تكبيرة المأموم للافتتاح إذا قارنت تكبيرة الإمام، أو بعضها لم تنعقد صلاة المأموم، نص عليه الشافعي ﵀ وليست كالركوع والسجود، وسائر الأركان، فإنه لو قارن فعل المأموم فعل الإمام لم تبطل صلاة المأموم بالمقارنة، وإن كان كمال الفضل في المتابعة.
والفرق بينهما أن الاقتداء لا يتصور ما لم يتعين إمام، والإمام لا يصير إماما ما لم يفرغ عن التكبيرة، فإذا ابتدأ المأموم التكبيرة، وصلاة الإمام غير منعقدة بعد فقد مضى بعض صلاة المأموم ولا إمام له.
مسألة
أول التبكير إذا عرى عن عين النية لم تنعقد الصلاة، وإن عري آخر التكبير عن النية صحت صلاته إذا لم ينسها، واستصحب ذكرها، فلو نسي ذكرها بعد الفراغ من التكبير لم يضره إذا استصحب حكمها، والفرق أنه إذا نوى مع أوائل التكبيرة لم يمض عليه شيء من أجزاء الصلاة قبل النية، بل أتي بالنية مقرونة على حسب الطاقة بأول العبادة، فجاز ألا تكون بغيرها مقرونة بالجزء الثاني والثالث، فأما إذا نوى في آخر التكبير دون أوله، فقد مضى بعض الصلاة عاريًا عن النية.
فإن قيل: مقتضي هذه النكتة، أن توجب هذه النية قبل إنشاء التكبير حتى لا يوجد جزء من التكبير إلا والنية التامة مقترنة به.
قلنا: النية من أركان الصلاة، وأركانها لا تنفصل ولا تتقدم، ولا تتأخر.
فرع:
نص الشافعي: ﵀، على انه لو كان بلسانه خرس أو كان مقطوع
[ ٢ / ٧٢٢ ]
اللسان لم يمكنه أن يأتي بالتكبير الصحيح، أتي بما قدر عليه، وحرك لسانه إن كان أخرس.
ولو خلق الله تعالى رجلا أصم أعمي أخرس، قال أصحابنا: ينبغي أن يحنى ظهره، وتوضع جبهته على الأرض، لأن المقدور عليه لا يترك بالمعجوز، عنه.
والمرأة لا ترفع صوتها بالتكبير، كما لا تجهر في صلاة الجهر بالقراءة،، ولا تؤذن فإن صوتها عورة.
وإن قلنا: إنه ليس بعورة فيخاف الافتتان إن لو رفعت صوتها.
قال الشافعي ﵁، إن كانت إمامًا فترفع صوتها قدر ما تسمع من خلفها.
قال المزني: فإن لم يحسن بالعربية، كبر بلسانه، وكذلك الذكر، وعليه أن يتعلم.
قال القاضي حسين: مثل إن كان تركيا أسلم، وهو لا يحسن العربية فيكبر بلسان الترك، أو هنديًا أسلم فيكبر بلسان الهند، وإن كان يحسن العربية فكبر بلسانه لم يجز، وكذا إن كان لا يحسن العربية، ولكن يمكنه أن يتعلم العربية، فلا يجوز له أن يكبر بلسانه، وإن مضى زمانه إمكان التعليم، ولم يتعلم فإنه يكبر بلسانه لحرمت الوقت، ويصلي فيلزمه إعادة تلك الصلاة.
فأما إذا كان لا يمكنه أن يتعلم بالعربية بأن كان في الوقت ضيق، أو كان لا يطوع له لسانه، أو لم يجد من يعلمه، فإنه يكبر بلسانه ولا يعيد الصلاة، ولكن ينبغي أن يقول: خداي بزرك بر، ولا يقول: خداي بزرك، لأنه لو اقتصر ينبغي أن يقول: خداي بزرك بر، ولا يقول: خداي بزرك، لأنه لو اقتصر عليه كأنه يقول بالعربية، الله الكبير، وقد ذكرنا أنه لا تنعقد به الصلاة، وهكذا حكم التشهد حكم التكبير، وقد ذكرناه.
وقال أبو حنيفة: يأتي بالفارسية كلاهما، وإن كان يحسن العربية ولا شيء
[ ٢ / ٧٢٣ ]
عليه، فأما سائر الأذكار، من دعاء الاستفتاح، وتسبيحات الركوع والسجود والدعاء بعد التشهد ماذا حكمه؟
فلا يخلو إما إن كان يحسب العربية أو لا، فإن كان يحسن العربية، على طريقة المراوزة لا يجوز له أن يأتي شيئًا منها بالفارسية، كالتكبير سواء، وعلى طريقة العراقيين يجوز له ذلك، لأنه ليس بفرض عليه إتيانه بخلاف التكبير، فأما إذا كان لا يحسن العربية على طريقة العراقيين يجوز له أن يأتي الكل بالفارسية، وعلى طريقة المراوزة فيه وجهان:
أحدهما: يجوز كما في التكبير والتشهد.
والثاني: لا يجوز، والفرق أن التكبير واجب عليه إتيانه فيه حاجة إلى أن يقوله بالعربية لأنه غير مختار فيه.
وها هنا بعكسه، والوجهان صورهما من لفظ الشافعي، ﵁ حيث قال: وكذلك الذكر، وعليه أن يتعلم، يحتمل أنه أراد به التشهد دون التسبيحات، لأنه قال: وعليه أن يتعلم، فإنما يجب تعلم التشهد دون سائر الأذكار، ويحتمل أنه أراد به الكل، لأن اسم الذكر ينطلق على الكل، وعليه أن يتعلم، ينصرف إلى التشهد.
ولأن الشافعي، ﵀ قال: حق على كل مسلم أن يتعلم من العربية قدر ما يأتي به في صلاته، وهذا بخلاف الفاتحة، فإنه لا يجزيه بالفارسية، فإن لم يحسنها، إن كان يحسن شيئًا آخر من القرآن أتى به، وإن لم يحسن شيئًا آخر من القرآن من الأذكار بقدر ما يبلغ آيات الفاتحة، والشرط أن يأتي بسبعة أنواع من الذكر، وهل يشترط أن تعادل كلمات الذكر كلمات الفاتحة بعد أن تنوع سبعة أنواع فوجهان:
أحدهما: بلى.
والثاني: لا.
وإذا أتي بشيء آخر من القرآن، فالشرط أن يأتي بسبع آيات، فلو أتى بآية
[ ٢ / ٧٢٤ ]
طويلة تعادل الفاتحة وتزيد عليها لم يجز، وهل يشترط أن تبلغ كلماتها كلمات الفاتحة، فعلى وجهين.
فإن لم يحسن الذكر بالعربية قال ﵁: أتي به بالفارسية، ولا يأتي بالفارسية الفاتحة، لأن الواجب عليه الإتيان بالذكر إذا جهل الفاتحة، وما يقوم مقامه من القرآن، فإذا عجز عنه أتي بمعناه بالفارسية.
وعند أبي يوسف، إن كان يحسن العربية لا تجزئه هذه الأذكار بالفارسية، وإن جهل العربية أجزأه.
وقال أبو حنيفة: سواء كان يحسن العربية، او لا يحسنها تجزيه هذه الأذكار بالفارسية، وكذلك الفاتحة يجوز عنده أن يقرأها بالفارسية.
وزاد عليه فقال: لو قرأ آية من التوراة يوافق معناها معنى آية من القرآن جاز، وهذه المسألة تلقب بترجمة القرآن، وعندنا لا يجوز، وعنده يجوز.
وكان القاضي أبو عاصم ﵀، يقول: إنما يجوز ترجمة القرآن، إذا كان مثله في اللفظ والمعنى كقوله، خيرًا وشرًا، ويركب ويسجد، فأما إذا كان يخالفه في اللفظ والمعنى، فلا.
دليلنا: ما روى أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله ﷺ وقال: إني لا أحسن شيئًا من القرآن، فعلمني ما يجزئني في الصلاة، فقال ﵇: قل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[ ٢ / ٧٢٥ ]
والفرق بين الفاتحة وبين سائر الأذكار، أن في ترجمة الفاتحة ترك النظم، وفي ترك النظم إبطال الإعجاز، وفي إبطال الإعجاز إبطال النبوة، فيؤدي تجويز الترجمة إلى هذا الفساد، ونفرض الكلام معه فيما لو قرأ آية من التوراة، فنقول: الله تعالى أمر بقراءة القرآن بقوله سبحانه، فاقرءوا ما تيسر من القرآن، وأنتم تجوزون قراءة التوراة التي نسخت، وحرم قراءتها.
فرع
لو كان له غلام، ولا يحسن شيئا من العربية، فوجب أن يعلمه ذلك، ويتخير فيه بين أن يعلمه بنفسه أو يخليه، والاكتساب حتى يكتسب أجرة المعلم، ولو لم يعلمه واكتسبه في حاجة نفسه يعصي ويأثم بذلك، وكذا يجب على ولي الطفل ووصيه أن يستأجر من يعلمه ما يحتاج إليه في الصلاة، إذا لم يجد من يتطوع بالقراءة، والله أعلم.
[ ٢ / ٧٢٦ ]
قال المزني: ولا يكبر إن كان إمامًا، حتى تستوي الصفوف خلفه.
قال القاضي حسين: السنة للإمام ألا يفتتح الصلاة قبل فراغ المؤذن من الإقامة عندنا.
وقال أبو حنيفة، يقوم عند قوله: حي على الفلاح، ويفتتح الصلاة عند قوله: قد قامت الصلاة تحقيقًا لقول المؤذن، وإخباره من قيام الصلاة، وعندنا معناه قرب إقامة الصلاة كقوله تعالى: فإذا بلغن أجلهن.
ومعناه: قاربن بلوغ أجلهن، ووافقنا في أن المؤذن لو كان هو الإمام لا يفتتح الصلاة قبل أن يفرغ من الإقامة.
قال ﵁: أما أنا فأستحب أن يقوم الإمام والقوم عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة، ويفتتح الصلاة بعد فراغه من الإقامة، وما قلناه أولى، لأن فيما قاله أبو حنيفة تفويت فضيلة تكبيرة الأولى على المؤذن، ثم إذا فرغ المؤذن من الإقامة، فالسنة أن يسوي الصفوف، ثم يكبر، ويقول الإمام: استووا، روى ذلك عن رسول الله ﷺ، فأما قول الأئمة: رحمكم الله، أو رضي الله عنكم غير مروي في الحديث، لكنه حسن.
والأصل في تسوية الصفوف ما روى أن النبي ﷺ قال تسوية الصفوف من تمام الصلاة.
وما روى أنه ﵇، قال: سووا الصفوف وسدوا الفروج، فإني أراكم خلفي كما أراكم أمامي.
[ ٢ / ٧٢٧ ]
وكان ﵇ مخصوصا بالرؤية في الصلاة من الجوانب الأربعة، ولهذا قال ﵇ قرة عيني في الصلاة.
وروى أنه قال: لتسون الصفوف، أو ليخالفن الله بين قلوبكم.
وروى أنه قال: تراصوا بينكم في الصلاة، لا يتخللكم الشيطان.
كأنها جاءت حذف، والحذف، صغار الغنم.
قال الراوي: فكنا نلصق الكعب بالكعب، والمنكب بالمنكب، والركبة بالركبة.
فرع
لو دخل والمؤذن في الإقامة.
قال الشيخ أبو حامد: المستحب أن يقعد، ثم يقوم للصلاة ليكون قيامه خالصًا للصلاة.
قال: والذي عندي أن المستحب أن يقوم قائمًا حتى يفرغ المؤذن من الإقامة ولا يقعد ليحوز فضيلة الانتظار للعبادة، ولأنه إذا قعد فقد ترك تحية المسجد، والسنة ان يشتغل بشيء بعد دخول المسجد حتى يصلي تحية المسجد.
[ ٢ / ٧٢٨ ]
قال المزني: ويرفع يديه إذا كبر حذو منكبيه.
قال القاضي حسين: السنة أن يرفع يديه إذا كبر حذو منكبيه، عندنا وعند أبي حنيفة حذو أذنيه.
وقال أحمد بن حنبل: رفع اليدين فيه واجب، كما أن التكبير فيه واجب، بخلاف سائر التكبيرات، واختلفت الأخبار في كفيته، روى البراء بن عازب أن النبي ﷺ، كان يرفع يديه إلى شحمة أذنيه.
وروى ابن عمر أن النبي ﷺ كان إذا كبر يرفع يديه حذو منكبيه.
وعن أبي حميد الساعدي أنه كان في نفر من أصحاب النبي ﷺ فقال: أنا أعلمكم بصلاة النبي ﷺ او قال: أنا أشبهكم صلاة برسول الله ﷺ فقالوا: ولم ذاك، ولم تكن بأقدامنا له صحبة، ولا بأكثرها له تبعة، فصف لنا، فصلى ابو حميد الساعدي، ورفع يديه حذو منكبيه، فكلهم قالوا له: صدقت.
[ ٢ / ٧٢٩ ]
وحكي أن الشافعي لما دخل بغداد، اجتمعت عليه فقاؤها، حسين الكرابيسي وأبو ثور وأحمد، فقال لهم: كيف وجه الجمع بين الأخبار في رفع اليدين حيث روى أنه رفع يديه حذو منكبيه، وفي رواية حذو أذنيه، وفي رواية إلى فروع أذنيه، وفي رواية إلى شحمة أذنيه، فعجزوا عن ذلك، فقال الشافعي ﵀: يحمل على أنه رفع يديه، حيث كان كفاه حذو منكبيه، ورأس إبهامه إلى شحمة أذنيه، ورأس سبابتيه ووسطاه إلى فروع أذنيه، فاستحسنوا ذلك، فإن جمع وفعل هكذا فأولى، وإلا فالسنة عندنا أن يرفعهما حذو المنكبين، ويستحب أن يفرق أصابعه وينشرها إذا رفع يديه ويكون مكشوفًأ.
وروى عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ، كان يرفع ذلك وينشرها.
وقيل: إن الشافعي ﵀ سأل أبا ثور وقال له: بم تفتتح الصلاة؟ قال: بالفرض، قال: أخطأت، قال: بالسنة، قال: أخطأت، ثم قال له: قل بهما، أعني بالفرض والسنة، وأراد به التكبير، ورفع اليدين فيه.
ومتى يرفع؟ فيه أوجه:
[ ٢ / ٧٣٠ ]
أحدها: يبتديء التكبير مع الرفع، وينهيه مع الإرسال، رواه وائل ابن حجر.
والثاني: يرفع يديه غير مكبر، ثم يأخذ في التكبير، وينهيه مع الإرسال، رواه أبو حميد الساعدي.
والثالث: يرفع يديه غير مكبر ثم يكبر، ثم يرسل اليدين، رواه ابن عمر ﵄، ولو رفع يديه وتركهما مرفوعتين حتى ركع لم يضره، لأنه هيئة تركها في الصلاة.
[ ٢ / ٧٣١ ]
مسائل رفع اليدين
نصَّ الشافعي رحمة الله عليه عليها:
إحداها: رجل لم يمكنه رفع اليدين حذو المنكبين لعلة، وأمكنه رفعهما دون المنكبين، فيرفعهما دون المنكبين، ولا يترك المقدور عليه بالمعجوز عنه.
والثانية: لم يمكنه رفعهما حذو المنكبين، وأمكنه الرفع فوقهما رفعهما فوق المنكبين، لأنه أتى بالسنة وزيادة هو معذور فيها.
والثالثة لم يمكنه الرفع حذوهما، وأمكنه الرفع دونهما، أو فوقهما يرفع فوقهما؛ لأن ما فيه الإتيان بالسنة، وزيادة هو معذور فيها، وفي الرفع دونهما ترك بعض السنة، ونظيره إذا لم يمكنه القعود في الصلاة، وأمكنه الاضطجاع والقيام، يصلِّي قائمًا لا مضطجعًا، لأنه أقرب إلى القعود من الاضطجاع.
والرابعة: أن تكون بإحدى يديه علَّة يعجز عن رفعها، والثانية سليمة يقدر على رفعها يرفع السليمة التي يقدر على رفعها.
ولو نسي رفع اليدين: أو تعمد تركه حتى أتى ببعض حروف التكبير يرفعهما في باقي التكبير، ولو أتى بالتكبير لا يقضيه، لأن رفع اليدين فائت، وفي قضائها ترك سنة أخرى، لأن السنة ألا يرفع يديه بعد التكبير.
[ ٢ / ٧٣٢ ]
قال المزني: ويأخذ كوعه الأيسر بكفِّه اليمنى.
قال القاضي حسين: وضع اليمين على الشمال سنة في الصلاة لقوله ﵇: «ثلاثة من سنن المرسلين تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة»، ولما نزل قوله تعالى: (فصل لربك وانحر). قال ﵇ لجبريل: «ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي».
فقال جبريل ﵇: ليست هذه من نحائركم، وإنما هي وضع اليمين على الشمال في الصلاة تحت النحر.
ثم السنة عندنا أن يأخذ كوعه الأيسر بكفه اليمنى.
وقال أبو حنيفة: يضع كفه اليمنى على ظهر يده اليسرى.
قال المزني: ويجعلها تحت صدره.
قال القاضي حسين: هذه اللفظة لا توجد للشافعي، وإنما هي من جهة المزني ﵀ لكنه حسن.
وعند أبي حنيفة يضعها تحت السرة، وما قلنا أولى لحديث جبريل ﵇، إنما هي وضع اليمين على الشمال في الصلاة تحت النحر، وهو الصدر، ولأن ما قلناه أقرب إلى الخشوع وأبعد عن العورة فكان أولى.
[ ٢ / ٧٣٣ ]
قال المزني: ثم يقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا مسلمًا، وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.
قال القاضي حسين: إذا أتى بالتحريمة فالسنة أن يأتي بدعاء الاستفتاح والأولى عندنا قوله: وجهت وجهي للذي فطر إلى قوله: وأنا من المسلمين.
وعند أبي حنيفة الأولى في دعاء الاستفتاح: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك، وتعالى جدك، وجل ثناؤك، ولا إله غيرك.
فإن أراد أن يأتي بقوله: وجهت وجهي، فالسنة عنده أن يأتي به قبل الشروع في الصلاة عند القيام واستقبال القبلة، واحتج بأنه محل الدعاء دون قراءة القرآن، وهذا قرآن.
قلنا: ليس هذا بقرآن، لكنه يوافق نظم القرآن يدل عليه أنه يقول: وأنا من المسلمين، وفي القرآن وأنا أول المسلمين، وأيضًا، قل إن صلاتي وفي القرآن قل إن صلاتي، أيضا وأيضًا قال: حنيفًا وما أنا مسلمًا، وفي القرآن، حنيفا مسلمًا وما أنا من.
وعندنا يستحب أن يجمع بينهما لكنه إذا أراد الاختصار اقتصر على الأول،
[ ٢ / ٧٣٤ ]
روى علي ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا كبر يفتتح الصلاة بقوله: وجهت وجهي إلى آخره.
وقد روى الشافعي زيادة في دعاء الاستفتاح، واستحب أن يأتي به مع ما ذكرناه، وذلك اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، عملت سوءا، وظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها، فإنه لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك، والخير في يديك، والشر ليس إليك، المهدي من هديت، أنا
[ ٢ / ٧٣٥ ]
بك وإليك، لا ملجأ ولا ملتجأ منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك.
وقوله: الشر ليس إليك، لم يرد به أن الشر ليس من جهتك، وإنما أراد لا يتقرب بالشر إليك، روى هذا التفسير عن النضر بن شميل هذا إذا كان منفردًا، فإن كان إمامًا، فالمستحب أن يقتصر على الأول تخفيفًا على القوم.
وقوله: سبحانك اللهم وبحمدك
قال ﵁: يحتمل أن يكون معناه الحمد لله، حيث وفقتني
[ ٢ / ٧٣٦ ]
على التسبيح، ويحتمل أن يكون معناه، أحمدك وأشكرك على سبحتك، وروى أحمد والبيهقي أنه يقول بعده: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدرن، اللهم اغسلني.
وفي رواية: اللهم اغسل لي خطاياي بالماء والثلج والبرد.
وقال غيره من الفقهاء: إنه يدعو بهذا الدعاء الإمام بين قراءة الفاتحة والسورة.
فرع
المسبوق إذا كبر تكبيرة الافتتاح، والإمام في التشهد الأخير، فلما جلس سلم الإمام فقام ولا يسن له دعاء الاسفتاح، لأنه أمر به لافتتاح الصلاة ولما جلس مع الإمام ذهبا لافتتاح، ثم يقوم ويقرأ القرآن، ولو سلم الإمام قبل أن يجلس هو لا يجلس، بل يأتي بدعاء الاستفتاح، فلو أدرك الإمام في القيام في صلاة الجهر، فلما فرغ من تكبيرة الافتتاح، قال الإمام / ولا الضالين آمين، فقال هو أيضًا، عقيب تكبيرة الافتتاح، آمين، فعليه أن يأتي بدعاء الاستفتاح لأن قوله، آمين، دعاء لا يمنعه من الإتيان بدعاء آخر.
قال المزني: ثم يتعوذ، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
قال القاضي حسين: فالسنة أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ومعناه، ألتجيء إلى الله وأعتصم به من الشيطان الرجيم، روى أن رسول الله ﷺ كان يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وهمزه ونفخه ونفثه.
[ ٢ / ٧٣٧ ]
ويستحب أن يتعوذ هكذا. والأصل في التعوذ، ما روى أنه ﵇ كان يقرأ سورة النجم، في صلاة الصبح، فلما بلغ قوله تعالى: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ألقى الشيطان في أمنيته أنه جرى على لسانه تلك الغرانيق العلا، وأن شفاعتهم لترتجى، ففرح به المشركون، وقالوا إن محمدا أثنى على آلهتنا، فأنزل الله قوله تعالى وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته، أي في قراءته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان، الاية، ونزل قوله تعالى فإذا قرات القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم،
ومن أصحابنا من قال: إنما جرى على لسان النبي سهوًا، والصحيح أنه لم يجر على لسانه، لأنها كلمة الكفر، بل ألقى الشيطان في تلاوته.
وقال أبو هريرة: يتعوذ بعد القراءة أخذا بظاهر القرآن، وعندنا معناه، فإذا أردت قراءة القرآن كقوله تعالى، إذا قمتم إلى الصلاة. أي: إذا أردتم القيام إلى الصلاة كقول القائل: إذا أتيتني فتطلس، أي إذا أردت أن تأتيني فتطلس.
وهل يجهر بالتعوذ، أو يسر به، فقولان:
[ ٢ / ٧٣٨ ]
أحدهما: يسر به، وهو قوله الجديد، لأنه ذكر مشروع قبل الفاتحة كدعاء الاستفتاح. والثاني: يجهر به، وهو قوله القديم، لأنه ذكر مشروع بعد دعاء الاستفتاح كالفاتحة والتأمين.
وهل يسن التعوذ في كل ركعة أو في كل ركعة الأولى؟ فوجهان.
أحدهما: في كل ركعة، لأن القرآن في كل ركعة قراءة منفردة، وما تخلل من الأركان يقطع الأولى من الثانية.
والثانية: يسن في الركعة الأولى لا غير، لأن القراءة في الصلاة كلها قراءة واحدة. ونص الشافعي يدل عليه، حيث قال: لو ترك القعود في الركعة الأولى يقضيه في الثانية، ولو كان في الثانية يسن على جهة الأصل لما سماه قضاء، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: ثم يقرأ مرتلا بأم القرآن.
قال القاضي حسين: أي مفصلا مبينا من قولهم: ثغر رتل، إذا كان منفرجًا منفلجًا، ويكره ترك الترتل والإسراع في القراءة لما روى أن النبي ﷺ رأى رجلا يسرع في القراءة، فقال: أهذا كهذا الشعر، أو قال: كهد الاعراب، وقد قال تعالى: ورتل القرآن ترتيلا، وقراءة الفاتحة متعينة في الصلاة لا يجزئه غيرها مع القدرة عليها.
[ ٢ / ٧٣٩ ]
وقال أبو حنيفة: لا تتعين، ثم له فيها روايتان:
[ ٢ / ٧٤٠ ]
إحداهما: يقرأ آية طويلة، أو ثلاث آيات قصار.
والثانية: يكفيه أن يقرأ آية واحدة، وإن قصرت كقوله: ثم نظر، وقوله مدهامتان، وقال أبو حنيفة: السنة أن يقرأ الفاتحة، حتى لو تركها يلزمه سجود السهو.
دليلنا ما روى أن النبي ﷺ، قال، كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج.
ولأنه ركن في الصلاة، فوجب أن يتعين قياسًا على سائر أركانها، وقد قالوا: لو نسي الفاتحة، وقرأ ثلاث آيات ثم ركع فتذكر في الركوع أنه نسي الفاتحة عليه أن يعود إلى القيام، ويقرأ الفاتحة، وهذا من أقوى الأدلة لنا عليهم.
[ ٢ / ٧٤١ ]
قال المزني: ويبتدئها بـ (بسم الله الرحمن الرحيم)، لأن النبي ﷺ قرأ بأم القرآن وعدها آية.
قال القاضي حسين: التسمية عندنا آية من الفاتحة وهل هي آية من كل سورة من سائر السور؟ فعلى قولين.
ومن أصحابنا: من قال: القولان في أنها أثبت في رأس كل سورة للفصل، أو لكونها قرآنا، فأحد القولين، أنها للفصل.
والثاني: تكون قرآنا في رأس كل سورة.
وعند أبي حنيفة هي ليست من القرآن إلا في سورة النمل، فإنها تكون نصف آية منها، ولا خلاف في أنه لا يكفر جاحدها، لأن التكفير نتيجة الإجماع، ولا يظهر الخلاف مع أبي حنيفة في وجوب قراءتها في الصلاة، لأن عند أبي حنيفة قراءة الفاتحة لا تجب في الصلاة، وإنما يظهر الخلاف معه في الجهر، فعندنا يجهر بالتسمية، لأنها من الفاتحة، وعند أبي حنيفة لا يجهر بها بل يسر، وظهر الخلاف مع مالك في وجوب القراءة، فإنه يقول: قراءة الفاتحة واجبة، والتسمية ليست من الفاتحة، ثم إثبات التسمية طريقة طريق القطع، أو طريق الحكم؟ فعلى وجهين:
أحدهما: طريقه طريق القطع،، فعلى هذا لا يجوز إثباته بأخبار الآحاد، بل بإجماع الصحابة على كتابتها بين السورتين بعلم القرآن وخبره وخطه في مواضع كثيرة، ولو لم تكن من القرآن لما أثبت فيه، ولكانوا يعترضون على مثبتيه فيه، لأنهم كانوا أحوط في دين الله من أن يثبتوا غير القرآن في القرآن على نسق واحد.
والثاني: طريقه طريق الحكم، فعلى هذا يثبت بأخبار الآحاد، وفيه أخبار
[ ٢ / ٧٤٢ ]
منها ما روى العلاء بن عبد الرحمن عبد أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: فاتحة الكتاب سبع آيات إحداهن، بسم الله الرحمن الرحيم. وروت أم سلمة أن النبي ﷺ قرأ فاتحة الكتاب، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، وعدها آية، ووافقنا أبو حنيفة في أن الفاتحة سبع آيات إلا أنه يجعل الآية السابعة من قوله، (غير المغضوب) إلى آخرها، وعندها من قوله: (صراط الذين) إلى آخرها، وما قاله غير صحيح؛ لأنه قوله: (غير) كلمة استنثاء، ولا يبتديء بها الآية، إلا أن توجد كلمة الاستثناء في أول الآية كقوله تعالى: (إلا آل لوط)، وغيره موجود في القرآن.
فإن قيل: لو كان هذا من القرآن لكفر جاحده، قلنا: لو لم يكن من القرآن لكان يكفر مثبتها، وحكى القفال عن أبي نصر المؤذن أنه قال: اتفق قراء الكوفة على أن التسمية آية من الفاتحة، واتفق قراء المدينة على أنها ليست بآية من الفاتحة، واتفق قراء (المدينة) على أنها ليست بآية من الفاتحة، واتفق فقهاء المدينة على أنها آية من الفاتحة.
فصل:
الترتيب في آي الفاتحة يشترط فلو ترك بسم الله الرحمن الرحيم حتى قرأ الفاتحة أو بعضها لم يحسب له ما قرأ حتى يرجع إلى التسمية فيقرؤها، ويستأنف الفاتحة،
وجملة ما يلزمه فيها سبعة أشياء:
أحدها: أن يعتقد فيها الفرضية، وكون التسمية فيها، والترتيب في آيها،
[ ٢ / ٧٤٣ ]
ومراعاة النظم حتى لو أتي بها بلسان آخر لا يجوز، ويأتي بالموالاة، حتى لو سكت سكوتًا طويلًا لا يعتد به، فيأتي فيها أربعة عشرة تشديدة، وألا يدخل في خلالها ما ليس منها، ولو كرر آية واحدة منها لا يضره، وحد القراءة أن يتلفظ بالحروف ويسمع نفسه، فإن لم يسمع نفسه ففكره، وليست بقراءة فلا يجزيء.
فأما إسماع الغير ليس بشرط في موضع الإسرار بل هو مكروه.
حكى عن أبي إسحاق المروزي أنه قال: ما ناظرت عاميًا إلا وقد غلبني إلا في هذه المسألة، فإنه قال أعرابي بـ (بغداد)، أنت تقول: يقرأ بحيث يسمع نفسه، وأنت تقرأ في الصلاة ولا أسمع قراءتك، فقلت له، أنا قد قلت: يقرأ ويسمع نفسه، ونفسك ليست بنفسي فسكت.
فأما إذا قرأ شيئًا آخر من القرآن في خلال الفاتحة.
قال الشافعي: إن كان متعمدًا انقطع النظم، وعليه أن يستأنف الفاتحة، وإن كان ساهيًا بني ورجع إلى الموضع الذي قطع، هذا إذا قطع ولم يتلفظ بحرفين، فإن تلفظ بحرفين بعد الذكر انقطع النظم، وعليه الاستئناف، ولو سكت في خلال الفاتحة إن كانت سكتة يسيرة للاستراحة لم يضره، وإن طال ذلك انقطع النظم، هذا إذا سكت متعمدًا.
فأما إذا سكت ناسيًا نص الشافعي على أنه إن طال سكوته بني على القراءة، ولو نوي القطع إن جرى مع هذه النية على سرد قراءته لغت نيته، وإن سكت انقطع النظم ويستأنف، لأنه اتصل قطع القراءة بنية القطع فانقطع النظم، نظيره إذا جلس في الركعة الأولى على تقدير أنه في الثانية ليتشهد، ثم تذكر أنه لم يزد على جلسة الاستراحة، ولم يكن أخذ في قراءة التشهد لا يلزمه سجود السهو، وإن كان قد أخذ في قراءة التشهد سجد للسهو، لأنه اتصل به القراءة، فمنعت حملها على جلسة الاستراحة.
ونظيره المودع ينوي استعمال الوديعة والتعدي فيها، فلا يضمن بمجرد النية، فإن نقلها إلى مكان آخر مع النية دخلت في ضمانه قبل الاستعمال؛ لأن فعله
[ ٢ / ٧٤٤ ]
انضم إلى نيته، ولو كا مقتديًا بالإمام، فقرأ إمامه الفاتحة وهو في خلالها، فأمن أو أرتجت القراءة على إمامه، ففتح عليه، ولقنه، أو سجد للتلاوة، فتابعه في السجود، أو قرأ أمامه بآية رحمة فسألها، او آية عذاب فاستعاذ، لم ينقطع به نظم الفاتحة.
ومن أصحابا من قال: انقطع به نظم القراءة، فأما إذا أرتج على غير إمامه فلقنه، أو عطس هو أو غيره فشمته، أو سلم عليه، فقال: وعليه السلام، أو أجاب المؤذن فإنه تبطل قراءته، والفرق أن هذه ليست من مصلحة صلاته بخلاف ما قبله، فإن ذلك من مصلحة صلاته، وهذا ما لو قال: بعتك داري هذه بألف، وارتهنت عبدك هذا منك، فقال: اشتريت ورهنت يجوز، وإن وجد أحد مصراعي عقد الرهن قبل وجوب الثمن؛ لأنه مصلحة العقد، وبمثله لو قال لعبده: كاتبتك على ألف منجم بنجمين، وبعتك عبدي هذا، فقال العبد: قبلت الكتابة والبيع، لم يجز، لأن بيع العبد ليس من مصلحة الكتابة، ولو لحن في الفاتحة إن [كان] لحنًا يحيل المعنى إن تعمده بطلت صلاته، لأنه كلام عمد، وإن كا ساهيًا سجد للسهو، وينقطع به نظم الفاتحة، وإن كان غير قادر على الصواب، فهو الأمي الذي تصح صلاته قبل إمكان التعليم، وإذا مضى زمان إمكان التعليم، ولم يتعلم يعيد ما صلى بعده، ولو كان لحنًا لا يغير المعنى، مثل أن يقول: الهمد لله بدل الحمد، أو خفض مرفوعًا أو منصوبًا مثل أن يقول: اهدنا الصراط المستقيم بالخفض، أو رفع مخفوضًا مثل أن يقول: الرحمن الرحيم لم تبطل صلاته.
فرع
لو شك في القيام أنه قرأ الفاتحة أم لا؟ فصبر ساعة وسكت حتى تذكر أنه هل قرأ أم لا؟ جاز، ومثله في الركوع شك أنه هل قرأ الفاتحة أم لا؟ لزمه في الحال أن يعود إلى القيام، وكذا في السجود لو شك أنه هل ركع أم لا؟ عليه
[ ٢ / ٧٤٥ ]
أن يعتدل قائمًا ثم يركع، لأنه هوية إلى السجود كان غلطًا، ولو صبر في السجود ساعة كي يتذكر تبطل صلاته.
والفرق بين القيام والركوع والسجود أن في أحد محتمليه أنه ليس عليه الركوع ولا السجود، وهناك في كل محتمليه، فالقيام عليه واجب، وهو في القيام الواجب يعد حتى لو عاد إلى القيام من السجود، ثم يفكر ساعة لا يضر.
فرع
إمام نسي السجدة الأخيرة فقام، والمأموم يسجد ولم يعد، فعلى المأموم في الحال أن يخرج نفسه من متابعته، ويشتغل بالسجود حتى لو سجد، ولم يخرج نفسه من متابعته بطلت صلاته، ولو صبر كي يعود إليه الإمام أيضا تبطل صلاته، لأن الجلسة بين السجدتين ركن مقصود لا يحتمل التطويل.
قال المزني: فإذا قال: ولا الضالين، قال: آمين، فيرفع بها صوته، ليقتدى به من خلفه، لقول النبي ﷺ: إذا أمن الإمام، فأمنوا، وبالدلالة عن رسول الله صلىى الله عليه وسلم، أنه جهر بها، وأمر الإمام بالجهر بها.
قال الشافعي: ﵀ وليسمع من خلفه أنفسهم.
قال القاضي حسين: قوله: آمين لا يصله بالقراءة، بل يفصله عنها بقدر يسير، لأنه ليس من القرآن، وإنما هو دعاء، ومعناه: اللهم اسمع واستحب وهو مخفف، ويجوز ممدودًا ومقصورًا، ولا يجوز بالتشديد، وهو أول لحن سمع من الحسين بن فضل البلخي لما دخل خراسان.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
ثم الإمام يجهر بالتأمين على الصحيح من المذهب لما روى أن رسول الله ﷺ كان إذا قال: ولا الضالين، يقول: آمين يرفع بها صوته، وفي المأموم قولان:
أحدهما: وهو قوله الجديد أنه يجهر بها.
والثاني: وهو قوله القديم يسر بها، وعند أبي حنيفة يسر بالتأمين الإمام والمأموم، وربما يقولون الإمام لا يؤمن، وإنما يؤمن المأموم ويسر به.
دليلنا: ما روى أن النبي ﷺ قال: إذا أمن الإمام أمنت الملائكة، فأمنوا فمن وافق تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه.
وروى أنه ﵇ كان إذا قال: ولا الضالين، أمن وأمن الناس، حتى إن للمسجد لضجة أو لرجة أو للجة، وأما المنفرد فيسر به كما بالفاتحة،
[ ٢ / ٧٤٧ ]
قال المزني: ثم يقرأ بعد أم القرآن بسورة.
قال القاضي حسين: فالسنة إذا فرغ من قراءة الفاتحة أن يقرأ سورة، لما روى أن النبي ﷺ قال: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وشيء معها.
فلو قرأ السورة قبل الفاتحة لم يحسب.
وقال الشافعي نصًا، أستحب له أن يعيد السورة بعد الفاتحة هذا في الركعتين الأوليين وفي الأخيريين قولان:
أحدهما: قرؤها كما في الأوليين.
والثاني: لا؛ لأن مبناهما على التخفيف بخلاف الأوليين هذا كله في المنفرد والإمام، فأما المأموم ما حكم قراءته؟ سنذكره فيما بعد إن شاء الله ﷿.
[ ٢ / ٧٤٨ ]
فرع
فلو قام على إحدى قدميه، قال ﵁: ينبغي أن يجوز لوجود القيام، ولو طأطأ رأسه قليلا لم يضر؛ لأنه من الخشوع والخضوع، ولو حنى ظهره بحيث بلغ هيئة الراكعين، أو قربًا منها لم يجزه، لأنه ليس بقائم في هذه الحالة.
قال المزني: فإذا فرغ منها، وأراد أن يركع، ابتدأ التكبير قائمًا، فكان فيه، وهو يهوي راكعًا، ويرفع يديه حذو منكبيه، حين يبتديء التكبير، ويضع راحتيه على ركبتيه، ويفرق بين أصابعه، ويمد ظهره وعنقه، ولا يختفض عنقه عن ظهره، ولا يهوي راكعًا، ويرفع يديه حذو منكبيه، حي يبتديء التكبير، ويضع راحتيه على ركبتيه، ويفرق بين أصابعه، ويمد ظهره وعنقه، ولا يخفض عنقه عن ظهره، ولا يرفعه ويكون مستويًا ويجافي مرفقيه عن جنبيه، ويقول إذا ركع: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدنى الكمال.
قال القاضي حسين: الركوع ركن في الصلاة،، وإذا ركع فالسنة أن يكبر وكذلك في كل انتقال من ركن إلى ركن، وروى أن النبي ﷺ، كان يكبر في كل خفض ورفع، ثم السنة أن يمد التكبير إلى أن يهوي إلى الركوع أو يجزمها جزمًا فعلى قولين:
[ ٢ / ٧٤٩ ]
أحدهما: وهو قوله الحديث، وهو الأظهر يمده إلى أن يهوي إلى الركوع حتى لا يخلو جزء من أجزاء الصلاة عن الذكر.
[ ٢ / ٧٥٠ ]
والثاني: وهو قوله القديم يجزم التكبير جزمًا لقوله ﵇: التكبير جزم، والتسليم جزم.
ويرفع يديه مع التكبير، وقال أبو حنيفة: لا يسن رفع اليدين في الصلاة إلا عند الافتتاح، لنا ما روى ابن عمر أن النبي ﷺ كان يرفع يديه في ثلاثة مواضع: إذا كبر، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ويهوي بحيث لو أراد أن يضع يديه على ركبتيه لنالت يداه ركبتيه، هذا هو الواجب، ولا يجب وضع اليدين على الركبتين، بل هي سنة، ويفرق بين أصابعه ويجافي مرفقيه عن جنبيه، روى أن النبي ﷺ كان إذا ركع يجافي مرفقيه عن جنبيه، بحيث لو لم يكن عليه ثوب ترى عفرة إبطيه، ويسوى بين ظهره وعنقه، لا يخفض عنقه ورأسه عن ظهره، ولا يرفعها.
روت عائشة أن النبي ﷺ كان إذا ركع يسوى ظهره وعنقه، وبحيث لو وضع قدح ماء على ظهره ما انصب، أو قال: لم ينصب.
والطمأنينة ركن في الركوع، وذلك أن يبقى لحظة بعد هويه إلى حال، تنال يداه ركبتيه، خلافًا لأبي حنيفة لنا حديث الأعرابي الذي أساء الصلاة، روى أن أعرابيًا دخل مسجد النبي ﷺ فصلى وأساء الصلاة، ثم جاء وسلم على رسول الله ﷺ فرد الجواب، ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فرجع فصلى ثم عاد وسلم عليه، فرد عليه الجواب، ثم قال: ارجع فصل فإنك لم تصل، فقال الأعرابي: لا أحسن غير هذا، فعلمني ما يجزيني، فقال ﵇: توضأ كما أمرك الله، ثم استقبل القبلة، ثم قل: الله أكبر،
[ ٢ / ٧٥١ ]
ثم اقرأ ما معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع رأسك حتى تعتدل جالسًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم افعل كذلك في كل ركعة.
فالشافعي ﵀ جعل حديث الأعرابي، وحديث أبي حميد الساعدي حين وصف صلاة النبي ﷺ لبعض أصحابه إمامًا في الصلاة، ثم السنة أن يسبح الله تعالى في الركوع، ويقول: سبحان ربي العظيم.
وروى أنه لما نزل قوله تعالى: (فسبح باسم ربك العظيم) قال ﵇: (اجعلوها في ركوعهم)، ولما نزل قوله تعالى/ (سبح اسم ربك الأعلى)، قال ﵇: (اجعلوها في سجودكم).
وروى أنه قال ﵇: (أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فإنه قمن أن يستجاب لكم)، ثم السنة أن يسبح ثلاثًا.
قال الشافعي: ويقول: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدني الكمال، ولم يرد به أنه لا يجزئ أقل من الثلاث، لأنه لو سبح مرة أو مرتين، كان آتيا بسنة التسبيح، وإنما أراد أن أول الكمال هو الثلاث.
[ ٢ / ٧٥٢ ]
قال ﵇: (إذا ركع أحدكم فليقل: سبحان ربي العظيم ثلاثًا، وذلك أدناه، وإذا سجد فليقل، سبحان ربي الأعلى ثلاثًا وذلك أدناه)، أراد به أدنى الكمال، وأول الكمال، ولو سبح خمسًا أو سبعًا أو تسعًا أو أحد عشر كان أفضل وأكمل، غير انه إذا كان إماما فالسنة ألا يزيد على الثلاث مراعاة لمن خلفه، وقد ورد في الخبر ان النبي ﷺ قال في ركوعه اللهم لك ركعت وبك آمنت ولك أسلمت، أنت ربي، خشع سمعي وبصري وعظامي وعصبي وشعري وبشري، وما استقلت به قدمي لله رب العالمين.
ويستحب أن يجمع بينهما للمنفرد دون الإمام، ولو أراد الاختصار اقتصر على الأول، ولو قال: سبحان ربي العظيم وبحمده فحسن، ويروى ذلك في الأخبار ومعناه الحمد لله على ما وفقني للتسبيح أو معناه أحمده مع تسبيحي له، وتسبيحات الركوع والسجود غير واجبة عندنا، والأخبار محمولة على بيان الكمال، والمستحب عن أحمد بن حنبل ﵀ هي واجبة، واحتج بأنه ركن في الصلاة، فوجب أن يكون فيه ذكر مشروع كالقيام.
دليلنا: حديث الأعرابي الذي أساء الصلاة، فعلمه ﵇ ما يجزيه،
[ ٢ / ٧٥٣ ]
ولم يأمره بالتسبيحات، وليس كالقيام، لأنه ينقسم إلى العادة والعبادة، فاحتاج فيه إلى ذكر لامتياز العادة عن العبادة، بخلاف الركوع، والسجود، فإنه عبادة محضة، ولا تشترك فيه العادة، لأنه لا يجوز السجود للمخلوقين.
روى أن النبي ﷺ قال: (لو جاز لمخلوق أن يسجد لمخلوق، لجاز للمرأة أن تسجد لزوجها).
وروى أن أعرابيًا، أتي النبي ﷺ وقال: إني آمنت بك فأرني علامة أزداد بها إيمانا، فقال له النبي ﵇: اذهب إلى تلك الشجرة، وقل لها: إن النبي ﷺ يدعوك. فذهب إليها وأدى الرسالة، فجعلت الشجرة تتحرك يمنة ويسرة حتى انقلعت من الأرض، وجعلت تجر الأرض حتى أتت النبي ﷺ ثم قال: ﵇ للاعرابي، قل لها: ارجعي إلى مكانك، فقال: فرجعت إلى مكانها، وثبتت كما كانت، قال: فجاء الأعرابي، وقال ائذن لي رحمك الله حتى أقبل رأسك فإذن له: فقبل رأسه، ثم قال: ائذن لي حتى أقبل يدك فأذن له، فقبل يده، ثم قال: ائذن لي حتى أسجد لك، فقال ﵇: لو أذنت لمخلوق أن يسجد لمخلوق، لأذنت للمرأة أن تسجد لزوجها.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
فرع
لو نسي تسبيحات الركوع والسجود حتى اعتدل قائمًا لم يجز له أن يعود إلى الركوع لأجلها، لأنه فرض، والتسبيحات سنة، ولا يجوز قطع الفرض بسبب السنة، كما لو قرأ آية السجدة فهوى ليسجد، فلما بلغ حد الركوع، توقف راكعًا لا يقع ذلك عن الركوع، لأن هويه كان نفلا والركوع فرض، فلو عاد إن كان عالمًا بطلت صلاته، لأنه زاد ركوعا، ولو كان ناسيًا لم تبطل، وعليه سجود السهو، ولو أدركه مسبوق في هذه الحالة لا يصير مدركًا للركعة، لأن هذا الركوع غير محسوب له، ولو ادرك الركعة الخامسة التي قام الإمام ساهيًا إليها، فصلاها معه حسب له ركعة.
والفرق أن هناك يأتي بالركعة فحسب له فعله وفيما نحن فيه هذا فعل إمامه، وفعل الإمام غير محسوب للمأموم فلم يكن محسوبًا له.
نظيره أن لو أدرك الإمام في الركوع في الركعة الخامسة لا يصير به مدركًا للركعة، وإنما يدرك المسبوق الركعة إذا هوى في الكوع، واجتمع مع إمامه في الحالة التي لو أراد كل واحد منهما أن يضع يديه على ركبتيه لنالت يداه ركبتيه فإن كان هو في الهوى، والإمام في الارتفاع لم يصر مدركًا للركعة، لأنه لم يدركه في الركوع.
قال المزني: وإذا أراد ان يرفع، ابتدأ قوله مع الرفع: (سمع الله لمن حمده) ويرفع يديه حذو منكبيه، فإذا استوى قائمًا قال أيضًا: (ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد) ويقولها من خلفه، وروى هذا القول عن النبي ﷺ فإذا هوى ليسجد، ابتدأ التكبير قائمًا، ثم هوى مع ابتدائه، حتى يكون انقضاء تكبيره مع سجوده، فأول ما يقع منه على الأرض ركبتاه، ثم يداه، ثم جبهته وأنفه، ويكون على أصابع رجليه، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى: ثلاثًا، وذلك أدنى الكمال، ويجافي مرفقيه عن جنبيه،
[ ٢ / ٧٥٥ ]
حتى إن لم يكن عليه ما يستره، رئيت عفرة إبطيه، ويفرج بين رجليه، ويقل بطنه عن فخذيه، ويوجه أصابعه نحو القبلة.
قال القاضي حسين: إذا فرغ من الركوع واعتدل قائمًا وهما ركنان عندنا، وقال أبو حنيفة: الاعتدال ليس بركن، ثم اختلفوا فيه.
فمنهم من قال: يهوي من الركوع إلى السجود فيجوز.
ومنهم من قال: يرفع رأسه من الركوع، بحيث يكون أقرب إلى القيام منه إلى الركوع.
دليلنا: حيث الأعرابي الذي أساء الصلاة، وتبتدأ مع الرفع.
قوله: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه حذو منكبيه، وإذا استوى قائمًا يقول: ربنا لك الحمد، إمامًا كان أو مأمومًا أو منفردًا.
ومعنى قوله: سمع الله لمن حمده، أي: قبل الله حمد من حمده.
وقال أبو حنيفة: الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، والمأموم يقول: ربنا لك الحمد، ويجمع المنفرد بينهما، واحتج بأنه دعاء وسؤال من الله تعالى قبول الحمد، فينوب فيه الإمام عن المأموم، ولو كان كما قال لوجب أن يبدأ المأموم بقوله: ربنا لك الحمد، ثم الإمام يقول: سمع الله لمن حمده.
دليلنا: ما روى أن النبي ﷺ قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: سمع الله لمن حمده وإذا قال: ربنا لك الحمد، فتلك بتلك.
وروى عن علي ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع، قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد.
[ ٢ / ٧٥٦ ]
وفي بعض الروايات: ملء السموات والأرض وما بينهما.
وفي رواية: أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد.
وروى حق ما قال العبد، كلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
منهم من قال: لا يفع ذا النسب في الدنيا نسبه في الآخرة.
ومنهم من قال: معناه لا ينفع ذا الحظ في الدنيا، حظه في العقبي.
وقيل: الجد منك، الجد بالخفض، والأصح أنه بالنصب على التفسير الذي ذكرنا.
ويروى: أهل الثناء والمجد، على جهة النداء.
وروى أن النبي ﷺ سمع رجلا يقول: سمع الله لمن حمده حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فقال ﵇: رأيت عدة من الملائكة يكتبون ما قلت.
وفي رواية يبتدرون بالثواب، يعني بكتب الثواب.
فرع
لو أن رجلا في الاعتدال، تذكر أنه ترك الركوع، أو شك، هل تركه؟
عاد إلى الركوع، فلو ثبت على حالته، ولم يعد لحظة، بطلت صلاته،
[ ٢ / ٧٥٧ ]
ولو أطال القيام في الاعتدال بطلت صلاته، لأنها قومة قصيرة، فلا يجوز أن يمدها.
قوله: فإذا هوي ليسجد ابتداء التكبير قائمًا.
الركن بعد الاعتدال قائمًا في الركوع، هو السجد فيهوي إلى السجود مكبرًا، وهل يمد التكبير إلى أن يهوي إلى السجود، أو يجزمه جزمًا
فعلى قولين كما ذكرنا، ولا يرفع اليدين، وأول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم يداه ثم جبهته وأنفه.
وقال أبو حنيفة: أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه ثم يداه، واحتج بأن النبي ﷺ قال: إذا صلى أحدكم فلا يبرك بروك البعير.
دليلنا: ما روى ابن عمر أنه قال: أمرنا رسول الله ﷺ، بتقديم الركبتين على اليدين.
وعن مصعب بن سعد، أنه قال: كنا نقدم اليدين على الركبتين، فأمرنا بتقديم الركبتين على اليدين، ولأن الركبتين أول معاطف من الأرض، فوضعهما على الأرض أولا أحسن من أن يتهافت على الأرض.
وقوله ﵇: فلا يبرك بروك البعير، حجتنا، فإن البعير يبدأ بوضع اليدين، إلا أن ركبتيه في يديه، ويجب وضع الجبهة على الأرض عندنا.
وقال أبو حنيفة: لا يجب وضعها على الأرض، ولو وضع الأنف جاز.
وقال أبو يوسف: إن كان بجبهته علة، وضع الأنف على الأرض، وإلا وضعها على الأرض، وعندنا إذا كان بجبهته علة يدنيها من الأرض، ولا يجزيه وضع الأنف على الأرض.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
دليلنا: ما روي أن النبي ﷺ قال لرباح مولى ابن عباس: مكن جبهتك من الأرض، ولو كان به صداع، لا يمكنه أن يضع جبهته على الأرض، ولكن لو وضع وسادة، يمكنه أن يضع جبهته عليه، ولا يخرج بوضع جبهته عليه من حد السجود يجب عليه وضع الوسادة، وهل يجب وضع اليدين على الأرض؟ فعلى قولين:
أحدهما: يجب كالجبهة، لما روى أن النبي ﷺ قال: أمرت أن أسجد على سبعة اعضاء، وفي رواية: على سبعة أعظم، وفي رواية: على سبعة آراب، اليدان، والركبتان، والقدمان، والجبهة، وأمرت ألا أكف شعرًا ولا ثوبًا، وفي رواية لا أكفت شعرا ولا ثوبًا.
ومعناه: لا يضم الرجل شعره في الصلاة ولا ثوبه.
والقول الثاني: لا يجب لأن النبي ﷺ في حديث رباح أمر بوضع الجبهة، وخص الجبهة بالذكر.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
فأما وضع الركبتين على الأرض، مرتب على وضع اليدين، وها هنا أولى بألا يجب، لأنه أبعد عن المسجد، وكذا وضع القدمين، مرتب على وضع الركبتين.
وإن قلنا: وضع هذه الأعضاء على الأرض، لا يجب، فلا كلام.
وإن قلنا: يجب، فهل يجب كشفها؟ أما الركبتان، فلا يجب كشفهما، ولا يجوز لقربهما من العورة، والقدمان كذلك، لاستتارهما غالبًا، وفي اليدين قولان:
أحدهما: لا يجب كشفهما لأنهما يكونان مستورتين في الغالب.
والثاني: يجب، روى عن خباب بن الأرت، أنه قال: شكوا إلى رسول الله ﷺ حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا، فلم يشكنا، أي لم يزل شكوانا، ولم يرخص لنا فيه.
وعلى المذهب لا خلاف في أنه يجب كشفه الجبهة، وأن يمس مسجده بجبهته، ولو سجد على كور العمامة لا يجوز، وكذلك ما يرتفع بإرتفاعه وينخفض بانخفاضه، لا يجوز أن يسجد عليه، مثل أن يسجد على ذيله، أو ثوبه، أو على طرف عمامة طرفها الآخر في رأسه، سواء كان يتحرك أو لا يتحرك أو كان قد عصب رأسه بعصابة أو كان أغمر يستر الشعر جبهته، فلا يجزيه حتى يلصق الجبهة بالأرض، ويباشرها بها.
[ ٢ / ٧٦٠ ]
وقال أبو حنيفة: إذا سجد على كور العمامة أو كمه، أو ذيله جاز.
ودليلنا حديث خباب بن الأرت، ونقيس على ما لو سجد على كفه إلا أنهم يقولون: لو وضع الكف على الأرض وسجد عليها، جاز وإنما لا يجوز إذا رفعها وسجد عليها، هذا إذا لم يكن بعض جبهته مكشوفًا.
فأما إذا كان بعض جبهته مكشوفًا، بحيث إذا وضع ذلك القدر على الأرض كان من جملة الساجدين جاز، لأنه لا يجب وضع جميع الجبهة على الأرض، بل يجب وضع القدر الذي يدخل به في حد الساجدين، وإنما يدخل في حد الساجدين أن يتحامل على الأرض بثقل ظهره ورأسه، ووضع الجبهة عليها، فلو سجد على مكان رخو، مثل أن يسجد على القطن والحشيش إن تحامل عليه، بحيث يلاصقه، أجزأه وإلا فلا، لأنه ليس بوضع وإنما هو مس ولو سجد على ظهر إنسان، أو مكان آخر مرتفع، فإن كان الارتفاع قليلاـ، بحيث أنه يعرف ساجدًا لا يضره، وإلا فلا يجوز له والحد فيه ينبغي أن يكون أعالي بدنه
[ ٢ / ٧٦١ ]
دون أسافل بدنه في حال السجود؛ لأن حد السجود أن يعتمد بجبهته على مسجده، متحاملا عليه بثقل عنقه ورأسه وأن يكون أسفل بدنه عاليا، ولو سجد على مكان رخو، ولم يتحامل عليه، أو سجد على كفاه لا يحتسب سجوده.
فلو رفع رأسه وأتى بسجدتين، نظر إن كان عالمًا بأنه لا يجوز ذلك، وفعله متعمدًا، قال: ينبغي أن تبطل صلاته، ولو كان جاهلا بذلك لا تبطل صلاته، ولو سجد على مكان خشن، بحيث يجرح جبهته، فرفع رأسه عنه ووضعه مكان آخر، تبطل صلاته، وإن تزحف من ذلك الموضع إلى موضع آخر، لا تبطل صلاته، ولو وضوع جبينه على الأرض، قال ﵁: لا يجوز، لأن الجبهة لا تنطلق عليه، وإنما هو أمر بوضع الجبهة على الأرض.
فرع
لو أنه رأى في خلال الصلاة ورقة ملتصقة بجبهته، وتيقن أنها لم تكن حال الشروع في الصلاة، يأخذ بأسوأ الأحوال، وهو أنها التصقت بجبهته في السجود الأول، فيجزيه السجود الأول، لأنه يسجد على ورقة على الأرض، وعليه إعادة ما بعده، لأنه لم يماس المسجد بالجبهة، بل سجد على متصل به.
قال القاضي ﵁: إذا شعر بها لا يخلو إما أن يكون بعد هو في الصلاة أو بعد السلام، فإن كان قد سلم عن الصلاة، فرأى في جبهته ورقة، إن لم يضع على الأرض بعد السلام، إن كان الفصل قريبًا، يبنى على صلاته، كما ذكرنا، وإن طال الفصل حكمه حكم ما لو شاء أنه ترك ركنًا من أركان الصلاة.
[ ٢ / ٧٦٢ ]
وفيه قولان:
في الجديد يستأنف الصلاة، كذا ها هنا يعيد الصلاة.
وفي القديم: الأمثل صحة الصلاة، كذا ها هنا لاحتمال أنه التصق بجبهته في السجدة الأخيرة، وبقيت صلاته على الصحة والسداد، وإن كان يسجد هو بعد الفراغ من الصلاة سجدة التلاوة، أو وضع جبهته على الأرض، لا شيء عليه كما لو صلى، ثم بعد الفراغ منه رأي على ثوبه نجاسة لا يؤمر بقضاء الصلاة، لاحتمال أن النجاسة أصابته بعد الفراغ من الصلاة، كذا ها هنا طال الفصل أو لم يطل.
فرع
ولو هوى من القيام، فخر على الأرض، وسقط على خده.
قال الشافعي ﵀: إن وضع الجبهة على الأرض بنية الاعتماد لم يحسب عن سجوده، والسنة أن يجافي مرفقيه عن جنبيه، بحيث لو لم تكن سترة، ترى عفرة إبطيه، روى ذلك عن النبي ﷺ.
وعفرة الإبطين، سوادهما، إلا إنه يكني عنه بالعفرة، كما يقال للحبشي، أبو البيضاء، ويقل بطنه عن فخذيه.
روى أنه ﵇ كان إذا سجد خوى.
والتخوية: إقلال البطن عن الفخذين، ويسجد على أصابع رجليه، فيتصبهما، ويفرج بين رجليه، بحيث لو أرادت شاة أن تنفذ بينهما لنفذت.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
وقوله: ويوجه أصابعه نحو القبلة.
قال القاضي حسين: قيل: إنه من زيادات المزني، لأنه إذا وجهها نحو القبلة، لا يمكنه أن ينصبها، ويسجد عليها. ويسبح لله تعالى، في السجود، كما قلنا في الركوع، ويقول: سبحان ربي الأعلى ثلاثا، وذلك أدني الكمال.
وروى أنه ﵇ قال في سجوده، اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره، بحوله وقوته فتبارك الله أحسن الخالقين عملت سوءا، وظلمت نفسي، فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
فلو جمع بينهما، فحسن، ولو اقتصر على أحدهما، فعلى الأول اولى.
وروت عائشة ﵁ أن النبي ﷺ قال في سجوده، في ليلة البراءة: سجد لك خيالي وسوادي، وآمن بك فؤادي، وهذه يداي التي جنيت بهما على نفسي يا عظيم يا رجاء كل عظيم، اغفر لي الذنب العظيم، فإنه لا يغفر الذنب العظيم إلا الرب الكريم ثم رفع رأسه وسجد ثانيًا، وقال فيه: (أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، أقول ما قال أخي داود: أغفر وجهي في التراب لسيدي وحق لسيدي أن تعفر له الوجوه، فلو قال غيره في صلاته، هذا، أقول ما قال أخي داود بطلتـ، لأنه خطاب آدمي، والرسول ﵇ لعله لم يكن في الصلاة.
[ ٢ / ٧٦٤ ]
ولو شك في سجوده، هل ركع أم لا؟ عاد إلى الركوع فإن لم يعد بطلت صلاته.
قال المزني: ثم يرفع مكبرًا كذلك، حتى يعتدل جالسًا على رجله اليسرى، وينصب رجله اليمني، ويسجد سجدة أخرى كذلك، فإذا استوى قاعدًا، نهض معتمدًا على الأرض بيديه حتى يعتدل قائمًا، ولا يرفع يديه في السجود، ولا في القيام من السجود.
قال المزني: إذا فرغ من السجود الأول رفع رأسه من السجود، وجلس حتى يعتدل جالسًا، والجلسة بين السجدتين ركن عندنا.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
وقال أبو حنيفة: ليست بركن، ثم اختلفوا.
فمنهم من قال: يرفع رأسه، بحيث يمر حد السيف بين جبهته، وبين الأرض.
ومنهم من قال: يرفع رأسه، بحيث يكون أقرب إلى الجلوس منه إلى السجود، ثم يفترش في هذه الجلسة عندنا.
والافتراض أن يبسط رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمني، ولو أطال هذه الجلسة بطلت صلاته؛ لأنها جلسة خفيفة، فلا يجوز مدها، فالشافعي لم يذكر دعاء الجلوس بين السجدتين، وقد روى على ﵁ أن النبي ﷺ كان يقول في جلوسه بين السجدتين، اللهم اغفر لي وعافني وارزقني واجبري.
وروى ابن عباس أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم اغفر لي، وارحمني واهدني، وعافني وارزقني، ثم يسجد سجدة أخرى مثل الأولى، ثم يرفع رأسه ويجلس للاستراحة جلسة خفيفة، ثم يعتمد بيديه على الأرض حتى يستوي قائمًا، كذا نقل المزني.
وفيه قول آخر أنه لا تسن جلسة الاستراحة، وبه قال أبو حنيفة، والمذهب هو الأول رواه أبو حميد الساعدي.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
وعن ابن عباس أنه قال: كان سجود النبي ﷺ وجلوسه بين السجدتين قريبًا من السواء، ويفترش أيضا في هذه الجلسة.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
ومتى يبتديء تكبيرة الانتقال؟ فأوجه:
أحدها: يبتديه مع رفع الرأس من السجود، ويمتده إلى أن يقوم حتى لا يخلو جزء من الذكر.
والثاني: يبتديه من الرفع، ثم يقوم غير مكبر.
والثالث: يرفع غير مكبر، ثم يقوم مكبرًا، وللشافعي ﵀، ما يدل عليه في صلاة العيدين، لأنه قال: ويكبر في الركعة الأولى سبعًا سوى تكبيرة الافتتاح، وفي الركعة الثانية خمسًا سوى تكبيرة القيام من الجلوس، أضاف التكبير إلى القيام، ومن قال بالأولين أول نص الشافعي، وقال: إنما أضاف إلى القيام لقربه من الجلوس،، ولا خلاف في انه لا يكبر تكبيرتين: تكبيرة القيام، وتكبيرة للرفع، ولا تسن جلسة الاستراحة في سجود التلاوة، بخلاف سجود الأصل.
[ ٢ / ٧٦٨ ]
قال المزني: ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك، ويجلس في الثانية، على الرجل اليسرى، وينصب اليمني، ويبسط يده اليسرى، على فخذه اليسرى.
قال القاضي حسين: الركعة الثانية كالأولى، إلا أنه لا يجب فيها تجديد التحريمة والنية، وبل يشمل عليها النية الأولى، ولا يسن التعوذ على أحد الوجهين، وهذا النص يدل على أنه يسن التعوذ في الركعة الثانية، كما في الأولى، ولا يسن فيها دعاء الاستفتاح، ويقرأ فيها مثل قراءته في الأولى لا تغاير بينهما في قدر ما يقرأ، بل يسوى بينهما.
[ ٢ / ٧٦٩ ]
فصل
ويجلس في الثانية على رجله اليسرى.
إذا كانت الصلاة ذات أربعة أو ثلاثة كالمغرب، تشهد في الثانية، وهو سنة عندنا.
وقال أحمد: التشهد الأول وجب كالأخير، ووافقنا في أنه إن تركه ساهيًا، لا يمنع الاحتساب بالصلاة.
دليلنا: ما روى عن عبد الله بن بحينة، أنه قال: قام رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي الظهر أو العصر: فسبحنا فلم يعد، فلما كان في آخر صلاته انتظرنا تسليمه فسجد سجدتين ثم سلم. ولأنه لو كان ركنًا، لكان تركه ساهيًا يمنع الاحتساب كسائر الأركان.
والصلاة على النبي ﷺ، هل يسن في التشهد الأول، فعلى قولين، وهو الجديد: يسن، قال الله تعالى: ورفعنا لك ذكرك.
قيل: معناه: لا أذكر إلا وتذكر معي.
والثاني: وهو القديم، لا يسن، ولو ترك هذا التشهد إن كان ساهيًا سجد للسهو، وإن كان عامدًا فعلى وجهين:
[ ٢ / ٧٧٠ ]
أحدهما: لا يسجد، لأنه سجود مضاف إلى السهو، يلقب به، ولا سهو.
والثاني: يسجد؛ لأنه لما سجد للسهو، فلما تعمد أولى، وإذا ترك الصلاة على النبي ﷺ وقلنا: إنه يسن على قوله الجديد، فحكمه حكم التشهد في سجود السهو، والصلاة على آل النبي ﵇، على القول الذي يقول: تسن الصلاة على النبي ﷺ هل تسن أم لا؟
يحتمل وجهين بناء على وجهين الوجوب في التشهد الأخير في الصلاة على الآل، فلو قام إلى الثالثة، فترك التشهد الأول إن كان قد اعتدل قائمًا لم يعد وإن عاد عالمًا بطلت صلاته، لأن القيام فرض، والتشهد سنة فلا يجوز قطع الفرض بالسنة.
وقال أحمد بن حنبل ﵀: يعود، لأن عنده التشهد الأول واجب كالثاني وإن لم يعتدل قائمًا إن كان أقرب إلى الأرض بأن لم تنتصب ساقاه عاد، وليس عليه سجود السهو، وإن انتصب ساقاه يعود وسجد للسهو، ويفترش في هذه الجلسة عندنا، ولو أطال التشهد الأول يكره، روى ان ﵇ كان يقوم من التشهد الأول كأنه على الرضف.
قال ﵁: ويجب أن تبطل صلاته؛ لأنها جلسة خفيفة، كالجلسة بين السجدتين، ويحتمل ألا تبطل، لأنه محل الدعاء.
قال المزني: ويضع (أصابع يده) اليمنى على فخذه اليمني، إلا المسبحة، يشير بها متشهدًا.
قال المزني: ينوي بالمسبحة الإخلاص لله ﷿.
قال القاضي حسين: إذا جلس للتشهد يبسط أصابع يده اليسرى على فخذه
[ ٢ / ٧٧١ ]
اليسرى، ويضع يده اليمني على فخذه اليمني، وماذا يفعل بالأصابع؟ فيه أقوال:
أحدهما: يقبض الحنصر والبنصر والوسطى، ويرسل السبابة، وماذا يفعل بالإيهام؟
على هذا القول فوجهان:
أحدهما: يضجعها على وسطاه.
والثاني: على بطن الكف بجنب الأصابع الثلاثة.
وقيل: إنه يقبضه، كأنه عاد ثلاثة وعشرين في وجه، وفي وجه: كأنه عاد ثلاثة وخمسين.
والقول الثاني: يقبض الخنصر والبنصر، ويرسل السبابة، ويحلق الإبهام والوسطى، وإذا بلغ قوله: (إلا الله)، في الشهادة بالوحدانية يشير بالسبابة، وينوي الإخلاص لله تعالى.
وهل يحرك المسبحة؟ فوجهان: ولا يشير بإصبعين، لما روى أن النبي ﷺ رأى رجلا في الصلاة يشير بأصبعين فقال: إلهين اثنين، أحد أحد.
أي: أشر بإصبع واحدة، وإما يشير إذا بلغ قول: لا إله دون قوله: لا إله.
قال المزني: فإذا فرغ من التشهد، قام مكبرًا معتمدًا على الأرض بيديه؛ حتى يعتدل قائمًا، ثم يصلي الركعتين الأخريين (مثل ذلك)، يقرأ فيهما بأم القرآن، سرًا.
قال القاضي حسين: إذا أتى بالتشهد الأول في صلاة ذات تشهدين، قام إلى الركعة الثالثة، معتمدا بيديه على الأرض، حتى يعتدل قائمًا، ويصلي الركعتين الآخريين، مثل الأوليين، يقرأ فيهما بأم القرآن.
وقال أبو حنيفة: لا تجب القراءة في الأخريين
[ ٢ / ٧٧٢ ]
وحقيقة مذهبه أنه يوجب القراءة في الركعتين من الأربعة، إما في الأولين، أو في الآخريين.
لنا أن نقول: قيام واجب، فكانت القراءة فيه واجبة، كالأوليين، ويتصور على أصله أربع ركعات، لم تكن فيها قراءة مسبوق بركعتين، والإمام قد قرأ في الأوليين، وما قرأ في الآخريين عنده جاز.
ثم المسبوق إذا قام، وقضى ما فاته، من الركعتين، وما قرأ فيهما؟
قال: جاز؛ لأنه وصل صلاته بصلاة قد وجد فيها قراءة.
وقال سفيا ﵀: يسبح في الأخريين، ولا يقرأ ولا يجهر بالقراءة في الأخريين؛ لأن مبني الأخريين على التخفيف.
وفي قراءة السورة قولان: وعند أبي حنيفة، لا يقرأ السورة السورة بناء على أصله.
قال المزني: فإذا قعد في الرابعة، أماط رجليه جميعًا، وأخرجهما جميعًا عن وركه اليمني، وأفضى بمقعده إلى الأرض، وأضجع اليسرى، ونصب اليمني، ووجه أصابعها إلى القبلة، وبسط كفه اليسرى على فخذه اليسرى، ووضع كفه اليمني على فخذه اليمني، وقبض أصابعها إلا المسبحة، وأشار بها متشهدًا.
قال القاضي حسين: إذا فرغ من الركعتين الأخريين قعد للتشهد، والقعود للتشهد ركن، وقراءة التشهد ركن.
[ ٢ / ٧٧٣ ]
وقال أبو حنيفة: قراءة التشهد ليس بركن، وإنما هو مسنون.
دليلنا ما روى عن ابن عباس أنه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما كان يعلمنا السورة من القرآن، التحيات المباركات.
وأراد بالسورة فاتحة الكتاب، كذا فسروه.
وعن ابن عباس أنه قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد، السلام علي الله، السلام على جبريل وميكائيل، فقال لنا النبي ﷺ: قولوا التحيات المباركات، إلى آخره.
دل على أنه واجب، ولأنه ركن تشترك فيه العادة والعبادة، وفوجب أن يكون فيه ذكر شروط، كالقيام وليس كالتشهد الأول، لأن القعود، فيه ليس بركن. ويتروك في التشهد الأخير، وصورته: أن يميط رجليه ويخرجهما عن وركه اليمني، ويفضي بمقعدته إلى الأرض، ويضع اليسرى وينصب اليمني، ويوجه أصابعهما إلى القبلة.
قال أصحابنا: والجلسان في الصلاة أربع: يفترش في ثلاث منها، وهي الجلسة بين السجدتين، وجلسة الاستراحة، وفي التشهد الأول ويتورك في الرابعة، وهي الجلسة في التشهد الأخير.
وكان الشيخ، ﵀، يقول وهو الصحيح: كل جلسة لا يسلم عنها يفترض فيها، وكل جلسة يسلم عنها يتورك فيها إلا في مسألة واحدة، وهو إذا
[ ٢ / ٧٧٤ ]
كان مسبوقًا، ويكون خليفة للإمام، فيتورك في التشهد الأخير، ولو كان على المستخلف سهو يسجد سجدتين حينئذ، والقوم يخرجون أنفسهم من صلاته، ويسلمون، ويقوم هو، ويصلي بقية صلاته.
وعند القفال: خليفة الإمام يراعي نظم صلاة الإمام، ألا ترى أنه يقنت في صلاة الصبح إذا كان مسبوقًا بركعة، وفي صلاة العشاء إذا كان مسبوقًا بركعتين يترك الجهر ويسر؟
وعنده﵁ - يجلس مفترشًا، لأنه يريد أن يقوم، والقنوت والجهر خلاف ظاهر وهذا خفي.
وأما المسبوق بركعة إذا جلس متابعة للإمام في تشهده الأخير يفترش فيها، وإذا كان عليه سجود يفترش في التشهد الأخير، لأنه يريد السجود، وألا يسلم عنه.
وعند أبي حنيفة: يفترش في التشهدين.
وعند مالك: يتورك فيهما.
وما قلناه أولى؛ لأنه إذا غاير بين الجلستين أمن الخطأ والنسيان، ويستدل المسبوق بها على بقية الصلاة في التشهد الأول يريد القيام، ولأن الافتراش أقرب إلى القيام فيتفرش ليكون القيام أسهل عليه.
قال المزني: ثم يصلي على النبي ﷺ، ويذكر الله، ويمجده، ويدعو قدرًا أقل من التشهد، والصلاة على النبي ﷺ ويخفف على من خلفه.
قال القاضي حسين: الصلاة على النبي ﷺ واجبة.
وقال أبو حنيفة: لا تجب، دليلنا ما روى أنه قال ﵇، من صلى
[ ٢ / ٧٧٥ ]
ركعة، ولم يصل على فيها فلا صلاة له، ولأن ما شرع فيه ذكر الله تعالى فرضًا، شرع فيه ذكر الرسول ﵇، كالإيمان والأذان، فأما الصلاة على الآل، فعلى وجهين:
أحدهما: تجب كالصلاة على النبي.
والثاني: لا تجب، وإنما تخص هو بالصلاة لعظم حرمته.
[ ٢ / ٧٧٦ ]
ثم يذكر الله ويمجده، ويدعو بما شاء من أمر دينه ودنياه، ولا يختص الدعاء بما ورد به الشرع، حتى لو قال: اللهم ارزقني دارًا قوراء، وجارية حوراءـ وسأل ما شاء أن يسأل جاز، لكنه لا يجوز بالفارسية.
وقال أبو حنيفة: إنما يدعو دعاء ورد به الشرع، فأما لم يرد به الشرع من الأدعية لا يجوز في الصلاة الفريضة، وما يجوز من الدعاء سنده بالعربية يجوز بالفارسية.
ثم إذا كان إمامًا السنة أن يقتصر على الدعاء تخفيفًا على من خلفه، ولا يزيد على قدر أقل التشهد، والصلاة على النبي ﵇.
قال المزني: ويفعلون مثل فعله إلا أنه إذا أسر، قرأ من خلفه، وإذا جهر، لم يقرأ من خلفه.
قال المزني، ﵀، قد روى أصحابنا عن الشافعي أنه قال: يقرأ من خلفه وإن جهر بأم القرآن.
قال: محمد بن عاصم، وإبراهيم يقولان: سمعنا الربيع، يقول:
قال الشافعي: يقرأ خلف الإمام، جهر أو لم يجهر، بأم القرآن.
قال محمد: وسمعت الربيع، يقول: قال الشافعي: ومن أحسن، أقل من سبع آيات من القرآن، فأم أو صلى منفردًا، ردد بعض الآي، حتى يقرأ به سبع آيات فإن لم يفعل لم أر عليه، يعني إعادة.
قال الشافعي: وإن كان وحده، لم أكره أن يطيل ذكر الله، وتمجيده، والدعاء، رجاء الإجابة.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
قال القاضي حسين: قد ذكرنا حكم المنفرد في الصلاة فأما المصلي بالجماعة لا خلاف في أنه يجب عليه الإتيان بأركان الصلاة كما كان على المنفرد إلا القراءة، فإنه إن كانت صلاة جهر يتحملها الإمام عنه فيما روى المزني في ثلاثة مواضع:
ها هنا، وفي صلاة الجمعة، وفي العيدين أن المأموم لا يقرأ إذا كان الإمام يجهر بالقراءة.
وهذا كله منقول عن القديم وهو مذهب مالك.
فأما مذهبه الجديد: أنه يجب عليه القراءة، كما روى أصحابنا عن الشافعي ﵀ قال القاضي ﵁: يمكن حمل هذه النصوص علي مذهبه الجديد، ويجعل في الجديد في وجوب القراءة على المأموم قولين.
وروى أصحابنا عن الشافعي: أنها تجب عليه في الجهر والسر، وحيث قال: لا تجب في صلاة الجهر حكى مذهب مالك.
وعند أبي حنيفة: لا تجب القراءة خلف الإمام، وربما قالوا: تكره قراءته، وربما قالوا: لو قرأ يخرج عن فضيلة الجماعة.
والغلاة منهم يقولون: تبطل صلاته.
لنا: ما روى عن عبادة بن الصامت أنه قال: صلينا العشاء خلف رسول الله ﷺ فقرأ واحد منها سورة والشمس، فلما سلم رسول الله ﷺ قال إني لأقول: مالي أنازع القرآ، إذا كنتم خلفي، فلا تقرءوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأها.
[ ٢ / ٧٧٨ ]
وإليه ذهب معظم الصحابة.
أوردها أبو زيد المروزي عن نيف وعشرين، منهم: عمر، وعثمان وعلي ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وعمران بن حصين، وجابر بن عبد الله، وحذيفة وأبو سعيد الخدري والعبادلة ابن عمر، وابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص، وابن المغفل، وابو الدرداء، وأبو هريرة، وزيد بن ثابت وعائشة، وبي بن كعب.
والمعنى فيه أنه ركن في الصلاة، فلا تسقط عنه بمتابعة الإمام، كسائر الأركان، دليل كونه ركنًا أنه لا يسقط عنه بالسهو حتى لو تركه ساهيًا لم يحتسب بصلاته، ولأنه لا يخلو إما أن تسقط عنه القراءة للاقتداء، أو لتحمل الإمام عنه بطل أن يقال: إنه سقط بالاقتداء، لأن الاقتداء إنما يؤثر اكتساب الفضيلة، دون إسقاط الفرائض، وإلى هذا أشار صاحب الشرع ﵇، حيث قال: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة.
فلم يجعل للجماعة أثرًا، إلا في اكتساب الفضيلة بها، وبطل أن يقال يحملها الإمام عنه؛ لأن أصل الصلاة لا تجزي فيها التحمل، فكذا أركانها، ولأن سائر الأركان لا يجزي فيها التحمل، فكذلك هذا الركن الواحد.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
وأيضا للإمام يجب عليه القراءة، فلو كان يتحملها عن المأموم لم يجز له الاقتصار على القراءة مرة واحدة، لأن الشيء الواحد لا يتأدى به حقان، كما لو ضمن ألفا عن إنسان لواحد، وله عليه ألف أخرى، فبالألف الواحد لا يتأدى الألفان، ألف الأصل وألف الضمان.
قالوا: الإمام يتحمل عنه بدليل المسبوق.
قلنا: كيف يتحمل عنه قراءة لم تلزمه تلك القراءة ونستسلمهم.
فنقول: هل تسلمون لنا أن القيام واجب عليه؟
فإن سلموا مكنوا من ثغرة النحر، لأن القيام لا يغني لعينه، وإنما يغني للقراءة بدليل أنه يتعذر بالقراءة، فلولا أن وجوبه لمكان القراءة لما تقدر بها.
فنقول: من وجب عليه قيام القراءة وجبت عليه القراءة كالمنفرد.
فإن قيل: أليس أن القيام واجب على المأموم بقدر قراءة السورة التي يقرؤها الإمام، ثم السورة غير واجبة عليه، ولا يستدل بوجوب القيام على وجوب القراءة؟
قلنا: لا يلزم، ولأنا قلنا: من لزمه القيام بقدر القراءة لزمه القراءة، وثم يكون لأجل المتابعة، لا لأجل القراءة.
وإن منعوا وقالوا: لا تجب القراءة، فمحال؛ إذ لو لم تجب لجاز القعود، وإن ارتكنوا وقالوا: يجوز القعود.
فنقول: القادر على القيام لا يجوز له القعود في صلاة الفرض، كالمنفرد غير أنهم يقولون: القيام ساقط عنه، وإنما وجب الإتيان به متابعة لإمامه، كما يلزمه متابعته في سجود السهو، وسجود التلاوة، وإن لم يجب واحد منهما عليه.
وهم يقولون: القراءة مما تسقط عن المأموم بإمامه، كما في المسبوق.
قلنا: هناك القيام ساقط عن المسبوق، فتسقط القراءة، بخلاف ما نحن فيه، وما يجب عليه من القيام ذاك قيام التكبير دون القراءة.
[ ٢ / ٧٨٠ ]
غير أنهم يقولون: عندنا قيام القراءة بقدر أن تقول: ثم نظر ، والفجر، وذلك القدر يحصل ضرورة.
ومن أصحابنا من قال: لا نقول بالتحمل، لكنه سقط عن المسبوق، لأن إمامه أتى به، فإن قالوا: عليه لو لم يتحمله عنه لا يلزمه القراءة إذا بان إمامه جنبًا، أو كان قد نسي القراءة.
قلنا: إنما تسقط القراءة عنه، إذا أتى بها إمامه، فيحسب له فعله.
وفي المسألتين لم توجد القراءة من الإمام.
الجواب الصحيح: أن المسبوق تسقط القراءة عنه بالضرورة ترغيبًا له في الجماعة وحثًا على حضورها، لأنه غاب عن أول الصلاة.
فلو قلنا: إذا فاتته القراءة لا يدرك الركعة، أدى إلى أن يرغبوا عن حضور الجماعات، فحكمنا بإدراكها إذا أدرك معظمها، فهو في الحقيقة منزوع من الأصول، مخصوص من القياس، فلا يقاس عليه غيره.
التفريع على القولين: إن قلنا: تجب القراءة على المأموم في صلاة الجهر، فلا كلام.
وإن قلنا: لا تجب فلو كان بعيدًا عن الإمام لا يبلغه صوته، ففي وجوب القراءة عليه وجهان:
أحدهما: تجب؛ لأن صفة الصلاة جهر.
والثاني: لا؛ لأنه ليس يبلغه قراءة الإمام، كما لو كان صلاة سر، وهكذا لو كان أخرس، فيه وجهان، وهما كالوجهين في وجوب الإنصات، إذا كان بعيدا عن الإمام لا يسمع الخطبة، ولو جهر في السر، أو أسر في الجهر فوجهان:
أحدهما: تعتبر صفة الصلاة، دون فعل الإمام، وهو الأظهر.
والثاني: يعتبر وصفه قراءته، ولو قرأ قبل الإمام.
[ ٢ / ٧٨١ ]
من أصحابنا من قال: لا تحتسب عن قراءته قياسًا على سائر الأركان سبق فيها إمامه، فعلى هذا لا تبطل به الصلاة في ظاهر المذهب.
وعلى طريقة أبي يحيى البلخي: تبطل؛ لأن عنده لو كرر الفاتحة، بطلت صلاته.
وظاهر المذهب أنه يحسب عن القراءة، لكنه يكره بخلاف سائر الأركان.
والفرق أنه ركن قولي، فلا تظهر فيه المخالفة، ولا تتفاحش، بخلاف الأركان الفعلية، فإن المخالفة فيها تتفاحش.
فرع
إذا أدرك الإمام راكعًا، فركع معه صار مدركًا للركعة، وليس عليه إعادة الركعة.
وحكى الداركي عن أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وهو قول أبي هريرة: أنه يعيد الركعة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: من أدرك الإمام راكعًا فليركع معه وليعد الركعة، ولأنه فاته قيام الركعة والقراءة، فصار كما لو أدركه بعد الركوع.
والأصح أنه يصير مدركًا للركعة، لما روى عن النبي ﷺ أنه قال: من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة، وبه قال جماعة من الصحابة.
[ ٢ / ٧٨٢ ]
فرع
والسنة أن يقرأ في سكتة الإمام، فإن المستحب أن يسكت الإمام بين قراءة الفاتحة والسورة.
روى عن أبي هريرة أنه قال: كان لرسول الله ﷺ سكتتان؛ إحداهما قبل القراءة وإنما عنى بها دعاء الاستفتاح، والأخرى بعد القراءة.
فقيل له: ما تقول في سكتتيك يا رسول الله؟ فقال: أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما بعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الذنوب كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني بالماء والبرد والثلج.
ولو قرأ مع الإمام فجائز.
فأما السورة قال أصحابنا: لا يقرؤها المأموم في صلاة الجهر.
وفي السر وجهان:
أحدهما: يقرؤها كالفاتحة.
والثاني: لا، كما في الجهر، لأنه في السنن، فيتحملها الإمام عنه، كسجود السهو.
قال ﵁: والذي عندي أن المأموم يقرأ السورة في الجهر والسر.
وهذا التفصيل لا يوجد للشافعي، وإنما قاله أصحابنا ليستقيم لهم تأويل قوله ﵇: من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة.
[ ٢ / ٧٨٣ ]
والشافعي ﵀ لم يشتغل بتأويله، لأن لم يصح عنده، فإن رواية جعفر الجعفي وهو مردود عند أهل الحديث. هذا في الركعتين الأوليين.
أما في الأخريين إن كانت الصلاة جهرًا.
إن قلنا: إنه يقرأ السورة في الأوليين يقرؤها في الأخريين، وإلا ففيه وجهان.
والفرق أنه يستغل باستماع قراءة الإمام في الأوليين دون الآخريين.
وإن كانت الصلاة سرًا:
إن قلنا: لا يقرأ في الأوليين ففي الأخريين أولى، وإلا فوجهان.
والفرق أن مبناها على التحفيف، بخلاف الأوليين، والله أعلم.
قوله: وإن كان وحده لم أكره أن يطيل ذكر الله وتمجيده.
قال القاضي حسين: روى أن النبي ﷺ قال: إذا صلى أحدكم وحده فليطل ما شاء، وإذا صلى بالناس فليخفف.
وروى أنه ﵇، كان أخف الناس صلاة للناس، وأطولهم صلاة لنفسه.
وعن أنس قال: ما صليت خلف أحد أخف صلاة، ولا أتم من رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٧٨٤ ]
وينبغي ألا يزيد دعاء التشهد الأخير على مجموع التشهد، والصلاة على النبي ﷺ.
قال ﵇ في الدعاء في التشهد الأخير: «فليتحرَّ أحدكم من الدعاء أعجبه إليه».
قال المزني: ثم يُسَلِّم عن يمينه «السلام عليكم، ورحمة الله»، ثم عن شماله «السلام عليكم، ورحمة الله». حتى يرى خداه.
قال القاضي حسين: التسليم ركن في الصلاة عندنا.
وقال أبو حنيفة: ليست من الصلاة، ولا يتعين السلام، بل إذا فعل فعلا يضاد الصلاة، ويبطل في خلالها مختارًا، تمت به الصلاة مثل أن يقعد قدر التشهد، ثم يحدث متعمدًا، أو يمشي أو يأكل، أو يقذف محصنة، فلو أحدث ناسيًا، قالوا: لا تتم صلاته، بل يخرج ويتوضأ، ولو ضرط، أو يفسو مختارًا تتم صلاته.
ووافقنا في المبطل للصلاة إذا وقع من غير اختياره أنه لا تتم به الصلاة، مثل طلوع الفجر، وانقضاء مدة المسح، وخرق الخف، وانقطاع دم المستحاضة، ورؤية الماء في حق المتيمم، والعاري إذا وجد الكسوة، والموميء إذا قدر،
[ ٢ / ٧٨٥ ]
والأمي إذا تعلم شيئًا من القرآن، دليلنا قوله ﵇: «مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم».
والواجب في السلام أن يقول: السلام عليكم.
وأما قوله ورحمة الله فهو سنة، وكذا التسليمة الأخرى سنة.
وقال في الجديد: ويسلم تسليمتين: إحداهما عن يمينه، والأخرى عن يساره.
وقال في القديم: يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه.
وقال في رواية الربيع: إن كان المسجد كبيرًا، وفي الناس كثرة يسلم تسليمتين، وإن كان صغيرًا فتسليمة واحدة تلقاء وجهه.
والصحيح هو الأول.
[ ٢ / ٧٨٦ ]
ولو قال: سلام عليكم، من غير الألف واللام لم يتحلل عن الصلاة، نص الشافعي ﵀ على أنه إذا نقص حرفًا منه تبطل به صلاته.
ولو قال: سلام عليكم، وزاد التنوين، ونقص الألف واللام، فيه وجهان: أحدهما: يقوم التنوين مقامه، فيقع به التحلل.
والثاني: لا.
فلو قال: سلام عليكم من غير التنوي مرتب على المنون.
إن قلنا: لا يخرج به عن الصلاة، فها هنا أولى، وإلا فوجهان:
أحدهما: يخرج به عن الصلاة كذلك، لأن إسقاط التنوين لا يغير معناه. فهو كما لو قال منونًا.
ولو قال: عليكم السلام، فالمذهب أنه يتحلل به عن الصلاة.
وقال ابن سريج: لا يتحلل به عن الصلاة، بخلاف قوله: الأكبر الله لا تنعقد به الصلاة.
والفرق أن قول القائل: عليكم السلام يعرف تسليمًا في العرف، والمعهود بخلاف قوله: الأكبر الله، فإنه لا يعرف تكبيرًا في العرف والعادة.
[ ٢ / ٧٨٧ ]
ولو قال: عليكما السلام، فيه وجهان:
أحدهما: لا يخرج به عن الصلاة، لأنه غير السلام.
والثاني: بلى، لأنه أتي بحروف السلام، وزاد فيه ألفا.
وكما قلنا في هذه المواضع، لا يخرج به عن الصلاة إن تعمد بذلك بطلت صلاته، وإلا فيسلم ثانيًا، ويسجد سجدتي السهو قبل السلام.
ولو قال: وعليه السلام، أو ﵈ لا يخرج به عن الصلاة، ولكن لو تعمده لا تبطل صلاته، لأنه ليس فيه خطاب مع الحاضرين، بل دعاء محض.
ولو قال: سلامي عليكم، لا يتحلل به عن الصلاة.
وكذا لو قال: سلام الله عليكم، بل يجب عليه أن يعمم السلام، ويقول: السلام عليكم.
والمستحب أن يقوم المسبوق لقضاء الفوائت، بعد أن يسلم الإمام تسليمتين، ولو سلم تسليمة واحدة جاز له أن يقوم، وقبله لا يقوم، فإن قام، وهو عالم بالحال بطلت صلاته.
وهل تجب نية الخروج من الصلاة.
الصحيح أنه لا يجب، لأن نية الصلاة تشتمل على السلام، كما في سائر الأركان، ولأن الخروج يتعين على الإنسان فيه، لاستحالة أن يخرج عن غير ما شرع فيه، فإذا أطلق السلام تعين للصلاة، وعند الشروع وجبت النية، لامتياز العادة عن العبادة.
وقال صاحب التلخيص، تجب نية الخروج من الصلاة، لأن السلام أحد طرفي الصلاة، فيفتقر إلى النية كالتحريمة.
[ ٢ / ٧٨٨ ]
فإن قلنا: نية الخروج واجبة، فينوي عند السلام، فلو نوي قبله بطلت صلاته.
وإذا سلم عن يمينه، وهو إمام أو منفرد ينوي الخروج على هذا المذهب، والسلام على من على يمينه من الملائكة، ومسلمي الجن والإنس.
وإذا سلم عن يساره، فلا ينوي الخروج، لأنه تحلل عنها بالأولى، لكنه ينوي السلام على من على يساره من الملائكة، ومسلمي الجن والإنس.
فأما المأموم إن كان على يمين الإمام، فإذا سلم الإمام عن يمينه سلم، وينوي الخروج من الصلاة، والرد على الإمام، والسلام على من على يمينه من الملائكة، ومسلمي الجن والإنس.
وإذا سلم عن يساره لم تجب نية الخروج من الصلاة، وإنما ينوي السلام علي من على يساره، ومن على يسار الإمام المستحب له ألا يسلم إذا سلم الإمام عن يمينه حتى يسلم عن يساره ليمكنه الرد عليه إذا سلم عن يمينه.
ومن خلف الإمام يستوي في حقه اليمين واليسار، فإن شاء سلم إذا سلم الإمام عن يمينه، وإن شاء سلم إذا سلم الإمام عن يساره، وإنما ينوي الرد عليه إذا سلم عن اليمين، لأن التيامن مستحب في كل شيء، وينوي الخروج والسلام على الملائكة والمسلمين كما ذكرنا.
[ ٢ / ٧٨٩ ]
فرع
لو نوى الخروج عن غير ما هو فيه، إن كان عامدًا بطلت صلاته، سواء شرطنا نية الخروج عليه أو لم نشترطها لأنه أبطل ما هو فيه بنية الخروج عن غيره، وإن كان ساهيًا إن قلنا بظاهر المذهب: إنها غير واجبة صح السلام، إن أوجبناها سجد سجدتي السهو، وسلم ثانيًا.
ولو سلم المأموم مقارنًأ مع الإمام ما حكمه.؟
إن قلنا: نية الخروج من الصلاة شرط، فلا يجوز كتكبير الافتتاح، لما كانت النية فيه شرطًا، فالمأموم يكبر للافتتاح بعد فراغ الإمام من (راء) التكبير.
وإن قلنا: نية الخروج عن الصلاة ليست بشرط فإذا سلم مع الإمام مقارنًا لم يضر، لأنه ركن كسائر الأركان، وفي سائر الأركان لو قارن المأموم فيه جاز، كذا هذا مثله.
ولو سلم قبل الإمام إن لم ينو الخروج منها، فقد أبطل صلاته، إن كان عامدًا، وإن نوى الخروج من الصلاة، فحكمه حكم ما لو أخرج نفسه من متابعة الإمام، وهو غير معذور فيه.
وفيه قولان.
قوله: حتى يرى خديه.
قال القاضي حسين: قيل: يراد به أنه يرى أحد خديه في التسليمة الأولى من جانب اليمين، والأخرى في الثانية من جانب اليسار.
وقيل: أراد به: يرى خديه من كل جانب.
قال المزني: فلا يثبت ساعة يسلم إلا أن يكون معه نساء، فيثبت، لينصرفن قبل الرجال، وينصرف حيث شاء عن يمينه وشماله.
قال القاضي حسين: لم يرد به القفز ووثوب الفصيل، وإنما أراد الإسراع في القيام.
[ ٢ / ٧٩٠ ]
قال ﵇: وإذا صلى إمامكم ولو يقم فانخسوه، وإنما ذلك، لأن الأولى للقوم ألا يقوم حتى يقوم الإمام، فكأن السنة ألا يثبت الإمام مكانه، ليتفرغ قلب القوم، فينصرفون إلى منازلهم، ولأنه إذا قام عن مكان الصلاة يستدل من بعد منه به على تحلله من الصلاة، ويستدل المسبوق بذلك، فلا يغتر بكونه في الصلاة.
هذا إذا كان خلفه الرجال دون النساء.
فإن كان خلفه نساء ورجال، فالمستحب أن يثبت على مكانه بقدر ما ينصرف فيه النساء، لأنه لو قام قام الرجال واختلطوا بالنساء.
ثم إن كانت الصلاة مما يتنقل بعدها كالمغرب والعشاء والظهر يتأخر عن مكان صلاته إن أراد فعلها في المسجد، وروى ذلك عن رسول الله ﷺ.
والأولى نقل النفل إلى البيت.
قال ﵇: افضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة.
وأيضا قال ﵇: اجعلوا شيئا من صلاتكم في البيت، لا تتخذوها مقابر.
وإن كانت صلاة لا تنفل بعدها، كالصبح والعصر، فإن أراد المقام في المسجد ساعة يستند إلى المحراب.
[ ٢ / ٧٩١ ]
ثم من أصحابنا من قال: ينصرف إلى جانب اليسار، ويستند إلى يمين المحراب.
وبه قال أبو حنيفة، والصحيح أنه ينصرف إن شاء الله عن جانب اليمين، وإن شاء عن جانب اليسار، لأنه ربما يكون معه مأموم واحد على يمينه، فإذا ولي وجهه عليه كان أحسن من أن يولي قفاه عليه.
وإذا كان المأموم على يساره له أن ينصرف إلى جانب اليمين، لأنه ضيع حقه بالوقوف على اليسار. وإن كان خلفه استوى في حقه الجهتان.
وإن أراد الخروج من المسجد انصرف إلى جهة حاجته، أي جهة كانت والحاجة مثل أن يكون الظل في جناب، أو كان له شغل يريد أن يسلك ذات اليسار.
وإن لم يكن له حاجة انصرف إلى جانب اليمين ليحوز فضيلة التيامن، كان النبي ﷺ يحب التيامن في كل شيء، حتى في طهوره إذا تطهر، ونتعاله إذا انتعل، وفي شأنه كله.
قال المزني: ويقرأ بين كل سورتين بسم الله الرحمن الرحيم، فعله ابن عمر قال القاضي حسين: من أصحابنا من قال: إنما أجب عن قوله: البسملة آية من كل سورة.
ومنهم من قال على القولين يقرؤها بين كل سورتين، لأنا وإن قلنا: إنها ليست بآية منها فيسحب قراءتها.
روى عن ابن عمر: أنه كان يقرؤها بين كل سورتين.
وعن ابن عباس: من ترك بسم الله الرحمن الرحيم فقد ترك مائة وثلاث عشرة آية من كتاب الله تعالى.
[ ٢ / ٧٩٢ ]
قال المزني: وإن كانت الصلاة ظهرًا، أو عصرًا، أسر بالقراءة في جميعها، وإن كانت عشاء الآخرة أو مغربًا، جهر في الأوليين منهما، وأسر في باقيهما، وإن كانت صبحًا، جهر فيها كلها.
قال القاضي حسين: فرائض الصلاة مقسمة إلى ما يجهر فيها، وإلى ما يسر فيها.
فأما التي يجهر فيها: الصبح وركعتان من المغرب والعشاء.
وأما التي يسر فيها: فالظهر والعصر، والركعة الثالثة من المغرب، والركعتان الأخريان من العشاء الآخرة.
وعقد الباب فيه أن كلا صلاة يفعلها بالليل يجهر فيها بالقراءة، وكل صلاة يفعلها بالنهار إن كان لها نظير بالليل يسر فيها بالقراءة، كالظهر والعصر، وإن لم يكن لها نظير بالليل جهر فيها بالقراءة، كالصبح والجمعة والعيدين.
فأما خسوف الشمس، فيسر فيها، لأن لها نظيرًا بالليل، وهو خسوف القمر لأنه خسوف أحد النيرين.
وصلاة الاستسقاء يجهر فيها بالقراءة، لأنها لا تؤدي ليلا: إذ السنة أن يصليها والقوم صيام وذاك في النهار.
وصلاة الجنازة يسر فيها بالقراءة بالنهار وبالليل فوجهان:
أحدهما: يجهر فيها بالقراءة لأنها صلاة مفعولة بالليل.
والثاني: يسر فيها بالقراءة؛ لأنها قومة شرعت فيها الفاتحة دون السورة كالأخرس في العشاء أو الثالثة في المغرب.
ولو صلى التطوع بالليل، فالسنة ألا يخفض صوته، ولا يرفع أيضًا، لما روى أن النبي ﷺ طاف ليلة على أبي بكر، فكان هو يصلي، ويقرأ في صلاته سرًا، وعمر كان يصلي ويقرأ جهرا، وبلال كان يقرأ آية في موضع، وآية في موضع آخر، فلما كان من الغد، فقال النبي ﷺ، لأبي بكر:
[ ٢ / ٧٩٣ ]
ماذا صنعت البارحة؟ فقال: كنت أناجي الرب، فقال ﵇: ارفع صوتك قليلا، وقال لعمر ماذا صنعت البارحة؟ فقال: كنت أوقظ الأهل والجيران، فقال: اخفظ من صوتك قليلا، وقال لبلال: ماذا صنعت البارحة، فقال كنت أضم الطيب إلى الطيب، فقال: اقرأ من موضع واحد.
وإن فاتته صلاة بالليل، فقضاها بالنهار، او بالنهار فقضاها بالليل فوجهان:
أحدهما: يعتبر فيه أصل الصلاة في الأداء.
والثاني: يعتبر وقت القضاء.
الوجهان يبنيان على انه إذا قضى صلاة في أيام التشريق، فاتته، في غيرها من الأيام هل يكبر خلفها
وفيه قولان:
وقال أبو يوسف في خسوف الشمس: يجهر، فنقول: هذه صلاة يؤديها بالنهار، ولها نظير بالليل، فلا يجهر فيها بالقراءة، كالظهر والعصر.
وكان في الابتداء السنة في الصلاة كلها الجهر، إلا أن المشركين كانوا يسبون
[ ٢ / ٧٩٤ ]
القرآن، ومن أنزله إذا سمعوا النبي ﷺ يقرأ، فأمر النبي ﷺ بالإسرار في الظهر والعصر، والجهر في المغرب والعشاء والصبح لاشتغالهم في هذه الأوقات بالأكل في منازلهم.
وقال ﵇: صلاة النهار عجمًا، أي: لا يجهر فيها بالقراءة، وفي رواية: وصلاة الليل جهرًا إلا أنها ليست بواضحة.
ويدل عليه قوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا).
قيل: معناه، ولا تجهر في جميع الصلوات ولا تخافت بها، أي: لا تسر في الجميع، وابتغ بين ذلك سبيلا، أي اجهر في البعض وأسر في البعض.
وقيل: معناه: لا تجهر جهرًا بليغًا ولا تخافت بها، أي لا تخفض خفضًا بليغًا وابتغ بين ذلك سبيلا، أي بين الجهر والسر سبيلا، فإن خير الأمور أوساطها، وكان ﵇ يصلي في الكعبة، ويجهر بالقراءة، والمشركون كانوا يستمعون إلى قراءته، وكان ذلك سبب إسلام بعضهم، منهم عمر بن الخطاب استمع إلى قراءة الرسول ﵇، ذات ليلة مستترا بأستار الكعبة، فكان ذلك سبب إسلامه.
[ ٢ / ٧٩٥ ]
وروي أن أبا سفيان وأبا جهل كانا يختفيان بأستار الكعبة ويستمعان إلى قراءته، ﵇، فانصرفا ليلا، فالتقيا فصدق كل واحد منهما لصاحبه ما قصده فقالا: إن هذا أمر يضرنا، ويؤدي إلى فساد ديننا، فتعاهدا على ألا يرجعا في الليلة الثانية، فلما كانت الليلة الثانية حدثت نفس كل واحد منهما أن صاحبه عهد ألا يرجع فرجعا، فلما انصرفا التقيا، فقالا: ألسنا كنا عهدنا ألا نرجع، لأن هذا أمر لا يتم إلا بإيماننا، فحلف كل واحد منهما لصاحبه ألا يرجع، فلما كان في الليلة الثالثة حدثت نفس كل واحد منهما أن صاحبه حلف ألا يرجع فرجعا، فلما انصرفا التقيا فقالا: إن هذا أمر لا يتم إلا بأن يلازم كل واحد منا صاحبه، فاتفقا على أن يحضر أو سفيان دار أبي جهل في ليلة، ويلازمه وهو في داره.
وبهذا نجيب عن قول الأعمش حيث قال: إن صلاة الصبح من صلاة الليل، بدليل أنه يجهر فيها بالقراءة.
وعندنا يسن الجهر للمنفرد، وكما يسن للإمام.
وعند أبي حنيفة، لا يسن ذلك للمنفرد.
فنقول: هيئة قراءة الإمام هيئة قراءة المنفرد، كالإسرار في صلاة السر، ولا يلزم رفع الصوت بالتكبير، لأنه للإعلام، والمنفرد ليس يحتاج إلى إعلام أحد.
قال المزني: وإذا رفع رأسه من الركعة الثانية من الصبح، وفرغ من قوله: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد، قال، وهو قائم اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، تباركت ربنا وتعاليت، والجلسة فيها كالجلسة في الرابعة في غيرها.
قال المزني: حدثنا إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن عمرو الغزي، قال حدثنا أبو نعيم، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك، قال: ما
[ ٢ / ٧٩٦ ]
زال النبي ﷺ يقنت حتى فارق الدنيا، واحتج في القنوت في الصبح بما روى عن النبي ﷺ أنه قنت قبل قتل أهل بئر معونة، ثم قنت بعد قلتهم في الصلاة سواها، ثم ترك القنوت في سواها، وقنت عمر، وعلي ﵄ بعد الركعة الآخرة.
قال القاضي حسين: القنوت في صلاة الصبح بعد رفع الرأس من الركوع في الركعة الثانية منه عندنا.
وقال أبو حنيفة ﵀: هي بدعة.
دليلنا ما روى عن ابن سيرين أنه قال: قلت لأنس، ﵁: هل قنت رسول الله ﷺ في صلاة الصبح؟ فقال: نعم، فقلت: قبل الركوع أو بعده، فقال بعده.
وعن أنس أنه قال: صليت خلف النبي ﷺ، صلاة الغداة، فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، وصليت خلف أبي بكر صلاة الغداة، فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا، وصليت خلف عمر، فلم يزل يقنت حتى فارق الدنيا.
وعن عثمان أنه قنت قبل الركوع في صلاة الصبح، وإنما كان يقنت قبل الركوع، لأن الناس كانوا لا يبكرون إلى الجماعات، لما كان قد وقع لعمر ﵁.
ودعاء القنوت ما روى عن الحسن بن علي أنه قال علمني رسول الله ﷺ ثماني كلمات أقولهن في القنوت:
[ ٢ / ٧٩٧ ]
اللهم اهدني فيمن هديت، ، إلى آخره.
وفي بعض الروايات: ولا يعز من عاديت.
[ ٢ / ٧٩٨ ]
وفي بعض الآثار: ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ربنا ونتوب إليك.
فلو بدلها بكلمات أخر جاز؛ لأنه ذكر مسنون فيجوز إبداله بغيره.
ثم لا يخلو إما أن يكون منفردًا، أو إمامًا، أو مأمومًا:
فإن كان منفردًا أسر به، وإن كان إمامًا فوجهان:
أحدهما: يسر به، فعلى هذا يقرؤه من خلفه.
والثاني: وهو الأصح، يجهر به، فعلى هذا يؤمنون في الكلمات الخمس التي هي دعاء ويقولون: الثلاثة الأخيرة معه، لأنها ثناء أو يسكتون إن شاءوا.
والسنة للإمام ألا يخص نفسه بالدعاء بل يعم، ويقول: اللهم اهدنا .. إلى آخره.
روى عن النبي ﷺ أنه قال: إذا خص الإمام نفسه بالدعاء فقد خان. ولو أبدل دعاء القنوت بغيره لا بأس.
حكى عن محمد بن الحارث أنه كان يقرأ في القنوت، اللهم يسرنا للخير كله ويسره لنا وعافا واعف عنا، وأعذنا من الشر كله، وتب علينا، وآتنا الحكمة، وصل على نبينا محمد وآله.
بخلاف التشهد، فإنه لو أبدله بغيره لم يجز، لأنه ليس من جنسه ما هو مفروض في الصلاة، ومن جنس التشهد ما هو مفروض في الصلاة.
[ ٢ / ٧٩٩ ]
وعلى هذا نقول أيضًا في الدعاء في الجلسة بين السجدتين: يجب ألا يخص الإمام نفسه.
وهل يسن رفع اليدين في القنوت؟
كان الشيخ القفال: ﵀ يحكي عن ابي زيد المروزي ﵀ أنه كان يقول: السنة أن يرفع يديه في دعاء القنوت، ويمسح بها وجهه، لأنه دعاء، وكان ﵀ يقول: لا يسن عندي رفع اليدين فيه، ولا مسح الوجه بهما، لأنه دعاء في الصلاة، والأدعية المشروعة في الصلاة لا يسن فيها رفع اليدين، كقوله: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات في الشهد.
[ ٢ / ٨٠٠ ]
ولو ترك القنوت حتى ألصق الجبهة بالأرض لم يعد إليه، ثم إن كان ساهيًا سجد للسهو، وإن كان عامدًا، فعلى وجهين، وهذا أصل، وهو أن كل ما تركه سهوًا، يقتضي سجود السهو، فتركه عمدًا هل يقتضيه أم لا؟
فوجهان: فإن عاد إلى القنوت إن كان عالمًا بالتحريم بطلت صلاته، وإن كان جاهلا لم تبطل صلاته.
ولو لم يكن ألصق الجبهة بالأرض، إن كان أقرب إلى القيام، فعاد لم يلزمه سجود السهو.
ولا يسن في القنوت الصلاة على النبي ﷺ لأن الصلاة ركن عندنا في الصلاة كالتشهد، فلو أتى به في غير محله لا يجوز كالتشهد.
فرع
لو قنت قبل الركوع، كما فعل عثمان هل تبطل صلاته أم لا؟
فعلى وجهين كما لو تشهد قائمًا فيه وجهان.
ولو أطال القنوت بعد الركوع، فمكروه إن جاوز العادة.
قال القاضي ﵀: يحتمل أن يقال: تبطل به الصلاة؛ لأنها قومة قصيرة مدها بالذكر الممدود، كالجلسة بين السجدتي والاعتدال في الركوع، ويحتمل الفرق، لأنها محل الدعاء، كما قلنا في التشهد الأول.
[ ٢ / ٨٠١ ]
وهو ﵁، في الحكم بإبطال الصلاة إذا طال القنوت والجلوس في التشهد الأول متردد جدًا.
فأما في سائر الصلوات، فلا يسن القنوت إلا في الوتر في النصف الأخير من رمضان بعد بعد الركوع.
وإذا نزل بالمسلمين نازلة، فزاد في دعاء القنوت فحسن، كما فعل رسول الله ﷺ لما وقع قتل أهل بئر معونة، زاد اللعن في القنوت والدعاء عليهم.
واحتج أبو حنيفة بأن رسول الله ﷺ قنت شهرًا ثم ترك، فلما أجاب الشافعي ﵀ بأنه كان يقنت في الصبح في جميع الأوقات فلما وقع قتل بئر معونة، زاد القنوت في جميع الصلوات، وكان ﵇ قنت
[ ٢ / ٨٠٢ ]
شهرًا، ثم تركه، وكان يقنت بعد ذلك في الصبح بدليل ما روينا من الأخبار وقصة أهل بئر معونة ما روى أن أبا البراء الملقب بملاعب الأسنة أتي النبي ﵇ بهدايا، وكان وفد وم فقال النبي ﵇ إنك مشرك وإني لا أقل هدية المشركين، فإن شئت أن أقبلها فأسلم، فقال: أعرض على الإسلام، فعرض عليه الإسلام، فقال: هذا دين حسن، ولكني وفد قومي، فلا أقطع أمرا دونهم، فابعث معي جماعة من أصحابك ليعرضوا عليهم الإسلام حتى يسلموا، وأسلم معهم، فقال ﵇، أخاف عليهم نجدًا، فقال: إني جار لهم، يريد خفيرًا لهم، فبعث ﵇ ستين نفرًا من أصحاب الصفة، كلهم قراء وأمر عليهم المنذر بن عمرو، ولم يكن لواحد منهم فرس إلا له، فركب فرسه فأنعق، فقال ﵇: إن المنعق ليموت، فلما بلغوا بئر معونة، كانوا قد استنجدوا بقريش فأنجدهم رعل، وذكوان وعصية، وقتلوهم وألقوهم في بئر معونة، ولم ينقلب منهم إلا رجلان: أحدهما أنصاري، والآخر عمرو بن أمية الضمري كانا قد خرجا في طلب بعير لهما ند، فلما رجعا استقبلتهما جارية، فقالت لهما: أنتما من أصحاب هذا الذي يقال أنه نبي؟ فقالا نعم، فقالت النجاة النجاة، قتل أصحابكم وألقوا في البئر، فقال الأنصاري: أنا لا أرغب عن مصرع صرع فيه المنذر بن عمرو، وقال عمرو، اصبر حتى أركب وأتوارى، فركب البعير وتوارى وسل الأنصارى سيفه، وكبر عليهم وقاتل حتى قتل، فجاء جبريل وأخبر النبي ﷺ بالحال ونزل بهذه الآية، أخبروا إخواننا أن قد لقينا ربنا، فرضي عنا، وأرضانا إن الله كان غفورًا رحيما.
ثم نسخت تلاوتها، فكان ﵇ بعد هذه النازلة يقنت في جميع الصلوات ويلعنهم ويقول: اللهم العن رعلا وذكوان وعصية وأنج الوليد بن الوليد وعياش وسفيان والمستضعفين بمكة، اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعل سنيهم كسني يوسف.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
نزل قوله تعالى (ليس لك من الأمر شيءٌ) فمنع من القنوت عليهم بعد شهر، وإنما ذلك لأنه كان في القبيلة من أسلم وفيهم من قضى الله تعالى له بالإسلام في سابق علمه.
روى أنه أسلم رجل منهم يقال له: الجار، فقيل له: ما كان سبب إسلامك؟ فقال: صعنت في رجل من المسلمين، ونفذته من ظهره، فأخذ قطرة من دمه ورماها نحو السماء، وقال فزت ورب الكعبة، فزت ورب الكعبة، فقلت: كيف فاز، وقد نفذت الطعنة إلى ظهره؟ فقيل: فاز بالشهادة.
فرع:
وينبغي أن يكون خشوعًا في الصلاة خاشعًا بقلبه، وبجميع أعضائه، والخشوع بالقلب ألا يتفكر في شيء من أشغال الدنيا، والخشوع بسائر الأعضاء، إن كان في حالة القيام ينظر إلى مسجده، وإن كان في حالة الركوع أن ينظر إلى
[ ٢ / ٨٠٤ ]
ظهر قدميه، وإن كان في حالة السجود أن ينظر إلى أنفه، وإن كان في التشهد أن ينظر إلى فخذيه، والله تعالى أعلم بالصواب.
قال المزني: قال الشافعي ﵀: والتشهد أن يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله سلام عليك، أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، يقول: هذا في الجلسة الأولى، وفي آخر صلاته، فإذا تشهد صلى على النبي ﷺ فيقول: اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد.
قال حدثنا الأعلى بن واصل بن عبد الأعلى الكوفي قال: حدثنا أبو نعيم عن خالد بن إلياس، عن المقبري عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: أتاني جبريل ﵇ فعلمني الصلاة فقام النبي ﷺ فكبر بنا، فقرأ بنا: بسم الله الرحمن الرحيم، فجهر بها في كل ركعة.
قال القاضي حسين: الكلام في التشهد المختار وأقل ما يجزيه منه:
فأما المختار فتشهد ابن عباس.
قال الشافعي ﵀: كنا صبيانا في المكتب ونحن نعلم التحيات لله الزكيات الصلوات الطيبات لله، فلما كبرنا كتبنا الأحاديث.
عن عمر ﵁ أنه كان يعلم الناس على المنبر هذا الذي قلناه، ثم بلغنا وكتبنا الأحاديث.
كتبنا عن ابن عباس أنه قال كان النبي ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن يعني فاتحة الكتاب: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
وعند أبي حنيفة: التشهد المختار تشهد ابن مسعود: روى عن عبد الله مسعود أنه قال: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على فلان، وعلى فلان، فقال رسول الله ﷺ، لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله، الصلوات الطيبات، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
والدليل على أن المختار ما قاله، وهو الأولى أن ابن عباس من متأخري الصحابة، وأن ابن مسعود من متقدميهم، والمتأخر يقضي على المتقدم، وابن عباس ممن دعا له النبي ﷺ فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، وفيما رواه زيادة المباركات، والأخذ بالزيادة أولى، ويقرب من نظم القرآن من قوله تعالى: (تحية من عند الله مباركة طيبة)، وهم يقولون فيما قلناه زيادة الألف واللام، والإقرار بالعبودية فنقول: التنوين مما يقوم مقامهما على أن السلام في القرآن كله منون من غير الألف، واللام إلا في قوله: والسلام على من اتبع الهدى، وقوله: والسلام على يوم ولدت، وهو اخبار عن قول عيسى.
وأما الإقرار بالعبودية مقابلة التصريح باسم الله تعالى، وأيهما أتى به اجزأه، ولا يستحب الجمع بينهما، فإن خلط أحدهما بالآخر.
قال القاضي ﵁: يجوز.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
ولو أبدل التشهد بغيره، وأتى بمعناه لم يجز، لأنه - وإن لم يكن معجزًا - فهو ذكر مفروض متعين كالتكبير، بخلاف القنوت، وإنه سنة، وليس بركن فيجوز فيه الإبدال.
والترتيب شرط في التشهد كما في الفاتحة.
وحكى عن الشافعي قول آخر: أن الترتيب فيه ليس بشرط؛ لأنه ليس بمعجز.
فأما أقل التشهد؛ قال الشافعي ﵀: أن يقول: التحيات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله، سلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وقال ابن سريج: أقل ما يجزيه في التشهد أن يقول: التحيات لله، السلام عليك أيها النبي، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وأشهد أن لا إله الا الله وأن محمدا رسوله.
فالشافعي: ﵀ اعتبر أقبل ما رود في الأخبار.
وابن سريج اعتبر المعنى، لما وجد الرحمة داخلة في السلام حذفها، ولما وجد قوله: سلام علينا، داخلا في قوله: على عباد الله الصالحين، ويلزمه أن يقول: سلام عليك أيها النبي وعلى عباد الله الصالحين، وأن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، اللهم صل على محمد وآله، ولا يقول: وعلى آله.
وقال الحليمي: ولو حذف الصالحين جاز، لأن مطلق اسم العباد يقع على عباد الله، الصالحين، كقوله، تعالى: إن عبادي ليس لك عليهم سلطان، ثم ذكر الصلاة على النبي ﵇ وقد ذكرنا أنها واجبة في التشهد الأخير وفي الأول قولين، وكيفية الصلاة أن يقول: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.
فأما قول القائل: وارحم محمدًا، وآل محمد، كما ترحمت على
[ ٢ / ٨٠٧ ]
إبراهيم، أو رحمت، غير مروى في الخبر، ولا تساعده العربية أيضًا، لأنه يقال: ﵀، ولا يقال: رحم عليه.
ومن قال: وترحمت فأبعد عن الصواب، لأن الترحم للتكلف، والله تعالى، لا يوصف بالتكلف للرحمة، وتسميته محمدًا ﷺ واجب، ولا يجوز أن يقال: احمد وغيره، يدل علىه أنه لما نزل قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما. قال المسلمون: عرفنا السلام عليك يا رسول الله، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: قولوا: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم.
واختلفوا في الآل، فمنهم من قال: آله: صحابته وعترته.
ومنهم من قال: آله، الاتقياء من المسلمين.
روى: أنه ﵇ سئل عن آله، فقال: كل مؤمن تقي.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
وروي: «كل من آمن بي إلى يوم القيامة».
قال المزني: ومن ذكر صلاة وهو في أخرى، أتمها، ثم قضى، قال: حدثنا إبراهيم، قال الربيع: أخبرنا الشافعي، قال: التشهد بهما مباح، فمن أخذ بتشهد ابن مسعود، لم يعنف، إلا أن في تشهد ابن عباس زيادة.
قال القاضي حسين: عندنا الترتيب ليس بشرط في قضاء الفوائت بعضها مع البعض، ولا في قضاء الفوائت مع فرائض الأوقات، حتى لو ذكر خمس صلوات له أن يقضيها مرتبًا وغير مرتب.
ولو ذكر صلاة، وقد دخل عليه وقت الفرض، إن كان في الوقت سعة يخير بين أداء فرض الوقت، وبين قضاء الفائتة، غير أن المستحب أن يبدأ بقضاء الفائتة، لأنها استقرت في ذمته، ولو مات قبل فعلها يعصي الله تعالى مذهبًا واحدًا، وفرض الوقت لم يتأكد استقراره، لأنه لو مات قبل فعله لا يقضيه على أحد الوجهين، وإن كان في الوقت ضيق، فيبدأ بفرض الوقت، ثم بقضاء الفائتة حتى لا تفوت صلاة هذا الوقت، وأداء إحدى الصلاتين في الوقت، والأخرى خارج الوقت أحسن من أدائهما خارج الوقت، ولو تذكر صلاة، وهو في أخرى أتم التي هو فيها، ثم يقضي التي ذكرها، ولا فرق عندنا بين أن تدخل الصلوات الفوائت في حد التكرار بأن زاد على صلوات يوم وليلة، أو لم يدخل في حد التكرار، بأن كانت صلوات يوم وليلة أو دونها.
وقال أبو حنيفة: الترتيب شرط في قضاء الفوائت، ما لم تقع في حد التكرار، ولو ترك الترتيب لم يعتد به، إلا أن يتركه ناسيًا، فحينئذ يعتد به.
ووافقنا فيما لو وقع في حد التكرار، أو زادت عليه صلوات يوم وليلة، فلو ذكر صلوات يوم وليلة عنده يقضيها مرتبة، فلو عكسها، وبدأ بالعشاء، فصلاها، ثم المغرب، ثم العصر، وثم الظهر، وثم الصبح، فالصلوات الأربعة لا تصح إلا صلاة الصبح، وإذا دخل اليوم الثاني صحت الصلوات كلها؛ لأنها وقعت في حَدِّ التكرار.
[ ٢ / ٨٠٩ ]
ولو ذكر صلاة، وعليه فرض الوقت، إن كان في الوقت سعة يلزمه عنده أن يبدأ بالفائتة، فلو بدأ بفرض الوقت لم تنعقد.
ووافقنا فيما لو كان في الوقت ضيق أن يبدأ بفرض الوقت.
ولو ذكر صلاة، وهو في أخرى، وفي الوقت سعة أكمل التي هو فيها نفلًا، ثم يقضي الفائتة ثم يعيد الصلاة التي كان فيها لما ذكر الفائتة.
وإذا فاته صلاة الصبح مثلًا، لم ينعقد عنده ظهره، ولا عصره، ولا المغرب والعشاء حتى يدخل حتى يدخل اليوم الثاني، ويفترض عليه صبح اليوم الثاني، فتصح الصلوات التي لم يحكم بصحتها لوقوعها في حد التكرار.
دليلنا على أن لا ترتيب في قضاء الفوائت ما روى عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «من ذكر صلاةً، وهو في أخرى، فليتم التي هو فيها، ثم ليقض التي ذكرها».
وهم يرون عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من ذكر صلاة وهو في أخرى، فليتم التي هو فيها، ثم ليقض التي ذكرها، ثم ليعد التي صلى».
وعندنا: هو محمول على الاستحباب، والمعنى فيه ترتيب يسقط بالنسيان، فلا يستحق أصلًا، كترتيب الشمال على اليمين في الطهارة، فإن قيل: ترتيب مستحق في الأداء، فوجب أن يستحق كترتيب أركان الصلاة بعضها على البعض.
قلنا: الترتيب في الأداء، إنما يستحق لحق الوقت، فإذا فات واجتمع الكل صارَ دَيْنًا في الذمة، وفات الوقت، فيسقط الترتيب كما في الصيام يجب الترتيب في أدائه، فإذا فات يسقط الترتيب.
[ ٢ / ٨١٠ ]
فرع
رجل عليه فوائت لا يدري قدرها وعددها.
كان القفال ﵀ يقول: يقال له: قدم وهمك، وخذ ما تتيقن فما تيقنت وجوبه في ذمتك، فعليك قضاؤه، وما شككت في وجوبه فلا، بخلاف ما لو شك في فرض أداء لوقت يلزمه فعله، لأن الأصل وجوبه، واشتغال ذمته به، ووقع الشك في سقوطه عن ذمته، وفيما نحن فيه شك في أصل الوجوب فبناء على اليقين.
والطريق فيه أن يقال: إذا كان عليه عدد من الصبح والظهر، هل يتيقن صبحًا او ظهرا واحدا. فإن قال: نعم قلنا: عليك فعلها، ثم نقول له: هل تتيقن صبحين أو ظهرين. فإن قال: نعم فنقول عليك فعلها هكذا إلى أن ينتهي إلى حالة يشك فيها، فنطرح عنه المشكوك، ونكلفه أداء اليقين.
قال القاضي حسين ﵀: عندي يقال للمصلي: كم تيقنت من فرائض هذه السنة قد أديتها، فالقدر الذي تيقنت سقط عنك، والباقي في ذمتك، لأن الأصل اشتغال ذمتك بالفريضة.
وأما ما قاله القفال يخرج على قوله القديم: إنه لو شك أنه هل ترك ركنا من أركان الصلاة فعلى قوله القديم، الأصل مضية على السلامة.
وفي الجديد: يلزمه الاستئناف؛ لأن الأصل اشتغال ذمته به.
ولو أنه على الشك قضى فائتة، فالذي يرجى فيها من فضل الله تعالى، أن يجبر بها خللا في الفرائض، ويحسبها له نفلًا.
قال: وسمعت بعض أصحاب القاضي أبي عاصم ﵀ يقول: إنه قضى صلوات عمره كلها مرة، وقد استأنف قضاءها ثانيًا.
[ ٢ / ٨١١ ]
ومن مذاهب أبي حنيفة أن من عليه فوائت، فأراد أن يقضيها ينوي أولى صبح فاته، أو أولى ظهر فاته، ثم بعد ذلك ينوي ما يليه، أو ينوي آخر ظهر أو صبح فاته، ثم بعد ذلك ما ينوي ما يليه، أو ينوي آخر ظهر أو صبح فاته، ثم بعد ذلك ينوي ما يليه، فيحتسب أن ينوي على هذا الوجه، ولو أطلق النية فنوى قضاء فائتة الصبح، أو الظهر جاز.
قال المزني: ولا فرق بين الرجال، والنساء في عمل الصلاة، إلا أن المرأة يستحب لها أن تضم بعضها إلى بعض، وأن تلصق بطنها [في السجود] بفخذيها، كأستر ما يكون، وأحب ذلك لها في الركوع، وفي جميع عمل الصلاة وأن تكثف جلبابها، وتجافيه راكعة وساجدة، لئلا تصفها ثيابها، وأن تخفض صوتها، وإن نابها شيء في صلاتها، صفقت فإنما التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء كما قال رسول الله ﷺ.
قال: وعلى المرأة، إذا كانت حرة: ان تستتر في صلاتها، حتى لا يظهر منها شيء، إلا وجهها وكفاها، فإن ظهر منها شيء سوى ذلك، أعادت الصلاة، فإن صلت الأمة مكشوفة الرأس، أجزأها.
قوله: (ولا فرق بين الرجال والنساء في عمل الصلاة).
قال القاضي حسين: حكم الرجل والمرأة واحد في الصلاة لا نفارقه، إلا فيما يعود من أعمالها إلى الستر.
وعند صاحب التلخيص: الخصال التي تفارق المرأة الرجل فيها في أمر الصلاة ثنتا عشرة خصلة، فالكل يرجع إلى ما به الستر:
فمن ذلك أن المستحب للرجل أن يصلي في المسجد ولها أن تصلي في جوف بيتها، قال ﵇: صلاتها في جوف بيتها أفضل من صلاتها في صحن دارها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في صفها.
[ ٢ / ٨١٢ ]
ومن ذلك أن السنة للرجل الأذان للصلاة، والجهر بالقراءة في صلاة الجهر، ولا يسن لها الأذان ولا الجهر، بل السة ألا تؤذن، وتخفض صوتها في الصلوات كلها.
فإذا قلنا: صوتها عورة أو ليس بعورة؟
ولأصحابنا في صوت المرأة وجهان:
أحدهما: هو عورة، لأن السامع يتلذذ به، فعلى هذا لو رفعت صوتها في الصلاة بطلت صلاتها.
والثاني: لا، وهو الأصح؛ لأن العورة مما يشاد ويمس، ويستمتع بها، ولأن النساء يروون الأحاديث من وراء حجاب، ولم ينكر عليهن منكر؛ لأنا وإن لم نجعل صوتها عورة، فنخاف الافتتان لو رفعت صوتها، وهذا كما أنا لا نجعل وجه المرأة عورة، لكن لا يجوز النظر إليها عند خوف الفتنة، والملاح من المرد وجوههم ليس بعورة، ويحرم النظر إليهم عند خوف الفتنة، كما يحرم النظر إلى النساء، ثم لانأمرها بالإسرار كإسرار الرجل في صلاة السر، بل لها أن تجهر أدنى جهر، بحيث تسمع نفسها قليلًا، وإن كان حولها محارمها، فلا بأس أن تسمعهم.
ومن ذلك: أن الرجل في الصلاة يجافي مرفقيه عن جنبيه راكعًا وساجدًا، ويقل بطنه عن فخذيه، ويفرج بين رجليه في السجود، والمرأة تضم بعضها إلى البعض كأستر ما تكون.
ومن ذلك أن الرجل في الصلاة لا يلزمه ان يستر من بدنه إلا ما بين السرة والركبة، وعلى المرأة أن تستر جميع بدنها إلا الوجه والكفين، فلو بدت شعرة منها لم تصح صلاتها.
قال الشافعي ﵀: وأن تكنف جلبابها، أي تتخذه صفيقا، غليظ الغزل شديد النسج، بحيث لا يظهر منه لون بدنها، ولا لون ثيابها ومجافيها
[ ٢ / ٨١٣ ]
في الركوع والسجود، ولا تلصقه، لأنها تجافي عورتها، ويصف هزالها وسمنها، وإذا نابها أمر في الصلاة صفقت.
والتصفيق أن تضرب بطن كفها اليمنى، على ظهر كفها اليسرى، ولا تضرب بطن إحدى الكفين على بطن كفها الأخرى، لأنه يشبه اللهو واللعب.
والرجل إذا نابه أمر في الصلاة يسبح، قال ﵇: التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، وتمام الحديث ما روى أن رسول الله ﷺ خرج إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بين فئتين شجر بينهما، فاستأخر مجيء رسول الله ﷺ، فدخل وقت العصر، فأذن بلال فجاء إلى أبي بكر ﵁ وقال: تؤم الناس لأقيم؟ فقال: إن شئت، فأقام بلال وتقدم أبو بكر فدخل النبي ﵇ المسجد، وجعل يخرق الصفوف، فكانوا يصفقون له، ويضربون أيديهم على أفخاذهم، وأبو بكر لا يلتفف إلى ذلك، فلما أحس بأنهم يطرقون للداخل، فعلم بذلك أنه النبي ﵇، لأنهم كانوا لا يطرقون لغيره، فأراد أن يتأخر فوضع النبي ﷺ يده على كتفه، وقال اثبت مكانك، فرفع رأسه نحو السماء، وحمد الله تعالى، حيث جعله أهلا بأن يقتدى به رسوله ﷺ ثم تاخر فتقدم النبي ﵇ فجعل أبو بكر يصلي بصلاته، والناس يصلون بصلاة أبي بكر، فلما سلم النبي ﵇ أقبل عليهم، وقال: أحسنتم هكذا افعلوا، وأراد أن يزيل الخجلة عنهم حيث أقاموا دونه، ولم ينتظروه، ثم قال لأبي بكر، مالك لا تثبت مكانك إذ أمرتك؟ فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم على رسول الله
[ ٢ / ٨١٤ ]
ﷺ ثم قال للقوم: مالي رأيتكم تصفقون؟ إذا نابكم أمر في الصلاة فلتسبحوا، فإنما التسبيح للرجال والتصفيق للنساء. والله أعلم.
قوله: وعلى المرأة إذا كانت حرة أن تستتر في صلاتها.
قال القاضي حسين: الكلام في هذا الفصل في ستر العورة، وهو واجب في الصلاة، وخارج الصلاة، قال الله تعالى، خذوا زينتكم عند كل مسجد. وقال ﵇: صلاة بعمامة أفضل من سبعين صلاة بغير عمامة.
ثم الكلام فيما هو عورة:
أما الرجل، فعورته فما بين السرة والركبة، فعليه أن يستر هذا القدر في الصلاة.
فأما الحرة فجميع بدنها عورة، إلا الوجه والكفين، قال الله تعالى، ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، قيل في التفسير: ما ظهر منها: الوجه والكفان.
وفي أخمص قدميها وجهان:
[ ٢ / ٨١٥ ]
أحدهما: ليس بعورة كالفين.
والثاني: هو عورة لكونه مستورًا في الغالب.
ويعني بالكفين، يديها، من الكوعين إلى رءوس الأصابع. ومن أصحابنا من قال: ظهور كفيها عورة، والمعنى بالكفين بطون كفيها والأصح هو الأول.
وأما الأمة فلأصحابنا فيما هو عورة منها وجهان:
أحدهما: عورتها كعورة الرجل.
والثاني جميع بدنها عورة، إلا ما يبدو منها عند المهنة والفضلة، كالعنق، والساقين والساعدين.
وفي الجملة: رأسها ليست بعورة.
والفرق بين الحرة والأمة أن الأمة تكون مبتذلة في الأسواق لقضاء الأوطار، وإنجاح الطلبات غالبًا، وليس في ذلك إسقاط مروءتها، والحرة تكون مستورة في خدرها، ملازمة لقعر بيتها غالبًا، وفي بروزها وكشف رأسها إسقاط مروءتها، فلو انكشف جزء من عورة الرجل أو المرأة في الصلاة مع القدرة على ستره لم تصح الصلاة عندنا.
وقال أبو حنيفة: العورة عورتان: عورة مغلظة، وعورة مخففة، فالمغلظة كالفرج فيجب ستره عنده، ويعفى عن قدر درهم، وما دونه منه، فأما ما زاد على درهم، فلا يعفى عنه.
والمخففة لجميع البدن، أي بدن المرأة، والفخذين والماكمين من الرجل لا يعفى عن در الربع منه وما فوقه، ويعفى عما دون الربع، ولو استوعب العورة بالستر، وشرع في صلاة، فهبت ريح، وكشفت عن عورته، أو انكشفت بنفسها، فإن سترها في الحال لم يضر الصلاة، وإن مضى زمان، ثم سترها
[ ٢ / ٨١٦ ]
بطلت صلاته، سواء كان جاهلا بانكشافها أو عالمًا به نظيره نجاسة حافة تقع على المصلى رفضها في الحال صحت صلاته، وإن مضى زمان ثم رفضها بطلت صلاته سواء كان. عالمًا به أو جاهلًا.
ولو وقعت على مسجده نجاسة يابسة، فإن تنحى عنها وسجد جاز، ولو ستره بثوب آخر جاز، ولو نحاه عنه بكمه تبطل صلاته، ولو أخذ قدا من الأرض ونحاه عن مسجده فيها وجهان ولو أخذ طرفا من مسجده، وزعزعه حتى سقط منه.
الظاهر: أنه لا تبطل صلاته.
ثم الكلام فيما يقع به الستر:
أما الثياب الصفيقة التي يستر العورة لونها، وخلقتها، إذا سترها صحت صلاته.
وأما الثوب الشفة التي تستر الجسد، والخلقة ولا تستر اللون لا يقع به الستر حتى لو لبس قميصًا شفا مهلهل النسج، أو سراويل بهذه الصفة لم تصح صلاته؛ لأنه يصف ما تحته.
ولو لبس قميصًا شفا، وسراويل تحته إن عقد التكة على المعقد المعتاد لم تصح صلاته؛ لأن فوقه إلى السرة يلي العورة، وإن عقدها على السرة صحت صلاته.
وعلى هذا لو لبس زجاجة إن تصور إن كان يصف لون العورة لم تصح صلاته، وإن سترت العورة لونها وخلقتها صحت صلاته، ولو اقتدى بإمام لبس شفًا مهلهل النسج، إن علم به حالة الإحرام لم تنعقد صلاته، وإن كان جاهلًا به، ثم علم من بعد لا يتابعه، فإن تابعه بطلت صلاته.
ولو طلي على عورته الطين، فوجهان:
أحدهما: حصل الستر؛ لأنه ستر اللون، والمصود ستر اللون دون ستر الجسد والخليقة.
[ ٢ / ٨١٧ ]
والثاني: لا؛ لأنه يتشقق إذا هوى إلى الركوع والسجود، فتظهر منه العورة. ولو وقف في ماء صاف ترى منه عورته من الجنب والأسفل لم تصح صلاته، وإن كان كدرًا لا ترى عورته من جنبه، فعلى وجهين:
أحدهما: يقع به الستر، قاله صاحب التلخيص كما بالطين.
والثاني: لا؛ لأنه لم يتخذ ساترًا، بل احتجب بالماء عن الأبصار، كما لو دخل بيتًا في ليلة ظلماء، وصلى مكشوف العورة لا تصح صلاته.
ولو حفر حفيرًا في الأرض، ووقف فيها وصلى على جنازة جاز.
ولو جمع التراب، وصلى مضطجعًا على الجنب، والتراب ساتر له صحت صلاته، ولو لبس قميصًا إن كان ضيق الجيب لا يرى عورته من وقف بجنبه صحت صلاته، وإن لم يشد الأزرار، وإن كان واسعًا وشد الأزرار، بحيث لا يرى عورته من الأعلى من وقف تحته صحت صلاته وإن كان عورته ترى من الأسفل.
وكذا إذا اتزر بإزار لا ترى عورته من الأعلى، ومن الجنب، ووقف على طرف سطح، بحيث يرى عورته من وقف تحته صحت صلاته.
فإن قيل: ما الفرق بين الملابس للخف إذا ظهر قدماه من الأعلى جاز له المسح، ولو ظهر قدمه من الأسفل لم يجز له المسح؟
قلنا: الفرق أن الخف إنما يتخذ للبس الأسفل في العادة، فاعتبر ستر الأسفل، والقميص إنما يتخذ ليستر الأعلى به، دون الأسفل، فاعتبر ستر الأعلى به، وإن كان جيب القميص واسعًا، والرجل أمرد يرى عورته من وقف بجنبه لم تصح صلاته.
وإن كان صاحب لحية عريضة تستر عورته، وتمنع نفوذ الأبصار، فيها وجهان: أحدهما: يجزيه لوجود الستر.
والثاني: لا؛ لأنه ستر بعضه ببعضه.
[ ٢ / ٨١٨ ]
ولو كان في إزاره خرق فوضع اليد عليها وسترها باليد، فعلى هذين الوجهين ولو جمعه وأخذه بكفه، فوجه واحد: أنه يجوز.
ولو وضع الغير اليد عليها، وستر الغير باليد، قال ﵁: حرام عليه ذلك لأنه يمس عورته ولكن تصح صلاته كما لو ستر عورته بالديباج وإن دخل في دن وكان رأسه ضيقًا صحت صلاته على الجنازة منه، وإن كان رأسه واسعا لا يجوز.
وإذا وجد ثوبًا نجسًا، هل يلزمه ستر العورة؟ فعلى وجهين:
أحدهما: بلى، كما يلزمه سترها في حق الآدميين.
والثاني: لا؛ لأن الصلاة لا تصح مع النجاسة، والمقصود بهذا الستر جواز الصلاة وفي حق الآدميين المقصود منع الابصار والنجس يمنع الأبصار كالظاهر.
فأما الثياب المتخذة من الإبريسم يجوز للنساء استعمالها، وستر العورة بها، فأما الرجال إن قلنا: يلزمه استعمال النجس، فهذا أولى، وإلافوجهان.
والفرق أن المتخذ من الإبريسم حرم استعماله لما فيه من الريبة، لكنه ظاهر لا ينافي صحة الصلاة، بخلاف النجس، فإنه ينافي صحة الصلاة.
والثوب المغصوب إذا لبسه، وصلى فيه صحت صلاته، وإن عصى بلبسه.
ومن أصحابنا من قال: لا تصح صلاته، وهذا مذهب المعتزلة، وهكذا إذا تيمم بتراب الغير، أو توضأ بماء الغير تصح طهارته، وإن كان عاصيًا بفعل التوضؤ والتيمم بالمغصوب، ولو وقع في أرض الغير لا يجوز له أن يتيمم بترابها، ولا أن يصلي فيها، بل يصلي ماشيًا لحق الوقت، ثم يعيد، ولو صلى فيها صحت صلاته، فإذا دخل عليه وقت الصلاة، وهو في شارع نجس لا يجوز له أن يدخل أرض الغير ليصلي فيها، بل يصلي على المكان النجس لحرمة الوقت، ثم يعيد الصلاة.
قوله: (فإن صلت الأمة مكشوفة الرأس أجزأها) فهو كما قال؛ لأن رأسها
[ ٢ / ٨١٩ ]
ليس بعورة كما بينا، فلو شرعت في الصلاة مكشوفة الرأس، ثم عتقت لم يجز فيها أن تمضي على صلاتها مكشوفة الرأس، بل يلزمها الستر، فإن كان الساتر قريبًا منها سترت وبنت، وإن كان بعيدًا منها فمشت إليه، وسترت به الرأس بطلت صلاتها في ظاهر المذهب.
وخرج فيه قول آخر: من سبق الحدث تبني على صلاتها، ولو صبرت حتى أتيت بالساتر، فمرتب على ما إذا مشت إليه، إن قلنا هناك: لا تبطل صلاتها فها هنا أولى، وإلا فوجهان.
ولو عتقت، فصبرت ساعة لم تستر الرأس بطلت صلاتها، سواء كانت عالمة بالعتق أو جاهلة به.
قال المزني: وأحب أن يصلي الرجل في قميض ورداء، وإن صلى في إزار واحد أو سراويل، أجزأه وكل ثوب يصف ما تحته، ولا يستر لم تجزيء الصلاة فيه.
قال القاضي حسين: وليس يختص الاستحباب بهذين، بل المستحب أن يتعمم مع القميص والرداء أو بتطيلس، لأن فيه زيادة الزينة، قال الله تعالى، (خذوا زينتكم عند كل مسجد) وفي الآثار، العمائم تيجان العرب.
وقال ﵇: صلاة بعمامة أفضل من سبعين صلاة بغير عمامة.
وقال ﵇: زر ولو بشوكة وارتد ولو بحبل.
وقال ﵇: أيعجز أحدكم أن يتخذ لجمعته ثوبين. فإن صلى في ثوب واحد مع وجود غيره أجزأه.
[ ٢ / ٨٢٠ ]
روي عن جابر أنه صلى في داره ورداؤه على المشجب، فقال واحد: أنت صاحب رسول الله ﷺ تصلي في إزار، ورداؤك على المشجب؟
فقال: عمدًا فعلت ليراني جاهل مثلك، فيعلم أن ذلك جائز، فأينا كان له على عهد النبي ﷺ ثوبان.
فإن أراد أن يقتصر على ثوب واحد، فالمستحب أن يلبس القميص، وإن كان معه إزار وسراويل، وأراد أن يقتصر على أحدهما، فالإزار أولى، لأنه لا يلتصق بالعورة بل يجافيها فلا يجافي العورة ولا يصف سمنها وهزالها.
ثم ذكر الشافعي ﵀ حكم الشف المهلهل الذي يظهر منه لون العورة أن الصلاة فيه لا تجوز، وقد ذكرنا.
[ ٢ / ٨٢١ ]
فصل
قد ذكرنا أن من وجد الستر لا يجوز له تركه، وكذلك من قدر على تحصيله بأن كان معه ثمنه، ويباع بثمن المثل، أو يعار منه، فلزمه قبوله.
ولو استعار ثوبًا، فلم يعطه ليس له أن يكابره، بل يصلي عريانًا، بخلاف ما يحتاج إليه لشدة البرد له أن يكابر، لأن فيه استيفاء مهجته، ولو وهب منه الثوب لم يلزمه قبوله.
والفرق أن المستعير للساتر لا تلحقه منة عظيمة كالمتهب للماء، والمتهب للساتر تلحقه المنة العظيمة، كالمتهب لثمن الماء.
ولو أن جماعة من العراة كانوا في موضع واحد، ومع واحد منهم ثوبًا يعيره منهم واحدًا فواحدًا، إن علم أن الثوب ينتهي إليه قبل خروج الوقت لم يجز له أن يصلي عريانًا، وإن علم أن النوبة لا تنتهي إليه إلا بعد خروج الوقت نص ها هنا على أنه يؤخر الصلاة عن الوقت مراعاة لحق الستر.
ونص على أن جماعة لو كانوا في سفينة، وفيها موضع واحد للقيام، وعلم أن النوبة لا تنتهي إليه، إلا بعد خروج الوقت يصلي قاعدًا مراعاة لحق الوقت.
فمن أصحابنا من جعل في المسألة قولين نقلا وتخريجًا.
ومنهم من فرق بينهما بأن للقيام بدلا ينتقل إليه وهو القعود، ويجوز تركه مع القدرة عليه في صلاة النفل بخلاف الستر، فإن الستر ليس له بدل ينتقل إليه، ولا يجوز تركه مع القدرة عليه.
فأما إذا وجد الثوب النجس.
إن قلنا: يلزمه استعماله يصلي فيه ويعيد.
وإن قلنا: لا يلزمه استعماله يصلي عريانًا ثم يصلي قائمًا، أو قاعدًا؟
[ ٢ / ٨٢٢ ]
فعلى قولين:
أحدهما: قائمًا، وهو الأظهر- لأن المقدور عليه من أمر الصلاة لا يسقط بالمعجوز عنه، فعلى هذا لا تلزمه الإعادة.
والثاني: يصلي قاعدًا ليكون أستر، فعلى هذا يضع الجبهة على الأرض أو يدنيها من الأرض، فوجهان:
أحدهما: يضع الجبهة على الأرض؛ لأن السجود لا يتم عندنا إلا بوضع الجبهة.
والثاني: يدنيها من الأرض ليكون أستر.
وعلى الوجهين تلزمه إعادة الصلاة في ظاهر المذهب، إلا على طريقة المزني، ومن يخرج ذلك على اصل الشافعي أن من ترك شرطًا، أو ركنًا للعجز لا إعادة عليه.
وعند أبي حنيفة، العاري يتخير بين أن يصلي قائمًا، او يصلي قاعدًا، واحتج بأنه اجتمع له فرضان: ستر العورة، والقيام، وتعذر الجمع بينهما فيخير فيهما.
فرع
لو اجتمع جماعة من العراة، فالمستحب لهم أن يصلوا جماعة أو فرادى. قال في الجديد: هم بالخيار بين الصلاة جماعة وفرادى.
وقال في القديم: يصلون فرادى، فإن صلوا جماعة أجزأهم، ثم إذا صلوا جماعة وقف إمامهم وسطهم، كإمامة النساء تقف وسطهن، فإن تقدم جاز، وإن كان فيهم لابس فالأولى أن يتقدم اللابس، فلو تقدم عار جاز عندنا للابس أن يقتدى به.
وقال أبو حنيفة: اقتداء اللابس بالعاري لا يجوز، وإن وجد بعض ما يستر به
[ ٢ / ٨٢٣ ]
العورة لزمه ستر ذلك القدر، بخلاف ما لو وجد من الماء ما يكفيه لبعض أعضاء طهارته لا يلزمه الاستعمال في أحد القولين؛ لأن المقصود من استعمال الماء رفع الحدث، والحدث لا يتبعض، والمقصود من استعمال الثوب ستر العورة، والستر مما يتبعض.
وإن وجد من الساتر ما يكفيه، إما لقبله، او لدبره، فوجهان:
أحدهما: يبدأ بالدبر.
والثاني: بالقبل.
والصحيح: أنه يتخير فيهما لاستوائهما في وجوب الستر، وتغليظ حكمهما، ومن قال: ستر الدبر أولى، قال: لأنه يتفاحش في الركوع، والسجود تفاحشًا كثيرًا.
والصحيح أن القبل أولى، لأنه يستقبل به القبلة، ألا ترى أنه لا تستقبل لبول ولا غائط، والدبر يستره الأليتان حال القيام بخلاف القبل؟
وقال الإمام ﵁: في الرجل: الدبر أولى، وفي المرأة: القبل أولى.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
فصل
المحبوس في مكان نجس إذا وجد ثوبًا يكفيه، إما للستر، أو للبسط على النجاسة، فبأيهما يبدأ؟
فعلى قولين:
أحدهما: بالستر؛ لأن فيه حقين؛ حق الله تعالى وحق الآدميين، فكان أولى بالتقديم.
والثاني: بالبسط على النجاسة؛ لأن حكم العرى أخف من حكم النجاسة، بدليل أن العاري يصلي، ولا إعادة عليه، ومن على بدنه نجاسة لا يصلي إلا بشرط الإعادة.
فإن قلنا: يبسطه على النجاسة ويصلي عاريًا، فحكمه ما مضى.
وإن قلنا: يستر به العورة، ويصلي به على النجاسة، فهل يلزمه وضع الجبهة عليها أو يدنيها منها؟
إن كانت النجاسة رطبة يدني الجبهة منها، إذ لو وضعها عليها أدى إلى التلويث وتفاحش النجاسة.
وإن كانت يابسة فوجهان.
وعلى الوجهين يعيد الصلاة. والله أعلم بالصواب.
قال المزني: ومن سلم أو تكلم ساهيًا، أو نسي شيئًا من صلب الصلاة، بني ما لم يتطاول ذلك، وإن تطاول، استأنف الصلاة.
قال القاضي حسين: أما السلام في خلال الصلاة إن تعمدت بطلت صلاته، لأنه خطاب آدمي منهي عنه في الصلاة وإن كان ساهيًا لم تبطل به صلاته، ووافقنا فيه أبو حنيفة.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
وأما الكلام إن كان عمدًا بطلت به صلاته، سواء كان من مصلحة الصلاة، أو لم يكن من مصلحتها.
وقال مالك: كل كلام هو من مصلحة الصلاة، كقوله للإمام إذا قعد في محل القيام قم، أو قام في محل القعود: اقعد لا تبطل به صلاته، واحتج بحديث ذي اليدين.
وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ صلى إحدى صلاتي الظهر أو العصر، فسلم على ركبتين، فخرج سرعان القوم وقالوا: قصرت الصلاة، قصرت الصلاة، وقام النبي ﷺ، وجلس على خشبة المسجد كالمتفكر، وهبنا أن نسأله، وكان في القوم رجل إحدى يديه أطول من الأخرى، يقال له ذو اليدين، فقام، وقال: أقصرت الصلاة أم نسيتها يا رسول الله؟
فقال ﵇: كل ذلك لم يكن.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
فقال: لقد كان بعض ذلك، وكان في القوم أبو بكر وعمر فقال لهما ﵇: أكما قال ذو اليدين؟ فقالا: نعم، فقام وأتم الصلاة، وسجد سجدتين.
فدليلنا ما روى عن معاوية بن الحكم أنه قال: كنت أصلي مع النبي ﷺ، فعطس رجل في القوم فشمته وقلت له، يرحمك الله، فرأيت القوم يرمونني بأبصارهم فقلت: واثكل أماه، ما لكم ترمقونني بأبصاركم، فجعلوا يضربون أيديهم على أفخاذهم، فعملت انهم يسكتونني لكني سكت، فلما سلم النبي ﷺ دعاني، فو الله ما كهرني ولا شتمني ولا زجرني، وما رأيت معلمًا أرفق بي، ثم قال: إن صلاتنا هذه لا يصحل فيها شيءٌ من كلام الآدميين إنما هي تسبيح وتهليل وتكبير وتمسكن ويا رب يارب.
وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: قدمت من أرض الحبشة، ورسول الله ﷺ في الصلاة، فسلمت عليه، فلم يرد على فأخذني ما قرب وما بعد، وروى ما قدم وما حدث، فلما سلم النبي ﷺ قال: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما أحدث ألا تتكلموا في الصلاة.
وقوله: ما قرب وما بعد، يحتمل أنه أراد ما قرب من عهدنا بإباحة الكلام في الصلاة، وما بعد منه، ويحتمل أنه اراد غاضني ذلك، وأخذ في طبع الجاهلية، ولا حجة له في حديث ذي اليدين، لنه كان جاهلا بتحريم الكلام،
[ ٢ / ٨٢٧ ]
وكونه في الصلاة؛ لأنه كان تعذر قصر الصلاة والزمان وزمان النسخ، والنبي ﵇ كان أيضا غير عالم أنه في الصلاة، وكلام الجاهل لا يبطل الصلاة عندنا.
وأما أبو بكر وعمر ﵄ فقد روى أنهما أشارا برؤسهما أي نعم، ولم يتلفظا به.
وإن صح أنهما تلفظا به، فكان هو خطاب الرسول ﵇، وهو ﵇ مخصوص بأن يخاطبه المصلي، ولا تبطل صلاته، يدل عليه أنه أمر الله كل مصلي بخطابه في التشهد، وذلك قوله: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فإنه ﵇ إذا دعي يلزمه الإجابة، ولا يسوغ له ترك إجابته دليله حديث أبي بن كعب.
وأما كلام الناسي والجاهل، قليله لا يبطل الصلاة عندنا، وفي كثيرة وجهان: أحدهما: لا يبطل الصلاة كالقليل.
والثاني: يبطل.
ولأي معنى يبطل معينان:
أحدهما: إمكان الاحتراز عنه.
والثاني: قطعه نظم الصلاة، والأكل ناسيًا في الصوم إن كان يسيرًا لا يبطل الصوم، وإن كان كثيرًا فمرتب على الكلام الكثير في الصلاة:
إن قلنا: لا تبطل به الصلاة، فها هنا أولى، وإلا فوجهان بناء على المعنيين إن جعلنا المعنى فيه إمكان الاحتراز بطل به الصوم.
وإن لنا: بالمعنى الاخر لم يبطل، إذ ليس في الصوم نظم يقطع بالفعل، ولو ابتلغ قدر السمسمة في الصلاة، أو وضع ما يندي في فمه، ومصه وابتلع ماءه، فوجهان.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
وقال أبو حنيفة: كلام الناسي والجاهل يبطل الصلاة، ككلام العامد، واحتج بحديث ابن مسعود ومعاوية.
دليلنا: حديث ذي اليدين وهو نص في محل النزاع.
والمعنى فيه أنه خطاب آدمي، عمده يبطل الصلاة، فسهوه لا يبطلها، دليله السلام. ورده لا يلزم لوجهين:
أحدهما: لفظا
والثاني: إن رده لا يبطل الصلاة، بل يبطل الإيمان، ثم يترتب عليه بطلان الصلاة.
وأما نسيان الركن من صلب الصلاة، إن ذكره على قرب الوقت عاد وبني على صلاته، وإن ذكره بعد طول الفصل، فقياس مذهبه في الجديد أنه يستأنف.
وفي القديم: يبني، وهما كالقولين، فيما لو سلم ناسيًا لسجدتي السهو ذكرهما بعد طول الفصل يعود في القديم، ويأتي بهما.
وفي الجديد: لا يعود.
من أصحابنا من قال قولا واحدًا: يلزمه الاستئناف في نسيان الركن، كما نص عليه ها هنا، بخلاف ما لو ترك سيجدتي السهو، والفرق بأن سجود السهو سنة تتم الصلاة بدونه، فكان حكمه أخف بخلاف الركن.
هذا كله في الأركان الفعلية.
فأما القراءة إذا تركها ناسيًا حكمه في الجديد حكم سائر الأركان الفعلية.
وفي القديم يسقط النسيان، قلد فيه الشافعي عمر بن الخطاب ﵁ في القديم، روى أنه سئل عمن صلى، وقد نسي القراءة فقال: كيف كان الركوع والسجود؟
فقالوا: حسن
[ ٢ / ٨٢٩ ]
فقال: لا بأس إذا.
ولا خلاف أنه لو ذكرها قبل الركوع يلزمه أن يأتي بها، وبعد الركوع لا يلزمه ذلك على مذهبه القديم.
قال القاضي ﵁: ويحتمل أن يقال: ما لم يسلم يلزمه أن يأتي بالقراءة إذا تركها ناسيًا، لأن الظاهر من حديث عمر أنه إنما سئل بعد الفراخ من الصلاة حتى رخص في تركها.
والقولان في سقوط القراءة بالنسيان، كالقولين في سقوط الترتيب بالنسيان.
والقولان في وجوب الإعادة إذا صلى مع النجاسة ناسيا والأظهر في المسائل كلها أنه لا يعذر بالنسيان.
فإن قيل: ما معنى قوله في الكلام: ما لم يتطاول الفصل، فإن تطاول استأنف، وإنما يستقيم هذا الاستثناء فيما لو سلم ناسيًا، أو ترك ركنًا من صلب الصلاة ناسيًا.
قلنا: هو الصحيح في الكلام، كهو في نسيان الركن والسلام.
ومعناه إذا تكلم ناسيًا للصلاة، ثم تذكر أنه في الصلاة بعد زمان إن لم يطل الفصل بني وإن طال استأنف كام لو سلم ناسيًا في خلال الصلاة، ثم بعد زمان ذكره إن لم يطل بناه، وإن طال استأنف.
سئل القاضي ﵀: ما حد الفصل القريب والبعيد؟
قال: الفصل القريب ما بين الخطبة والشروع في الصلاة، أو ما بين الصلاتين إذا أراد الجمع بينهما، ثم إنما يجوز له البناء إذا لم يطأ النجاسة، وبعدما تذكر ليس له أن يرجع إلى الموضع الذي سلم فيه، بل في الموضع الذي سلم تذكر يبني ويصلي.
قال المزني: وإن تكلم، أو سلم عامدًا، أو أحدث فيما بين إحرامه، وبين سلامه استأنف لأن النبي ﷺ قال: تحليلها التسليم.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
قال القاضي حسين: قد ذكرنا حكم الكلام عامدًا أو ناسيًا.
فأما الحديث، فعمده يبطل الصلاة، وإذا أحدث الإمام لم يبطل صلاة من خلفه عندنا.
وقال أبو حنيفة: إذا أحدث الإمام متعمدًا بطلت صلاته، وصلاة من خلفه، بناه على أصله، وهو أن المأموم يؤدي صلاته بصلاة إمامه، فإذا بطل صلاة الإمام، وهي الأصل بطلت صلاته، لأنها كالفرع والتبع، وعلى هذا الأصل بنوا مسائل:
منها: إن المأموم لا تجب عليه القراءة عنده؛ لأنه يؤدي صلاته بصلاة إمامه، فيحملها عنه إمامه.
ومنها: أنه لا يجوز اقتداء القاريء بالأمي، واللابس بالعاري، والموميء بالقائم والقاعد عنده، لأنه يؤدي صلاته بصلاة إمامه، والإمام عجز عن الإتيان بما افترض عليه من السنن والقراءة، وإذا بأن الإمام جنبًا يوجب الإعادة على هذا الأصل.
وإذا وقفت المرأة بجنب رجل في الصلاة، واقتدت به بطلت صلاته، وصلاتها عنده، لأن الإمام افترض عليه تأخيرها، فلما لم يؤخرها ترك فرضًا، فبطلت صلاته، وإذا بطلت صلاته بطلت صلاتها.
[ ٢ / ٨٣١ ]
ووافقنا في أن القاعد يقتدي بالقائم، والمتوضيء بالمتيمم، ولكان يتحمل عنه سائر الأركان، كما قلتم في القراءة.
فأما إذا سبقه الحدث.
ففي الجديد: يستأنف؛ لأن كل حدث يبطل الطهارة يبطل الصلاة كالعمد.
وفي القديم: يبني وبه قال أبو حنيفة إلا أن عنده: إنما يبني بشرطين.
أحدهما: أنه يعود إلى مصلاه، وأن يستخلف حين خروجه للتوضؤ.
وعندنا على قول البناء لو لم يستخلف جاز، ولا يجوز له أن يعود إلى مكانه، فضلا عن أن يجب عليه، ولا فصل عندنا بين الحدث والمني والودي.
وعند أبي حنيفة: لو سبقه المني، أو أصابته نجاسة لا يزيلها إلا الماء، تبطل صلاته.
فرع الشافعي ﵀ على قول البناء، فقال: لو خرج، وبال لم تبطل صلاته، لأن الطهارة انقضت بما سبق من الحدث، فبقية البول لا أثر لها في إبطال الطهارة، وهو عمل قليل، فلا يعثر في إبطال الصلاة.
وهذا القول توقيف، لا محل للقياس، ومداره على الحديث الذي روى أن النبي ﷺ قال: من قاء أو رعف أو أمني فلينصرف وليتوضأ وليبن على صلاته ما لم يتكلم.
ثم شرط صحة البناء ألا يعرج على شيء، إلا على الطهارة حتى لو كان للمسجد بابان: أحدهما أقرب إلى الماء، والآخر أبعد لا يخرج من الأبعد، فإن خرج على غير الطهارة بطلت صلاته.
[ ٢ / ٨٣٢ ]
قال المزني: وإن عمل في الصلاة عملا قليلا، مثل دفعه المار بين يديه، أو قتل حية، أو ما أشبه ذلك لم يضره، وينصرف حيث شاء عن يمينه وشماله، فإن لم يكن له حاجة، أحببت اليمين، لما كان ﵇ يحب من التيامن.
قال القاضي حسين، العمل قسمان: قليل لا يبطل الصلاة وكثير يبطلها.
والأصل في أن العمل لا يبطل الصلاة ما روى أن النبي ﷺ قال: اقتلوا الأسودين ولو في الصلاة: الحية والعقرب.
وما روى أنه قال ﵇، إذا مر بين يدي أحدكم مار فليدفعه، فإن أبى فليدفعه، فإن أبي قليقاتله فإنه شيطان.
وفي هذا الخبر دليل على أن العمل القليل لا يبطل الصلاة، وأن المرور بين يدي المصلي مكروه، وإنما يكره ذلك إذا كان بينه وبين المار حائل بأن يقف بقرب جدار، أو أسطوانة أو عند خشبة أو كان في صحراء، ولم يكن بينه وبين الخشبة إلا قدر ما يسعه المسجد.
قال ﵇: لو علم المار بين يدي المصلي ما عليه لوقف أربعين.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
قيل: أربعين يومًا.
وقيل: أربعين ساعة.
والحد الفاصل بين العمل القليل والكثير، منهم من قال: ما يتراه الناظر من البعد أنه خارج الصلاة، فهو الكثير، وما لا يتراه الناظر أنه ليس في الصلاة فهو القليل.
قال القاضي ﵀: وكان القفال ﵀ يقول: سمعت أبا نصر المؤذن ببخارى، يقول: كل عمل يتأتي بإحدى اليدين كحل الإزار، ووضع العمامة، وحل الزر، فهو قليل لا يبطل الصلاة، وما لا يتأتي إلا بكلا اليدين كتكوير العمامة، وعقد الأزرار، فهو كثير يبطل الصلاة.
والصحيح أن المرجع فيه إلى العرف والعادة وفيما يعد قليلا في العادة فهو قليل، وما يعد كثيرًا فهو الكثير.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
فخرج من هذا انه لو حك نفسه في الصلاة مرة، أو مرتين لم تبطل صلاته، وإن حك نفسه ثلاث مرات، فأكثر على التوالي بطلت صلاته، ولو قتل حية في الصلاة بضربة أو ضربتين لم يضر، فإن والي عليه الضربات بطلت صلاته.
ولو مشي في الصلاة خطوة أو خطوتين لم تبطل، وإن مشي خطوات على التوالي، بطلت صلاته، ولو مشي خطوات في كل ركن خطوة، أو خطوتين، أو في كل ركن ممتد بدفعات لم تبطل صلاته.
وإن أكل في الصلاة: إن كان المأكول أقل من سمسمة لم تبطل صلاته، وإن كان بقدر سمسمة فوجهان:
أظهرهما: أنه يبطل الصلاة، لأنه عبادة يبطلها الأكل كالصوم.
والثاني: لا يبطل لأنه عمل قليل في الصلاة.
ولو وضع في فمه علكا: إن كان جديدًا ينماع، ويختلط بالريق، فيصل إلى الجوف بطلت صلاته، وإن لم يمضغ لم تبطل صلاته، كما لو وضع درهمًا في فمه.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
فصل
نص الشافعي على ان الأنين والتنحنح وانفح لا يبطل الصلاة.
قال الشافعي: هذا إذا لم يظهر منه حرفان، فإن ظهر حرفان بالنفخ والتنحنح ولم يك مغلوبًا عليه فيه بطلت صلاته، وإن كان مغلوبًا عليه لم تبطل صلاته، ولو بكي في صلاته، وظهر حرفان بطلت صلاته إذا لم يكن فيه مغلوبًا عليه بمكاء لمصيبة الدنيا، أو لمصيبة الآخرة فهو سواء.
وقال أبو حنيفة: إن بكي لمصيبة الدنيا بطلت صلاته، وإن بكي لمصيبة الآخرة لم تبطل، ولو تقهقه في صلاته بطلت صلاته، وإن تبسم لم تبطل حتى لا يظهر حرفان.
وإن كان في حلقه نخامة أراد إخراجها، فليضم شفتيه حتى لا يظهر حرفان، فإن لم يضمها حتى ظهر حرفان بطلت صلاته.
وإن تنحنح إمامه: إن علم أنه مغلوب عليه لم يضر صلاته، وإن شك في ذلك خرجها الأصل على وجهين:
أحدهما: تبطل صلاته لأن الظاهر من حالة الصحة، وأنه غير مغلوب عليه، كما لو شهد شهود على إقرار الإنسان مطلقا تقبل شهاتدهم، ويحمل إقراره على الصحة، وإن احتمل عوارض تمنع صحة الإقرار.
[ ٢ / ٨٣٦ ]
والثاني: لا تبطل صلاته، لأن الأصل بقاء العبادة وأنه لا يقدم علي المفسد، ولو استقاء عامدًا، بطلت صلاته.
ولو نزلت نخامة من رأسه: فإن تيسر إخراجها ولفظها، فابتلعها حكمه حكم الأكل.
فأما إذا قلنا: أنه إذا تنحنح بالوجه الأول يلزمه إخراج نفسه عن الصلاة، وإن قلنا: بالوجه الثاني لا يخرج نفسه عن صلاته، ثم ننظر، فإ، سجد الإمام للسهو في آخر الصلاة سجد فيه، وإلا فيسجد هو سجدتي السهو.
قوله: إذا ناب المصلي شيء في الصلاة، فله أن ينبه بذكر من الأذكار.
قال القاضي حسين: لا يفصل بين أن ينوبه ذلك بسبب إمامه، مثل أن يزيد إمامه بغلط فيقصد تنبيهه بشيء من القرآن، أو بذكر من الأذكار، أو بسبب غير إمامه مثل أن يقرع عليه الباب فيقول: الله أكبر، أو يقول: سبحان الله، أو يقرأ شيئًا من القرآن، وقصد به قراءة القرآن، وينبهه ليعلم أنه في الصلاة، فكذلك له أن يقول: ادخلوها بسلام آمنين، يقصد به قراءة القرآن وإذنه في الدخول، ولو قال هناك من اسمه يحيى: يا يحيى خذ الكتاب بقوة، وقصد به قراءة القرآن جاز أو يقصد لواحد: اخلع نعليك، ويقصد به قراءة القرآن، أو يفتح القراءة على إنسان.
وقال أبو حنيقة: إذا نبه إمامه، وفتح القراءة جاز، وإلا فلا.
قال ﵁: قضية ما قلناه أن يقال:
لو قال في صلاته حديث: كن يا زيد مقطعًا، وقصد به قراءة القرآن، لم تبطل الصلاة، لأن كل ذلك في القرآن.
ولو روى خبرا في الصلاة مثل قوله: لا صلاة إلا بطهور، ومثل قوله: الخراج بالضمان بطلت صلاته، ولو قال: السلام لم تبطل لأنه في القرآن وهو اسم من أسماء الله تعالى.
[ ٢ / ٨٣٧ ]
ولو قال: قال الله تعالى، أو قال رسول الله، بطلت صلاته.
قال القاضي: إلا أن يقصد به قراءة القرآن، وأتي به مقطعًا فلا تبطل صلاته. قوله: إذا قرأ في الصلاة من المصحف صحت صلاته عندنا، وكذا إذا قرأ من موضع مكتوب فيه من جدار، أو غيره، سواء أمكنه القراءة عن ظهر القلب، أو لم يمكنه ذلك.
وقال أبو حنيفة: بطلت صلاته، ولو وقع بصره على شيء مكتوب في المحراب، سوى القرآن، وجعل ينظر فيه، ولم يتلفظ به لم تبطل صلاته، وإن تلفظ به بطلت صلاته، وإن اشتغل في الصلاة بالتخريجات، واستنباط المسائل، ففي غاية الكراهة، ولا تبطل به الصلاة.
وإن عد الايات، فإن عدها لفظًا، فهو كلام يبطل الصلاة، وإن عدها بالإصبع، فإن لم يدخل في حد الكثرة لم تبطل به الصلاة، وإن دخلت في حد الكثرة، والعمل الكثير، كما يبطل عمده الصلاة، فكذلك سهوه يبطلها، لأنه يقطع النظم، قاله ﵁.
وكلام العمد إن كان يسيرًا يبطل الصلاة، والعمل القليل لا يبطلها ..
والفرق أن الصلاة قد تجوز مع العمل العمد الذي هو ليس من جنس الصلاة، في الجملة، وهو صلاة الخوف ينزل عن الدابة، أو يركب في أثناء الصلاة، فلهذا قلنا: قليله عند الاستنغناء عنه لا يبطلها، كاستقبال القبلة يجوز تركها في حالة الضرورة، فعند القدرة لو انحرف يسيرًا لم يضر، بخلاف كلام العمد، فإنه لا تجوز الصلاة معه بحال من الأحوال، فقلنا بأنه يبطل الصلاة أينما وجد كالحدث.
والمعنى فيه: أن المصلي لا يمكنه الاحتراز، من العمل القليل بالا يتحرك في نفسه، ولا يحك نفسه، أو يمر يديه مار فيدفعه، أو يقتل حية أو عقربًا على مسجده، بخلاف الكلام، فإنه يمكنه الاحتراز عنه إذا كان عملا، ويكره أن
[ ٢ / ٨٣٨ ]
يصلي على مسجده عليه خطوط ونقش، لأن المصلي مأمور بأن ينظر في مسجده إذا كان قائمًا.
قال المزني: وإن فات رجلا مع الإمام ركعتان من الظهر، قضاهما بأم القرآن، وسورة كما فاته، وإن كانت مغربا وفاتته منها ركعة، قضاها بأم القرآن، وسورة وقعد وما أدرك من الصلاة، فهو أول صلاته.
قال المزني: قد جعل هذه الركعة في معنى الأولى، لقراءة أم القرآن وسورة وليس هذا من حكم الثالثة، وجعلها في معنى الثالثة من المغرب بالقعود، وليس هذا من حكم الأولى، فجعلها آخرة اولى، وهذا متناقض، وإذا قال: ما أدرك فهو أول صلاته فالباقي عليه آخر صلاته وقد قال بهذا المعنى في موضع آخر.
قال المزني: وقد روى عن علي بن أبي طالب ﵁ أن ما أدرك، فهو أول صلاته.
وعن الأوزاعي أنه قال: ما أدرك فهو أول صلاته.
قال المزني: فيقرأ في الثالثة بأم القرآن، ويسر، ويقعد ويسلم فيها، وهذا أصح لقوله، وأقيس على أصله، لأنه يجعل كل مصل لنفسه، لا يفسدها عليه بفسادها على إمامه.
وقد أجمعوا أنه يبتديء صلاته بالدخول فيها بالإحرام بها، فإن فاته مع الإمام بعضها، فكذلك الباقي عليه منها آخرها.
قال القاضي حسين: نقل المزني ﵀: أن المسبوق في الظهر بركعتين إذا صلى مع الإمام الأخريين، وقام لقضاء الأوليين يقضيهما بأم القرآن والسورة، ثم اعترض وقال من أصل الشافعي ﵀ أن ما أدركه المصلي، فهو أول صلاته وأنه لا يسن قراءة الصورة في الأخريين، فيجب أن يقول يقضيهما بأم
[ ٢ / ٨٣٩ ]
القرآن سرًا في نفسه، دون السورة لأنه يتناقض أن تكون الركعة الأولى أخرى، قال القاضي ﵀ أما قوله: ما أدركه المصلي، فهو أول صلاته، فكما ذكر عندنا، خلافًا لأبي حنيفة.
قال ﵁: وكان القفال ﵀ يقول: تعرضت لطلب فائدة الخلاف في هذه المسألة، وسألت عنها كثيرًا من مشايخهم، فما حصلت على طائل، وذلك أنهم يقولون: إذا أدرك الركعة الثالثة مع الإمام في المغرب، ففي القضاء يتشهد في الثانية، وفي الثالثة، وقضية كون المدرك آخر الصلاة ألا يتشهد إلا في الثالثة.
وأيضا أن مذهبهم أنه إذا أدرك الركعة الثالثة، من الوتر مع الإمام وقنت معه، يقضي الركعتين الفائتتن يقنت في آخرهما.
وقضية كون المدرك آخر الصلاة ألا يقنت، لأنه قنت في محله
ولهم رواية أخرى أنه يقنت، فعلى هذا يظهر للخلاف فائدة.
وأيضا من مذهبهم أنه لو أدرك الركعة الثانية من صلاة العيد، ففي القضاء يقرأ ثم يكبر.
وقضية كون المدرك أخر الصلاة أنه يكبر ثم يقرأ؛ لأن عندهم لا يوالي بين القراءتين في صلاة العيد، فيكبر في الركعة الأولى قبل القراءة، وفي الثانية بعدها، إلا أن المسألة اشتهرت بالخلاف، فيحتج فيها بما روى عن علي ﵁، أنه قال: ما أدركه، فهو اول صلاته، ولأن المدرك يكون ما أدرك أول صلاته حسا وحكمًا.
أما الحس فهو أن أول كل شيء ما يبتدأ به، وآخره ما ينتهي إليه، وأول الصلاة ما يعقب الافتتاح، وآخرها ما يتقدم التسليمة.
وأما الحكم، فإنه سيحتاج بالتحريمة في أداء ما أدركه، ولا يحتاج إليها في قضاء الفوائت.
[ ٢ / ٨٤٠ ]
ثم اختلف أصحابنا في الجواب عما ألزمه المزني.
فمنهم من قال: أجاب الشافعي على القول الجديد الذي يقول فيه: تسن القراءة، أي: قراءة السورة في الأخريين، وفي الركعات كلها.
ومنهم من قال على القولين تسن قراءة السورة في الأخريين؛ لأن سنة قراءة السورة فاتته في أول الصلاة، وكل سنة تفوت المرء في صلاته، وأمكنه تلافيها من غير أن يوقع خلللا بترك سنة فيها، فعليه تداركها.
نص الشافعي ﵀ على أنه لو ترك التعوذ في الركعة الأولى يقضيه في الثانية.
ونص في الكبير على أنه لو ترك قراءة السورة في الركعتين الأوليين يقضيهما في الأخريين، وقد نص على أن السنة أن يقرأ بسورة الجمعة في الركعة الأولى من صلاة الجمعة، وسورة المنافقين في الثانية، فلو ترك سورة الجمعة في الركعة الأولى قرأها مع سورة المنافقين في الركعة الثانية، بخلاف ما لو ترك الرمل في الأشواط الثلاثة، لا يقضيه في الأشواط الأربعة، لأنه لا يمكن تلافيهما إلا بترك سنة أخرى مثلها؛ لأن السنة أن يرمل في الثلاث، ويمشي في الأربع فعلى هذه الطريقة لو تمكن من قراءة السورة في الركعتين مع الإمام، وقرأها فيهما، ففي القضاء لا يقرأ السورة، وإن تمكن من قراءتها، ولم يقرأ ففي القضاء يقرأ السورة، ولو أدرك الركعة الأولى مع الإمام من المغرب، وتمكن من قراءة السورة، وقرأها، فيقرؤها في الثانية دون الثالثة، ولو لم يقرأها في الثالثة مع الإمام، أو لم يتمكن من قراءتها يقرأها في الثانية والثالثة إذا قضاهما.
[ ٢ / ٨٤١ ]
فصل
المسبوق إذا أدرك الإمام في ركن سوى القيام، إن كان في الركوع، فلا خلاف في أنه يكبر للافتتاح، ويكبر للهوي إلى الركوع، وإن أدركه في السجود الأول، أو الثاني، أو في التشهد، هل يكبر للانتقال إليه بعد أن يكبر للافتتاح؟ قال ﵁، دخلت على القفال ﵀، فسألني عن هذه السألة، فقلت: يكبر للانتقال إلى الركن الذي وجد الإمام فيه.
فقال: أخطأت، إن انتقل عن القيام إليه مكبرًا، كالركوع والسجود الأول، يكبر ليكون متابعًا للإمام، لأنه يريد أن ينتقل إليه عن القيام، وان انتقل إليه لا عن القيام، فلا يكبر كما لو كان في السجود الثاني: أو التشهد.
قال ﵁: والوجه الأول صحيح: لأن الإمام انتقل إليه مكبرًا، فتابعه في الانتقال إليه، ويوافقه في التكبير.
قال: ورأيت لأصحابنا فيه وجهًا آخر: إنه، وإن وجد الإمام في السجود الأول ينتقل إليه غير مكبر، لأنه غير محسوب له، وإن أدرك الإمام في التشهد، او ركن آخر لا يحسب له مثل السجود والجلسة بين السجدتين، فالسنة للمسبوق أن يفتتح الصلاة، ولا ينتظر الإمام ليقوم، ويصير إلى ركن يحسب له إذا تابعه، فإن انتظر قيامه، كان ذلك من غباوته، وإذا كبر للافتتاح، وهو في ركن من هذه الأركان، فعليه أن ينتقل إليه، فلو لم ينتقل وبقي قائمًا ينتظره بطلت صلاته، وإذا تابعه في الفعل هل يتابعه في الذكر؟ فوجهان:
أظهرهما: أنه يتابعه فيه، كما تابعه في الفعل.
والثاني: لا؛ لأنه غير محسوب له، والمتابعة في الفعل كانت، حتى لا يؤدي إلى المخالفة الظاهرة، وها هنا لا يؤدي إلى ذلك فإذا قام عن التشهد إن
[ ٢ / ٨٤٢ ]
كان مع الإمام بأن أدركه في التشهد الأول، يكبر الإمام عند القيام، فيكبر متابعة له، وإن سلم الإمام إن كان محل تكبيرة بأن أدركه في الركعة الثالثة، فيكبر للقيام، وإن لم يكن محل تكبيرة بأن أدركه في الركعة الرابعة، أو في التشهد لم يكبر للقيام، لأنه ليس بمحل تكبيرة، وذاك لأنه كبر عند رفع الرأس من السجود، والتشهد لم يكن محسوبًا له، فوقع تكبيرة الانتقال إلى القيام، فهذا الانتقال مما كبر له مرة، فلا يكبر ثانيًا.
وهل يسن للمسبوق دعاء الاستفتاح.؟
نظر إن أدرك جزءا من الصلاة مع الإمام، ولم يقرأ دعاء الاستفتاح، وإن لم يدرك جزءا من الصلاة مع الإمام، مثل أنه كما كبر للافتتاح سلم الإمام، فإنه يقرؤه، لأنه افتتاح.
وفي الصورة الأولى إذا قام هو غير مفتتاح للصلاة، لأن الجزء الذي أدركه من صلاة الإمام غير محسوب له في استحقاق الفضيلة والثواب، وفي هذه الصورة هو مفتتح الصلاة. والله أعلم بالصواب.
[ ٢ / ٨٤٣ ]
فصل
روي أن النبي ﷺ قال: التكبيرة الأولى خير من الدنيا وما فيها.
فاختلفوا فيما يدرك به التكبيرة الأولى، ويحوز فضيلتها
فمنهم من قال: بأن يدرك الإمام قبل الشروع في الفاتحة، لأنه إذا شرع فيها فقد انتقل إلى الركن.
ومنهم من قال: وهو الأصح، بأن يدرك الإمام قبل الهوي إلى الكوع، لأنه إذا هوى إلى الركوع، فقد انتقل إلى ركن فعلي من غير جنس هذا الركن، إذ هو قولي، وبه قال أبو حنيفة.
وقيل: بأنه وإن أدركه في الركعة لم يصر مدركا لتلك الفضيلة، لأنه ما أدرك الركعة.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
فصل
إذا قام الإمام إلى الركعة الخامسة ساهيًا، فجاء مسبوق، واقتدى به انعقدت صلاته غير أنه إن كان عالمًا بسهوه، وكونه في الخامسة، فتابعه بطلت صلاته، وإن كان جاهلًا باحال لم تبطل صلاته، وتحسب له هذه الركعة، ولو أدرك الإمام في الركوع في هذه الركعة، وهو جاهل بالحال تابعه لم يصر مدركًا لتلك الركعة، لأنها غير محسوبة للإمام، وها هنا أربع مسائل:
المسبوق بإدراك الركوع لا يكون مدركًا لتلك الركعة أحدها هذه.
والثانية: إذا نسي الإمام القراءة، فركع، فجاء المسبوق، واقتدى به.
والثالثة: الإمام إذا كان جنبًا، فالمسبوق جاء، واقتدى به في الركوع.
الرابعة: إذا نسي الإمام تسبيحات الركوع، فتذكر بعد ما اعتدل قليلا عليه أن يقرأ ن فلو عاد إلى الركوع، فإن كان جاهلا، فاقتدى به لم يصر مدركًا لتلك الركعة.
ولو أن رجلا كان يطالع أحوال إمام في صلاة، فترك سجدة من الركعة الأولى، فقام إلى الثانية، فاقتدى به انعقدت الصلاة، غير أنه إن تابعه بطلت صلاته حتى ينتقل إلى السجود الذي تركه، فيتابعه فيه ولا يحتسب له تلك السجدة، وإنما تابعه فيه، لأنه محسوب للإمام.
[ ٢ / ٨٤٥ ]
فصل
لو اقتدى شفعوي بحنيفي ما حكمه؟
من أصحابنا من قال تصح صلاته، لأنا لا نقطع ببطلان صلاته، وهو اختيار القفال ﵀.
وقال الشيخ أبو حامد ﵀ إن قرأ الفاتحة والتسمية صحت صلاته، وإلا فلا، واختاره القاضي ﵀.
وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني ﵀: لا تصح صلاته، وإن قرأ الفاتحة؛ لأنه لا يعتقد وجوبها، واعتقاد الوجوب في الفاتحة شرط، ولو اقتدى بحنيفي في صلاة الصبح، فلم يقنت، فهل على المأموم أن يسجد للسهو؟
قال القاضي ﵀: سألني الشيخ ابو القاسم الفوراني عن هذه المسألة، فقلت: لا يسجد للسهو؛ لأنه اقتدى به، وجعله إمامًا، وصححنا الاقتداء بناء على اعتقاد الإمام، وعنده أنه غير ملزم لسجود السهو، والذي يقع لي الآن أنه يلزمه سجود السهو، لأن عند المأموم إن تركه القنوت ملزم للسجود، إلا أنه ترك السجود، والإمام إذا ارتكب ما يوجب سجود السهو على المأموم أن يسجد وإن تركه الإمام، وإنما ذلك، لأن المأموم يبني الأمر على اعتقاد نفسه دون اعتقاد إمامه.
يدل عليه أنه لو اقتدى بمن على ثوبه نجاسة بقدر درهم، أو لمس امرأة، أو مس ذكره، أو لم يرتب في الوضوء، أو توضأ بنبيذ التمر لا تصح صلاته، وإن كان الإمام يعتقد صحة صلاة نفسه، والوجهان ينبنيان على جواز الصلاة خلفهم.
إن قلنا: تجوز لا يسجد للسهو.
[ ٢ / ٨٤٦ ]
وإن قلنا: إذا لم يقرأ الفاتحة لا يصح، فيغلب سجود السهو، لأنه ما اعتبر اعتقاد الامام.
والقفال اعتبر اعتقاد الامام دونه، ولو اقتدى بمن توضأ من الحنيفية من ماء بلغ قلتين، وقعت فيه نجاسة، أو بمن تكلم ناسيًا في الصلاة، أو احتجم وافتصد، أو لقاء ولم يتوضا صحت صلاته، وإن كان الامام يعتقد بطلان صلاة نفسه، لو اقتدي بحنيفي، فوقف في موضع القنوت، ولم يقرأ دعاء القنوت، فقنت المأموم صح، لأنه عنده أن على إمامه سنتين سنة القيام، وسنة قراءة دعاء القنوت فقد أتي إحداهما، وترك الأخرى، هذا كما أنه لو جلس الإمام للتشهد الأول، ولم يقرأ التشهد بقراءة المأموم، كذا ها هنا.
[ ٢ / ٨٤٧ ]
فصل
من لا يعرف أركان الصلاة وأبعاضها، وهيئاتها، هل تصح صلاته ام لا؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا تصح كما لو جهل فرضية أصل الصلاة.
والثاني: يصح، لأن هذا مما يشق على العوام، ويخفي على أكثر الناس، فلو لم تصح صلاتهم، أدى ذلك إلى الفساد، بخلاف فرضية أصل الصلاة، فإنها لا تخفي إلا على حديث العهد بالإسلام.
[ ٢ / ٨٤٨ ]
فصل
الإمام إذا سها، فنبهه القوم، وسبحوا، فإن فطن لسهوه أخذ به، وإن لم يفطن لذلك، هل له أن يقلدهم
نظر، إن كان خلفه واحد، أو اثنان، أو ثلاثة، لا يركن قلبه إلى قولهم، ويغلب على ظنه صدقهم هل له أن يقلدهم وجهان:
أظهرهما: يقلدهم، لأنه يبعد التواطؤ عليهم.
والثاني: لا يقلدهم، لأن هذا واقع في نفسه، فيبني فيه على اليقين، وكذلك المأموم، بعضهم مع البعض، إذا وقع الغلط لواحد منهم، وشك في ركن له أن يقلد فيه الآخرين، فعلى هذا التفصيل لو كان خلفه مأموم واحد، فهل يقلد إمامه؟
فيه وجهان:
أحدهما: لا.
والثاني: نعم، لأن الامام كان أوعى وأضبط لركعات الصلاة.
قوله: ويصلي الرجل، وقد صلى مرة مع الجماعة، كل صلاة.
قال المزني: قال الشافعي، ويصلي الرجل، قد صلى مرة مع الجماعة، كل صلاة، والأولى فرضه، والثانية سنة، بطاعة نبيه ﷺ، لأنه قال: إذا جئت، فصل، وإن كنت قد صليت.
قال القاضي حسين: المستحب لمن صلي صلاة منفردا أن يصليها ثانيًا إذا أدرك الجماعة، ولا يفصل بين صلاة وصلاة.
ووافقنا أبو حنيفة ﵀ في الظهر والعشاء، وخالفنا في الصبح والمغرب
[ ٢ / ٨٤٩ ]
والعصر، بناه على أصله، وهو أنه لا ينتقل بعد الصبح والعصر، وعلل في المغرب بأنه وتر النهار، فلو أعاده مع الجماعة لصار شفعًا، ولبطلت الوتر به.
دليلنا: ما روى أن النبي ﷺ، صلى صلاة الصبح يومًا، فلما انقلب من الصلاة رأي رجلا منعزلا عن الناس، فقال له: لم لم تصل معنا؟ فقال: لأني كنت صليت في رحلي، فقال: إذا جئت فصل معنا وإن كنت صليت في رحلك.
وروى أنه ﵇، صلى الصبح في مسجد الخيف، فلما نقلب من الصلاة رأي رجلين منعزلين عن الناس في ناحية المسجد، فقال ﵇ على بهما، فأتي بهما ترعد فرائصهما، فقال لهما النبي ﵇، هونا على أنفسكما، لست أنا بملك، وإنما أنا ابن امرأة من قريش، كانت تأكل القديد، ألستما رجلين مسلمين، فقالا: بلى يا رسول الله، فقال: لم لم تصليا معنا؟ فال: لأنا كنا صلينا في رحالنا، فقال ﵇ إذا جئتما فصليا معنا وإن كنتما صليتما في رحالكما.
وفي رواية: تكن لكما سبحة، أي: نافلة.
[ ٢ / ٨٥٠ ]
ثم إذا أداها بالجماعة، فالفرض منها ماذا؟
المنصوص عليه ها هنا، وهو مذهبه الجديد: أن الفرض هي الأولى، والثانية نقل، لأن الأولى وقعت عن الفرض، واستحال أن تنقلب نفلا بفعلها ثانيا.
وخرج فيه قول آخر: أن الفرض من الصلاتين، إحداهما لا بعينها، يحتسب الله له بأكملهما وأفضلهما، وعلى الطريقتين ينوي إعادة ما صلى أو فعل ما صلى لأنا وإن قلنا: الثانية نفل، فهو يريد أن يكتسب بها فضيلة للفريضة المؤداة، وهي فضيلة الجماعة، فكأن فضيلة الجماعة تلتحق إلى الأول، وبقيت هي نفلا، وفي صلاة المغرب، إن قلنا: الثانية نفل، يضم إليها ركعة أخرى، لأن المستحب في النوافل ألا يسلم عن الثلاث، بل عن الأربع إذا زادت على اثنين، فإذا صلى صلاة في الجماعة، ثم أدرك جماعة أخرى، فلأصحابنا فيه وجهان:
أحدهما: يستحب أن يصليها ليحوز بها زيادة فضيلة.
والثاني: لا يستحب ذلك، والصبح والعصر والمغرب، لأنه لا يستحب التنفل بعد الصبح، والعصر، إذا لم يكن له سبب.
والعلة في المغرب أنه وتر النهار، وفي الظهر والعشاء يستحب، وتكون نافلة إذ التنفل بعدهما سائغ.
قال القاضي: يحتمل أن يقال: إن كانت الجماعة الثانية أوفر، وإمامهم أورع وأهدى لأركان الصلاة وشرائطها، وهيئاتها، يستحب له ان يعيد الصلاة التي صلاها مع الجماعة الأولى، لأنه يكتسب به زيادة فضيلة لم تحصل له في الأولى، وإن كانت الجماعة الثانية مثل الأولى، أو دونهم لا يستحب، والله أعلم.
[ ٢ / ٨٥١ ]
قال المزني: ومن لم يستطع إلا أن يومئ، أومأ، وجعل السجود أخفض من الركوع.
قال القاضي حسين: أما القادر على القيام، ففرضه القيام في الصلاة، فإن عجز عن القيام وقدر على القعود ففرضه القعود، فإن عجز عن القعود، صلى مضطجعًا على الجنب إيماء بالرأس.
قال الله تعالى: الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم.
قيل في التفسير: قيامًا، يصلون إذا قدروا على القيام، وقعودًا، إذا عجزوا عن القيام، وعلى جنوبهم إذا عجزوا عن القعود.
وروى عن عمرن بن الحصين أنه قال: كانت بي علة البواسير، فسألتُ رسول الله صلى الله عليه وسم فقال: صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب. فإن عجز عن الإيماء بالرأس صلى مومئًا بالعين، فإن عجز عن الإيماء بالعين فكر بالقلب أركان الصلاة فعلها وقولها وأبعاضها وهيئاتها، فلا تسقط الصلاة عن بالغ مع بقاء العقل عندنا بحال.
وقال أبو حنيفة: إذا عجز عن الإيمان بالرأس، سقط عنه الفرض، لأن عماد الصلاة الفعل، فإن عجز عن الفعل، امتنع عليه الاتيان بما هو عماد لهما، فسقطت، ثم المصلي بالإيماء يركع مؤمنًا، ويسجد مؤمنا، ويجعل السجود أخفض من الركوع، وإذا عجز عن وضع جبهته على الأرض لا يسجد على الوسادة،
وروى أنه ﵇ عاد مريضا رآه قد وضع وسادة يسجد عليها، فأخذها
[ ٢ / ٨٥٢ ]
ورماها، وقال: إذا عجزت عن السجود أوميء رأسك واجعل السجود أخفض من الركوع، وإذا صلى قاعدًا، ففي كيفية القعود الذي هو بدل عن القيام وجهان:
أحدهما: يقعد متربعًا في محل القيام ليغاير بين هذه القعدة، وسائر القعدات، في حق القيام في الصلاة.
والثاني: يقعد متربعًا؛ لأنها قعدة لا يسلم عنهما في التشهد الأول، وبين السجدتين والاستراحة، وإذا صلى مضطجعًا، ففي كيفية الاضطجاع وجهان:
أحدهما: يضطجع مستلقيًا على قفاه، كما يضطجع الميت على المغتسل؛ لأن المستلقي على القفا أقرب إلى صواب القبلة.
يدل عليه أنه لو قام كان مستقبلا بجميع بدنه القبلة.
والثاني: يضجع على جنبه الأيمن، كما يضطجع الميت في اللحد، فلو اضطجع على جنبه الأيسر أجزأه، ولو ترك سنة؛ لأن التيامن مستحب في الأمور كلها، والقادر على القيام لو افتتح الصلاة قاعدًا لم ينعقد الفرض، ولا ينعقد له النفل في ظاهر المذهب.
ويخرج فيه قول آخر: أنه ينعقد نفلا، والمصلي قاعدًا إذا قدر على القيام، فلم يقم إن صلاته تبطل، ولم تنقلب نفلا.
ويخرج فيه القول الآخر: أنها تنقلب نفلا، وإذا قدر على القيام بعد الفراغ من القراءة، نص الشافعي ﵀ على أنه يرتفع إلى القيام، ثم بعد أن قام قائمًا يهوي إلى الركوع، ولا يرتفع من القعود إلى الركوع، وإنما كان ذلك؛ لأن الشرط أن يتنفل من الركن إلى الركن، وإذا قدر على القيام، وعجز عن القعود، وقدر على الاضطجاع، صلى قائمًا غير مضطجع، لأن القيام أقرب
[ ٢ / ٨٥٣ ]
إلى القعود من الاضطجاع، لأنه قعود وزيادة، نظيره ما حكيناه عن الشافعي ﵀ عليه نصًا في رفع اليدين إذا عجز عن رفعهما فوق المنكبين، ودونهما يرفع فوق المنكبين، وإذا أمكنه أن يصلي قائمًا منفردًا، ولو صلي بالجماعة لا يمكنه القيام.
اختار المزني الانفراد بحق القيام، وكذلك لو أمكنه أن يصلي بأم القرآن دون السورة قائمًا، ولو صلى بأم القرآن دون السورة قائمًا، ولو صلى بأم القرآن والسورة لم يمكنه القيام اختار ترك السورة؛ لأن القيام فرض، والسورة والجماعة سنتان، فكان الإتيان بالفرض أولى من الإتيان بالسنن، وإذا قام إلى الصلاة مستندًا إلى شيء، قد ذكرا أنه يجزيه، فلو قام في الصلاة، وخفض رأسه للخشوع جاز، وإن انحنى ظهره لم يجز، وإن لم يبلغ حد الركوع، كذا قال القاضي ﵀.
[ ٢ / ٨٥٤ ]
فصل
المربوط على الخشب، والمصلوب إذا دخل عليه وقت الصلاة يلزمه أن يصلي، نص الشافعي ﵀ إن صلى مستقبل القبلة لا إعادة عليه، وإن صلى غير مستقبل القبلة، فعليه الإعادة، وكذلك الغريق في البحر إذا كان على خشبة هكذا، ثم إذا أعاد الصلاة ففي الفرض من الصلاتين أوجه قد ذكرنا ذلك في الطهارة، مسألة راكب السفينة لا يجوز له ترك القيام في الفريضة مع القدرة عليه عندنا، فإن عجز عن القيام صلى قاعدًا ولا إعادة عليه.
وعند أبي حنيفة يتخير بين الصلاة قائمًا، وقاعدًا مع القدرة على القيام، فنقيس على ما لو كان في البر وعلى سائر الأركان، فإن تركها لا يجوز مع القدرة عليه.
قال المزني: وأحب إذا قرأ آية رحمة أن يسأل أو آية عذاب أن يستعيذ والناس.
قال المزني: وبلغنا عن النبي ﷺ أنه فعل ذلك في صلاته.
قال القاضي حسين: قوله: والناس أراد به المؤمومين، فالمستحب للمصلي إذا مر بآية رحمة الله أن يسأل الله تعالى الرحمة، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ وإذا مر بآية تنزيه أن يسبح، إمامًا كان أو منفردًا أو مأمومًا.
وقال أبو حنيفة: لا يستحب.
دليلنا: ما روى عن حذيفة بن اليمان أنه قال: صليت مع رسول الله ﷺ فقرأ سورة البقرة، فما مر بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية عذاب إلا تعوذ، ولا بآية تنزيه إلا سبح، ولا بآية مثل إلا فكر.
[ ٢ / ٨٥٥ ]
وكان الشيخ ﵀ يحكي عن حذيفة أنه كان يقول: لو أردنا، ما مات النبي ﷺ، كنا نسائله عن أشياء في ديننا، ولكن الله تعالى لا يقبضه من بين أظهرنا، ولنا في الدين معضل.
أي: كان مبعوثًا لبيان الشرائع، فكان الله لا يقبضه، ولا يخرجه من بين الخلق، وقد بقي مشكل في الشرع.
وروى عن أبي ليلى أنه قال: سمعت النبي ﵇، يقول في الصلاة: أعوذ بالله من التأويل لأهل النار وإذا قرأ سورة والتين، فالمستحب أن يقول بعد الفراغ منها: بلى، وأنا على ذلكم من الشاهدين.
وهكذا قال: إذا قرأ سورة لا أقسم بيوم القيامة، وإذا قرأ سورة والمرسلات، فالمستحب أن يقول [عند قوله تعالى]، فبأي حديث بعده يؤمنون، لا إله إلا الله، أو آمنت بالله، وإذا قرأ سورة الملك: (فمن يأتيكم بماء معين)، يقول: الله، وبهذا ورد الخبر، وهذا مستحب للإمام والقوم، لقول الشافعي في المسألة الأولى: والناس.
[ ٢ / ٨٥٦ ]
فرع
المستحب للمصلى تطويل القراءة في القيام، والقيام فيها أشد استحبابًا بأمر القيام في سائر الأركان، إلا إذا كان إمامًا، وهل يكون جميع قيامه فرضًا أو يكون الفرض منه قدر قراءة الفاتحة.
فوجهان:
قال المزني: قال: وإن صليت إلى جنبه امرأة صلاة، هو فيها، لم تفسد عليه.
قال القاضي حسين: عندنا إذا وقفت المرأة بجنب رجل في الصلاة، وشرعت في الصلاة مقتدية به، لم تبطل صلاة الرجل بحال.
وقال أبو حنيفة: إذا وقفت بجنبه في صلاة ذات ركوع وسجود، وشاركته في صلاته بطلت صلاته إذا اجتمعا في الركوع.
ووافقنا على أنه إذا وقفت بجنبه في صلاة الجنازة لا تبطل صلاته، وقبل الركوع وافقنا في أنها لا تبطل، فإذا وقفت خلف الإمام، يقول: تبطل صلاة من على يمني المرأة وعلى يسارها وخلفها، ولا تبطل صلاة من أمامها، ولو وقف صف من النساء خلف الإمام، وصف من الرجال خلفهن، يقول: صلاة الرجال الذين في محاذاة النساء باطلة، ومن خرج عن محاذاتهن، فصلاته صحيحة، حتى لو زاد صف الرجال على النساء بواحد، صحت صلاة الواحد الذي لم يكن في محاذاة النساء، ولو وقف صف آخر وراء هذا الصف، قال: تصح صلاتهم متابعة لهذا الرجل الواحد.
دليلنا: ما روت عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي وأنا معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة، فكان إذا سجد غمز رجلي فقبضتهما، وإذا قام مددتهما.
قال: قال صاحبنا ﵁: وعائشة في صلاتها مع النبي ﷺ أحسن
[ ٢ / ٨٥٧ ]
حالًا منها نائمة بين يديه، ثم لم تبطل صلاته، وهي نائمة بين يديه، فإذا كانت معه في الصلاة، فلأن لا تبطل الصلاة أولى، ولأنها أخطأت في موقف المأمومين، وهذا لا يبطل صلاة الإمام، كالمأموم الواحد، إذا وقف على يسار الإمام أو خلفه.
قال المزني: وإذا قرأ آية السجدة (سجد) فيها، وسجود القرآن أربع عشرة سجدة، سوى سجدة (ص) فإنها سجدة شكر، وروى عن عمر ﵁ أنه سجد في سورة الحج سجدتين، وقال: فضلت بأن فيها سجدتين، وكان ابن عمر يسجد فيها سجدتين.
قال: وسجد النبي ﷺ في (إذا السماء انشقت)، وعمر في (والنجم).
قال الشافعي: وذلك دليل على أن في المفصل سجودًا، ومن لم يسجد فليس بفرض، واحتج بأن النبي ﷺ سجد وترك.
وقال عمر بن الخطاب ﵁، إن الله ﷿، لم يكتبها علينا إلا أن نشاء.
قال القاضي حسين: لا خلاف بين العلماء أن سجود التلاوة مشروع، وأن في القرآن عزيمة السجود، وليست بواجبة عندنا.
وقال أبو حنيفة: هي واجبة، وليست بفريضة والواجب عنده درجة بين النفل والفرض، لا يكفر جاحده، لكنه يعضى بتركه كالوتر.
دليلنا: ما روى أن النبي ﷺ: سجد وترك.
وعن عمر ﵁ أنه قرأ آية السجدة على المنبر فنزل وسجد فلما
[ ٢ / ٨٥٨ ]
كان في الجمعة الثانية قرأ آية سجدة، فتشزن الناس للسجود، فقال: أيها الناس على رسلكم، إن هذا شيء، لم يكتبه الله تعالى علينا إلا أن نشاء.
فلأنه سجود يجوز فعله على الراحلة كسجود الشكر.
واختلف العلماء في عدد عزائم السجود.
فمذهب الشافعي في الجديد أنها أربع عشرة سجدة، أربع منها في النصف الأول، وثلاث في المفصل، والباقي بينهما.
وقال في القديم، وهو مذهب الإمام مالك: عزائم السجود إحدى عشرة، وليس في المفصل سجود.
وروى عن ابن عباس أنه قال: ما سجد رسول الله ﷺ في المفصل منذ انتقل إلى المدينة. ومن قال بالجديد أجاب عن هذا بأن ابن عباس لم ينقله، لأنه لم يره، وغيره نفل سجوده ﵇ في المفصل بعد الهجرة.
روى أبو هريرة أن النبي ﷺ: سجد في سورة إذا السماء انشقت وعن عمر أنه سجد في سورة والنجم.
قال الشافعي رحمة الله في القديم: وأحب أن يسجد في سورة: إذا السماء انشقت، وفي سورة اقرأ، مع قوله: ليس في المفصل سجدة.
وقال على ﵁: عزائم السجود أربع في: الم تنزيل، السجدة، وحم، والنجم، وسورة اقرأ.
[ ٢ / ٨٥٩ ]
وقال أبو حنيفة: عزائم السجود أربع عشرة إلا أن عنده سجدة (ص) من عزائم السجود، وفي الحج سجدة واحدة، وهي الأولى، وعندنا في الحج سجدتان، وسجدة (ص) ليست من العزائم.
قال ابن سريج: هي من العزائم كما قاله أبو حنيفة، واحتج أبو حنيفة بما روى عن عبد الله بن عمر بن العاص قال: أقرأني رسول الله ﷺ آيات السجدة، فذكر من جملتها سجدة (ص).
دليلنا: ما روى أن النبي ﷺ قرأ في الخطبة سجدة (ص)، فنزل وسجد، فلما كان في الجمعة الثانية قرأها، فتشزن الناس للسجود، فنزل وسجد، فلما صعد قال: إن هذه توبة نبي لكني رأيتكم تشزنتم فسجدت لكم.
وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: ما سجد رسول الله ﷺ في سورة (ص)، إلا لقوله تعالى: (أولئك الذين هداهم الله فبهداهم اقتده).
والدليل على أن في الحج سجدتين ما روى عن عقبة بن عامر أنه قال: سألت رسول الله صلى الله أفي الحج سجدتان؟ فقال: نعم، من لم يسجدهما فلا يقرأهما.
[ ٢ / ٨٦٠ ]
وعن عمر أنه قرأ سورة الحج، وسجد سجدتين، وقال فضلت بسجدتين، وعن ابن عمر مثل ذلك، ولأن قوله تعالى: (واسجدوا واعبدوا ربكم)، أمر صريح بالسجود، وفي الموضع الذي لم يصرح بسجود أمر به، فها هنا أولى، فلو قرأ سورة (ص)، وسجد إن كان جاهلًا بالحكم لم تبطل صلاته، وإن كان عالمًا بأنها ليست من العزائم، فوجهان:
أحدهما: بطلت صلاته؛ لأنه سجود شكر، كما لو سجد في خلال الصلاة بتجديد نعمة أو انكشاف بلية.
والثاني: لا يبطل؛ لأنه سنة التلاوة، وإذا سجد إمامه في سورة ص فعلى التفصيل الذي ذكرنا، إن كان جاهلا لم تبطل، وإن كان عالمًا فوجهان.
ثم الشافعي ﵀ بين محل السجدات كلها، إلا سجدة (حم) السجدة، فإنه لم يبين محلها، فاختلف أصحابنا فيه.
منهم من قال: محلها إذا فرغ من قوله: (إن كنتم إياه تعبدون)؛ لأنه تتم به الآية، وهو الصحيح، قال ابن سريج، إن محلها عند قوله، (وهم لا يسأمون) ـ، رجح ابن سريج هذا بشيئين.
أحدهما: أن الكلام إنما يتم ها هنا، وإن تمت الآية بقوله: (يعبدون)، ومحل السجود عند تمام الكلام أولى، يدل عليه انه في سورة النحل، يسجد عند قوله: (ويفعلون ما يؤمرون)، وإنما تمت الآية عند قوله، (وهم لا يستكبرون).
والثاني: أن الشافعي ﵀ أخذ في التسمية بقول قراء (الكوفة)، وفقهاء المدينة، ولم يأخذ بقول فقهاء الكوفة، وقراء المدينة.
ومذهب قراء الكوفة، أن محل السجود عند قوله، وهم لا يسأمون
وكان القفال يذكر لهذا ترجيحًا آخر ويقول: إن كان محل السجود ما قاله ابن سريج، فذاك وإن كان عند قوله: (إن كنتم إياه تعبدون)
[ ٢ / ٨٦١ ]
فلا يضره التأخير، لأن هذا القدر يسير لا يقطع النظم، ولا يطول به الفصل، ثم التالي لآية السجدة لا يخلو إما أن يكون هو أو غيره، فإن كان هو التالي، فلا يخلو، إما أن يكون في الصلاة، أو خارج الصلاة، فإن كان في الصلاة فيكبر للهوي إلى السجود، ولرفع الرأس منه.
وقال ابن أبي هريرة: لا يكبر لرفع الرأس منه، ولا يسقط سنة السجود بالركوع عندنا.
وقال أبو حنيفة: لو ركع سقط عند سجود التلاوة، وهذا هو الدليل على كونه مسنونًا، إذ لو كان واجبًا لما سقط بالركوع في الصلاة كسائر الواجبات، وإن كان خارج الصلاة، فيكبر للافتتاح.
قال القاضي ﵁: والمستحب عندي أن يقوم قائمًا، ثم يكبر للافتتاح، ليحوز فضيلة القيام: لأن للقيام من الفضيلة ما ليس للقعود، قال ﵇: صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم.
ثم يكبر للهوي، ويسجد حتى يطمئن ساجدًا، ثم يكبر لرفع الرأس، ولا يجلس للاستراحة، بخلاف السجدة التي هي من صلب الصلاة، وهل يتشهد ويسلم؟
حكى البويطي أنه يتشهد ويسلم.
فمن أصحابنا من أخذ به.
ومنهم من قال: لا يتشهد ولا يسلم، ومنهم من قال، وهو اختيار القفال، وهو الأصح: إنه لا يتشهد، ويسلم لأن التسليمة معدلة بالتحريم، مقابلها، والتحريمة مشروعة في سجود التلاوة، فكذا التسليمة، وإن كان التالي غيره، فلا يخلو:
[ ٢ / ٨٦٢ ]
إما أن يكون في الصلاة، فلا يسجد لتلاوته.
وإن كان خارج الصلاة، فيسجد بثلاث شرائط:
أحدها: أن يسجد التالي.
والثاني: أن يكون مستمعًا لتلاته.
والثالث: أن يكون على الطهارة، فإن لم يسجد التالي لم يلزمه السجود.
روى ان رجلا قرأ بين يدي النبي ﵇ آية سجدة وسجد، فسجد النبي ﵇، ثم قرأ رجل آخر بين يديه آية سجدة، ولم يسجد، فلم يسجد النبي ﵇ فقال يا رسول الله، سجدت لقراءة فلان، ولم تسجد لقراءتي، فقال ﵇ أما إنك كنت إمامًا فلو سجدت لسجدنا.
ثم إن هذا المستمع يصير تابعًا، ومقتديًا بالتالي حتى يلزمه ألا يسلم إلا بعد سلامه، ولو كان التالي قرأ آية السجدة في الصلاة، والمستمع خارج الصلاة، وسجد التالي، فيستحب له أن يسجد، ولو سها في سجدة التلاوة، أو قرأ في سجدة التلاوة آية التلاوة لتلك الآية، أو أخرى لا يسجد ثانيًا، لأن تحريمها انعقد لفرد سجدة، فلا يجعلها شفعًا.
وإن كان التالي في الصلاة، فقرأ آية السجدة، قبل قراءة الفاتحة، له أن يسجد، لأن القيام كله محل للقراءة، بخلاف ما لو قرأ في الركوع والسجود والتشهد لا يسجد، لأنه ليس بمحل قراءة القرآن، وكل شرط يسترط في الصلاة من الطهارة، وستر العورة، واستقبال القبلة، والوقوف على مكان ظاهر، يشترط في سجود التلاوة.
والمستحب أن يقول: سبحان ربي الأعلى، وبحمده ثلاثًا، فظاهر قوله -
[ ٢ / ٨٦٣ ]
﵇، لما نزل قوله: (سبح اسم ربك الأعلى)، قال: اجعلوها في سجودكم.
وهو في سورة ألم تنزيل، أكثر استحبابًا لقوله تعالى: (وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون).
فلو قال فيه: سجد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين، والأول هو الأولى، وفي سجدة الفرقان، في قوله تعالى: وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن، فيستحب أن يقول: سجدت للرحمن، وآمنت بالرحمن، فاغفر لي يا رحمن، وإذا كرر في مجلس واحد، أو ركعة واحدة من الصلاة آيات السجود، يستحب أن يسجد في كل مرة، إلا أنه لا يستحب أن يجمع آيات السجود ليقرأها دفعة واحدة لأجل السجود، ولو كرر آية السجدة مرارًا يكفيه سجدتان.
وعند أبي حنيفة إن كان في مجلس، وقرأ آيات السجود يكفيه سجدة واحدة، وإن قرأ آية، وسجد لها، ثم قرأها في هذا المجلس، لا يسجد لها ثانيًا.
وفي مجلس آخر له فيه روايتان، ويسجد للتلاوة في الأوقات المنهية، لأن له سببًا، ولو ترك سجود التلاوة لم يقضه، سواء تركه بعذر أو غير عذر، فالعذر مثل: أن يكون على غير الطهارة ونحوه، قال: ويحتمل أن يقال: إذا تطهر يقضيه، كما قال الشافعي ﵀ في الأذان إذا سمع المؤذن يؤذن، وهو في الصلاة لا يجيبه، وإذا فرغ من الصلاة قاله.
وقال أبو حنيقة: لا يسجد في الأوقات المنهية، ثم يقضية بعد خروج الوقت المنهي، وكذلك يقول: لو لم يكن متطهرًا، فعليه القضاء إذا تطهر، وإذا ترك سجود التلاوة في الصلاة، وافقنا في أنه لا يقضيه خارج الصلاة، والله أعلم بالصواب.
قال المزني: ويصلي في الكعبة الفريضة والنافلة، وعلى ظهرها، إن كان عليه من البناء ما يكون سترة لمصل، فإن لم يكن لم يصل إلى غير شيء من البيت.
[ ٢ / ٨٦٤ ]
قال القاضي حسين: وهو كما قال عندنا: وقال مالك: يجوز فعل النافلة في الكعبة دون الفريضة، ولعله برع فيه إلى أنه ﵇: لم يصل الفريضة في الكعبة، وصلى النافلة فيها.
لنا: أن هذه بقعة يجوز فيها فعل النفل، فكذا إن فعل الفرض كغيرها من البقاع، إلا أن المستحب عندنا ألا يصلي الفريضة في الكعبة أيضًا، لأنه ﵇، لم ينقل عنه أنه صلى الفريضة فيها للخروج من الخلاف.
كذا قال ﵁: وإذا صلي خارج البيت توجه إلى أي جانب شاء، وإذا صلى على ظهر الكعبة إن كان بين يديه شي من البيت بقدر مؤخرة الرجل، أو نبت شجر على ظهر الكعبة جاز، وإن لم يكن بين يديه من بناء البيت نظر، فإن غرز خشبة، فيها وجهان:
أحدهما: لا يجوز، لأنها ليست من بنائها، وإنما غرزت فيه للقطع، لا للتأبيد.
والثاني: يجوز، ولو وضع أمتعة بين يديه أو مد حبلا بين يديه لم يجز، وكذا لو أرخى سترًا بين يديه، لا يجوز، وهذا نظير ما لو باع دارًأ، وفيها منقولات، مثبتة في الأرض لا للتأييدـ هل يتبعها في البيع؟
فعلى وجهين، وإن كانت غير مثبتة في الأرض لم يتبعها فيه.
وعند أبي حنيقة: الصلاة على ظهر الكعبة جائزة، وإن لم تكن بين يديه سترة، وهذا لا يصح، لما روى، أن النبي ﷺ نهي عن الصلاة في سبع مواطن، وذكر ظهر الكعبة من جملتها.
ولأن الكعبة إمام المصلي، والامام في الصلاة لا يعلى، ولأنه لم يتوجه إلى
[ ٢ / ٨٦٥ ]
جزء من البيت، ولا إلى جميع هواء البيت، فصار كما لو وقف على طرف السطح.
فأما إذا انهدمت الكعبة والعياذ بالله، فوقف في صحنها إن لم يكن بين يديه شيء من البيت لم يجز، وإن كان بين يديه شيء من بناء البيت بقدر سترة المصلى، جاز، وإن غرز خشبة بين يديه، فوجهان، ولو وقف على أبي قبيس، أو سطح المسجد جاز، لأنه متوجه إلى جهة الكعبة، وهوائها، ولو حفر حفرًا في البيت، ووقف فيه جاز، لأنه متوجه إلى جزء من البيت، ولو جمع الآلات والنقض، وبناها في موضع آخر، وتوجه إليها لا يجوز له ذلك، لأنها ليست بجهة الكعبة.
قال المزني: ويقضي المرتد كل ما ترك في الردة.
قال القاضي حسين: عندنا، المرتد يقضي ما ترك من الصلوات في زمان الردة، إذا عاد إلى الإسلام.
وقال أبو حنيقة: لا يقضيها وعلى هذا الردة عندنا لا تسقط الأعمال المستقرة في الذمة، ولا تحبط المفروع عنها، خلافًا لأبي حنيفة، وأصل هذه المسألة أن عندنا إسلام المرتد إسلام بناء، لا إسلام ابتداء.
وعنده إسلامه إسلام ابتداء كإسلام الكافر الأصلي.
فرع
المرتد إذا جن، ثم أفاق، فأسلم، يلزمه قضاء ما مضى من الصلوات في زمان الردة على الجنون إذا عاد إلى الإسلام، وإذا حاضت، ثم أسلمت، ثم طهرت، لم يلزمها قضاء الصلوات في زمان الحيض، والفرق أن سقوط الصلاة عن الحائض عزيمة، وعن المجنون رخصة، والرخصة لا تثبت للعاصي، والردة رأس المعاصي.
[ ٢ / ٨٦٦ ]
وحقيقة الفرق أن الحائض من أهل الخطاب، لأن الحيض لا يسلب التكليف، فخوطبت بترك الصلاة.
يدل عليه أنها لو صلت تعصي الله تعالى.
وأما المجنون فإنه ليس من أهل الخطاب، وإنما سقطت الصلاة عنه رخصة له، يدل عليه أنه لو صلى لم يعص الله تعالى.
قال صاحب التلخيص، لو سكر فجن تلزمه قضاء الصلوات، لأن السكر معصية، فيمنع ثبوت الرخصة، إلا أنه في السكر إنما يتصور هذا في صلاة أو صلاتين، لأن مدة السكر لا تمتد بخلاف الردة.
فروع شتى
لو قرأ آية التلاوة في الصلاة، بعد قراءة الفاتحة، فهوي ليسجد سجدة التلاوة، فلما بلغ حد الركوع بدا له أن يركع.
قال القاضي ﵁: عليه أن يعود إلى القيام، ثم يركع، لأن هوية كان لأجل كان لأجل النفل، والركوع فرض، كما قال الشافعي ﵀: لو رفع رأسه من السجود لتنفل عليه أن يعود إلى السجود ثانيًا، لأن رفعه لم يكن بنية الفرض، ولو قرأ آية السجدة، ووقع له ألا يسجد ويرفع، فلما بلغ حد الركوع بدا له أن يسجد سجدة التلاوة.
قال ﵁: ينظر إن بلغ حد الركوع ليس له ذلك؛ لأنه انتقل إلى ركن آخر، وإن لم يلغ حد الركوع جاز له ذلك، ولو سجد الإمام سجدة التلاوة، فلو لم يتابعه بطلت صلاته، ولو أن الإمام ترك سجدة التلاوة، ليس له أن يسجد، بخلاف سجدتي السهو، لأنه يورث خللا في صلاته، وأيضا أنه يفعله بعد ما خرج الإمام من الصلاة.
[ ٢ / ٨٦٧ ]
فرع
لو قرأ الإمام آية التلاوة، وسجد، ولم ينتبه المأموم حتى فرغ الإمام وقام، بأن كان بعيدًا منه، ليس له أن يشتغل بسجدة التلاوة، ويترك متابعة الإمام، لأن المتابعة فرض، وسجدة التلاوة سنة.
منه لو جلس الإمام في التشهد الأول، وقام، ثم علم المأموم، أو أتي بالقنوت في الصبح، ولم يعلم المأموم، ثم علم بعد الفراغ منهما ليس له أن يشتغل بالقنوت، ولا بالتشهد الأول، لما ذكرناه، فلو أراد أن يفارق الإمام، ويأتي بالتشهد الأول، أو بالقنوت بالنية له ذلك، وفي سجدة التلاوة ليس له ذلك.
والفرق أنهما من أبعاض الصلاة، فتركهما يوجب نقصا في الصلاة، وسجدة التلاوة ليست من أبعاض الصلاة، وتركها لا يوجب نقصًا وخللًا في الصلاة.
فرع
لو ترك الإمام والمأموم السجدة الأخيرة في الصلاة ناسيًا، ثم تنبه المأموم في حال التشهد وجب عليه أن يخرج نفسه من متابعة الإمام، ويسجد ثم يستأنف التشهد، ويسجد سجدتي السهو، وليس له أن يصبر، ويقول: ربما يتذكر الإمام فيسجد فيتابعه، أو يسلم حينئذ ويسجد، ويستأنف التشهد، لأن قراءة التشهد قبل السجود باطل غير جائز، والمتابعة فيما هو باطل، توجب بطلان الصلاة.
فرع.
لو تنحنح الإمام في الصلاة، فهل عليه أن يخرج نفسه من متابعته، ويحمل ذلك على أنه فعله عمدًا؟
فوجهان، وبمثله لو سجد إمامه في آخر الصلاة سجدتي السهو، ولم يظهر
[ ٢ / ٨٦٨ ]
منه السهو، يجب عليه أن يتابعه، ولو لم يتابعه بطلت صلاته، وكذا لو سجد إمامه في أثناء القيام في صلاة السر، عليه أن يتابعه، ويحمل ذلك على سجدة التلاوة، والفرق أن التنحنح ليس من الأذكار، والأعمال المشروعة في الصلاة، وكذا لو قام إمامه إلى الخامسة، ليس له أن يتابعه، ويحمل ذلك على أن إمامه قد ترك فاتحة الكتاب في ركعة ناسيًا، وقد تذكر الآن، بخلاف سجدة التلاوة وسجدتي السهو، لأنهما من الأعمال المشروعة في الصلاة المسنونة في الشرع، ولا تبطل صلاته بهذا القدر، لأن سجدة التلاوة مشروعة في الصلاة، وهذا كما لو سها في صلاته، فاقتصر على سجدة واحدة جاز كذا ها هنا مثله
فرع
المستحب للمصلي أن يراعي الترتيب في قراءة السورة بعد الفاتحة، والسنة أن يقرأ سورة تامة.
وحكي عن القاضي بن صاعد أنه قرأ: (قل أعوذ برب الناس) - في الركعة الأولى بعد الفاتحة، ثم قام، وقرأ من أول البقرة في الركعة الثانية، وحكي عن الحاكم الإمام عن الإستراباذي، رحمة الله أنه قرأ قل أعوذ برب الناس، في الركعة الأولى بعد الفاتحة، فقرأ منها بعضها وركع، ثم أتم الباقي في الركعة الثانية.
فرع
ولو قرأ في الصلاة ما كان قرآنا، ثم نسخ تلاوته؛ مثل قوله: الشيخ والشيخة إذا زنيا، فارجموهما ألبتة، تبطل صلاته، لو قرأ في الصلاة بالقراءات الشاذة، مثل إن قرأ: إنا أنطيناك الكوثر، لا يستحب، ولكن لا تبطل صلاته.
ويستحب أن يقرأ القرآن في الصلاة بقراءة السبع.
[ ٢ / ٨٦٩ ]
وقد قال ﵇: أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف.
واختلفوا في تفسيره.
قيل: معناه، أنزل على لغة سبع قبائل من العرب، والنبي ﵇ كان لا يعرف إلا لغة قريش، كي لا يقولوا بأنه ﵇ اخترعها من عند نفسه.
فرع
لو قرأ في الصلاة: الحمد لله، بفتح اللام، لا يجوز، وكذا لو قال: إياك نعبد، من غير تشديد، إن كان عامدًا يكفر، لأن الإياه هي ضوء الشمس، وإن كان ساهيًا يستأنف القراءة.
فرع.
رجل سلم عن صلاته، فقال له آخر، سلمت في غير موضعه، فقال: لا، بل سلمت في موضعه، ثم تذكر أنه ما سلم في موضعه، هل تبطل صلاته أم لا؟ نظر، إن وقع له شك بقوله، فحالة الشك إجابة تبطل صلاته، وإن لم يقع له شك بقوله، ثم تذكر، فعليه أن يبني علي صلاته إن كان الفصل يسيرًا، وإن طال الفصل يستأنف.
[ ٢ / ٨٧٠ ]
فرع
رجل في السجود تيقن أنه ترك ركنًا، وأشكل عليه ذلك الركن، لا يدري أنه ترك القراءة أو الركوع، أو الاعتدال من الركوع، فعليه أن يأخذ بأسوأ الأحوال، ويعود إلى القراءة.
فرع
رجل شرع في قضاء الفائتة، فدخل الإمام مع جماعة، وافتتحوا صلاة الوقت بالجماعة، لا يستحب له أن يقتصر على ركعتين يكونان له نافلة حتى يصليها مع الإمام بالجماعة، أو يصلى صلاة الوقت، بخلاف صلاة الوقت، فإنه إذا شرع، ثم كذا الإمام مع الجماعة شرعوا في الصلاة.
نص الشافعي ﵀ على أنه يقتصر على ركعتين يكونان له نافلة؛ لأن الفائتة لاتقتضي بالجماعة، ولا يسن لها الجماعة بخلاف صلاة الوقت، وبمثله لو كان جماعة دخلوا المسجد، ووجدوا الإمام في القعدة الأخيرة، فالمستحب لهم أن يقتدوا به، ولا يتركون الاقتداء به حتى يسلم الإمام، وهم يصلون الجماعة ثانيًأ، لأن تلك الفضيلة متحققة، وها هنا موهومة، ولو كان يوم غيم فشرع في صلاة فائتة فتقشع الغيم، وبان أنه لم يبق من الوقت إلا قدر صلاة الوقت، يستحب له أن يقتصر على ركعتين نافلة، ويستعد لفريضة الوقت، لأنه لما جاز له قطع الفريضة لأجل إدراك الجماعة، فلأن يجوز قطعها لأجل أدائها في وقتها وألا تصير قضاء أولى.
فرع
رجل قال لامرأته: إن صليت اليوم صلاة الظهر، فأنت طالق، فإن صليت الظهر وقرأت الفاتحة، ولم تأت بالتشديد لا يقع الطلاق، لأنها ما صلت.
[ ٢ / ٨٧١ ]
فرع
إذا صلى ركعتي الفجر، السنة أن يضطجع على جنبه الأيمن، هكذا روى في الأخبار أن النبي ﵇، فعله.
فرع
لو قال في الصلاة: قال النبي ﷺ: تبطل صلاته، ولو قال: قال الله، إن قصد به القرآن لا تبطل صلاته، وإن لم يقصد به القرآن تبطل صلاته، ولو روى خبرًا في أحكام المعاملة كقوله ﵇: الخراج بالضمان، تبطل صلاته.
فرع
مسبوق رأي الإمام في الركعة الأولى، سجد سجدة ساهيًا، فلو قام إلى الثانية اقتدي به.
وقلنا: يصح اقتداؤه، فلا يتابعه في القيام والركوع، لأنه غير محسوب له، بل يجلس وينتظره في السجدة الأولى، إن جلس الإمام بين السجدتين، أو لم يجلس.
وقلنا: القيام يقوم مقامه الجلسة الأولى، فإذا هوي الإمام إلى السجود تابعه فيه، ثم إذا رفع الإمام رأسه من السجود، وقام هو، يقوم أيضًا معه، وإن اشتغل بالسجدة الثانية، فلا يتابعه، بل قوم وينظره، فإن سلم حينئذ تكمل الصلاة لنفسه.
[ ٢ / ٨٧٢ ]
فرع
مأموم نسي الفاتحة، فذكرها بعدما هوي إلى الركوع، وهو بعد قائمًا، فيه وجهان:
أحدهما: يقرأ الفاتحة، ثم يجري على أثر الإمام ما لم يزد على ثلاثة أركان، لأنه معذور.
والثاني: يتابع الإمام، ثم إذا سلم الإمام، يقوم ويقضي ركعة، ولو تذكر بعدما هوي إلى الركوع لم يعد وجهًا واحدًا، لأنه لم يكن في محل القراءة، ولو شك قبل أن يركع، هل قرأ الفاتحة أم لا؟
قرأ الفاتحة، ثم يجري على أثر الإمام، وإذا شك في الركوع لا يعود، فإذا سلم الإمام يقوم ويقضي ركعة.
فرع
المأموم الموافق إذا قرأ دعاء الاستفتاح، فلما فرغ منه هوى إمامه إلى الركوع عليه أن يقرأ الفاتحة وجهًا واحدًا، ثم يجري على أثر الإمام كما بينا، والمسبوق لو اشتغل بدعاء الاستفتاح.
فقيل: إن قرأ الفاتحة ركع الإمام، ففيه أوجه سنذكرها إن شاء الله.
[ ٢ / ٨٧٣ ]