قال أبو شجاع ﵀: «وَصَلَاةُ الْجَمَاعَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ»، لمواظَبَتِه ﷺ عليها، ولحديثِ أبي سعيدٍ الخُدْريِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَذِّ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (^٣).
ولحديثِ ابنِ عمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً» (^٤).
ولا تَعَارُضَ بينَ الحديثَيْنِ؛ لأنَّ الكثيرَ لا ينفي القليلَ، أو أنَّ ذلك يَخْتَلِفُ باختلافِ أحوالِ المصلِّينَ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَعَلَى الْمَأْمُومِ أَنْ يَنْوِيَ الِائْتِمَامَ دُونَ
_________________
(١) رواه البخاري (٥٧٢)، ومسلم (٦٨٤).
(٢) رواه البخاري (١١٧٦)، ومسلم (٨٣٤).
(٣) رواه البخاري (٦١٩)، و«الفَذُّ»؛ أي: المنفرِدُ.
(٤) رواه البخاري (٦٢١)، ومسلم (٦٥٠).
[ ٩٥ ]
الْإِمَامِ»، لا بُدَّ للمأمومِ أنْ ينويَ أنه مُؤْتَمٌّ، فإنْ لم يَفْعَلْ كان مُنْفَرِدًا، ولم تَنْعَقِدْ جماعتُه، ولا يُشْتَرَطُ نيَّةُ الإمامِ ليصحَّ الاقتداءُ به، فلو صلَّى خَلْفَه جَمْعٌ ولم يَعْلَمْ بهم انعقدتْ جماعتُهم، ولم يَحْصُلْ له هو فضلُ الجماعةِ؛ إلَّا إذا نواها؛ لقولِهِ ﷺ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (^١).
قال أبو شجاع ﵀: «وَيَجُوزُ أَنْ يَأْتَمَّ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ، وَالْبَالِغُ بِالْمُرَاهِقِ»، أمَّا جوازُ الاقتداءِ بالعبدِ فلِمَا وَرَدَ أنَّ عائشةَ ﵂: «كانَ يَؤُمُّها عبدُها ذَكْوانُ» (^٢).
وأمَّا جوازُ الاقتداءِ بالصبي المُمَيِّز، أو المراهِقِ -وهو مَنْ قارب سِنَّ الاحتلامِ- فلحديثِ عمرِو بنِ سَلَمَةَ ﵁ أنَّه كانَ يؤمُّ قومَه وهو: «ابنُ سِتِّ أو سبعِ سِنينَ» (^٣).
قال أبو شجاع ﵀: «وَلَا تَصِحُّ قُدْوَةُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ، وَلَا قَارِئٍ بِأُمِّيٍّ»، لا يصحُّ اقتداءُ الرَّجلِ بالمرأةِ لقولِهِ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤].
ولقولِ ابنِ مسعودٍ ﵁: «أَخِّرُوهنَّ من حيثُ أَخَّرَهُنَّ اللهُ» (^٤).
ولأنَّ «الْمَرْأَةَ عَوْرَةٌ»؛ كما في الحديثِ، وفي إمامتِها بالرِّجالِ فتنةٌ (^٥).
_________________
(١) رواه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧).
(٢) رواه البخاري (١/ ٢٤٥).
(٣) رواه البخاري (٤٠٥١).
(٤) رواه عبدُ الرَّزَّاقِ في «المصنَّف» (٥١١٥)، وابنُ خُزيمةَ في «صحيحِه» (١٧٠٠).
(٥) حديثُ: «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ»، رواه الترمذي (١١٧٣)، من حديثِ ابنِ مسعودٍ ﵁ مرفوعًا، وقال: «هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريب».
[ ٩٦ ]
وأمَّا اقتداءُ القارئِ بالأمِّيِّ؛ فلا يَجوزُ كما قالَ المصنِّفُ، والمقصودُ بالقارئِ: مَنْ يُحْسِنُ قراءةَ الفاتحةِ، والأُمِّيُّ: الَّذي لا يُحْسِنُ قراءةَ الفاتحةِ، ولم تصحَّ القدوةُ به؛ لأنَّ قراءتَها كاملةً ركنٌ كما سَبَقَ، وإنما صحَّتْ صلاةُ الأُمِّيِّ لنفْسِه لعدمِ قدرتِه على التَّعلُّمِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَأَيُّ مَوْضِعٍ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ فِيهِ وَهُوَ عَالِمٌ بِصَلَاتِهِ أَجْزَأَهُ؛ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ»، إذا كانَ الإمامُ والمأمومُ في المسجدِ فأيُّ موضعٍ صلَّى فيه المأمومُ بصلاةِ الإمامِ؛ جازَ بشرطيْنِ: الأوَّلُ: أنْ يكونَ عالمًا بصلاةِ الإمامِ؛ كأنْ يَسْمَعَه، أو يراه، أو يرى بعضَ الصَّفِّ، والثَّاني: أنْ لا يَتَقَدَّمَ عليه، فإذا جَمَعَهُما مسجدٌ أو جامعٌ صحَّ الاقتداءُ سواءٌ انقطعتِ الصُّفوفُ بَيْنَهُما أو اتَّصلتْ وسواءٌ حالَ بينهما حائلٌ أم لا وسواءٌ كانَ الإمامُ أعلى من المأمومِ أو أسفلَ؛ لأنَّه كُلَّه مكانٌ واحدٌ وهو مبنيٌّ للصَّلاةِ.
قال أبو شجاع ﵀: «وَإِنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ وَالْمَأْمُومُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ قَرِيبًا مِنْهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِصَلَاتِهِ وَلَا حَائِلَ هُنَاكَ؛ جَازَ»، إذا كانَ الإمامُ في المسجدِ والمأمومُ خارجَ المسجدِ وليس بينهما حائلٌ يَمْنَع الاستماعَ أو المشاهَدةَ؛ جازَ الاقتداءُ به؛ لحصولِ الاتِّصالِ، فإنْ حالَ جدارٌ لا بابَ فيه، أو بابٌ مُغْلَقٌ؛ مُنِعَ الاقتداءُ لعدمِ الاتِّصالِ.
[ ٩٧ ]
«فَصْلٌ»