قال الشافعي: وإنما يدبغ الجلد بما تدبغ به العرب، والعرب إنما تدبغ بالقرظ والشب، وكذلك كل ما كان في معناه، مثل: العفص المسحوق وقشور الرمان، والبروق.
فيحصل الدباغ بذلك، ولا يختص بما تدبغ به العرب، كما في الاستنجاء.
[ ١ / ٢١٦ ]
قوله: ويتوضأ في جلود الميتة إذا دبغت.
قال ﵁: اعترض على الشافعي، فإنه ذكر جميع الجلود في أول الباب، ثم قال: وكذلك جلد ما لا يؤكل لحمه، ولا يحسن أن يعطف البعض على الجملة، وإنما يعطف على البعض.
قلنا: الشافعي: ﵀، إنما عطف هذا على معنى الخبر، وذلك أن الخبر إنما ورد في شاة ميمونة، فأراد أن يبين أن جميع الجلود تطهر بالدباغ حتى لا يظن ظان أن كل جلد لا يؤكل لحمه لا يطهر بالدباغ، خلافًا لما قال أبو ثور والأوزاعي، فقال الشافعي، كل جلد حيوان يدبغ فيطهر ذلك الجلد بالدباغ، إلا جلد الكلب والخنزير، فإن الكلب والخنزير نجسان في حال الحياة، والدباغ إنما يرد الجلد إل حاله الأولى.
قال الشافعي: ولا يطهر بالدباغ إلا الإهاب وحده، ولو كان الصوف والشعر والريش لا يموت بموت ذوات الروح، أو كان يطهر بالدباغ، كان ذلك في قرن الميتة وسنها، وجاز في عظمها، لأنه قبل الدباغ وبعده سواء.
قال القاضي حسين: إنما يطهر بالدباغ الإهاب وحده، فأما الشعر والظفر والسن لا يطهر بالدباغ.
وفي رواية المزني والربيع بن سليمان المرادي، أن الشعر فيه الروح والحياة، ويموت بموت ذات الروح.
وقال الشيخ أحمد البيهقي: قال الشافعي في الجامع: إن الشعر لا روح فيه.
[ ١ / ٢١٧ ]
وقال في كتاب الديات: إن الشعر لا روح فيه.
وحكي إبراهيم البلدي، عن المزني أن الشافعي رجع عن تنجس شعر بني آدم.
وفي رواية: رجع عن تنجس الشعور، فقد حصل فيها قولان
فعلى القول الجديد: إن الشعر فيه الروح، يموت بموت ذات الروح، وينجس بالموت، ولا يطهر بالدباغ، وكذلك الظفر والسن والقرن.
والقول الثاني: إن الشعر لا روح فيه، فعلى هذا جميع الشعور يكون طاهرا، لا روح فيها، سواء أخذ منه في حال الحياة، أو بعد الوفاة إلا شعر الكلب والخنزير، فإذا قلنا بقول الجديد: إن الشعر فيه الحياة.
[ ١ / ٢١٨ ]
فعلى هذا لا يخلو، إما أن يكون الحيوان مأكول اللحم، أو لا يكون مأكول اللحم.
فإن كان مأكول اللحم، فإذا جز شعره في حال الحياة يكون طاهرًا، وكذلك لو أخذ منه بعد الذكاة يكون طاهرًا، وأما ما نتف منه في حال الحياة، فهل يكون طاهرًا أم لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: يكون طاهرًا، وهو الأصح، كما لو أخذ منه على وجه الجز.
والثاني: لا يكون طاهرًأ، لأنه لم يؤخذ منه بطريقة
والنتف يكون كالوقذ والجز يكون كالذبح.
فأما ما انتتف بنفسه، فإنه يكون طاهرًا.
فأما الريش، ينظر إن قلع الجناح، وعليه ريش، فإن ذلك يكون نجسًا، وإن أخذ منه على وجه النتف، هل يكون طاهرًا أم لا؟
ينظر، إن كان على رأس الجناح قطعة لحم أو دم، فإنه يغسل، ويكون طاهرًا وإن لم يكن عليه دم ولا لحم، وكان عليه بلة، فإنه يكون طاهرًا، لأن تلك البلة تكون كالعرق، والعرق يكون طاهرًا.
فأما شعر ما لا يؤكل لحمه، هل يكون طاهرًا أم لا؟
لا خلاف على قوله الجديد: إنه لا يكون طاهرًا، سواء أخذ منه في حال الحياة، أو بعد الممات، ولا خلاف أنه ما دام متصلا بالحيوان يكون طاهرًا، حتى لو أصاب ثوب إنسان، لا ينجس ثوبه، كعرقه سواء، فأما إذا ركب حمارًا
[ ١ / ٢١٩ ]
وانتتف شعر منه، والتصق بثيابه، لا تجوز الصلاة معه إلا أن يكون يسيرًا، فيكون معفوًا.
قال ﵁: عندي أنه إن أخذ منه في حال الحياة، وجز منه، فها هنا فيه شيء، لأن عرقه يكون طاهرًا، ولكن المذهب ألا يكون طاهرًا.
فأما الظفر والسن والقرن، لا خلاف أن فيه الحياة، ولا يجوز الانتفاع به إذا مات بخلاف الشعر.
والفرق بينهما أن الظفر لا يكون مخلفا، والشعر يكون مخلفا.
وكذلك الظفر لا يمكن الانتفاع به غالبًا، بخلاف الشعر.
قال الله تعالى: (وأشعارها أثاثًا ومتاعًا إلى حين) الآية.
وسواء أخذ منه السن أو الظفر في حال الحياة، أو سقط منه في حال الحياة، فإنه يكون نجسًا.
وكذلك القرن الذي يسقط عنه في حال الحياة، لا يكون طاهرًا، فأما شعر بني آدم، هل يكون طاهرًا أم لا؟
فيه وجهان: بناء على أصل.
وذلك أن الآدمي إذا مات، هل ينجس بدنه بالموت أم لا؟
فيه قولان:
فإذا قلنا ينجس بدنه بالموت، فشعره يكون نجسًا.
وإذا قلنا: إنه لا ينجس بالموت، شعره يكون طاهرًا في حال الحياة.
فأما شعر النبي ﷺ فإنه يرتب على شعر الأمة.
[ ١ / ٢٢٠ ]
إن قلنا: إن شعر سائر الخلق يكون طاهرًا، فشعر النبي ﷺ أولى، وإلا فوجهان:
والأصح أن ذلك يكون طاهرًا، لأن النبي ﷺ كان يقسم شعره بين أصحابه.
وأصحابنا ذكروا وجهين في بوله ودمه، هل هو طاهر أو نجس؟
فعلى وجهين.
[ ١ / ٢٢١ ]
وقال أبو حنيفة، الشعر لا روح فيه، ولا ينجس بالموت، وهكذا يقول في الظفر والسن والقرن.
فرع
لو نتف ريش طائر مأكول اللحم، واتخذ منه منشفة، يكون طاهرًا على ظاهر المذهب.
فصل
الجلود الميتة إذا دبغت، وكان عليها شعور، فعلى مذهبه الصحيح، ورواية المزني والمرادي: أنه لا يطهر بالدباغ.
وحكي الربيع بن سليمان الجيزي، قولا آخر عن الشافعي.
أن الشعر يكون تابعًا للجلد، يطهر بطهارته، وينجس بنجاسته، فعلى هذا القول شعر الثعلب إذا مات، ودبغ جلده يكون طاهرًا، وكذلك شعر الهرة الإنسي، فاما الهرة الوحشي، لو قلنا: يحل أكله فيكون طاهرًا.
وإن قلنا: لا يحل أكلهن فحكمه حكم الإنسي.
[ ١ / ٢٢٢ ]