"يجب" على المستفتي عند حدوث مسألته "أن - يستفتي من عرف علمه وعدالته ولو بإخبار ثقة عارف أو باستفاضة" لذلك "وإلا" بأن لم يعرفهما "بحث عن ذلك (^١) " يعني عن علمه بسؤاله الناس فلا يجوز له استفتاء من انتسب إلى ذلك وانتصب للتدريس وغيره من مناصب العلماء بمجرد انتسابه وانتصابه وقضية كلامه أنه يبحث عن عدالته أيضا والمشهور ما في الأصل خلافه وبه يشعر قوله "فلو خفيت" عليه "عدالته الباطنة اكتفى بالعدالة الظاهرة"; لأن الباطنة تعسر معرفتها على غير القضاة، وهذا كما يصح النكاح
_________________
(١) "قوله وإلا بحث عن ذلك" فإنه قد يقدم على الفتوى ظانا جواز إقدامه واعتقاده في نفسه الأهلية وأكثر الناس يغلطون في أنفسهم ويظنون بها ما ليس لها، وهذا مشاهد مستقر قال الشافعي: في الرسالة ولقد تكلم في العلوم أقوام لو سكتوا عنه لكان خيرا لهم "فائدة" طلب شخص من ابن عبد السلام أن يجيزه بالفتوى فوعده وأبطأ عليه فاستنجز وعده فقال هي شهادة عند قاض هذه شهادة عند الله حتى أفكر أتحرى فأمرها عظيم وخطرها جسيم
[ ٩ / ١٠٧ ]
بحضور مستورين بخلاف ما لو خفي عليه علمه حيث لا يستفتيه; لأن الغالب من حال العلماء العدالة بخلاف العلم ليس هو الغالب من حال الناس "ويعمل" المستفتي "بفتوى عالم مع وجود أعلم" منه "جهله" بخلاف ما إذا علمه بأن اعتقده أعلم كما صرح به بعد فلا يلزمه البحث عن الأعلم إذا جهل اختصاص أحدهما بزيادة علم "فإن اختلفا" أي المفتيان جوابا وصفة "ولا نص" من كتاب أو سنة والتقييد بهذا من زيادته "قدم الأعلم (^١). وكذا إذا اعتقد أحدهما أعلم أو أورع" قدم من اعتقده أعلم أو أورع كما يقدم أرجح الدليلين وأوثق الروايتين "ويقدم الأعلم على الأورع"; لأن تعلق الفتوى بالعلم أشد من تعلقها بالورع فلو كان ثم نص قدم من معه النص وكالنص الإجماع أخذا مما يأتي
"ولو" سأل و"أجيب في واقعة لا تتكرر" أي لا يكثر وقوعها "ثم حدثت" له ثانيا "لزم إعادة السؤال إن لم يعلم استناد الجواب إلى نص أو إجماع" بأن علم استناده إلى رأي أو قياس أو شك فيه والمقلد حي لاحتمال تغير رأي المفتي فإن كثر وقوع الواقعة أو علم استناد ذلك إلى ما ذكر أو كان المقلد ميتا لم يلزم إعادة السؤال لمشقة الإعادة في الأولى وندرة تغير الرأي في الثانية وعدمه في الثالثة والتقييد بعدم التكرار من زيادته وصرح به وبتصحيح لزوم إعادة السؤال فيما ذكر النووي في أوائل مجموعه نقلا عن القاضي أبي الطيب لكنه صحح فيه بعد ذلك بنحو خمسة أوراق أنه لا يلزمه الإعادة; لأنه قد عرف الحكم الأول والأصل استمرار المفتي عليه وصحح أنه لا فرق فيه بين الحي والميت (^٢)
"ولو لم تطمئن نفسه بجواب المفتي استحب" له "سؤال غيره" لتطمئن نفسه "ولا يجب" التصريح باستحبابه من زيادته "ويكفي المستفتي" في استفتائه "بعث رقعة" إلى المفتي ليكتب عليها "أو" بعث "رسول ثقة" إليه ليسأله فيكفيه ترجمان واحد إذا لم يعرف لغته وله اعتماد خط المفتي إذا أخبره من يقبل خبره أو كان يعرف خطه ولم يشك فيه صرح به في الروضة
"ومن الأدب" له "أن" لا "يسأل والمفتي قائم أو مشغول بما يمنع تمام
_________________
(١) "قوله قدم الأعلم" أي وجوبا
(٢) "قوله وصحح أنه لا فرق بين الحي والميت" لا ليس الصحيح طرد الخلاف فإن المفتي على مذهبه قد يتغير جوابه
[ ٩ / ١٠٨ ]
الفكر" كأن يكون مستوفزا أو مستضجرا "وأن لا يقول لجوابه" أي المفتي "هكذا قلت أنا" أو كذا وقع لي أو أفتاني غيرك بكذا وأن لا يقول له إن كان جوابك موافقا لما كتب فلان، وهو كذا فاكتب وإلا فلا تكتب ذكره المجموع "و" أن "لا يطالب" هـ "بدليل" للجواب "فإن أراده" أي الدليل أي معرفته "فبوقت آخر" يطالبه به "وليبين" له في الرقعة إن طلب جوابه فيها "موضع السؤال وينقط المشتبه في الرقعة" لئلا يذهب الوهم إلى غير ما وقع عنه والسؤال فليكن مرتبها حاذقا "ويتأملها" أي ومن أدب المفتي أن يتأملها كلمة كلمة "لا سيما آخرها (^١) "; لأنه موضع السؤال، وقد يتقيد الجميع بكلمة في آخرها ويغفل عنها "ويثبت" في الجواب، وإن وضحت أي المسألة "ولا يقدح الإسراع" في الجواب "مع التحقق" له بخلافه مع عدم التحقق "و" أن "يشاور فيما يحسن إظهاره من حضر" مجلسه "متأهلا" لذلك، وإن كان دونه اقتداء بالسلف ولرجاء ظهور وما قد يخفى عليه بخلاف ما لا يحسن إظهاره (^٢) ومن لم يكن متأهلا لذلك.
"وله أن ينقط مشكل الرقعة" ويشكله بعد معرفة معناه بسؤاله المستفتي "و" أن "يصلح لحنا فاحشا" وجده فيها "وليشغل بياضا" وجده في بعض السطور "بخط كي لا يلحق" فيه "شيء" بعد جوابه "ويبين خطه بقلم بين قلمين" عبارة الأصل وليبين خطه وليكن قلمه بين قلمين أي لا دقيق خاف ولا غليظ جاف "ولا بأس بكتبه الدليل" مع الجواب إن كان واضحا مختصرا وقيد الأصل الدليل بقوله من آية أو حديث ومثلهما الإجماع فيما يظهر (^٣) قال ولا يعتاد ذكر القياس وطرق الاجتهاد زاد في المجموع إلا أن تتعلق الفتوى بقضاء قاض (^٤)
_________________
(١) "قوله لا سيما آخرها" قال البلقيني الاعتناء بأول الكلام آكد فإنه الذي يرتب عليه ويعتني بآخر الكلام ليتبع الأسئلة بجواباتها
(٢) "قوله بخلاف ما لا يحسن إظهاره" كأن يقبح إظهاره أو يريد صاحب الرقعة إخفاءه أو يكون في إشاعته مفسدة
(٣) "قوله ومثلهما الإجماع فيما يظهر" أشار إلى تصحيحه
(٤) "قوله ومثلهما الإجماع فيما يظهر" أشار إلى تصحيحه "قوله زاد في المجموع إلا أن تتعلق الفتوى بقضاء قاض إلخ" وقد يحتاج المفتي في بعض الوقائع إلى أن يشدد ويبالغ فيقول، وهذا إجماع أو لا أعلم فيه خلافا أو من خالف فيه فقد خالف الواجب أو عدل عن الصواب أو فقد أثم أو فسق أو وعلى ولي الأمر أن يأخذ بهذا ولا يهمل الأمر وما أشبه هذه الألفاظ على حسب ما تقتضيه المصلحة ويوجبه الحال
[ ٩ / ١٠٩ ]
أو يفتي فيها غيره بغلط فيفعل ذلك لينبه على ما ذهب إليه "لا السؤال" ففي كتب المفتي له بأس وعبارة الروضة واستحبوا أن يكون السؤال بخط غير المفتي وعبارة الرافعي ولم يستحبوا أن يكون السؤال بخط المفتي وعبارة المصنف أوفق بالأولى
"ولا يكتب خلف" يعني مع "من لا يصلح للفتوى"; لأن فيه تقريرا منه لمنكر "وله أن يضرب عليه (^١) إن أمن فتنة، وإن سخط المالك" للرقعة "وينهي" المفتي "المستفتي عن ذلك" أي عما ارتكبه من استفتائه من لا يصلح وجهله وجوب بحثه عمن يصلح للفتوى "وليس له حبس الرقعة" التي أجاب فيها من لا يصلح للفتوى إلا بإذن صاحبها قال في المجموع أما إذا وجد فتيا من يصلح، وهي خطأ قطعا فلا يجوز له الامتناع من الإفتاء تاركا للتنبيه على خطئها إذا لم يكف ذلك غيره بل عليه الضرب عليها أو تقطيعها بإذن صاحبها أو نحوهما فإن تعذر ذلك كتب صواب جوابه عند ذلك الخطأ وحسن أن تعاد إلى ذلك المفتي بإذن صاحبها، وإن لم يكن الخطأ قطعا لكن وجدها بخلاف ما يراه هو فليقتصر على كتب جواب نفسه ولا يتعرض لها بتخطئة ولا اعتراض
"وينبغي للإمام أن يبحث" أي يسأل "أهل العلم" المشهورين في عصره "عمن يصلح للفتوى ليمنع من لا يصلح" لها منها ويتوعده بالعقوبة على العود "وليكن المفتي" مع شروطه السابقة "متنزها عن خوارم المروءة فقيه النفس سليم الذهن وحسن التصرف" والاستنباط "ولو" كان المفتي "عبدا أو امرأة" وأعمى "وأخرس تفهم إشارته" أو يكتب "وليس هو كالشاهد في رد فتواه لقرابة (^٢) وجر نفع (^٣) " ودفع ضرر وعداوة; لأنه في حكم من يخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص فكان كالراوي لا كالشاهد قال في الروضة بعد نقله
_________________
(١) قوله وله أن يضرب عليه إلخ" ذكر العبادي في الزيادات في إصلاح كتب العلم خلافه فقال لا يجوز إصلاح ما يقع فيها من الغلط بغير إذن إلا أن يكون قرآنا فيجب
(٢) "قوله وليس هو كالشاهد في رد فتواه لقرابة" لا يكره إفتاء والد ولده في العبادات وفي غيرها وجهان أصحهما أنه لا يكره
(٣) "قوله وجر نفع" قال في شرح المطيع هل يجوز للعالم أن يفتي في حق نفسه فيما جرى بينه وبين غيره ذكر بعض أصحابنا المتأخرين أنه لا يجوز كما لا يجوز له أن يحكم لنفسه فيما جرى بينه وبين غيره
[ ٩ / ١١٠ ]
ذلك عن ابن الصلاح قال وعن صاحب الحاوي أن المفتي إذا نابذ في فتواه شخصا معينا صار خصما له فترد فتواه عليه كما ترد شهادته "وتقبل فتوى من لا يكفر ولا يفسق ببدعته كشهادته" بخلاف الرافضة نحوهم ممن يسب السلف لا تقبل فتواهم ولا ينافيه ما قالوه في الشهادات من قبولها منهم; لأن في قبول فتواهم ترويجا وإعلاء لهم; لأنها درجة رفيعة والتنظير بشهادة من زيادته
"ويفتي" من يصلح للفتوى "ولو" كان "قاضيا" فلا تكره له الفتوى ولو في الأحكام "وفي اشتراط معرفة الحساب لتصحيح مسائله" الفقهية "وجهان" أصحهما في المجموع تبعا لابن الصلاح نعم (^١) لكن قال الإسنوي نقلا عن الروياني: المذهب: لا، ورد الأذرعي وغيره له بأن الروياني إنما ذكر ذلك في القاضي لا يفيد الغرض; لأنها إذا لم تشترط في القاضي لم تشترط في المفتي إذ لو شرطت فيه لشرطت في القاضي; لأن شرط القاضي أن يكون مفتيا وتقدم أنه لا يشترط في القاضي أن يكون حاسبا فليكن المفتي كذلك
"ويشترط" في المفتي المنتسب إلى مذهب إمام "أن يحفظ مذهب إمامه ويعرف قواعده وأساليبه" ويكون فقيه النفس كما صرح به في الروضة "وليس للأصولي الماهر" التصرف في الفقه "وكذا البحاث في الخلاف من أئمة الفقه" عبارة الروضة البحاث في الفقه من أئمة الخلاف "وفحول المناظرين أن يفتي في الفروع الشرعية" بمجرد ذلك فلو وقعت له واقعة لزمه أن يستفتي فيها; لأنه ليس أهلا لإدراك حكمها استقلالا لقصور آلته ولا هو من مذهب إمام لعدم حفظه له على الوجه المعتبر "ولا يجب إفتاء فيما لم يقع" لعدم الحاجة إليه
"ويحرم التساهل في الفتوى و" يحرم "اتباع الحيل" المحرمة (^٢) مطلقا وكذا غيرها "إن فسدت الأغراض" بخلاف ما إذا صحت بأن احتسب في طلبه حيلة لا شبهة فيها ولا تجر إلى مفسدة ليخلص بها المستفتي من ورطة يمين ونحوها وعليه يحمل ما جاء عن بعض السلف من هذا "و" يحرم "سؤال من عرف بذلك" أي بالتساهل واتباع الحيل المذكورة "ولا يفتي في حال تغير أخلاقه وخروجه عن الاعتدال ولو بفرح ومدافعة أخبثين" ونعاس وملالة "فإن أفتى"
_________________
(١) "قوله أصحهما في المجموع تبعا لابن الصلاح نعم" هو الصحيح
(٢) "قوله ويحرم اتباع الحيل المحرمة إلخ" من الحيل المذمومة المسألة السريجية
[ ٩ / ١١١ ]
في شيء من هذه الأحوال "معتقدا أن ذلك لم يمنعه عن درك الصواب صحت فتواه، وإن خاطر والأولى" للمفتي "أن يتبرع بالفتوى فإن أخذ رزقا من بيت المال جاز إلا إن تعينت عليه" الفتوى "وله كفاية" فلا يجوز "ولا يأخذ أجرة من مستفت"، وإن لم يكن له رزق كالحاكم "فإن جعل له أهل البلد رزقا" من أموالهم ليتفرغ لفتاويهم "جاز، وإن استؤجر" على كتب الجواب "جاز" بخلاف ما لو استؤجر على الفتوى بالقول كما علم مما مر آنفا "والأولى" عبارة الروضة وينبغي "كونها" أي الإجارة للكتب "بأجرة مثل كتبه" ذلك القدر لو لم تكن فتوى لئلا يكون آخذا زيادة بسبب الإفتاء "مع كراهة" للإيجار لذلك
"وله قبول هدية" بخلاف الحاكم; لأنه لا يلزمه حكمه "لا" قبول "رشوة على فتوى لما يريد" المستفتي كالحاكم "وعلى الإمام أن يفرض" من بيت المال "المدرس ومفت كفايته" أي كل منهما ليستغني عن التكسب وعن عمر ﵁ أنه أعطى كل رجل ممن هذه صفته مائة دينار في السنة
"ولكل أهل بلد اصطلاح في اللفظ فلا يجوز أن يفتي أهل بلد بما يتعلق باللفظ" كالأيمان والإقرار والوصايا "من لا يعرف اصطلاحهم" هذا فاعل يفتي ومفعوله أهل
"وليس له" أي لكل من العامل والمفتي على مذهب الشافعي "العمل والفتوى" في مسألة ذات قولين أو وجهين "بأحد القولين أو الوجهين من غير نظر بل عليه في القولين أن يعمل" ويفتي "بالمتأخر منهما إن علمه وإلا فبالذي رجحه الشافعي" إن رجح شيئا "وإلا لزمه البحث عنه" أي عن الراجح فيعمل ويفتي به "فإن كان أهلا" للترجيح أو التخريج "اشتغل به متعرفا ذلك من القواعد والمآخذ" للشافعي "وإلا تلقاه من نقلة المذهب" أي الموصوفين بالأهلية "فإن عدم الترجيح" بأن لم يحصله بطريق "توقف" حتى يحصله
"وحكم الوجهين" فيما ذكر "كالقولين لكن لا عبرة بالمتأخر" منهما "إلا إذا وقعا من شخص" واحد قال في الروضة وإذا كان أحدهما منصوصا والآخر مخرجا فالمنصوص هو الراجح المعمول به غالبا كما إذا رجح الشافعي أحد القولين بل هذا أولى "فإن اختلفوا" أي الأصحاب "في الأرجح" من القولين أو الوجهين "ولم يكن" أي كل من العامل والمفتي على مذهب الشافعي "أهلا للترجيح اعتمد ما صححه
[ ٩ / ١١٢ ]
الأكثر والأعلم" إن صححوا شيئا "وإلا توقف" هذا من زيادته في العامل وقياس ما مر وإلا لزمه البحث عن الراجح. والذي في الروضة اعتمد ما صححه
الأكثر والأعلم والأورع فإن تعارض أعلم وأورع قدم الأعلم فإن لم يبلغه عن أحد ترجيح اعتبر صفات الناقلين للقولين والقائلين للوجهين فما رواه البويطي والمزني والربيع المرادي مقدم على ما رواه الربيع الجيزي وحرملة ويترجح أيضا ما وافق أكثر أئمة المذاهب وكذا ما وافق من القولين مذهب أبي حنيفة مثلا إن لم يجد مرجحا مما مر ولو تعارض جزم مصنفين فكتعارض الوجهين فيرجع إلى البحث كما مر وكذا يرجح بالكثرة فلو جزم مصنفان بشيء وثالث مساو لأحدهما بخلافه رجحناهما عليه ونقل العراقيين نصوص الشافعي وقواعد مذهبه ووجوه المتقدمين من أصحابنا أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين غالبا إن لم يكن دائما ومما ينبغي أن يرجح به أحد القولين كون الشافعي ذكره في بابه ومظنته والآخر مستطرد في باب آخر انتهى ملخصا
"والعمل" يكون "بالجديد من قولي الشافعي ﵀" لا بالقديم منهما; لأنه مرجوع عنه "إلا في نحو ثلاثين مسألة (^١) " عبارة الروضة في نحو عشرين أو ثلاثين مسألة بينتها في أول شرح المهذب مع ما يتعلق بها والمذكور في شرح المهذب ثمانية عشر مسألة. فلو عبر المصنف بعشرين بدل ثلاثين كان أولى
"وإن كان في الرقعة مسائل رتب" المفتي "الأجوبة على ترتيبها ويكره" له "أن يقتصر" في جوابه "على قوله فيه قولان" أو وجهان أو خلاف أو روايتان أو نحوها "إذ لا يفيد" جوابا للمستفتي بل ينبغي أن يجزم له بالراجح فإن لم يعرفه
_________________
(١) قوله إلا في نحو ثلاثين مسألة" قال بعضهم: وقد تتبع ما أفتى به بالقديم فوجد منصوصا عليه في الجديد أيضا "قولا بالقديم منهما"; لأنه مرجوع عنه القديم إنما هو مرجوع عنه إذا نص في الجديد على خلافه وأشار إلى الرجوع عنه وكذا لو اقتصر على النص على خلافه كما رجحه الإمام النووي، وهو الظاهر وحكى الرافعي وغيره الخلاف في ذلك فإن لم ينص في الجديد على خلافه فالفتوى عليه وليس مرجوعا عنه ذكره في شرح المهذب وفيه نظر فظاهر كلام الشافعي الرجوع عن كل ما قاله في القديم إلا أن ينص على وفقه في الجديد فإنه عسله وقال ليس في حل من رواه عني كما حكاه الشيخ تاج الدين بن الفركاح وقال بعضهم: ولا نسلم أن الفتوى في هذه المسائل على القديم; لأن الأكثرين خالفوا في معظمها فأفتوا فيها بالجديد; ولأن في أكثرها قولا جديدا موافقا للقديم فالفتوى إنما هي عليه
[ ٩ / ١١٣ ]
انتظر ظهوره أو امتنع من الإفتاء كما فعله كثير
"ولا يطلق" الجواب "حيث" وجد في المسألة "التفصيل (^١) فهو" أي الإطلاق حينئذ "خطأ" اتفاقا "ويجيب على ما في الرقعة لا على ما يعلمه" من صورة الواقعة "فإن أراده" أي الجواب على ما يعلمه "قال إن أراد كذا فجوابه كذا" قال في المجموع ويستحب أن يزيد على ما في الرقعة ما له تعلق بها مما يحتاج إليه المستفتي لخبر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته (^٢) " قال في الروضة وإذا كتب الجواب أعاد نظره فيه وتأمله "ويجيب" المفتي "الأول في الناحية اليسرى" من الرقعة; لأنه أمكن "وإن شاء" أجاب "غيرها" أي في غيرها ولو في الحاشية "لا قبل البسملة" أي فوقها
قال في الروضة: ويستحب عند إرادة الإفتاء أن يستعيذ من الشيطان ويسمي الله تعالى ويحمده ويصلي على النبي ﷺ ويقول لا حول ولا قوة إلا بالله ويقرأ ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] الآية (^٣) قال في المجموع أو نحوها "وليكتب" أول فتواه "الحمد لله" والله الموفق أو حسبنا الله أو حسبي الله أو نحوها "ويختم" جوابه "بقوله والله أعلم" أو وبالله التوفيق أو نحوه "ويذكر" أي يكتب بعده "اسمه ونسبه" وما يعرف به وينتسب إلى مذهبه فيكتب الشافعي مثلا قال في المجموع فإن كان مشهورا بالاسم أو غيره فلا بأس بالاقتصار عليه "ولا يقبح" في الجواب "أن يقول عندنا" أو الذي عندنا أو الذي نذهب إليه كذا; لأنه من أهله قال في الروضة وإذا أغفل المستفتي الدعاء للمفتي أو الصلاة على النبي ﷺ في آخر الفتوى ألحق المفتي ذلك بخطه لجريان العادية به
"وإن تعلقت" أي الفتوى "بالسلطان دعا له وقال" الأولى قول الروضة فقال "وعلى السلطان" أو على ولي الأمر "سدده الله أو شد أزره" أي قوته أو
_________________
(١) "قوله ولا يطلق حيث التفصيل" فهو خطأ فله أن يقتصر على جواب أحد الأقسام إذا علم أنه الواقع للسائل ثم يقول هذا إذا كان كذا وكذا وأن يفصل جواب كل قسم
(٢) صحيح رواه أبو داود "١/ ٢١" كتاب الطهارة، باب الوضوء بماء البحر، حديث"٨٣" والترمذي "١/ ١٠٠" حديث "٦٩" وابن ماجه "١/ ١٣٦" حديث "٣٨٦" كلها عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا.
(٣) "قوله ويقرأ ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآية" ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾
[ ٩ / ١١٤ ]
ظهره أو وفقه الله أو أصلحه أو نحوها "ويكره أطال الله بقاءه" فليست من ألفاظ السلف "ويختصر جوابه ويوضح عبارته (^١)، وإن سئل عمن تكلم بكفر يتأول قال يسأل" المتكلم به "إن أراد" به "كذا فلا شيء عليه، وإن أراد به كذا فيستتاب فإن تاب قبلت توبته وإلا قتل"، وإن سئل عمن قال أنا أصدق من محمد بن عبد الله أو الصلاة لغو أو نحوهما فلا يبادر بقوله هذا حلال الدم أو عليه القتل بل يقول إن ثبت هذا بإقراره أو ببينة استتيب فإن تاب قبلت توبته وإلا فعل به كذا وكذا وأشبع القول فيه ذكره في الروضة
"وإن سئل عمن قتل أو جرح احتاط" في الجواب "وذكر" عبارة الروضة فذكر "شروط القصاص (^٢) ويبين قدر التعزير" وما يعزر به من عصا أو سوط أو غيرهما فيما لو سئل عمن فعل ما يقتضي تعزيرا قال في الروضة ينبغي أن يلصق الجواب بآخر الاستفتاء ولا يدع بينهما فرجة مخافة أن يزيد السائل شيئا يفسد الجواب "ويكتب" الجواب "على الملصق من الورقة" أي وإذا كان موضع الجواب ورقة ملصقة كتب على موضع الإلصاق "وإن ضاقت" عن الجواب "كتب في الظهر" أو في الحاشية "والحاشية أولى" به "لا في" ورقة "أخرى" خوفا من الحيلة قال في المجموع وإذا كتب في ظهرها كتب في أعلاها إلا أن يبتدئ من أسفلها متصلا بالاستفتاء ويضيق الموضع قيمته في أسفل ظهرها ليصل جوابه
"ويحرم الميل" في فتواه مع المستفتي أو خصمه "بأن يكتب ما لأحدهما دون" ما عليه "ويشافهه بما عليه" إن ظهر له أنه لا يرضى بكتابته "بل إن اقتضاهما" أي ما له عليه "السوال لم يقتصر على أحدهما" التصريح بهذا من زيادته ولو قدمه على ما قبله كان أولى وعبارة الروضة ووجوه الميل معروفة ومنها أن يكتب ما له دون ما عليه وليس له أن يعلم أحدهما ما يدفع به حجة صاحبه ثم ذكر مسألة المشافهة "ولا يلقنه حجته على خصمه فإن وجب" عليه "الإفتاء" ولو كفاية واجتمع عنده رقاع "قدم السابق" فالسابق "بفتوى" واحدة كالقاضي نعم إن ظهر له جواب المسبوق دون السابق فالظاهر تقديم المسبوق (^٣) كذا قاله
_________________
(١) قوله ويوضح عبارته" أي بحيث تفهمها العامة
(٢) "قوله وذكر شروط القصاص" ويبين قدر التعزير ويجوز أن يكتب عليه القصاص أو التعزير بشرطه
(٣) "قوله فالظاهر تقديم المسبوق" أشار إلى تصحيحه
[ ٩ / ١١٥ ]
الأذرعي "ثم" إن لم يكن سابق بأن تساووا أو جهل السابق "أقرع نعم يجب" عبارة الروضة والمجموع يجوز (^١) "تقديم نساء ومسافرين تهيؤا" للسفر "أو تضرروا بالتخلف" عن رفقتهم على من سبقهم "لا إن ظهر" بتقديمهم "تضرر غيرهم بكثرتهم" فلا يقدمون
"وإن سئل عن" إرث "الإخوة (^٢) " مثلا بغير تفصيل "فصل" في جوابه فيقول "ابن" وفي نسخة من "الأبوين أو الأب أو الأم، وإن كان في الفريضة عول" كالمنبرية "قال" في جوابه للزوجة مثلا "الثمن عائلا"، وهو ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين سهما أو لها ثلاثة أسهم من سبعة وعشرين سهما أو صار ثمنها تسعا ولا يقول لها الثمن ولا التسع; لأنه لم يطلقه أحد من السلف بخلاف ما يمنع الإرث من رق وكفر وغيرهما لا يشترط بيان عدمه بل المطلق محمول على ذلك ذكره في الروضة "وإن كان في الورثة من يسقط في حال دون حال بينه" فيقول وسقط فلان في هذه الحالة أو نحوه لئلا يتوهم أنه لا يرث بحال، وإن كان فيهم من لا يرث بحال بينه فيقول: وسقط فلان وحسن أن يقول وتقسم التركة بعد إخراج ما يجب تقديمه من دين أو وصية إن كانا ذكره في الروضة
"ويكتب تحت الفتوى الصحيحة" التي كتبها غيره وخطه موافق لما عنده "إن عرف أنها أهل" للإفتاء "الجواب صحيح ونحوه" كهذا جواب صحيح أو جوابي كذلك (^٣) "وله أن يجيب" أي يكتب الجواب كما لو كتبه أولا وقوله "أن أرى ذلك" من زيادته ولا حاجة إليه "ويختصر" في الجواب أي يأتي به أخصر من عبارة - السابق أما إذا عرف أنه ليس أهلا فقد تقدم حكمه "وإن جهل" أي من كتب أولا "بحث عنه، وإن لم يظهر له فله أمره" أي المستفتي "بإبدالها" أي الرقعة عبارة الروضة فإن لم يعرف فله الامتناع أي من الكتابة معه والأولى
_________________
(١) "قوله عبارة الروضة والمجموع يجوز" عبارة الأصفوني والصحيح يجب تقديم امرأة ومسافر شد رحله ويتضرر بتخلفه عن رفقته وعبارة الحجازي ويجب تقديم امرأة ومسافر شد رحله ويتضرر بتخلفه عن رفقته ا هـ فلعل نسخ الروضة مختلفة
(٢) "قوله وإذا سئل عن الإخوة إلخ" من وإذا سئل عن ابنين وبنات أو إخوة وأخوات كفاه ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وقال الصيمري وغيره وحسن أن يقول تقسم التركة بعد ما يجب تقديمه من دين ونحوه
(٣) "قوله أو جوابي كذلك" أو جوابي مثله أو به أقول
[ ٩ / ١١٦ ]
أن يأمر صاحبها بإبدالها "فإن تعسر" إبدالها "أجاب بلسانه" قال في الروضة وينبغي للمستفتي أن يبدأ من المفتيين بالأسن الأعلم وبالأولى فالأولى إذا أراد جمعهم في رقعة وإلا فمن شاء وتكون الرقعة واسعة يدعو فيها لمن يستفتيه ويدفعها له منشورة ويأخذها كذلك فيريحه من نشرها وطيها "وإن عدم" المستفتي عن واقعة "المفتي في بلده وغيرها" الأولى وغيره "ولا" وجد "من ينقل له حكمها فلا يؤاخذ صاحب الواقعة بشيء يصنعه" فيها "إذ لا تكليف" عليه كما لو كان قبل ورود الشرع وفي نسخة ومن ينقل بحذف لا وهي أولى وأخصر
"فرع" لو "أفتاه" مفت "ثم رجع (^١) " عن فتواه "قبل العمل" بها كف "عنه" وجوبا "وكذا إذا نكح امرأة" أو استمر على نكاحها "بفتواه ثم رجع" عنها "لزمه فراقها كما" في نظيره "في القبلة" واحتياطا للإبضاع "وإن رجع" عنها "بعد العمل" بها "وقد خالف" ما أفتاه به المفتي "دليلا قاطعا نقضه" أي عمله "وإلا" أي، وإن لم يخالف قاطعا بأن كان في محل الاجتهاد "فلا" ينقضه; لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد "وإن كان المفتي مقلدا لإمام" معين "فنص إمامه، وإن كان اجتهاديا في حقه كالدليل القاطع" في حق المجتهد المستقل فإذا رجع المفتي عن فتواه لكونها خالفت نص إمامه وجب نقض العمل وإذا لم يعلم المستفتي برجوعه فكأنه لم يرجع في حقه "وعلى المفتي إعلامه برجوعه قبل العمل وكذا بعده إن وجب النقض، وإن أتلف بفتواه" ما استفتاه فيه ثم بان أنه خالف القاطع أو نص إمامه "لم يغرم" من أفتاه "ولو كان أهلا" للفتوى إذ ليس فيها إلزام (^٢)
"فرع يجوز" لغير المجتهد "تقليد من شاء من المجتهدين إن دونت المذاهب كاليوم" فله أن يقلد كلا في مسائل; لأن الصحابة كانوا يسألون تارة من هذا وتارة من هذا من غير نكير "وله الانتقال من مذهبه" إلى مذهب آخر سواء قلنا يلزمه الاجتهاد في طلب الأعلم أم خيرناه كما يجوز له أن يقلد في القبلة هذا أياما، وهذا أياما "لكن لا يتبع الرخص" لما في تتبعها من انحلال ربقة التكليف "فإن
_________________
(١) قوله لو أفتاه ثم رجع إلخ" فلو لم يرجع ولكن قال للمستفتي مجتهد أخطأ من قلدته لم يؤثر، وإن كان القائل أعلم
(٢) "قوله إذ ليس فيها إلزام" أي ولا إلجاء
[ ٩ / ١١٧ ]
تتبعها من المذاهب المدونة فهل يفسق (^١) " أو لا "وجهان" أوجههما لا بخلاف تتبعهما من المذاهب غير المدونة فإن كان في العصر الأول فلا يفسق قطعا وإلا فيظهر أنه يفسق قطعا
"فصل يستخلف" جوازا "في عام وخاص" كتحليف وسماع بينة "قاض أذن له (^٢) " في الاستخلاف ويستحب للإمام كما صرح به الأصل أن يأذن له في الاستخلاف لما فيه من الإعانة على فصل الخصومات "وإلا" أي، وإن لم يؤذن له بأن أطلق له التولية ولم ينه عن الاستخلاف "جاز" له الاستخلاف "فيما يعجز عنه (^٣) " كقضاء بلدين أو بلد كبير; لأن قرينة الحال مشعرة بالإذن بخلاف ما لا يعجز عنه كقضاء بلد (^٤) صغير; لأن الإمام لم يرض بنظير غيره ولا قرينة تشعر بخلافه "فلو نهى عنه"، وقد ولاه الإمام فيما يعجز عن بعضه "بطلت" توليته له "فيما عجز" عنه (^٥) وصحت فيما عداه "ولم ينفذ حكم خليفته (^٦) " حيث لا يجوز له
_________________
(١) "قوله فهل يفسق" وجهان أصحهما لا يفسق إن غلبت طاعاته معاصيه
(٢) "فصل" "قوله يستخلف في عام وخاص قاض أذن له" شمل إطلاق المصنف استخلاف القاضي ولو فيما يقدر عليه واستخلافه ولده أو والده إذا كان مستجمعا للصفات وقد صرحوا بجوازه كما يجوز للإمام أيضا تقليد ولده ووالده للقضاء ويشكل على جزمهم بجواز استخلاف ولده ووالده سماع القاضي شهادة ولده ووالده فإن البغوي حكى فيها وجهين وصحح الروياني وابن أبي الدم منهما المنع قال في الغنية وكأن وجهه تضمنه التعديل، وهو متهم فيه وإذا كان كذلك فهذا المعنى موجود في تفويض الحكم إليه وقد يفرق بأن محل الجزم بصحة استخلاف الولد أو الوالد فيما إذا كانت الشروط مجتمعة فيه ظاهرة عند الناس ومحل الخلاف في قبول شهادتهما عند عدم ثبوت عدالتهما عند غير الأصل أو الفرع فإن كانت عدالته معروفة ثابتة عند غير الأب أو الابن فيجزم بالقبول، وهذا هو الظاهر قس
(٣) "قوله جاز فيما يعجز عنه" والمرض والغيبة عن البلد لشغل كالعجز ذكره البغوي
(٤) "قوله بخلاف ما لا يعجز عنه كقضاء بلد إلخ" هذا في الاستحقاق العام أما الاستحقاق في أمر خاص كتحليف وسماع بينة فيجوز مطلقا
(٥) "قوله بطلت فيما عجز عنه" فلو كان عاجزا عند الولاية عن شيء قدر عليه لم يقض فيه; لأن ولايته لم تشمله
(٦) "قوله ولم ينفذ حكم خليفته" فإن تراضيا به التحق بالمحكم كذا قاله الرافعي وقال صاحب الذخائر هذا إذا علما فساد توليته فإن جهلا فقد بينا الأمر على أن حكمه ملزم بغير تراضيهما فلا يلحق بالمحكم قال الزركشي في قواعده، وهذا أشبه "تنبيه" قال الأذرعي: إذا ولى القاضي الكبير كقاضي الشام مثلا قاضيا في. . . . . . . . . . . =
[ ٩ / ١١٨ ]
الاستخلاف "كخليفة لا يصلح" للقضاء "والخليفة في أمر خاص يكفي فيه أن يعرف شروط الواقعة" حتى أن نائب - القاضي في القرى إذا كان المنوب فيه سماع البينة ونقلها دون الحكم كفاه بشروط سماع البينة ولا يشترط فيه رتبة الاجتهاد
"ولا يكفي" في الخليفة "في" الأمر "العام إلا أهل القضاء"; لأنه قاض "ولو خالف اعتقاده" فإنه يجوز استخلافه فللشافعي أن يستخلف الحنفي "إن لم يشترط عليه العمل بخلاف معتقده" فإن اشترط عليه ذلك لم يجز; لأن الحاكم إنما يعمل باجتهاده أو باجتهاد مقلده قال الماوردي ولو لم يجر صيغة شرط بل قال الإمام قلدتك القضاء فاحكم بمذهب الشافعي أو لا تحكم بمذهب أبي حنيفة صح التقليد ولغا الأمر والنهي (^١) نقله عنه الأصل قال الرافعي وكان يجوز أن يجعل هذا الأمر شرطا وتقييدا كما لو قال قلدتك القضاء فاقض في موضع كذا وفي يوم كذا (^٢) وأشار إلى ذلك في الروضة "وإن قال لا تحكم في كذا (^٣) فيما يخالفه فيه"
_________________
(١) = بلدة هل يكون حكمه في جواز الاستخلاف وعدمه على ما سبق في قاضي الإمام عند الإطلاق أم لا لم أر فيه شيئا وفيه للتردد مجال ويشبه أن يكون هذا بمنزلة الوكيل فما جاز للوكيل جاز له وما لا فلا والفرق قوة ولاية منصوب الإمام; لأنه ليس بنائب له ولهذا لا ينعزل بموته وانعزاله بخلاف هذا وإذا كان العمل مشتملا على مصرين متباعدين كالبصرة وبغداد يتخير فإذا نظر في أحدهما ففي انعزاله عن الآخر وجهان محتملان أحدهما أنه قد انعزل عنه لتعذر حكم فيه بالعجز والثاني لا ويكون باقي الولاية عليه فعلى هذا يجوز له أن ينتقل من أحدهما إلى الآخر وعلى الأول لا يجوز قال الزركشي: وهو يقتضي صحة ولايته عليها المقرونة بالنهي عن الاستخلاف، وهو بناء على اختيار الصحة مع النهي وعليهما يتخرج تدريس مدرستين ببلدين وكان الشيخ فخر الدين بن عساكر يدرس بالبعونة وغيرها بدمشق ويدرس بالصلاحية بالقدس يقيم به أشهرا وبدمشق أشهرا، وهذا مع علمه وورعه لكن الأشبه لا; لأن غيبته عن أحدهما لأجل الحضور في الآخر ليست بعذر
(٢) "قوله ولغا الأمر والنهي" أشار إلى تصحيحه
(٣) "قوله كما لو قال قلدتك القضاء فاقض في موضع كذا وفي يوم كذا" الظاهر أنه لا فرق عند الماوردي بين الصورتين ولهذا لو قلد القاضي جميع البلد لينظر في أحد جانبيه أو في محلة منه لم يصح ويبطل التقليد إن كان شرطا، وإن كان آمرا بطل الأمر. ا هـ. ع
(٤) "قوله: وإن قال لا تحكم في كذا إلخ" في فتاوى القاضي حسين لو شرط أن لا يقضي بشاهد ويمين ولا على غائب صحت التولية ولغا الشرط فيقضي باجتهاده ومقتضاه أن لا يراعي الشرط هناك قال شيخنا لكن الأوجه أنه كالمعزول فيما نهى عنه مولى في غيره
[ ٩ / ١١٩ ]
كقوله لا تحكم في قتل المسلم الكافر والحر العبد "جاز وحكم في غيره" من بقية الحوادث
"فإن نصب قاضيين في بلد وخصص كلا" منهما "بطرف" منه "أو زمان أو نوع من الخصومات جاز" وفارق الإمام حيث لا يجوز تعدده بأن القاضيين إذا اختلفا قطع الإمام اختلافهما بخلاف الإمامين "وكذا لو" عمم و"أثبت لكل" منهما "استقلالا" بالحكم فإنه يجوز كالوكيلين والوصيين (^١) "فإن شرط" في توليتهما "إجماع حكمهما بطلت (^٢) "; لأن الخلاف يكثر في محل الاجتهاد فتتعطل الحكومات "ولو أطلق" بأن لم يشرط استقلالهما ولا اجتماعهما "حمل على" إثبات "الاستقلال (^٣) " تنزيلا للمطلق على ما يجوز ويفارق نظيره في الوصيين بأن نصبهما بشرط اجتماعهما على التصرف جائز فحمل المطلق عليه بخلاف القاضيين "فإن طلبا" أي القاضيان "خصما" بطلب خصميه له منهما "أجاب السابق" منهما بالطلب "وإلا" بأن طلباه معا "أقرع" بينهما "وإن تنازع الخصمان في اختيار القاضيين أجيب الطالب (^٤) " للحق دون المطلوب به وقيل يقرع والترجيح من زيادته وبما رجحه جزم الروياني "فإن تساويا" بأن كان كل منهما طالبا ومطلوبا
_________________
(١) "قوله كالوكيلين والوصيين"; ولأنه ﷺ بعث أبا موسى ومعاذا حاكمين إلى اليمن وأردفهما بعلي بن أبي طالب
(٢) "قوله فإن شرط اجتماع حكمهما بطلت" ينبغي أن يكون في الحكم التنجيزي فإن شرطه أنه متى حكم أحدهما فعلى الآخر تنفيذه جاز وأن يكون في المسائل المختلف فيها أما المتفق عليها فيقطع بالجواز وأن يكونا من المجتهدين أما المقلدان لإمام واحد فكذلك وأن يكون فيما إذا عم ولايتهما، وأما إذا فوض إليهما معا الحكم في قضية واحدة فلا شك في الجواز فإن اتفقا على حكم فذاك وإلا فيرفعانها إلى من ولاهما
(٣) "قوله ولو أطلق حمل على الاستقلال" قال في المهمات: ويحتاج إلى الفرق بين هذه المسألة وبين ما إذا قال الموصي أوصي إلى من شئت أو إلى فلان ولم يقل عني ولا عنك فصحح البغوي أنه يحمل على كونه عن الوصي حتى لا يصح ولم ينزل المطلق على ما يجوز قلت ويمكن الفرق بأن الأصل منه وصاية الوصي إلا إن صرح الموصي بأن وصى عنه بخلاف تولية القضاء فإنه جائز والظاهر من اللفظ إرادة الاستقلال ع
(٤) "قوله، وإن تنازع الخصمان في اختيار القاضيين أجيب طالب" تنازع خصمان في الحضور إلى الأصل والنائب طلب أحدهما الرفع إلى الأصل والآخر إلى النائب قال في الحاوي إن كان القاضي يوم الترافع ناظرا فالدعوى إليه أولى بالإجابة; لأنه الأصل، وإن كان الناظر نائبه فالداعي إليه أولى; لأنه أعجل وقال الإمام الغزالي يجاب الداعي إلى الأصل مطلقا
[ ٩ / ١٢٠ ]
كتحاكمهما في قسمة ملك أو اختلفا في قدر ثمن مبيع أو صداق اختلافا يوجب تحالفهما "فأقرب القاضيين" إليهما يتحاكمان عنده "وإلا" بأن استويا في القرب "فالقرعة" يعمل بها "لا الإعراض عنهما" حتى يصطلحا لئلا يؤدي إلى طول التنازع، وهذا من زيادته ونصب أكثر من قاضيين (^١) ببلد كنصب قاضيين ما لم يكثروا كذا قيده الماوردي (^٢) وفي المطلب يجوز أن يناط بقدر الحاجة
"فرع" قال الماوردي: ولو قلده بلدا (^٣) وسكت عن ضواحيها فإن جرى العرف بإفرادها عنها لم تدخل في ولايته، وإن جرى بإضافتها دخلت، وإن اختلف العرف روعي أكثرهما عرفا فإن استويا روعي أقربهما عهدا
"فصل يجوز التحكيم (^٤) " من اثنين لرجل غير قاض لما رواه البيهقي أن عمر وأبي بن كعب تحاكما إلى زيد بن ثابت وأن عثمان وطلحة تحاكما إلى جبير بن مطعم ولم يخالفهم أحد "حتى بتزويج فاقدة ولي" لها خاص نسيب أو معتق "لا في حدود الله" تعالى (^٥) إذ ليس لها طالب معين; ولأن نياط الحكم هنا رضا مستحقه، وهو مفقود فيه واستثنى البلقيني صورا أخرى (^٦) بينتها في شرح البهجة
_________________
(١) "قوله ونصب أكثر من قاضيين إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٢) "قوله كذا قيده الماوردي" قال الزركشي لم يحد القلة والكثرة بشيء ويظهر كما قال في المطلب ارتباط ذلك بقدر الحاجة
(٣) "قوله قال الماوردي ولو قلده بلدا إلخ" أشار إلى تصحيحه
(٤) "فصل" "قوله يجوز التحكيم" قال شيخنا يجوز التحكيم في ثبوت هلال رمضان كما بحثه الزركشي وينفذ على من رضي بحكمه ويجب عليهم صومه لا على عموم الناس خلافا له إذ لا يتصور رضاهم بالحكم منه
(٥) "قوله لا في حدود الله تعالى" مثلها تعزيره على أن هذا لا يحتاج إليه; لأن حدود الله تعالى لا تسمع فيها الدعوى عند القاضي فكيف عند المحكم
(٦) "قوله واستثنى البلقيني صورا أخرى إلخ" الوكيلين فلا يكفي تحكمهما، بل المعتبر تحكيم الموكلين والوليين; فلا يكفي تحكمهما إذا كان مذهب المحكم يصر بأحدهما، والمحجور عليه بالفلس فلا يكفي رضاه إذا كان مذهب المحكم يضر بغرمائه والمأذون له في التجارة وعامل القراض فلا يكفي تحكيمهما بل لا بد من رضا المالك، وإن كان هناك ديون فلا بد من رضا الغرماء والمكاتب إذا كان مذهب المحكم يضر به لا بد من رضا السيد والمحجور عليه بالسفه لا أثر لتحكيمه قال ولم أر من تعرض لذلك
[ ٩ / ١٢١ ]
"وإن وجد القاضي" في البلد فإنه يجوز التحكيم "بشرط تأهل المحكم للقضاء (^١) " وإلا فلا يجوز مع وجود القاضي (^٢) "و" بشرط "رضا الخصمين بحكمه قبل الحكم لا بعده"; لأن رضاهما هو المثبت للولاية فلا بد من تقدمه "فلو حكماه في الدية" على العاقلة "لم يلزم العاقلة حتى يرضوا" بحكمه; لأنهم لا يؤاخذون بإقرار الجاني فكيف يؤاخذون برضاه ولا يكفي رضا القاتل ولو رجع أحدهما قبل الحكم امتنع الحكم حتى لو أقام المدعي شاهدين فرجع المدعى عليه لم يكن له أن يحكم "وليس له أن يحبس" بل غايته الإثبات والحكم وقضيته أنه ليس له الترسيم (^٣) قال الرافعي: نقلا عن الغزالي وإذا حكم بشيء من العقوبات كالقصاص وحد القذف لم يستوفه; لأن ذلك يخرم أبهة الولاة وإذا ثبت الحق عنده وحكم به أو لم يحكم فله أن يشهد على نفسه في المجلس خاصة إذ لا يقبل قوله بعد الافتراق كالقاضي بعد العزل قاله الماوردي
"ولا يحكم لنحو ولده" ممن يتهم في حقه "ولا على عدوه" كما في القاضي والترجيح في هاتين من زيادته (^٤)، وهو القياس (^٥) ; لأنه لا يزيد على القاضي لكن قال الزركشي الظاهر جواز الحكم لرضا المحكوم عليه بذلك وقول المصنف ولا على عدوه معلوم من قول الأصل ويشترط على أحد الوجهين كون المتحاكمين بحيث يجوز للمحكم أن يحكم لكل واحد منهما أي على الآخر وليس له أن
_________________
(١) "قوله بشرط تأهل المحكم للقضاء" قال القاضي في شرح الحاوي ويشترط العلم بتلك المسألة فقط وقد عثرت على نص صحيح من قبلهم وكتب أيضا وخرج بالأهل غيره فلا يجوز تحكيمه أي مع وجود الأهل ش
(٢) "قوله كما مر في بابه" أي عند فقد الولي الخاص والحاكم "قوله وإلا فلا يجوز مع وجود القاضي" فلا ينفذ قضاؤه قطعا بخلاف من ولاه ذو الشوكة للضرورة قال شريح الروياني وإذا سمع المحكم البينة ثم ولي الحكم حكم بها; لأنه كان حاكما أي ولا يحتاج إلى إعادة الشهادة وهل للمحكم أن يحكم بعلمه كالحاكم على المرجح أم لا لانحطاط رتبته لم أر فيه شيئا ويحتمل أن يطرد فيه بخلاف مرتب وأولى بالمنع غ سيأتي في كلام الشارح الجزم بالثاني، وهو المعتمد
(٣) "قوله وقضيته أنه ليس له الترسيم" أشار إلى تصحيحه وكذا قوله لم يستوفه وكذا قوله إذ لا يقبل قوله إلخ
(٤) "قوله والترجيح في هاتين من زيادته" وجزم به صاحب الأنوار في الأولى
(٥) "قوله، وهو القياس" أشار إلى تصحيحه
[ ٩ / ١٢٢ ]
يحكم بعلمه (^١) لانحطاط رتبته "ولا يشترط رضا خصم قاض استناب" عنه ليحكم بينهما بناء على أن ذلك تولية ورده ابن الرفعة بأن ابن الصباغ وغيره قالوا ليس التحكيم تولية لا يحسن البناء، وقد يجاب (^٢) بأن محل هذا إذا صدر التحكيم من غير قاض فيحسن البناء "ويمضي القاضي حكمه" أي المحكم "كالقاضي" ولا ينقض حكمه إلا بما ينقض به قضاء غيره.
"فرع" يجوز أن يتحاكما إلى اثنين فلا ينفذ حكم أحدهما حتى يجتمعا ويفارق تولية قاضيين على اجتماعهما على الحكم لظهور الفرق ذكره في المطلب
_________________
(١) "قوله وليس له أن يحكم بعلمه" لانحطاط رتبته وقال في شرح المنهج: وقضية كلامهم أن للمحكم أن يحكم بعلمه، وهو ظاهر، وإن زعم بعض المتأخرين أن الراجح خلافه وقول الأذرعي لم أر فيه شيئا أي صريحا ا هـ وقال الدميري والراجح أنه ليس له أن يحكم بعلمه لانحطاط رتبته
(٢) "قوله وقد يجاب إلخ" وفي الحاوي قبيل الشهادات إذا تحاكم الإمام وخصمه إلى بعض الرعية لم يقلده خصوص النظر في ذلك أنه لا بد من رضا الخصم
[ ٩ / ١٢٣ ]