إذا ولدت المرأة ولدًا، ولم تر الدم، هل يلزمها الاغتسال أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: بلى؛ لمعنيين:
أحدهما: أنه خرج منها مني متجمد منعقد، وهو الولد، ولو خرج منها المني سائلا مائعًا يلزمها الاغتسال، كذا إذا كان متجمدًا مثله.
والثاني: أنَّ خروج الولد قط لا ينفك عن قليل الدم، فيلزمها الاغتسال لذلك.
والوجه الثاني: لا يلزمها الاغتسال، لأنها لم تر الدم، ووجوده متعلق برؤية الدم.
فرع:
الحامل إذا رأت الدم، هل يكو ذاك دم حيض أم لا؟
فيه قولان:
في الجديد: أنه دم حيض ويتعلق به جميع أحكام الحيض إلا أنه لا يتعلق به انقضاء العدة فحسب.
وفي القديم، وهو مذهب أبي حنيفة: أنه لا يكون دم حيض، بل يكون دم فساد، تتوضأ لكل صلاة.
[ ١ / ٦٠٣ ]
إن قلنا: إنه دم حيض، فلو انقطع ذلك، ثم ولدت ولدًا، أو رأت دم النفاس، ينظر فإن تخلل بينهما أقل الطهر، مثل أن مضى خمسة عشر يومًا من وقت انقطاع دم الحيض، إلى وقت رؤية دم النفاس، فالأول دم الحيض، والثاني دم النفاس.
فأما إذا لم يتخلل بين انقطاع دم الأول، ورؤية الثاني أقل الطهر فيه وجهان:
أحدهما: أن الأول دم فساد، وليس بدم حيض.
والثاني: لا، بل الأول دم حيض أيضًا، وإنما يعتبر تخلل أقل الطهر بين دمي الحيض إذا كانا من جنس واحد.
فأما إذا كانا من جنسين مختلفين فلا دم.
فرع:
إذا ولدت ولدًا، ورأت الدم مرة، ثم ولدت ولدًا آخر، ورأت الدم، فالدم الأول الذي رأته قيل أن تلد الولد الثاني ماذا حكمه؟
فيه وجهان:
أحدهما: أنه يكون دم نفاس، لأن ذاك دم رأته عقيب خروج الولد منها.
والثاني: أنه لا يكون دم نفاس، لأن ذاك دم رأته، ورحمها مسغولة بالولد.
إن قلنا أنه ليس بدم نفاس، فهل يكون دم حيض أم لا؟
فعلى ما ذكرنا من قبل.
وإن قلنا: إنه دم نفاس، فهل تعتبر مدة النفاس من وقت الدم الذي رأته عقيب انفصال الأول منها، أو يعتبر من وقت خروج الولد الثاني منها، فيه وجهان:
[ ١ / ٦٠٤ ]
أحدهما: أنه يعتبر من وقت خروج الولد الأول منها، إذ لو اعتبرنا من وقت خروج الولد الثاني منها لأدى ذلك إلى أن تزيد مدة النفاس على ستين يومًا.
والوجه الثاني: أنه يعتبر من وقت خروج الولد الثاني منها، وإنما قلنا ذلك، لأنهما نفاسان يعتبر لكل واحد منهما مدة على الانفراد إلا أن ما بقي من الأول يتداخل من الثاني، لأنهما من جنس واحد، فصار هذا، كما لو طلق امرأته ثلاثا، ومضى عليها قرء واحد، ث وطئها بالشبهة يلزمها أن تعتد بثلاثة أقراء لأجل الوطء بالشبهة، وعليها قرءان لأجل الطلاق، فيتداخلان فيها؛ لأنهما من جنس واحد كذا ها هنا مثله.
فرع:
وأما إذا انقطع دم النفاس فيما دون انقضاء ستين يومًا ثم عاودها الدم، ينظر فيه، فإن عاودها الدم قبل مضى خمسة عشر يومًا من وقت انقطاع الدم، فذاك دم نفاس فينبني على قولي التلفيق.
إن قلنا: إن الدماء لا تلفق، فيجعل الكل دم نفاس، ويلزمها قضاء صيامات صامتها في أيام النقاء.
وإن قلنا إن الدماء تلفق، فيجعل أيام الدم نفاسًا، وأيام النقاء طهرًا.
فأما إذا عاودها الدم بعد مضي خمسة عشر يومًا من وقت انقطاع الدم.
الصحيح أنه يكون دم حيض، فيستأنف له الحكم، وفيه قول آخر: أنه يكون دم نفاس، لأنه عاود قبل انقضاء مدة النفاس، فيكون ذاك دم نفاس.
إن قلنا: إنه يكون دم نفاس، فينبني على قولي التلفيق، وقد ذكرنا.
فأما إذا ولدت ولدًا، ولم تر الدم، ثم رأت الدم بعد ذلك قبل انقضاء مدة النفاس ماذا حكمه؟
ينظر فيه: فإن رأت الدم قبل مضي خمسة عشر يومًا من وقت الولادة،
[ ١ / ٦٠٥ ]
فيكون ذلك دم نفاس، ولكن لا يلزمها قضاء الصيامات التي صامتها قبل ذلك في أيام النقاء، لأن هناك لم يوجد الدم منها حالة الولادة، حتى تلفق الدماء بعضها بالبعض، فإن رأت الدم بعد مضي خمسة عشر يومًا من وقت الولادة.
الصحيح أنه يكون دم حيض.
وفيه وجه آخر: انه يكون دم نفاس، وقد ذكرناه.
فأما إذا انقطع دمها على ستين يومًا، ثم عاودها الدم، ينظر فيه، فإن عاودها الدم بعد مضي خمسة عشر يومًا من وقت انقطاع الدم، فيه وجهان:
أحدهما: أنه يكون دم نفاس.
والثاني: أنه يكون دم حيض، وإنما يعتبر أن يتخلل بين الدمين أقل الطهر، إذا كانا من جنس واحد، وقد ذكرنا.
فأما إذا لم ينقطع دمها على ستين يومًا، فصارت مستحاضة، ثم ينظر فيها، فإن كانت مبتدأة.
إن قلنا: إن المبتدأة إذا جاوز دمها على خمسة عشر يومًا أنها ترد إلى أقل الحيض، ها هنا ترد إلى لحظة واحدة فيلزمها قضاء صوم الكل، وصلاة الكل.
وإن قلنا: إنها ترد هناك إلى غالب عادات النساء، وهو ست أو سبع، فها هنا ترد أيضا إلى غالب عادات النساء، وهو ست أو سبع، فها هنا ترد أيضًا إلى غالب عادات النساء في النفاس، وهو أربعون يومًا.
وإن كانت معتادة مثل أن ولدت ولدين، ورأت كل مرة دم النفاس أربعين يومًا، أو خمسين أو ثلاثين يومًا، أو ما أشبه ذلك، وانقطع عليه، فولدت ولدًا ثانيًا، واستمر بها الدم حتى جاوز ستين يومًا، فإنها ترد إلى عادتها المستقيمة، وإن ولدت ولدًا ورأت الدم، وانقطع على ما دون ستين يومًا، ثم ولدت ولدًا، آخر، وجاوز دمها على ستين يومًا.
[ ١ / ٦٠٦ ]
إن قلنا: إن العادة تثبت بمرة واحدة ترد إلى عادتها من قبل، وإلا ففيه قولان كما قلنا في المبتدأة.
فأما إذا كانت مميزة بأن رأت عشرين يومًا، أو ثلاثين يومًا دمًا أسود، ثم احمر الدم، أو اصفر حتى جاوز ستين يومًا، فإنها تؤمر بالتمييز، ويجعل أيام السواد نفاسًا، والباقي استحاضة، فإن كانت ناسية، ففيه قولان:
أحدهما: حكمها حكم المبتدأة، وفيه قولان.
والثاني: أنها تؤمر بالاحتياط فتصوم وتصلي ولا يأتيها زوجها أبدًا، وقد بينا كيفية الكل فيما تقدم.
[ ١ / ٦٠٧ ]
المستحاضة إذا أمرت بالوضوء لكل صلاة، فإنها تتوضأ بعد دخول الوقت، وتصلي به فريضة واحدة، وما شاءت من النوافل، لأن هذه طهارة ضرورية، فأشبه التيمم، وينبغي أن تشرع في الصلاة عقيب فراغها من الطهارة، حتى لو أخرت ذلك حتى تيقنت خروج شيء منها تبطل طهارتها، ويلزمها أن تعصب فرجها بعصابة، وتشدها شدًا قويًا في الابتداء.
وهل يلزمها تجديد التعصيب لكل صلاة، وغسل الفرج أم لا؟
ينظر فيه إن زالت العصابة عن موضعها يلزمها ذلك، وإلا فيه وجهان.
وصدر الوجهين من كلام الشافعي حيث قال: المستحاضة تتوضأ لكل صلاة فريضة بعد غسل فرجها، وتعصيبه، ويحتمل أنه أراد به في كل مرة تتوضأ، بعد ما غسلت الفرج ابتداء، وعصبته بعصابة، فبعد ذلك تتوضأ لكل صلاة، وهكذا إذا بطل طهارتها قبل أن تؤدي بها صلاة بنوم، أو بحدث آخر، فإنها تتوضأ، ولكن هل يلزمها تجديد العصابة؟ فعلى وجهين.
فأما إذا كانت في نهار الصوم، وعصبت فرجها، وحشت فيه خروقا، هل يفسد صومها بإدخال ذلك الشيء في فرجها؟
قال القاضي: في كره لا يفسد صومها، لأنها مضطرة إلى ذلك، وقال بعد ذلك: يفسد صومها، لأنه وجد إدخال شيء فيها، فأشبه الحقنة ونحوها.
وقال أبو حنيفة: المستحاضة تصلي بطهارة واحدة ما شاءت من الفرائض والنوافل، ولا تبطل طهارتها بدخول الوقت، وإنما يبطل ذلك بخروج الوقت وقد ذكرنا ذلك في التيمم.
[ ١ / ٦٠٨ ]
فرع:
فأما إذا انقطع دم المستحاضة ينظر فيه، فإن كان انقطاعه زمنا مثل أن انقطع مدة يمكنها تجديد الطهارة فيها، وأن تصلي ركعتين، فإنه يبطل طهارتها، سواء كانت في الصلاة، أو خارج الصلاة، وإن كان دون ذلك، ثم عاودها الدم لم يحكم ببطلان طهارتها، وهذه المسألة وتسأل، فيقال: طهارة لا تبطل بوجود الحدث، وتبطل بعدم وجود الحدث ماذا تكون.
فيقال: طهارة المستحاضة بعد انقطاع الدم تبطل إذا لم يعادوها الدم، حتى إذا مضت مدة إمكان الطهارة، وصلاة ركعتين، ولا تبطل إذا عاودها الدم قبل ذلك.
فأما سلس البول والذي يبتلى بالمذي، فإنه يتوضأ لكل صلاة أيضًا، وهل يحتاج إلى غسل فرجه، وتعصيبه كل مرة، فعلى وجهين.
فأما من به دماميل يسيل منها الدم، فإنه لا يتوضأ لكل صلاة، ولكن هل يلزمه غسل القروح والتعصيب لكل صلاة، فعلى وجهين. والله أعلم بالصواب.
[ ١ / ٦٠٩ ]
التعليقة
القاضي أبو محمد الحسين بن محمد بن أحمد المروروذي
[ ٢ / ٦١٠ ]