ذكره الأصل (^٣) "نودي عليه فلعل له غريما آخر. ثم" إذا لم يحضر له غريم "يطلق" من الحبس بلا يمين; لأن الأصل عدم غريم آخر "ولا يطالب بكفيل ومن لم يوف" الحق "ولم يثبت إعساره رد" إلى الحبس; لأنه يستحقه لو أنشئت المحاكمة عند هذا القاضي فاستمراره أولى "وإن قال حبست بكلب" مثلا "أتلفته أمضاه" أي حكم
المعزول، وإن كان لا يعتقد التغريم بذلك كالمنعزل (^٤) ; لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله "وإن قال ظلمت" بالحبس وأنكر خصمه "طولب خصمه بالبينة"
_________________
(١) قوله ويؤخذ منه ما جزم به البلقيني إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله كالنظر في المحاجير إلخ" وخصومة حاصلة وفصل معضلة أشكلت على من قبله
(٣) "قوله كما ذكره الأصل" هو مأخوذ من قول المصنف ولم يثبت إعساره
(٤) "قوله، وإن كان لا يعتقد التغريم بذلك كالمنعزل" أي بأن كان المتولي لا يرى التغريم والمعزول يراه
[ ٩ / ١٣٧ ]
أنه حبسه بحق "وصدق" هو "بيمينه" أنه حبس ظلما إن لم يقم خصمه بينة فيطلق من الحبس; لأن استمراره فيه معصية
"ولو كان" خصمه "غائبا" عن البلد "طولب بكفيل أو يرد" إلى الحبس وتبع في مطالبته بكفيل الروضة على القول بأنه لا يطلق من الحبس (^١) والرافعي إنما فرعه على القول بأنه يطلق منه (^٢) وترجيح رده إليه من زيادة المصنف وإذا رد إليه أو أطلق بكفيل "كتب لخصمه" ليحضر عاجلا (^٣) فيلحن بحجته "فإن لم يحضر أطلق" كالمحبوس ظلما
"ومن قال لا أدري فيم حبست" أو لا خصم لي "نودي عليه" لطلب الخصم ثلاثة أيام كما في البحر وغيره "فإن لم يحضر له خصم حلف" على ما قاله; لأن الحبس بلا خصم خلاف الظاهر "وأطلق"، وإن حضر في هذا وما قبله فإن أقام بينة بالحق أو بأن القاضي حكم عليه بذلك فذاك وإلا أطلق بعد حلفه "وحال المناداة" عليه لطلب خصمه "يراقب ولا يحبس" ولا يطالب بكفيل "ومن حبس تعزيرا أطلقه" من الحبس; لأنه لا يدري أن من كان قبله هل كان يديم حبسه أو لا "أو يرده" إليه "إن رأى ذلك (^٤) " بأن بانت عنده خيانته
"ثم" يبحث "عن الأوصياء (^٥) " قال الماوردي ويبدأ هنا بمن شاء بلا قرعة
_________________
(١) "قوله على القول بأنه لا يطلق من الحبس"، وهو الأصح كما يؤخذ من الشرح الصغير
(٢) "قوله والرافعي إنما فرعه على القول بأنه يطلق منه"، وهو الصواب غ وكلام المصنف جار عليه
(٣) "قوله كتب لخصمه ليحضر عاجلا" أو يوكل وقياس ما سبق في الأبواب أن يقال كتب إلى قاضي بلده لا إليه نفسه ولعله المراد إذ لا يكتب إلى من لا يعرفه والغرض إعلامه كيف اتفق ولو بإبلاغ عدل فيما أراه
(٤) "قوله أو يرده إليه إن رأى ذلك" في الكفاية عن الحاوي والبحر لو قال حبسني تعزيرا للذي كان مني فقد استوفى حبس التعزير بعزل الأول، وإن لم يستكمل مدة حبسه مع بقاء نظر الأول; لأن الثاني لا يعزر لذنب كان مع غيره وحكاه في المهمات عن المحيط لمحمد بن يحيى
(٥) "قوله ثم عن الأوصياء" لتوليهم مال من لا يملك المطالبة ولا يعبر عن نفسه فكان النظر فيهم أولى وكتب أيضا إذا كان المحجور عليهم في عمله، وإن كان مالهم في غيره ولاه لبعض من يعرفه غ فالتصرف بالاستنماء في أموالهم لقاضي بلدهم لأنه وليهم في المال والنكاح إلا الصغير قال الناشري وسألت عن وقف في بلد على قراءة على قبر في بلد أخرى. . . . . . . . . . . =
[ ٩ / ١٣٨ ]
بخلاف المحبوسين; لأن النظر فيهم لهم وفي هؤلاء عليهم "فينفذ" القاضي أي يقرر ما قضى لهم به "ومن عرف فسقه" منهم "انعزل" فينزع المال منه (^١) "أو ضعفه" عن القيام بحفظ المال والتصرف فيه لكثرته أو لغيره "أعانه بآخر أو شك في عدالته قرره (^٢) "; لأن الظاهر الأمانة وقيل ينزع المال منه حتى تثبت عدالته والترجيح من زيادته لكن رجح ابن أبي عصرون في الانتصار الثاني وجزم به في المرشد وقال الأذرعي وغيره إنه المختار لفساد الزمان وإن كان الأقرب إلى (^٣) كلام الجمهور الأول
"ثم إن فرق" الوصي "الوصية، وهي لمعينين لم يبحث" عنه; لأنهم يطالبونه إن لم يكن أوصلهم قال الأذرعي: وهو ظاهر إن كانوا أهلا (^٤) للمطالبة فإن كانوا محجورين فلا لا سيما إذا لم يكن لهم ولي غير القاضي. "أو لجهة عامة (^٥)، وهو عدل أمضاه (^٦) " أي تصرفه "وإلا" أي وإن لم يكن عدلا "ضمنه" أي ما فرقه "لتعديه (^٧) " بتفريقه بلا ولاية صحيحة "وإن فرقها أجنبي لمعينين نفذ" تفريقه; لأن لهم أخذها بلا واسطة فلا يضمنه نعم قال البلقيني في الوصي لو فوض إلى اجتهاده التساوي والتفضيل وكان فاسقا فينبغي أن يضمنه (^٨) ; لأنه
_________________
(١) = ولكل بلد قاض فمن ناظره منهما فأجبت بأنه قاضي بلد الميت قياسا على هذه المسألة وجعلت الميت كالمحجور عليه ويظهر الحكم ظهورا كليا إذا كان الموقوف عليه حيا
(٢) "قوله فينزع المال منه" وإن كان ثقة في الأمانة
(٣) "قوله أو شك في عدالته قرره" قال الأذرعي في الغنية إنه أقرب إلى كلام الرافعي والنووي وغيرهما بل هو ظاهر كلام الجمهور
(٤) "قوله، وإن كان الأقرب إلى" كلام الشيخين بل هو ظاهر "كلام الجمهور الأول" أشار إلى تصحيحه وكتب عليه قال البلقيني إن محل الوجهين إذا لم تثبت عدالته عند الأول وإلا لم يتعرض له جزما ا هـ وهل للقاضي إعضاده عند الريبة من غير ثبوت خلل قال بعض المتأخرين: ظاهر كلام الأصحاب والرافعي المنع وفساد الزمن يقتضي الجواز والله يعلم المفسد من المصلح.
(٥) "قوله قال الأذرعي، وهو ظاهر إن كان أهلا إلخ" أشار إلى تصحيحه وكتب قد جزم به بعضهم
(٦) "قوله أو لجهة عامة" أو محجور عليه
(٧) "قوله أمضاه" فإن القول قوله في ذلك بغير يمين; لأن الحق لم يتعين له طالبه
(٨) "قوله وإلا ضمنه لتعديه"، وإن كان فسقه خفيا
(٩) "قوله فينبغي أن يضمنه إلخ" أشار إلى تصحيحه
[ ٩ / ١٣٩ ]
تعدى بالتفريق بغير ولاية صحيحة فيأتي مثله في الأجنبي "أو لعامة" أي لجهة عامة "ضمن ثم يبحث عن أمناء (^١) القاضي" المنصوبين على الأطفال وتفرقة الوصايا "فينعزل" وفي نسخة فيعزل "من فسق منهم" ويعين الضعيف بآخر كما يعلم من كلام الأصل "وله أن يعزل" الأمناء، وإن لم يتغير حالهم "ويعوض" عنهم بآخرين بخلاف الأوصياء; لأن الأمناء يولون من جهة القاضي بخلاف الأوصياء وأخروا عن الأوصياء; لأن التهمة فيهم أبعد; لأن ناصبهم القاضي، وهو لا ينصب إلا بعد ثبوت الأهلية عنده بخلاف الأوصياء
"ثم" يبحث "عن الأوقاف (^٢) العامة" ومتوليها قال الماوردي والروياني وعن الخاصة; لأنها تؤول لمن لا يتعين من الفقراء والمساكين فينظر هل آلت إليهم وهل له ولاية على من تعين منهم لصغر أو نحوه "و" عن "اللقطة" التي لا يجوز تملكها للملتقط أو يجوز ولم يختر تملكها بعد الحول "و" عن "الضوال فتحفظ" هذه الأموال "في بيت المال مفردة" عن أمثالها "وله خلطها بمثلها" فإذا ظهر المالك غرم له من بيت المال وله بيعها وحفظ ثمنها لمصلحة مالكها وصرح به الأصل بالنسبة للقطة قال الأذرعي: وفي جواز خلطها نظر إذا لم تظهر فيه مصلحة لملاكها ولا دعت إليه حاجة "وقدم من كل نوع" مما ذكر "الأهم" فالأهم
"ويستخلف" فيما إذا عرضت حادثة "حال شغله بهذه" المهمات من ينظر في تلك الحادثة أو فيما هو فيه "ثم بعدما ذكر يرتب أمر الكتاب والمزكون والمترجمين" والمستمعين للحاجة إليهم وقد "كان له ﷺ كتاب منهم زيد بن ثابت" (^٣)
_________________
(١) "قوله ثم يبحث عن الأمناء إلخ" قال الماوردي: والروياني ويجب على القاضي بعد تصفح حال الأوصياء والأمناء أن يثبت في ديوانه حال كل أمين ووصي وما في يده من الأموال ومن يلي عليه من الأيتام ليكون حجة في الجهتين فإن وجد ذكره في ديوان القاضي الأول عارض به وعمل بأحوطهما ا هـ وفي الحاوي ليس له أن يستكشف عن الأب والجد ما لم تقم الحجة على الفسق والخيانة فإنه يلي بنفسه "تنبيه" إذا فعل الأمين ما لا يجوز جهلا لم ينعزل ويرد فعله فإن لم يمكن تداركه غرمه
(٢) "قوله ثم يبحث عن الأوقاف" فإن قال متولي الوقف صرفت الغلة لعمارة المسجد مثلا صدق، وإن اتهمه حلفه أو إلى أهله وهم معينون لم يصدق ولهم طلب حسابه أو غير معينين فهل يحاسب وجهان أصحهما أن له محاسبته إن اتهمه
(٣) "قوله منهم زيد بن ثابت" وعلي ومعاوية واتخذ الخلفاء بعده الكتاب; ولأن اشتغال الحاكم بالكتابة يقطعه عن الحكم
[ ٩ / ١٤٠ ]
"ويشترط" في هذا الأدب "كون الكاتب مسلما" ذكرا حرا مكلفا "عدلا" في الشهادة لتؤمن خيانته "عارفا بكتب المحاضر" ونحوها لئلا يفسدها حافظا لئلا يغلط فلا يكفي الكافر ولا الأنثى ولا العبد ولا غير المكلف ولا الفاسق ولا غير العارف بما ذكر ولا غير الحافظ "ويستحب كونه فقيها" بما زاد (^١) على ما يشترط من أحكام الكتابة "عفيفا عن الطمع (^٢) " لئلا يستمال به "جيد الخط والضبط" للحروف لئلا يقع الغلط والاشتباه حاسبا للحاجة إليه في كتب المقاسم والمواريث فصيحا عالما بلغات الخصوم وافر العقل لئلا يخدع وذكر وفور العقل ذكره الأصل.
"و" أن "يجلس" كاتبه "بين يديه ليمليه" ما يريد "وليرى كتابه" أي ما يكتبه ولا يشترط تعدده كما أفهمه كلامه كأصله; لأنه لا يثبت شيئا بخلاف المترجمين ونحوهما ممن يأتي "ويشترط" في الترجمة في إسماع القاضي الأصم كلام الخصم "مترجمان (^٣) ومسمعان بلفظ" أي مع لفظ "الشهادة" بأن يقول كل منهم أشهد أنه يقول كذا "و" مع "عدالتهما" في الشهادة وذلك; لأن المترجم والمسمع ينقلان إليه قولا لا يعرفه أو لا يسمعه فأشبها الشاهد ومن هنا يشترط انتفاء التهمة فلا يقبل ذلك من الولد والوالد إن تضمن حقا لهما ويجزئ منهما أي من المترجمين والمسمعين "في المال" أو حقه "رجل وامرأتان (^٤) وفي غيره"
_________________
(١) "قوله ويشترط كونه فقيها بما زاد إلخ" وما صرح به الماوردي وغيره من اشتراطه مرادهم به ما لا بد منه في أحكامها قال الأذرعي: وهذا هو الوجه
(٢) "قوله عفيفا عن الطمع" الغرض أن يكون علي الهمة شريف النفس غير متطلع إلى طمع ورعا
(٣) "قوله ويشترط مترجمان" قال ابن النقيب كذا أطلقوه ولم يظهر لي اتخاذه على أي لغة فإن اللغات لا تكاد تنحصر ويبعد أن يحيط الشخص بجميعهما ويبعد أن يقال يتخذ من كل لغة اثنين فإن ذلك كثير مشق فالأقرب أن يتخذ من اللغات التي يغلب وجودها في عمله وفيه عسر أيضا
(٤) "قوله رجل وامرأتان" قياسه الاكتفاء بترجمة النساء وحدهن فيما يثبت بشهادتهن وحدهن لقولهم ما تقبل فيه شهادة المرأة تقبل فيه ترجمتها وجعل سليم في المجرد الضابط أنه يعتبر في كل شيء ما يثبت به الإقرار بذلك الشيء. وقال الدبيلي: وكل أصل على حسب شهود أصله قال الأذرعي: الدبيلي بالدال المهملة ثم الياء آخر الحروف ساكنة ثم بالباء الموحدة هذا ما تحرر لي وقول ابن الرفعة الزبيلي بالزاي تصحيف وقد أوضحت ذلك في بعض المواضع
[ ٩ / ١٤١ ]
كنكاح وعتق "رجلان ولو في زنا" كالشهادة على الإقرار به
"و" لو كانت الترجمة "عن شاهدين" فيكفي رجلان ولا يشترط أربعة كما في شهادة الفرع على الأصل "ولا يضرهما العمى (^١) ; لأنهما يفسران اللفظ" وذلك "لا" يستدعي "معاينة" بخلاف الشهادة مع أن القاضي يرى من يترجم الأعمى كلامه ومثلهما في ذلك المسمعان "فإن كان الخصم أصم كفاه" في نقل كلام خصمه أو القاضي إليه "مسمع واحد"; لأنه إخبار محض لكن يشترط فيه الحرية على الأصح كهلال رمضان ولا يسلك به مسلك الروايات ذكره الأصل وكالأصم في ذلك من لا يعرف لغة خصمه أو القاضي.
"فرع للقاضي"، وإن وجد كفايته (^٢) "أخذ كفايته وكفاية عياله" من نفقتهم "وكسوتهم" وغيرهما "مما يليق" بحالهم "من بيت المال (^٣) " ليتفرغ للقضاء ولخبر "أيما عامل استعملناه وفرضنا له رزقا فما أصاب بعد رزقه فهو غلول" رواه أبو داود والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين (^٤) ولو حذف قوله وكسوتهم كان أولى (^٥) "إلا أن تعين" للقضاء "ووجد كفاية" له ولعياله فلا يجوز له أخذ شيء; لأنه يؤدي فرضا تعين عليه (^٦)، وهو واجد للكفاية "ويستحب
_________________
(١) "قوله ولا يضرهما العمى إلخ" محله فيما إذا كان أهل المجلس سكوتا فإن تكلم بعضهم لم تقبل شهادته بالترجمة قطعا إذا احتمل الالتباس بذلك ذكره في المطلب والمراد إذا تكلم غير المترجم عنه بتلك اللغة التي يتكلم بها المترجم عنه
(٢) "قوله للقاضي أخذ كفايته إلخ" قال البلقيني: الذي ينفذ قضاؤه للضرورة لو أخذ شيئا من بيت المال على ولاية القضاء أو جوامك في نظر الأوقاف لا يستحقها وتسترد منه; لأنا إنما نفذنا قضاءه للضرورة ولا كذلك في المال الذي يأخذه فيسترد منه قطعا لا توقف في ذلك ومن تولى التدريس بالشوكة وليس بأهل له لم يستحق جامكيته وليقس على ما ذكرناه ما لم نذكره وقوله قال البلقيني الذي ينفذ إلخ أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله من بيت المال" أي جعالة
(٤) صحيح: رواه أبو داود "٣/ ١٣٤" كتاب الخراج والفيء والإمارة باب في أرزاق العمال، حديث "٢٩٤٣"
(٥) "قوله ولو حذف قوله وكسوتهم كان أولى" هو من عطف الخاص على العام
(٦) "قوله لأنه يؤدي فرضا تعين عليه"، وهو واجد للكفاية فلم يجز إسقاطه ببدل كعتق عبد عن الكفارة على عوض
[ ٩ / ١٤٢ ]
تركه" أي الأخذ "لمكتف" لم يتعين ومحل جواز الأخذ للمكتفي (^١) ولغيره إذا لم يوجد متطوع بالقضاء صالح له وإلا فلا يجوز صرح به الماوردي وغيره
"ولا يجوز عقد الإجارة على القضاء" لما مر في بابها "ولا" يجوز "أن يرزق" القاضي "من خاص مال الإمام أو غيره" من الآحاد فلا يجوز له قبوله (^٢) وفارق نظيره في المؤذن بأن ذلك لا يورث فيه تهمة ولا ميلا; لأن عمله لا يختلف وفي المفتي بأن القاضي أجدر بالاحتياط منه واستشكل عدم جواز ذلك بأن الرافعي رجح في الكلام على الرشوة جوازه وأسقطه النووي ثم ويجاب بأن ما هناك في المحتاج (^٣) وما هنا في غيره
"وأجرة الكاتب (^٤) ولو كان القاضي وثمن الورق" الذي يكتب فيه المحاضر
_________________
(١) "قوله ومحل جواز الأخذ للمكتفي إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله فلا يجوز له قبوله"; لأنه عمل لا يعمله الغير عن الغير وإنما يقع عن نفسه ويعود نفعه على الغير
(٣) "قوله ويجاب بأن ما هناك في المحتاج" قال الماوردي: وإذا تعذر رزق القاضي من بيت المال وأراد أن يرتزق من الخصمين فإن لم يقطعه النظر عن اكتساب المادة لم يجز أن يرتزق من الخصوم، وإن كان يقطعه النظر عن اكتساب المادة مع صدق الحاجة جاز له الارتزاق منهم على ثمانية شروط أحدها أن يعلم به الخصمان قبل التحاكم إليه فإن لم يعلماه إلا بعد الحكم لم يجز والثاني أن يكون رزقه على الطالب والمطلوب ولا يأخذه من أحدهما فيصير به متهما والثالث أن يكون عن إذن الإمام لتوجه الحق عليه فإن لم يأذن لم يجز والرابع أن لا يجد الإمام متطوعا فإن وجده لم يجز والخامس أن يعجز الإمام عن دفع رزقه فإن قدر عليه لم يجز والسادس أن يكون ما يرزقه من الخصوم غير مؤثر عليهم ولا مضر بهم فإن أضر بهم أو أثر عليهم لم يجز والسابع أن لا يستزيد على قدر حاجته فإن زاد عليها لم يجز والثامن أن يكون قدر المأخوذ مشهورا يتساوى فيه جميع الخصوم وإن تفاضلوا في المطالبات; لأنه يأخذه عن زمان النظر فلم يعتبر بمقادير الحقوق فإن فاضل فيه بينهم لم يجز إلا إن تفاضلوا في الزمان فيجوز ا هـ قال الأذرعي: الوجه أنه إذا كان محتاجا إلى الرزق وتعذر من بيت المال ولم يجد متطوعا بالقضاء أن يجوز لأهل عمله أن يفرضوا له من أموالهم رزقا سواء تعين عليه القضاء أم لا إذ لا سبيل إلى التعطيل وهو أخف من الاستجعال من أعيان الخصوم كما قاله الماوردي
(٤) "قوله وأجرة الكاتب إلخ" أجرة كاتب الصكوك تكون على عدد رءوس المستحقين وإن تفاوتت حصصهم قاله الرافعي تأصيلا في كتاب الشفعة قال في المهمات، وهي مسألة حسنة ينبغي معرفتها
[ ٩ / ١٤٣ ]
والسجلات ونحوهما "من بيت المال وإلا" بأن لم يكن في بيت المال شيء أو احتيج إليه لما هو أهم "فعلى" من له العمل من "المدعي" والمدعى عليه ذلك "إن شاء" كتابة ما جرى في خصومته وإلا فلا يجبر على ذلك لكن يعلمه القاضي أنه إذا لم يكتب ما جرى فقد ينسى شهادة الشهود وحكم نفسه "وللإمام أن يأخذ من بيت المال لنفسه ما يليق به من خيل وغلمان ودار واسعة ولا يلزمه الاقتصار" على ما اقتصر عليه ﷺ والخلفاء الراشدون "كالصحابة ﵃ لبعد العهد بزمن النبوة التي كانت سببا للنصر بالرعب" في القلوب فلو اقتصر اليوم على ذلك لم يطع وتعطلت الأمور "ويرزق" الإمام أيضا "منه" أي من بيت المال "كل من كان عمله (^١) مصلحة عامة للمسلمين كالأمير والمفتي والمحتسب والمؤذن والإمام" للصلاة "ومعلم القرآن" وغيره من العلوم الشرعية "والقاسم والمقوم والمترجم وكتاب الصكوك" وقوله "ونحو ذلك" أي كالمسمعين والمزكين لا حاجة إليه قال الأذرعي: ولا خفاء (^٢) أن محل ذلك إذا لم يجد متبرعا بذلك يحصل به الكفاية "وإن لم يكن في بيت المال شيء لم يعين" أي لم يندب له أن يعين "قاسما ولا كاتبا" ولا مقوما ولا مترجما ولا مسمعا ولا مزكيا كما أفاده كلام الأصل وذلك لئلا يغالوا بالأجرة
"و" من الآداب أن "يتخذ القاضي" للقضاء "مجلسا فسيحا" أي واسعا لئلا يتأذى بضيقه الحاضرون "نزها عما يؤذي" من حر وبرد وريح ونحوها فيجلس في الصيف حيث يليق وفي الشتاء وزمن الرياح كذلك قال في الأصل بارزا أي ظاهرا ليعرفه من يراه ويصل إليه كل أحد هذا إن اتحد الجنس فإن تعدد وحصل زحام اتخذ مجالس بعدد الأجناس فلو اجتمع رجال وخناثى ونساء اتخذ ثلاثة مجالس قاله ابن القاص "و" أن "يجلس على مرتفع" كدكة ليسهل عليه النظر إلى الناس وعليهم المطالبة "و" أن "يتميز" عن غيره "بفراش ووسادة" وإن كان مشهورا بالزهد والتواضع ليعرفه الناس وليكون أهيب للخصوم وأرفق به فلا يمل
_________________
(١) قوله ويرزق منه كل من كان عمله إلخ" قدر كفايتهم من غير إسراف ولا تقتير
(٢) "قوله قال الأذرعي: ولا خفاء إلخ" أشار إلى تصحيحه وكذا قوله قاله ابن القاص
[ ٩ / ١٤٤ ]
"و" أن "يستقبل" القبلة (^١) ; لأنها أشرف المجالس كما رواه الحاكم وصححه "و" أن "لا يتكئ" بغير عذر "ويكره الحكم في المساجد (^٢) " أي اتخاذها مجالس له صونا لها عن ارتفاع الأصوات (^٣) واللغط الواقعين بمجلس الحكم عادة وقد يحتاج لإحضار المجانين والصغار والحيض والكفار وإقامة الحدود فيها أشد كراهة "لا" الحكم "فيما اتفق حال دخوله" لها أي وقت حضوره فيها الصلاة أو غيرها فلا يكره للاتباع رواه البخاري. ولا فيما إذا احتاج إليها لعذر من مطر أو غيره فلا يكره الجلوس فيها للحكم
"فإن جلس" له "فيه" أي في المسجد مع الكراهة أو دونها "منع الخصوم من الخوض فيه" بالمخاصمة والمشاتمة ونحوهما "ووقف غير الخصمين" السابقين لمجلس الحكم "خارجه" عبارة الأصل لم يمكن الخصوم من الاجتماع فيه والمشاتمة ونحوها بل يقعدون خارجه وينصب من يدخل عليه خصمين خصمين "ولا يقضي" أي يكره أن يقضي "في حال تغير الخلق (^٤) بنحو غضب (^٥) وجوع وامتلاء" أي شبع "مفرطين ومرض مؤلم وخوف مزعج وحزن وفرح شديدين ومدافعة خبث" وغلبة نعاس لخبر الصحيحين "لا يحكم أحد بين اثنين، وهو غضبان" (^٦) ورواه
_________________
(١) "قوله وأن يستقبل القبلة" ثم يدعو اللهم إني أعوذ بك أن أزل أو أزل أو أضل أو أضل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي أو أعتدي أو يعتدى علي اللهم اغنني بالعلم وزيني بالحلم وأكرمني بالتقوى وجملني بالعافية حتى لا أنطلق إلا بالحق ولا أقضي إلا بالعدل
(٢) "قوله ويكره الحكم في المساجد لا فيما اتفق إلخ" حكم نيته كحكم المسجد
(٣) "قوله صونا لها عن ارتفاع الأصوات" قال ﷺ: "جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ورفع أصواتكم وخصوماتكم وحدودكم" وقال ﷺ: "إنما بنيت المساجد لذكر الله والصلاة"
(٤) "قوله ولا يقضي في حال تغير الخلق إلخ" المقصود أن يكون في حال يتمكن فيها من استيفاء الفكر والنظر بحيث يكون ساكن النفس معتدل الأحوال ليقدر على الاجتهاد في النوازل ويحترز من الزلل في الأحكام
(٥) "قوله بنحو غضب" إذا كان الغضب يخرجه عن طريق الاستقامة فإنه يحرم عليه القضاء في هذه الحالة وفي نص الأم ما يشهد له ذكر البلقيني وقال ابن سريج: ولا يجوز له أن يقضي، وهو غضبان ولا متغير الحال وقال ابن أبي عصرون ولا يجوز القضاء في حالة مزعجة كالغضب وقوله وفي نص الأم إلخ أشار إلى تصحيحه.
(٦) البخاري، كتاب الأحكام، حديث"٧١٥٨" ومسلم، كتاب الأقضية باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان، حديث "١٧١٧"
[ ٩ / ١٤٥ ]
ابن ماجه بلفظ "لا يقضي القاضي (^١) " وفي صحيح أبي عوانة "لا يقضي القاضي، وهو غضبان مهموم ولا مصاب محزون ولا يقضي وهو جائع" قال في المطلب ولو فرق (^٢) بين ما للاجتهاد فيه مجال وغيره لم يبعد نقله عنه وعن ابن عبد السلام (^٣) الزركشي واعتمده واستثنى الإمام والبغوي وغيرهما الغضب لله تعالى واستغربه في البحر قال البلقيني والمعتمد الاستثناء; لأن الغضب لله يؤمن معه التعدي بخلاف الغضب لحظ النفس.
وقال الأذرعي: الراجح من حيث المعنى والموافق لإطلاق الأحاديث وكلام الشافعي والجمهور أنه لا فرق; لأن المحذور تشويش الفكر، وهو لا يختلف بذلك (^٤) نعم تنتفي الكراهة إذا دعت الحاجة إلى الحكم في الحال وقد يتعين الحكم على الفور في صور كثيرة "فإن قضى" مع تغير خلقه "نفذ" قضاؤه لقضية الزبير المشهورة (^٥) "ويكره" له إذا جلس للحكم "حاجب" أي نصبه "حيث لا زحمة" لخبر "من ولي من أمور الناس شيئا فاحتجب عنهم حجبه الله عنه يوم القيامة" رواه أبو داود والحاكم (^٦) وصحح إسناده ورواه الطبراني بلفظ "أيما أمير احتجب عن الناس فأهمهم احتجب الله عنه يوم القيامة (^٧) " فإن لم يجلس للحكم بأن كان في وقت خلواته أو كان ثم زحمة لم يكره نصبه (^٨) والبواب، وهو من
_________________
(١) صحيح: رواه ابن ماجه "٢/ ٧٧٦" كتاب الأحكام، باب لا يحكم الحاكم وهو غضبان، حديث "٢٣١٦"
(٢) "قوله قال في المطلب ولو فرق إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله وعن ابن عبد السلام إلخ" في قواعده إلزام الحكم في المعلوم الذي لا يحتاج إلى نظر لا يكره في حال الغضب وكلام الشافعي والجمهور أنه لا فرق أشار إلى تصحيحه
(٤) "قوله، وهو لا يختلف بذلك" لا جرم قال في البحر بعد ذكره الفرق عن بعض الخراسانيين وهذا غريب
(٥) رواه البخاري، كتاب المساقاة، باب سكر الأنهار، حديث "٢٣٦٠" ومسلم، كتاب الفضائل، باب وجوب اتباعه ﷺ، حديث "٢٣٥٧" كلاهما عن عبد الله بن الزبير ﵁، مرفوعا.
(٦) صحيح: رواه أبو داود"٣/ ١٣٥" كتاب الخراج والإمارة والفيء حديث "٢٩٤٨" والترمذي "٣/ ٦١٩" حديث "١٣٣٢"
(٧) رواه الطبراني في معجمه الكبير "٢٠/ ١٥٢" حديث "٣١٦".
(٨) "قوله أو كان ثم زحمة لم يكره نصبه" قال الماوردي ويجب في الحاجب ثلاثة العدالة والعفة والأمانة ويستحب فيه خمسة أن يكون حسن المنظر جميل المخبر عارفا بمقادير الناس بعيدا من الهوى والعصبية معتدل الأخلاق بين الشرسة واللين
[ ٩ / ١٤٦ ]
يقعد بالباب للإحراز كالحاجب فيما ذكر، وهو من يدخل على القاضي للاستئذان قال الماوردي أما من وظيفته ترتيب الخصوم والإعلام بمنازل الناس أي، وهو المسمى الآن بالنقيب فلا بأس باتخاذه وصرح القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ باستحبابه (^١)
"فصل ويشهد القاضي (^٢) " وجوبا شاهدين "بإقرار" من المدعى عليه "لمن سأل" هـ ذلك "أو بحلف" من المدعي "بعد نكول" من المدعى عليه; لأنه قد ينكر بعد فلا يتمكن القاضي من الحكم عليه بما سبق لنسيان أو عزل أو غيرهما "أو بحلف مدعى عليه"، وهو السائل في هذه فيجيبه القاضي ليكون الإشهاد حجة له فلا يطالبه خصمه مرة أخرى ولو أقام بينة بما ادعاه وسأل القاضي الإشهاد عليه لزمه أيضا (^٣) صرح به الأصل
"وإن سأله أحدهما كتب محضر بما جرى" ليحتج به إذا احتاج إليه "وثم" أي وعند القاضي "قرطاس من بيت المال أو أتى به السائل استحب أن يكتب له" ذلك (^٤) "ولا يجب; لأن الحق يثبت بالشهود لا الكتاب" "ولأن النبي ﷺ
_________________
(١) قوله وصرح القاضي أبو الطيب والبندنيجي وابن الصباغ باستحبابه" أشار إلى تصحيحه وكتب عليه فقالوا يستحب أن يتخذ حاجبا يقوم على رأسه إذا قعد ويقدم الخصوم ويؤخرهم قال ابن أبي الدم: وهذا هو الصحيح لا سيما في زماننا بل لو قيل إنه متعين لم يبعد لما فيه من المصالح ودفع المفاسد نعم يشترط كونه عدلا أمينا عفيفا صرح به الماوردي وغيره وقال ابن الرفعة: إنه الظاهر واستحب الماوردي كونه حسن المنظر جميل المخبر عارفا بمقادير الناس بعيدا من الهوى والعصبية وذكر ابن خيران أنه يستحب كونه كهلا ستيرا أي كثير الستر على الناس
(٢) "قوله ويشهد القاضي عليه إلخ" لئلا ينكر فلا يتمكن القاضي من الحكم عليه إن قلنا لا يقضي بعلمه
(٣) "قوله لزمه أيضا"; لأنه يتضمن تعديل البينة وإثبات حقه
(٤) "قوله استحب أن يكتب له ذلك" محل الخلاف في البالغ العاقل فإن تعلقت الحكومة بصبي أو مجنون له أو عليه وجب التسجيل جزما كما قطع به الزبيلي وشريح الروياني في أدب القضاء، وهو ظاهر قال الزركشي: ويشبه أن يلتحق به الغائب حفظا لحقه وكذا ما يتعلق بوقف ونحوه مما يحتاط له فسن ر
[ ٩ / ١٤٧ ]
ومن بعده من الأئمة كانوا يحكمون ولا يكتبون المحاضر والسجلات وقضية كلامه أنه إذا لم يكن عنده (^١) قرطاس ولا أتى به السائل لم يستحب ذلك والظاهر استحبابه وعبارة الأصل لا تنافيه فإنه إنما نفى الوجوب فقط
"ويلزمه أن يحكم بما ثبت" عنده (^٢) "إن سأل" فيه "فيقول حكمت له بكذا أو نفذت الحكم" به "أو ألزمت خصمه الحق" أو نحوها "ولا يجوز" له الحكم بذلك "قبل أن يسأل" نعم لو كان الحكم لمن لا يعبر عن نفسه لصغر أو جنون، وهو وليه فيظهر الجزم (^٣) بأنه لا يتوقف على سؤال أحد قاله الأذرعي "ويستحب" إذا أراد الحكم "أن يعلم الخصم بأن الحكم توجه عليه" ليكون أطيب لقلبه وأبعد عن التهمة "وهل يحكم على ميت بإقراره حيا" عملا بالأصل الخالي عن المعارض وللإجماع على صحة الدعوى على الميت أو لا; لأن الميت ليس أهلا للالتزام "وجهان" صحح منهما الأذرعي والزركشي الأول (^٤) "ولو قال ثبت عندي (^٥) كذا" بالبينة العادلة "أو صح لم يكن حكما"; لأنه قد يراد به قبول
_________________
(١) "قوله وقضية كلامه أنه إذا لم يكن عنده إلخ"، وهو كذلك
(٢) "قوله ويلزمه أن يحكم بما ثبت عنده" من المهم معرفة الفرق بين الحكم ودفع الحكم: أن الحكم لا بد فيه من طريق قوية، وهي البينة الكاملة أو الإقرار أو اليمين مع الشاهد في المال أو اليمين مع اليد أو اليمين المردودة مع نكول المدعى عليه أو علمه بشرطه فلا يجوز للقاضي أن يقدم على حكم إلا بواحد من هذه الأربع إلا في القسامة وهي طريق خامس، وهي إيمان المدعي مع ظهور اللوث وأما دفع الحكم فأسهل من الحكم وله أسباب منها يمين المدعى عليه، ومنها غير ذلك; ولذلك يكتفى فيه بالظهور وتندفع به الدعوى واليمين في مواضع لا يكفي مثلها في الحكم لما في الإقدام على الحكم من القوة الزائدة والأهم الفرق بين الحكم بالصحة والحكم بالموجب أن الحكم بالموجب يستدعي صحة الصيغة وأهلية المتصرف والحكم بالصحة يستدعي ذلك وأن التصرف صادر في محله وهذا نافع في الصور المختلف فيها فإذا وقف على نفسه فحكم حاكم بموجب ذلك كان حكما منه بأن الواقف من أهل التصرف وأن صيغته هذه صحيحا حتى لا يحكم بعده ببطلانها من يرى الإبطال وليس حكما بصحة وقفه ذلك لتوقفه على كونه مالكا لما وقفه ولم يثبت فإذا ثبت حكم حينئذ بصحة الوقف والرافع للخلاف الحكم بصحة الصيغة; لأنه موضع الخلاف و
(٣) "قوله فيظهر الجزم إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٤) "قوله رجح منهما الأذرعي والزركشي الأول" هو الأصح وكلامهم شامل له
(٥) "قوله ولو قال ثبت عندي إلخ" لو قال الحاكم في مجلس حكمه أشهد أن فلانا أعتق عبده فلانا لم يكن حكما بعتقه خلافا لما أفتى به البلقيني
[ ٩ / ١٤٨ ]
الشهادة واقتضاء البينة صحة الدعوى فصار كقوله سمعت البينة وقبلتها; ولأن الحكم هو الإلزام والثبوت ليس بإلزام وكذا لو كتب على ظهر الكتاب الحكمي صح ورود هذا الكتاب علي فقبلته قبول مثله والتزمت العمل بموجبه لاحتمال أن المراد تصحيح الكتاب وإثبات الحجة ذكره الأصل في باب القضاء على الغائب ووقع في نسخ غير معتمدة ألزمت بدل التزمت وليس بصحيح
"ويشترط تعيين ما يحكم به ومن يحكم له لكن يجوز لمن ابتلي بظالم" يريد ما لا يجوز ويحتاج إلى ملاينته "أن يلاينه كما إذا عارض الظالم الداخل بينة خارج ببينة (^١) فاسقة" وطلب الحكم بناء على ترجيح بينة الداخل "فله إن خافه أن يكتب" شيئا "موهما يدفعه به فيقول حكمت بمقتضى الشرع في معارضة بينة فلان الداخل وفلان الخارج وقررت المحكوم به في يد المحكوم له وسلطته عليه" ومكنته من التصرف فيه وقوله ولا يجوز إلخ ذكره الأصل في باب القضاء على الغائب إلا قوله ويستحب أن يعلم الخصم بأن الحكم توجه عليه فذكره هنا في الطرف الثالث.
"ثم إن القاضي إن سأل" الإشهاد بحكمه أو كتب سجل به "يلزمه الإشهاد بالحكم (^٢) لا الكتب" به فلا يلزمه ولو في الديون المؤجلة والوقوف وأموال المصالح "كما سبق" في نظيره في كتب المحضر ويأتي في استحبابه التفصيل السابق ثم كما أفاده كلام الأصل "ويكتب" الكاتب "في المحضر حضور الخصمين عند القاضي ويصف الجميع" أي الثلاثة "بما يميزهم وكذا" يكتب "في السجل" ذلك "و" يكتب فيهما "دعوى المدعي وإقرار خصمه أو إنكاره وإحضاره الشهود ويسميهم" وقوله "ويكتب حليتهم" أي إذا احتاج إليها من زيادته وكأنه قاسه على كتب حلية الخصمين فكان حقه أن يفصل بين معرفته الشهود وعدمها كما يأتي في الخصمين "والنظر إلى المرأة في هذا" أي في كتب الحلية إذا كانت أحد الشهود أو الخصوم "كتحمل الشهادة" فيجوز إذا احتيج إلى إثبات حليتها "فإن كان" القاضي "يعرف الخصمين فكتب حليتهما" طولا وقصرا وسمرة وشقرة ونحوها
_________________
(١) "قوله ببينة" متعلق بعارض وقوله بينة خارج مفعول له فاندفع قول الفتى إنه غير مستقيم
(٢) قوله يلزمه الإشهاد بالحكم"; لأن المحكوم عليه قد ينكر من بعد فلا يتمكن القاضي من الحكم عليه إن قلنا لا يقضي بعلمه أو قد ينسى أو يعزل فلا يقبل قوله
[ ٩ / ١٤٩ ]
"مستحب وإلا فلا بد منه ويكتب" مع ما ذكر "سماع الشهادة بسؤاله" أي المدعي "في مجلس حكم القاضي وثبوت عدالتهم" عنده "ويؤرخ" ما يكتبه "ويكتب" القاضي "على رأس المحضر علامته" من الحمدلة وغيرها.
"ويجوز إبهام الشاهدين فيكتب" وأحضر "عدلين" شهدا بما ادعاه "وإن اكتفى عن المحضر بكتبه على شاهدي الصك شهدا عندي بكذا وعلامته جاز" عبارة الأصل ولو كان مع المدعي كتاب فيه خط الشاهدين وكتب تحت خطهما شهدا عندي بذلك وأثبت علامته في رأس الكتاب واكتفى به عن المحضر جاز، وإن كتب المحضر وضمنه ذلك الكتاب جاز وعلى هذا قياس محضر يذكر فيه تحليف المدعى عليه أو المدعي بعد نكول المدعى عليه. ا هـ.
"وفي السجل يحكي" الكاتب "صورة الحال وأنه حكم بذلك" لفلان على فلان "وأنفذه بسؤال المحكوم له" وقد بين الأصل صورتي المحضر والسجل "ويجعل من المحاضر والسجلان نسختين لتبقى عنده" في ديوان الحكم "واحدة" للأمن من التزوير "مختومة معنونة باسم أصحابها" ويجعل الأخرى عند ذي الحق غير مختومة ليلقي بها الشهود والحاكم في بعض الأزمنة ويذكرهم لئلا ينسوا
"وتوضع" التي عند القاضي "في القمطر (^١) "، وهو السفط (^٢) الذي يجمع فيه المحاضر والسجلات ويكون "بين يديه" إلى آخر المجلس "ويختم عند قيامه. وهو ينظر ويحمل معه" إلى موضعه "ويجمع أسبوعا" بأن يدعو به في اليوم الثاني وينظر في الختم ويفك، وهو ينظر ويضع فيه كتب اليوم الثاني كما ذكر وهكذا يفعل حتى يمضي الأسبوع "ثم إن كثرت جعلها إضبارة" بهمزة مكسورة وضاد معجمة وباء موحدة وراء مهملة هي الربطة من الورق ويعبر عنها بالرزمة وبالحزمة تقول ضبرت الكتب أضبرها ضبرا إذا ضممت بعضها إلى بعض وجعلتها ربطة واحدة ويسمى أيضا كل شيء مجتمع ضبارة بكسر الضاد وجمعه ضبائر "ويكتب عليها خصومة أسبوع كذا ويؤرخ" بأن يكتب من شهر كذا من سنة كذا "وإلا" أي، وإن لم تكثر "جمعها في السنة" بأن يتركها حتى يمضي شهر ثم يعزلها فإذا مضت سنة يجمعها "ويكتب" عليها "خصومات سنة كذا" ليسهل الوقوف
_________________
(١) "قوله في القمطر" بكسر القاف وفتح الميم وسكون الطاء
(٢) "قوله وهو السفط" بفتح السين والفاء
[ ٩ / ١٥٠ ]
عليها عند الحاجة "ويحتاط في حفظها" بأن يجعلها بموضع لا يصله غيره "ويتولى الأخذ منها بنفسه" إذا احتاج إلى شيء منها وينظر أولا إلى ختمه وعلامته "و" يتولى "ردها مكانها"
ومن الآداب أن "يجمع" القاضي بمجلس الحكم "العلماء" الموافقين له والمخالفين "الأمناء للمشكلة" من المسائل ثم يخرج إليهم "ويشاورهم" في الحكم فيها عند تعارض الآراء (^١) والمذاهب ليأخذ بالأرجح عنده من مجموع أدلتهم لقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ولخبر البيهقي وغيره "المستشير معان والمستشار مؤتمن (^٢) " ; ولأنه أبعد من التهمة وأطيب للخصوم بخلاف الحكم المعلوم بنص أو إجماع أو قياس جلي ولا يشاور غير عالم ولا عالما غير أمين فإنه ربما يضله وإذا حضروا فإنما يذكرون ما عندهم إذا سألهم "ولا يبتدرون بالاعتراض عليه إلا فيما يجب نقضه" كما سيأتي
"و" أن "يؤدب من أساء" الأدب "بمجلسه" من الخصوم "بتكذيب شاهد وإظهار تعنت لخصم" كأن ادعى عليه وقال لي بينة وسأحضرها ثم فعل ذلك ثانيا وثالثا إيذاء وتعنتا "فيزجره" وينهاه "ثم" إن عاد "يهدده ثم" إن لم ينزجر "يعزره" بما يقتضيه اجتهاده من توبيخ وإغلاظ قول وضرب وحبس ونفي لينكف "فإن اجترأ على القاضي" كأن قال له أنت تجور أو تميل أو ظالم "فله تعزير" له "وعفو" عنه "وهو أولى إن لم يستضعف" أي لم يحمل على ضعفه وإلا فالتعزير أولى لئلا يتسلط عليه بأكثر من ذلك "ويكره له البيع والشراء" وسائر المعاملات
_________________
(١) "قوله: ويشاورهم في الحكم عند تعارض الآراء" وإن كانوا دونه فإن العلوم مواهب وقد يفتح على الصغير بما ليس عند الكبير وقد شاور النبي ﷺ أصحابه وهم بلا شك دونه قال الزركشي: ينبغي أن يكون موضع الندب في المجتهد الذي له أهلية النظر أو التخريج على مذهب إمامه فإن قصر عن هذه المرتبة فيتجه وجوب إحضار فقهاء مذهبه ا هـ فلعلهم ينبهونه على نص لإمامه أو قيد أو شرط في المسألة أو نقل خاص فيها لم يظفر به أو ترجيح وما أشبه ذلك وكتب أيضا قال الأذرعي قال جماعة: من أصحابنا وهم الذين تجوز توليتهم القضاء وقال آخرون الذين يجوز لهم الإفتاء وهو الظاهر فيشاور الأعمى والعبد والمرأة لكن لا تحضر المرأة المجلس كما قاله الماوردي قال القاضي حسين وإنما يشاور من فوقه أو مثله في العلم لا دونه على الأصح وفيه نظر ظاهر قال القاضي وإذا أشكل الحكم تكون المشاورة واجبة وإلا فمستحبة
(٢) رواه البيهقي في الكبرى "١٠/ ١١٢" حديث "٢٠١٠٩"
[ ٩ / ١٥١ ]
"بنفسه (^١) " في مجلس الحكم وغيره لئلا يشتغل قلبه عما هو بصدده ولأنه قد يحابي فيميل قلبه إلى من يحابيه إذا وقع بينه وبين غيره حكومة وربما خاف خصم معامله ميله إليه فلا يرفعه له واستثنى الزركشي معاملته (^٢) مع إبعاضه لانتفاء المعنى إذ لا ينفذ حكمه لهم وما قاله لا يأتي مع التعليل الأول "لا توكيل له غير معروف" فلا يكره ذلك لانتفاء ما ذكر بخلاف وكيله المعروف وإذا عرف بأنه وكيله أبدله "فإن لم يجد" من يوكله "عقد" بنفسه "للضرورة فإن وقعت لمن عامله خصومة أناب" ندبا (^٣) "غيره" في فصلها خوف الميل إليه "ويوكل في نحو" أمر "ضياعه" من نفقة عياله ونحوها كما يوكل في غير ذلك ليتفرغ قلبه
"فصل تحرم عليه الرشوة (^٤) " أي قبولها، وهي ما يبذل له ليحكم بغير الحق أو ليمتنع من الحكم بالحق وذلك لخبر "لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم" رواه ابن حبان وغيره (^٥) وصححوه ولأن الحكم الذي يأخذ عليه المال إن كان بغير حق فأخذ المال في مقابلته حرام أو بحق فلا يجوز توقيفه على المال إن كان له رزق في بيت المال "ولمن لا رزق له" فيه ولا في غيره، وهو غير متعين للقضاء وكان عمله مما يقابل بالأجرة "أن يقول" للخصمين "لا أحكم بينكما إلا بأجرة" أو برزق بخلاف المتعين لا يجوز له ذلك ويفارق ما مر من جواز أخذه من بيت
_________________
(١) قوله ويكره له البيع والشراء بنفسه" قال البلقيني: محله فيما إذا احتمل وجود محاباة فلو تحقق عدم المحاباة لم يكن مخالفا للندب وكذا محله إذا أمكن أن يفعله غيره فإن لم يمكن فتعاطاه بنفسه لم يخالف الندب كما سيأتي وقوله قال البلقيني: محله إلخ أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله واستثنى الزركشي معاملته إلخ" أشار إلى تصحيحه وكتب والبلقيني ما إذا تحقق عدم المحاباة
(٣) "قوله أناب غيره" قال صاحب الوافي، وإن لم يأذن له الإمام في الاستخلاف
(٤) "قوله تحرم الرشوة" قال الغزالي في الإحياء المال إن بذل لغرض آجل فصدقة أو عاجل، وهو مال فهبة بشرط الثواب أو على محرم أو واجب متعين فرشوة أو مباح فإجارة أو جعالة أو تودد مجرد أو توسل بجاهه إلى أغراضه فهدية إن كان جاهه بالعلم أو النسب، وإن كان بالقضاء أو العمل فرشوة
(٥) ص "٩٨"صحيح: رواه أبو داود "٣/ ٣٠٠" كتاب الأقضية، باب في كراهية الرشوة، حديث "٣٥٨٠" والترمذي "٣/ ٦٢٣" حديث "١٣٣٧" واب ماجه "٢/ ٧٧٥" حديث "٢٣١٣" كلها عن عبد الله بن عمرو ﵁، مرفوعا.
[ ٩ / ١٥٢ ]
المال بأن بيت المال أوسع وفيه حق لكل مسلم ولا تهمة في أخذ الرزق منه بخلاف الأخذ من الخصوم وجزم بما قاله جماعات منهم الشيخ أبو حامد وابن الصباغ والجرجاني والروياني لكن قال الزركشي تبعا للسبكي ينبغي تحريم ذلك وبه صرح شريح الروياني في روضته وجعل ذلك وجها ضعيفا انتهى.
والأول أقرب (^١) والثاني أحوط "ويأثم من أرشى" القاضي للخبر السابق "لا" من أرشاه "للوصول إلى حقه" حيث لا يصل إليه بدونها فلا يأثم، وإن حرم القبول كفداء الأسير "والمتوسط" بين المرتشي والراشي "كموكله" منهما فيما ذكر "ويحرم" عليه ولو في غير محل ولايته "هدية من له خصومة (^٢) في الحال" عنده ولو عهدت منه قبل القضاء لخبر "هدايا العمال غلول" رواه البيهقي
_________________
(١) "قوله والأول أقرب" هو الأصح
(٢) "قوله وتحرم هدية من له خصومة" قال الشيخ عماد الدين الحسباني: ومما ينقدح للنظر فيه مجال استعارة القاضي من رعيته ممن لم تجر له عادة بالاستعارة منه قبل الولاية ويظهر المنع في المنافع المقابلة بالأموال كدار يسكنها ودابة يركبها ونحو ذلك بخلاف ما لا يقابل غالبا ولم تجر العادة ببذل المال في مقابلته كاستعارة كتب العلم ونحو ذلك وتردد السبكي في تفسيره فيما لو شرط واقف تدريس مدرسته للقاضي وكان للتدريس معلوم فقال يحتمل بطلان الشرط ويحتمل أن يقال إن طلب القاضي التدريس من غير معلوم أجيب إليه ويحتمل أن يجاب ويأخذ المعلوم; لأنه ليس معينا قال وهذا في حياة الواقف أما بعد موته أو إذا كان من غير أهل ولايته فلا يتخيل فيه منع قال، وإن وقف عليه واحد من أهل ولايته وشرطنا القبول في الوقف فهو كالهدية وإلا فينبغي الحكم بالصحة كما لو كان عليه دين فأبرأه منه قال فإنه يبعد أن يقال لا يصح قال بل يصح وعلى القاضي الاجتهاد في عدم الميل قلت ولو وفى عنه دينه بغير إذنه ينبغي أن يجوز قطعا فإن كان بإذنه بشرط عدم الرجوع لم يجز قطعا قلته بحثا ع ولو أبرأه من دينه جاز وقوله جاز قطعا أشار إلى تصحيحه وكذا قوله لا يجوز قطعا وكذا قوله جاز وكتب أيضا وينبغي أن تكون الهدية لمحجوره كالهدية له "تنبيه" قال ابن الرفعة ملخصا لكلام الماوردي والهدية من الرعايا بعضهم لبعض إن كانت لطلب آجل أو عاجل هو مال أو مودة فجائز وفي بعض الصور مستحب، وإن كانت لأجل شفاعة فإن كانت الشفاعة في محظور لطلب محظور أو إسقاط حق أو معونة على ظلم فقبولها حرام، وإن كانت في مباح لا يلزمه فإن شرط الهدية على المشفوع له فقبولها محظور وكذلك إن قال المهدي هذه الهدية جزاء شفاعتك فقبولها محظور أيضا، وإن لم يشرطها الشافع وأمسك المهدي عن ذكر الجزاء فإن كان مهديا له قبل الشفاعة لم يكره له القبول وإلا كره له القبول إن لم يكافئه عليها فإن كافأه لم يكره ا هـ
[ ٩ / ١٥٣ ]
بإسناد حسن (^١) وروي "هدايا العمال سحت" وروي "هدايا السلطان سحت" ولأنها تدعو إلى الميل إليه وينكسر بها قلب خصمه وما وقع في الروضة من أنها لا تحرم في غير محل ولايته سببه خلل وقع في نسخ الرافعي السقيمة
"وكذا" هدية "من لا خصومة له" عنده تحرم عليه في محل ولايته "إن لم يعهد منه" قبل القضاء لذلك; ولأن سببها العمل ظاهرا وفي الكفاية عن النهاية والبسيط أنها تكره له وعلى الأول "فلا يملكها" لو قبلها; لأنه قبول محرم "ويردها" على مالكها فإن تعذر وضعها في بيت المال واستثنى الأذرعي هدية إبعاضه (^٢) إذ لا ينفذ حكمه لهم وقضية كلامهم أنه لو أرسلها إليه في محل ولايته ولم يدخل بها حرمت (^٣) وذكر فيها الماوردي وجهين "وتحل" له ممن لا خصومة له "في غير" محل "ولايته" إذ ليس سببها العمل ظاهرا "ولا تحرم" عليه "ممن يعتاد" ها منه قبل القضاء "إن لم ترد على المعتاد (^٤) " لذلك "و" لكن "الأولى" له "أن يرد" ها "أو يثيب" عليها "أو يضعها في بيت المال" إن قبلها; لأن ذلك أبعد
_________________
(١) رواه أحمد في مسنده "٥/ ٤٢٤" حديث "٢٣٦٤٩" والبيهقي في الكبرى "١٠/ ١٣٨" حديث "٢٠٢٦١" بإسناد حسن.
(٢) قوله واستثنى الأذرعي هدية إبعاضه إلخ" أشار إلى تصحيحه وكتب عليه، وهو ظاهر وفي التبصرة لأبي بكر البيضاوي ليس للقاضي قبول الهدية إلا ممن كان يهاديه قديما ولا حكومة أو من ذي رحمه ولا حكومة له، وهو أبلغ مما قلناه حيث عداه لغير الأصول والفروع
(٣) "قوله وقضية كلامهم أنه لو أرسلها إليه في محل ولايته ولم يدخل بها حرمت"، وهو الأصح إن كان المهدي من أهل عمله وإلا جازت كما لو خرج القاضي من عمله فأهدى إليه من ليس من أهل عمله.
(٤) "قوله إن لم تزد على المعتاد" احترز بقوله المعتاد عما إذا كانت عادته إهداء ثياب القطن والكتان فأهدى الحرير ونحوه فتحرم; لأن الزيادة حينئذ بالولاية جزم به البندنيجي والماوردي وصاحب المهذب والتهذيب والكافي وغيره وقيد في المطلب الجواز بما إذا لم يكن ما تقدم من الإهداء إليه في حالة ترشحه للتضاد وغلب على الظن حصوله عن قرب فإن كان كذلك ولم يتقدم تلك الحالة إهداء إليه فلا ينبغي أن يطلق القول بإباحة القبول بعد التولية قال وخبر ابن اللتبية يرشد إليه وسكتوا عما ثبتت به العادة المذكورة ولم أجد فيه تصريحا وكلامه ملوح بثبوتها بمرة; ولذلك عبر الرافعي بقوله لم تعهد منه الهدية والعهد صادق بمرة، وهو أحسن من تعبير المنهاج بقوله، وإن كان يهدي; لأنها تشعر بالدوام ر
[ ٩ / ١٥٤ ]
عن التهمة "ولأنه ﷺ كان يقبلها ويثيب عليها" (^١) أما إذا زادت على المعتاد فكما لو لم تعهد منه كذا في الأصل وقضيته تحريم الجميع لكن قال الروياني: نقلا عن المذهب (^٢) إن كانت الزيادة من جنس الهدية جاز قبولها لدخولها في المألوف وإلا فلا وفي الذخائر ينبغي أن يقال إن لم تتميز الزيادة حرم قبول الجميع (^٣) وإلا فالزائد فقط; لأنها حدثت بالولاية وصوبه الزركشي وجعله الإسنوي (^٤) القياس فإن زاد في المعنى كأن أهدى من عادته قطنا حريرا فقد قالوا يحرم أيضا (^٥) لكن هل يبطل في الجميع أم يصح منها بقدر قيمة المعتاد فيه نظر والأوجه الأول قاله الإسنوي والضيافة والهبة كالهدية، وظاهر أن الصدقة كذلك لكن قال السبكي: في الحلبيات (^٦) للقاضي قبولها (^٧) ممن ليست له عادة
"وليس له حضور وليمة أحد الخصمين (^٨) حال الخصومة ولا" حضور "وليمتهما" ولو في غير محل الولاية لخوف الميل "ويجيب غيرهما استحبابا إن عم" المولم "النداء" لها "ولم تقطعه كثرة الولائم عن الحكم" بخلاف ما إذا قطعته عنه
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الهبة، باب المكافأة في الهبة، حديث "٢٥٨٥"
(٢) "قوله لكن قال الروياني: نقلا عن المذهب إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله حرم قبول الجميع" أشار إلى تصحيحه
(٤) "قوله وجعل الإسنوي القتال فيه نظر" فإن قولي تفريق الصفقة يطردان فيما تميز فيه الحلال والحرام والحرام هنا شائع وعند احتمال الحرام والحلال من غير تمييز يغلب الحرام فسن.
(٥) "قوله فقد قالوا يحرم أيضا" أشار إلى تصحيحه
(٦) "قوله لكن قال السبكي: في الحلبيات إلخ" وقال في تفسيره إن لم يكن المتصدق عارفا بأنه القاضي ولا القاضي عارفا بعينه فلا شك في الجواز وإلا فيحتمل أن تكون كالهدية ويحتمل الفرق بأن المتصدق إنما يبغي ثواب الآخرة قاله في التوشيح وهذا التفصيل حق قلت ينبغي أن يجوز له أخذ الزكاة قطعا وحكى عن ابن عقيل الحنبلي أنه حكى في الفنون أن قبول الصدقة جائز مع الفقر ويكره أن يأخذ ممن له حكومة قال ويحتمل أن لا يكره لأنه أخذ بجهة هو من أهلها انتهى وكلام ابن عقيل يحتمل أن يكون في الواجبة ويحتمل أن يكون فيها وفي التطوع فسن
(٧) "قوله للقاضي قبولا"; لأن الصدقة يقصد بها وجه الله والمتصدق في الحقيقة دافع لله مقرض له والفقير يأخذ من الله لا من المتصدق
(٨) "قوله وليس له حضور وليمة أحد الخصمين إلخ" قال الأذرعي: ويشبه أن في معناه كل ذي ولاية عامة بالنسبة إلى رعيته ا هـ جزم به في غنيته وهو نقلا عن الماوردي وهو الراجح
[ ٩ / ١٥٥ ]
فيتركها في حق الجميع
"وله تخصيص إجابة من اعتاد" تخصيصه بها قبل الولاية "ويكره" له "حضور وليمة اتخذت له (^١) " خاصة "أو للأغنياء ودعي فيهم" بخلاف ما لو اتخذت للجيران أو للعلماء، وهو منهم قال الأذرعي وما ذكر من كراهة حضوره لها فيما إذا اتخذت له أخذه الرافعي من التهذيب والذي اقتضاه كلام الجمهور أن ذلك كالهدية، وهو ما أورده الفوراني والإمام الغزالي "ولا يضيف" القاضي "أحد الخصمين فقط" أي دون الآخر لخبر "لا يضيف أحدكم أحد الخصمين إلا أن يكون خصمه معه" (^٢) رواه البيهقي وضعفه (^٣) لكن ذكر له متابعا ولا يلتحق بالقاضي فيما ذكر المفتي والواعظ ومعلم القرآن والعلم إذ ليس لهم أهلية الإلزام
"وله أن يشفع له و" أن "يزن عنه" ما عليه; لأنه ينفعهما "و" أن "يعود المرضى ويشهد الجنائز ويزور القادمين ولو" كانوا "متخاصمين"; لأن ذلك قربة قال في الأصل فإن لم يمكنه التعميم أتى بممكن كل نوع وخص من عرفه وقرب منه وفرقوا بينها وبين الولائم إذا كثرت بأن أظهر الأغراض فيها (^٤) الثواب لا الإكرام وفي الولائم بالعكس قال الرافعي والنفس لا تكن إليه ولعدم إيضاحه قال القاضي أبو حامد يسوى أو يترك كإجابة الوليمة
_________________
(١) "قوله ويكره له حضور وليمة اتخذت له" قال شيخنا: ما ذكره من كراهة حضور وليمة اتخذت له خاصة هو المعتمد ولا ينافيه ما مر من أن الضيافة كالهدية إذ الوليمة هنا وجد لها سبب في الخارج أحيلت عليه فضعف تخصيصه بها ولا كذلك الضيافة فأحيل الأمر فيها على الولاية فقط. ا هـ.
(٢) "قوله إلا أن يكون خصمه معه" إلا أن يعلم بالعادة أن ضيافتهما لأجل أحدهما فقط وهل له تخصيص أحد بالإهداء له وجهان أصحهما منعه ومن أهدى لوالي خراج أو صدقة مثلا فإن لم يكن من علة فكمهاداة سائر الناس وإلا فإن قبل أخذ الحق منه حرمت أو بعده فإن كان يحتمل قدمه، وهو واجب عليه حرمت وإلا فلا لكن لا يملكه حتى يكافئه وهل يردها للمهدي أو لبيت المال وجهان أصحهما أولهما فإن كان بلا سبب فإن كافأه حلت وإلا لم يلزمه ردها وهل تقر معه أو ترد لبيت المال أو إن كان للعامل رزق يكفيه أخذت لبيت المال وإلا أقرت بيده وجوه أصحها أولها
(٣) ضعيف: رواه البيهقي في الكبرى "١٠/ ١٣٧" حديث ٢٠٢٥٩" وضعفه.
(٤) "قوله بأن أظهر الأغراض فيها إلخ" ولأن في الولائم ظنة ليست في العيادة وحضور الجنائز
[ ٩ / ١٥٦ ]
"فرع شهادة الزور من أكبر الكبائر"; "لأنه ﷺ جعلها منه"، رواه الشيخان (^١) "وإنما تثبت" شهادة الزور "بإقراره" أي الشاهد "أو بتيقن" للقاضي منه "بأن شهد على رجل" أنه "زنى في بلد" يوم كذا وقد "رآه القاضي ذلك اليوم في غيره فيعزره بما يراه" من توبيخ وضرب وحبس ونحوها "ويشهره" بأن يأمر بالنداء عليه (^٢) في سوقه أو قبيلته أو مسجده تحذيرا عنه وتأكيدا للزجر ولا يكفي إقامة البينة بأنه شهد زورا (^٣) لاحتمال زورها وإنما يتصور إقامتها بالإقرار به
"فصل لا ينفذ قضاؤه لنفسه وفروعه وأصوله ومملوك" لهم (^٤) "ومكاتب لهم ولا" لشركائهم "فيما لهم فيه شركة" لوجود التهمة (^٥) ولو قال ومملوك لهم ولو مكاتبا كان أولى قال في المطلب ويظهر أن يكون المنع (^٦) في قضائه للشريك في صورة يشارك فيها أحد الشريكين الآخر فيما يحصل له كما سيأتي في الشهادات وما
_________________
(١) رواه البخاري، كتاب الأدب، باب عقوق الوالدين من الكبائر حديث "٥٩٧٧" ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الكبائر وأكبرها، حديث "٨٨" كلاهما عن أنس بن مالك ﵁، مرفوعا.
(٢) "قوله بأن يأمر بالنداء عليه إلخ" أنا وجدنا هذا شاهد زور فاعرفوه
(٣) "قوله ولا يكفي إقامة البينة بأنه شهد زورا إلخ" نعم تندفع شهادة الزور بقول البينة إنه شاهد زور; لأنه جرح منهم وقد قال النووي في شرح مسلم: إذا لم يبين الجارح سبب الجرح توقفنا في الحكم لأجل
(٤) "قوله ومملوك لهم" استثنى البلقيني صورا الأولى حكمه لرقيقه بجناية عليه قبل رقه بأن يجني ملتزم على ذمي ثم ينقض المجني عليه العهد ويلتحق بدار الحرب فيسترق وقال لم أر من تعرض له قال ويوقف المال إلى عتقه فإن مات رقيقا فالأظهر كونه فيئا الثانية العبد الموصى بإعتاقه الخارج من الثلث إذا قلنا إن كسبه له دون الوارث وكان الوارث حاكما فله الحكم به بطريقه الثالثة: العبد المنذور إعتاقه. الرابعة: العبد الموصى بمنفعته للذي ورثه الحكم له بكسبه. الخامسة: إذا كان عبد الحاكم وكيلا في دعوى فطلب الحكم عند توجهه حكم له مالكه; لأن الحكم إنما هو للموكل والأرجح أنه يحكم بتسليم المال له أيضا; لأن يده نائبة عن يد الموكل فليست كيد الملك ويستثنى من الحكم لأصله أو فرعه ما إذا كان وكيلا عن غيره كما سبق فيما إذا كان عبد الحاكم وكيلا
(٥) "قوله لوجود التهمة" ولأنه إذا لم تجز الشهادة لهم فالحكم أولى وشمل تحليفه إياه على نفي ما ادعى به عليه
(٦) "قوله قال في المطلب ويظهر أن يكون المنع إلخ" خرج ما لو حكم له بشاهد ويمينه
[ ٩ / ١٥٧ ]
قاله هو مرادهم "وينفذ" قضاؤه "عليهم" كما تنفذ شهادته عليهم وهذا من زيادته فيما عدا الفروع والأصول وقضية كلامه نفوذ قضائه على نفسه وقد قال الماوردي لو حكم على نفسه أخذنا به وهل هو إقرار أو حكم فيه وجهان (^١) انتهى والأوجه أنه حكم "لا على بعض لبعض" لما فيه من قضائه لبعضه فأشبه بعضه مع الأجنبي "ويقضي له ولهؤلاء" إذا وقعت له أو لهم خصومة "نائبه"; لأنه حاكم "أو الإمام أو قاض آخر" لانتفاء التهمة
"ولا" يقضي "على عدو (^٢) " له كالشهادة عليه "وفي" جواز "حكمه بشهادة ابن" له "لم يعدله شاهدان وجهان" أحدهما نعم (^٣) ; لأن المقصود الخصم لا الشاهد والثاني لا قال ابن الرفعة، وهو الأرجح في البحر وغيره; لأنه يتضمن تعديله فإن عدله شاهدان حكم بشهادته وكابنه في ذلك سائر أبعاضه "وله استخلافه" أي بعضه; لأنه كنفسه وهل يجوز له تنفيذ حكمه (^٤) وجهان حكاهما شريح الروياني عن جده قال وقيل يجوز قولا واحدا; لأنه لا تهمة فيه "و" له أن "يحكم ليتيم وصى به إليه (^٥) "; لأن القاضي يلي أمر الأيتام كلهم، وإن لم يكن وصيا فلا تهمة وقيل ليس له ذلك كما لا يشهد له قال الزركشي
_________________
(١) "قوله وهل هو إقرار أو حكم وجهان أصحهما أولهما" ويظهر أثرهما فيما لو حكم على نفسه بشفعة الجوار فإنه يلزم على الحكم دون الإقرار وقال البلقيني: المعتمد أنه لا ينفذ حكمه على نفسه لئلا يؤدي إلى اتحاد الحاكم والمحكوم عليه ولأن الحاكم يستوفي من المحكوم عليه والإنسان لا يستوفي من نفسه لغيره وتبعه في الخادم
(٢) "قوله ولا يقضي على عدو" ولو لعدو أيضا، وهو المذهب، وإن قال في الأنوار تبعا للماوردي ويجوز أن يحكم لعدوه على عدوه وجها واحدا
(٣) "قوله أحدهما نعم" أصحهما لا
(٤) "قوله وهل يجوز له تنفيذ حكمه" أشار إلى تصحيحه
(٥) "قوله وله أن يحكم ليتيم وصى به إليه" يحكم لمحجوره بالحكم وإن تضمن استيلاءه على المال المحكوم به وتصرفه فيه وفي معناه حكمه على من في جهته مال وقف هو تحت نظره بطريق الحكم والأوقاف التي شرط فيها النظر للحاكم أو صار فيها النظر له بطريق العموم لانقراض ناظرها الخاص له الحكم بصحتها وموجبها وإن تضمن الحكم لنفسه في الاستيلاء والتصرف وللإمام الحكم بانتقال ملك إلى بيت المال، وإن كان فيه استيلاؤه عليه بجهة الإمامة وللقاضي الحكم به أيضا، وإن كان يصرفه إليه في جامكيته ونحوها، وهو قريب مما إذا شهد على شخص لا وارث له سوى بيت المال بما يقتضي قتله فهل يجوز أن يصرف له شيء من ماله صحح النووي المنع
[ ٩ / ١٥٨ ]
وهو مقتضى نص الشافعي في المختصر وصرح الجمهور بترجيحه (^١)
"فصل فيما ينقض من قضائه" أي القاضي "ولنقدم" عليه "قواعد" فنقول "المعتمد" فيما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي "الكتاب والسنة والإجماع والقياس" وقد يقتصر على الكتاب والسنة ويقال الإجماع يصدر عن أحدهما والقياس يرد إلى أحدهما
"وليس قول الصحابي إن لم ينتشر" في الصحابة "حجة"; لأنه غير معصوم عن الخطأ فأشبه التابعي ولأن غيره يساويه في أدلة الاجتهاد فلا يكون قوله حجة على غيره "لكن يرجح به أحد القياسين" على الآخر وإذا تقرر أنه ليس بحجة "فاختلاف الصحابة" في شيء "كاختلاف" سائر "المجتهدين" فلا يكون قول واحد منهم حجة نعم إن لم يكن للقياس فيه مجال فهو حجة كما نص عليه الشافعي (^٢) في اختلاف الحديث فقال: روي عن علي أنه صلى في ليلة ست ركعات في كل ركعة ست سجدات وقال لو ثبت ذلك عن علي لقلت به فإنه لا مجال للقياس فيه فالظاهر أنه فعله توقيفا انتهى. وذكر في المحصول أيضا أنه حجة ذكر ذلك الإسنوي
_________________
(١) "قوله وصرح الجمهور بترجيحه" ورجحه في المطلب وفرق بين هذه وبين محجوره بالحكم بأن ولاية القاضي الذي ليس بوصي تنقطع عن المال الذي حكم فيه بانقطاع ولاية القضاء ولا كذلك الوصي إذا تولى القضاء فإن ما حكم فيه لليتيم الذي هو تحت وصيته تبقى ولايته عليه بعد العزل فقويت التهمة في حقه وضعفت في حق غيره وفرق البلقيني بينهما بأن الحاكم في الصورة الأولى لو شهد بالمال للمحجور عليه قبل ولايته لقبلنا شهادته بخلاف الوصي يشهد قبل الولاية بالمال لمن هو موصى عليه فإنه لا تقبل شهادته وفي معنى هذه الصورة حكمه على من في جهته مال لوقف هو تحت نظره بطريق خاص غير الحكم ع والظاهر تفقها أنه لا يحكم لجهة وقف كان ناظرها الخاص قبل الولاية ومثله مدرسة وهو مدرسها ونحو ذلك قاله الأذرعي قال لأنه الخصم والحاكم لنفسه فإن كان متبرعا بالنظر فكوصي اليتيم وصرح شريح بأنه لا يحكم في الغنيمة بالغلول إلا إذا عفا عن حقه ع وكتب أيضا قال ابن الصلاح في فتاويه: لو كان القاضي أحد أرباب الوقف وتحاكم إليه أحد أرباب الوقف مع غاصب أجنبي جاز الحكم عليه، وإن كان مصير بعض الوقف إليه إذ قد لا يصير إليه لموته أو غير ذلك وقوله جاز الحكم عليه أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله فهو حجة كما نص عليه الشافعي"، وهو الراجح
[ ٩ / ١٥٩ ]
"فإن انتشر قول صحابي (^١) في الصحابة ووافقوه فإجماع حتى في حقه فلا يجوز له" كغيره "مخالفة الإجماع" وإن خالفوه فليس بإجماع ولا حجة "فإن سكتوا" بأن لم يصرحوا بموافقته ولا بمخالفته أو لم ينقل سكوت ولا قول "فحجة" سواء أكان القول مجرد فتوى أم حكما من إمام أو قاض; لأنهم لو خالفوه لاعترضوا عليه هذا "إن انقرضوا" وإلا فلا يكون حجة لاحتمال أن يخالفوه لأمر يبدو لهم
"والقياس جلي"، وهو ما قطع فيه بنفي تأثير الفارق بين الأصل والفرع أو بعد تأثيره "وغيره"، وهو ما لا يقطع فيه بذلك وسيأتي في كلامه الإشارة إلى ذلك "فالجلي كإلحاق الضرب بالتأفيف" في قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الاسراء: ٢٣] وما فوق الذرة بها في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] ومنه ما ورد النص فيه على العلة كخبر "إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة (^٢) عليكم" (^٣) "وهو كالمنصوص" في أنه لا يحتمل إلا معنى واحدا "وغيره الجلي ما يحتمل الموافقة والمخالفة" للأصل فمنه ما العلة فيه مستنبطة كقياس الأرز على البر بعلة الطعم ومنه قياس الشبه، وهو أن تشبه الحادثة أصلين أما في الأوصاف بأن تشارك كل واحد من الأصلين في بعض المعاني والأوصاف الموجودة فيه، وأما في الأحكام كالعبد يشارك الحر في بعض الأحكام والمال في بعضها فيلحق بما المشاركة فيه أكثر
"والحق" الذي أمر المجتهد بإصابته "مع أحد المجتهدين في الفروع". قال صاحب الأنوار أو في الأصول "والآخر مخطئ مأجور لقصده" الصواب ولخبر الصحيحين "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر (^٤) " "فقط" أي لا لاجتهاده أيضا; لأنه أفضى به إلى الخطأ وكأنه لم يسلك الطريق المأمور به "فإن بان للقاضي الخطأ في حكمه أو حكم غيره نظرت فإن خالف" فيه
_________________
(١) "قوله فإن انتشر قول صحابي إلخ" ظاهر كلام الجمهور أن المنتشر قوله من غير مخالفة لو كان تابعيا أو غيره ممن بعده فحكمه حكم الصحابي فيما ذكرناه غ
(٢) "قوله من أجل الدافة" الدافة الجيش يدفون نحو العدو والدفيف الدبيب صحاح وقاموس
(٣) ص "١٠١" رواه مسلم، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي، حديث "١٩٧١".
(٤) صحيح: سبق تخريجه
[ ٩ / ١٦٠ ]
"قطعيا (^١) كنص كتاب وسنة متواترة وإجماع (^٢) أو ظنيا محكما" أي واضح الدلالة "كخبر الواحد أو القياس الجلي (^٣) نقض (^٤) " وجوبا "حكمه" أي حكم المخطئ بالإجماع في مخالفة الإجماع (^٥) وبالقياس عليه في البقية "وعليه إعلام الخصمين بانتقاضه" في نفس الأمر وحاصل كلام أصله أنه يلزمه نقض حكمه وإعلام الخصمين بصورة الحال ليترافعا إليه فينقضه سواء أعلما أنه بان له الخطأ أم لا; لأنهما قد يتوهمان أنه لا ينقض الحكم، وإن بان له الخطأ لكن ذكر الغزالي في وسيطه (^٦) والماوردي وغيره ما حاصله أنه ينقضه، وإن لم يرفع إليه قال الإسنوي: وهذا أوجه مما توهمه عبارة الكتاب وتأويلها متعين انتهى. ومن ثم عدل المصنف عن عبارة أصله إلى ما قاله وهو حسن والممنوع إنما هو تتبع قضاء غيره كما مر وفي تعبيرهم بنقض وانتقض مسامحة إذ المراد أن الحكم لم يصح من أصله (^٧) نبه عليه ابن عبد السلام
"وإن بان له" الخطأ "بقياس خفي رجحه" أي رآه أرجح مما حكم به "اعتمده مستقبلا" أي فيما يستقبل من أخوات الحادثة "ولا ينقض به حكما"; لأن
_________________
(١) "قوله فإن خالف قطعيا" كأن استند إلى نص فبان منسوخا أو إلى عموم فبان أن تلك الصورة خصت بدليل
(٢) "قوله وإجماع" قال الكوهكيلوني ومن هذا القبيل ما إذا حكم القاضي المقلد للضرورة بمذهب غير مقلده فإنه ينقض
(٣) "قوله أو القياس الجلي" أو دلالة العام
(٤) "قوله نقض" كأن يقول نقضته أو أبطلته أو فسخته أو هو باطل أو ليس بصحيح أو رجعت عنه وكتب أيضا مما به يحصل النقض ب "نقضته" أو فسخته أو أبطلته وفي هذا باطل ونحوه وجهان أصحهما أنه نقض وقد قضى شريح في زوج وابني عم أحدهما أخ لأم بأن للزوج النصف والباقي للأخ من الأم تشبيها له بالشقيق مع الأخ من الأب فقال له علي في أي كتاب وجدت هذا فنقضه علي ودفع للأخ من الأم السدس والباقي بينهما.
(٥) "قوله بالإجماع في مخالفة الإجماع" كأن حكم باجتهاد أو بنص فبان نسخة أو بعموم نص ثم بان خروج تلك الصورة بدليل مخصص وفي معنى قولهم باجتهاده ما إذا كان مقلدا وحكم بخلاف نص إمامه فإنهم جعلوه بالنسبة إليه كنص الشارع بالنسبة إلى المجتهد
(٦) قوله لكن ذكر الغزالي في وسيطه إلخ" أشار إلى تصحيحه وكتب أيضا قال البلقيني: تلزمه المبادرة إلى التفريق بين الزوجين ولا يأتي هنا خلاف الاحتياط في الإبضاع
(٧) "قوله إذ المراد أن الحكم لم يصح من أصله" أشار إلى تصحيحه وكتب فقولهم نقضه أي أظهر نقضه
[ ٩ / ١٦١ ]
الظنون المتقاربة لا استقرار لها فلو نقض بعضها ببعض لما استمر حكم ولشق الأمر على الناس وعن عمر ﵁ أنه شرك الشقيق في المشركة بعد حكمه بحرمانه ولم ينقض الأول وقال ذاك على ما قضينا وهذا على ما نقضي.
"ولو قضى قاض بصحة نكاح المفقود زوجها بعد أربع سنين و" مدة "العدة أو بنفي خيار المجلس و" بنفي بيع "العرايا ومنع القصاص في المثقل" أي في القتل به "و" صحة "بيع أم الولد وصحة نكاح الشغار و" نكاح "المتعة وحرمة الرضاع بعد حولين" أو نحو ذلك كقتل مسلم بذمي وجريان التوارث بين المسلم والكافر "نقض" قضاؤه "كالقضاء باستحسان فاسد" وذلك لمخالفة القياس الجلي في عصمة النفوس في الرابعة وفي جعل المفقود ميتا مطلقا أو حيا كذلك في الأولى والحاكم المخالف جعله فيها ميتا في النكاح دون المال ولظهور الأخبار في خلاف حكمه في البقية وبعدها عن التأويلات التي عنده وقيل لا ينقض ذلك وصححه الروياني وكلام الروضة فيما عدا مسألة المفقود يميل إليه والأكثرون على الأول (^١) كما يعلم من كلام الرافعي هنا واقتصر في كتاب أمهات الأولاد على نقله عن الروياني نفسه عن الأصحاب وصححه ابن الرفعة وجزم به صاحب الأنوار والاستحسان الفاسد أن يستحسن شيء لأمر هجس في النفس أو لعادة الناس من غير دليل أو على خلاف الدليل; لأنه يحرم متابعته وقد يستحسن الشيء بدليل يقوم عليه (^٢) من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس فيجب متابعته ولا ينقض، وهو ما احترز عنه المصنف كأصله بقوله فاسد "لا" إن قضى بصحة "النكاح بالأولى" أو بشهادة من لا تقبل شهادته كفاسق فلا ينقض قضاؤه كمعظم المسائل
_________________
(١) "قوله والأكثرون على الأول" أشار إلى تصحيحه وكتب عليه قال في شرح إرشاده وأما القضاء بنفي ثبوت خيار المجلس وبنفي صحة بيع العرايا وبنفي ذكاة الجنين بذكاة أمه وبنفي القصاص في القتل بالمثقل فإن الصحيح أنه لا ينقض قضاء القاضي بها كما لا ينقض نكاح بلا ولي أو شهادة فاسقين وقد قطع في الحاوي بنقض الحكم فيها، وهو خلاف الصحيح كما نقله في الروضة عن الروياني. قال الرافعي: ويوافق قول الروياني ما ذكرناه في باب النكاح بالحكم بالصحة بلا ولي لكنه ينسب النقض إلى المحققين وحذفه في الروضة واقتصر على تصحيح الروياني وكتب شيخنا صرح الشيخان في المنهاج وغيره في باب العدد في مسألة المفقود بنقض الحكم فيها ويقاس بها غيرها من المسائل المذكورة
(٢) "قوله بدليل يقوم عليه" كالتحليف بالمصحف
[ ٩ / ١٦٢ ]
المختلف فيها والترجيح في هذه هنا وفي المسائل السابقة ما عدا مسألة المفقود من زيادته هذا كله في الصالح للقضاء
"وإن كان القاضي قبله ممن لا يصلح" للقضاء "نقض أحكامه" كلها "وإن أصاب" فيها; لأنها صدرت ممن لا ينفذ حكمه "قلت لعله" فيما إذا "لم يوله ذو شوكة (^١) والله أعلم" فإن ولاه ذو شوكة بحيث ينفذ حكمه مع الجهل أو نحوه فلا ينقض ما أصاب فيه
"فرع" لو "كتب إليه بحكم لا ينقض ولم يعتقده" بل رأى غيره أصوب منه "أعرض عنه" ولا ينفذه كما لا ينقضه; لأن ذلك إعانة على ما يعتقد خطأه وهذا ما حكاه الأصل عن ابن كج عن النص ثم حكى عن السرخسي تصحيح عكسه قال وعليه العمل (^٢) كما لو حكم بنفسه ثم تغير اجتهاده تغيرا لا يقتضي النقض وترافع خصماء الحادثة إليه فيها فإنه يمضي حكمه الأول، وإن أدى اجتهاده إلى أن غيره أصوب منه أما لو كتب إليه بحكم ينقض فيعرض عنه جزما وينقضه بطريقه "ولو استقضي مقلد" للضرورة "فحكم بمذهب غير من قلده لم ينقض (^٣) " بناء على أن للمقلد تقليد من شاء
"فصل ينفذ حكم القاضي" الصادر منه فيما باطن الأمر فيه بخلاف ظاهره بأن ترتب على أصل كاذب "ظاهرا" لا باطنا "فلا" يحل "حراما ولا عكسه" فلو حكم بشهادة زور بظاهري العدالة لم يحصل بحكمه الحل باطنا سواء المال
_________________
(١) "قوله قلت لعله فيما إذا لم يوله ذو شوكة" قد جزم به غيره
(٢) "قوله ثم حكى عن السرخسي تصحيح عكسه قال وعليه العمل إلخ" وهذا هو المعتمد وصححه الأصفوني في مختصر الروضة وجزم صاحب الأنوار والحجازي وغيرهما بناء على الأصح أن حكم الحاكم في المختلف فيه ينفذ ظاهرا وباطنا "تنبيه" صيغة تنفيذه حكم غيره نفذت حكم فلان القاضي أو أمضيته وفي هذا الحكم صحيح أو جائز وجهان أصحهما أنه ينفذ
(٣) "قوله ولو استفتي مقلد فحكم بمذهب غير من قلده لم ينقض" قال ابن الصلاح: لا يجوز لأحد أن يحكم في هذا الزمان بغير مذهبه فإن فعل نقض لفقد الاجتهاد في هذا الزمان وقال شيخنا المعتمد اتساع حكمه بغير مذهبه إلا أن يكون من أهل الترجيح ولو مقلدا ولا ينافي ذلك قول الشارح بناء على إلخ إذ لا يلزم منه أنه حكم بغير مذهبه بالتقليد
[ ٩ / ١٦٣ ]
والنكاح وغيرهما لخبر الصحيحين "إنما أنا بشر (^١) وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه إنما أقطع له قطعة من نار" (^٢)
"وينتهض" حكمه المذكور "شبهة فلا يحد محكوم له بمزوجة" من غيره "وطئها" لشبهة الخلاف; لأن أبا حنيفة يجعلها منكوحة بالحكم (^٣) فيكون وطؤه وطئا في نكاح مختلف في صحته وقيل يحد والتصريح بالترجيح من زيادته وعلى الثاني جماعة وجزم به (^٤) صاحب الأنوار "وعليها الامتناع" منه "جهدها (^٥) " فإن أكرهت فلا إثم عليها صرح به الأصل وحمله الإسنوي على ما إذا ربطت ووطئت لئلا يخالف ما مر في أوائل الجنايات من أن الزنا لا يباح بالإكراه وقد يجاب بأن ذاك محله إذا لم يتقدمه حكم بخلاف ما هنا.
"وللأول" فيما إذا حكم بطلاقها بشاهدي زور ثم تزوجت بثان "وطؤها (^٦) " باطنا "لا إن وطئها الثاني ولو عالما" بالحال أو نكحها أحد الشاهدين ووطئها كما
_________________
(١) قوله لخبر الصحيحين إنما أنا بشر إلخ" وقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ الآية وقوله ﷺ لرجل يريد أن يقتل رجلا قصاصا "أنه إن كان صادقا أنه ما قتل فقتلته دخلت النار" رواه مسلم بمعناه فأخبره ﷺ بعد إذنه له في قتله أنه إن صدق حرم قتله فدل على نفوذ الحكم في الظاهر
(٢) ص "١٠٤" رواه البخاري، كتاب الأحكام، باب موعظة الإمام للخصوم، حديث "٧١٦٩" ومسلم، كتاب الأقضية، باب الحكم بالظاهر، حديث "١٧١٣" كلاهما عن أم سلمة ﵂، مرفوعا.
(٣) "قوله; لأن أبا حنيفة يجعلها منكوحة بالحكم إلخ" ووافقنا على أنه إذا ادعى على حرة أنها أمته وحكم الحاكم له بها بشهادة زور أنه ليس له وطؤها وكذلك لو طلق زوجته ثلاثا ثم ادعى أنها زوجته وشهد له شاهدا زور بذلك وقضى بالزوجية لا يحل له وطؤها ووافق على أن الأموال والقصاص لا تحل له بالحكم بشهادة الزور لنا الأحاديث الصحيحة المشهورة في المسألة والقياس على ما وافق عليه غ
(٤) "قوله وجزم به" أي بالترجيح وكتب أيضا الذي جزم به صاحب الأنوار عدم الحد
(٥) "قوله وعليها الامتناع منه جهدها" فإذا قصدها قال كثير جعل كالصائل على البضع فيجب عليها دفعه، وإن أتى على نفسه فإن قيل لعله ممن يرى الإباحة فكيف يسوغ دفعه وقتله أجيب بأن المسوغ للدفع والموجب انتهاك الفرج المحرم بغير طريق شرعي، وإن كان الطالب لا إثم عليه كما لوصال صبي أو مجنون على بضع امرأة فإنه يجوز لها دفعه بل يجب فسن.
(٦) "قوله وللأول وطؤها إلخ" ويبقى التوارث بينهما لا النفقة للحيلولة
[ ٩ / ١٦٤ ]
صرح به الأصل فليس للأول وطؤها "حتى تنقضي العدة" لشبهة الخلاف "مع أنه" أي وطؤه لها حيث أبيح له "مكروه"; لأنه يعرض نفسه للتهمة والحد وذكر الكراهة في وطئه بعد العدة من زيادته أما ما باطن الأمر فيه كظاهره بأن ترتب على أصل صادق فينفذ الحكم فيه باطنا أيضا قطعا إن كان في محل اتفاق المجتهدين وعلى الأصح عند البغوي (^١) وغيره إن كان في محل اختلافهم، وإن كان الحكم لمن لا يعتقده كما سيأتي لتتفق الكلمة ويتم الانتفاع وقيل لا لتعارض الأدلة وقيل لا في حق من لا يعتقده (^٢)
"ولو قضى حنفي لشافعي بشفعة الجوار" أو بالإرث بالرحم "حل له الأخذ" به وليس للقاضي منعه من الأخذ بذلك ولا من الدعوى به إذا أرادها اعتبارا بعقيدة الحاكم، ولأن ذلك مجتهد فيه والاجتهاد إلى القاضي لا إلى غيره "ولو شهد" شاهد "بما يعتقده القاضي لا الشاهد" كشافعي شهد عند حنفي بشفعة الجوار "قبلت" شهادته لذلك ولها حالان أحدهما أن يشهد بنفس الجوار، وهو جائز ثانيهما أن يشهد باستحقاق الآخذ (^٣) بالشفعة أو بشفعة الجوار وينبغي
_________________
(١) "قوله وعلى الأصح عند البغوي إلخ"، وهو المعتمد كما يؤخذ من كلام المصنف كأصله في الحكم بشفعة الجوار وغيره وجزم به صاحب الأنوار وغيره وحكاه الرافعي في كتاب الدعاوى في الكلام على اليمين عن ميل الأكثرين وفي دعوى الذم عن ميل كلام الأئمة وقد حكى ابن أبي الدم عن الأصحاب أن الحنفي إذا حلل خمرا فأتلفها عليه شافعي لا يعتقد طهارتها بالتخلل فترافعا إلى حنفي وثبت ذلك عنده بطريقه فقضى على الشافعي بضمانها لزمه ذلك قولا واحدا حتى لو لم يكن للمدعي بينة فطالب بعد ذلك بأداء ضمانها لم يجز للمدعى عليه أن يحلف أنه لا يلزمه شيء لأنه على خلاف ما حكم به الحاكم والاعتبار في الحكم باعتقاد القاضي دون اعتقاده وما قاله ابن الصلاح من أنه إذا حكم حاكم بصحة الوقف على النفس وكان ممن يراه جاز للشافعي في الباطن بيعه والتصرف فيه بسائر أنواع التصرف كالملك; لأن حكم الحاكم لا بغير ما في نفس الأمر فرعه على الرأي المرجوح كما صرح به في تعليله
(٢) "قوله وقيل لا في حق من لا يعتقده" قال في المهمات إن الصحيح الأول فقد نقله القاضي والإمام عن الجمهور حكاه الرافعي في كتاب الدعوى في الكلام على اليمين عن ميل الأكثرين وفي دعوى الدم عن ميل كلام الأئمة قال في المهمات وإطلاقهم يقتضي أنه لا فرق في النفوذ باطنا بين ما ينقض وما لا ينقض وفيه نظر لكنه مستقيم فإنه لا منافاة ا هـ ويؤخذ من كلام ابن عبد السلام في القواعد تخصيصهم النفوذ بما لا ينقض وإليه أشار الماوردي، وهو ظاهر
(٣) "قوله ثانيهما أن يشهد باستحقاق الآخذ إلخ" المراد أنه يستحقها عندك وعلى مذهبك فهي شهادة بالجواز
[ ٩ / ١٦٥ ]
عدم جوازه لاعتقاده خلافه كذا قاله الإسنوي
"فرع لو قال خصمان لقاض حكم بيننا فلان بكذا فانقضه واحكم بيننا لم يجبهما"; لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله
[ ٩ / ١٦٦ ]