إن الحمد لله نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١].
أما بعد:
فيحسن بنا ونحن نقدم هذا الكتاب المبارك لهذه الأمة المرحومة أن تضع بين يديه مقدمة تجمع طرفًا من محاسن الشريعة يتمثل في العناوين الآتية:
١ - الحاجة إلى التشريع.
٢ - أقسامه.
٣ - مميزاته.
٤ - المصلحة العامة في التشريع.
٥ - منابع التشريع الإسلامي.
٦ - تطور التشريع الإسلامي.
٧ - اجتهاد الرسول ﷺ.
إلى غير ذلك مما نراه منشورًا بين يدي صفحات المقدمة.
[ ١ / ٣ ]
الحاجة إلى الشريعة
لعلنا لا نعدو الحقيقة، إذا قلنا: إن الشرائع أمر ضروري للبشرية جمعاء؛ لما جبلت عليه النفوس البشرية من التَّنَافس والتَّسَابق في أمور كثيرة، قد يؤدي التعارض فيها إلى كثير من الآلام والمصاعب.
إن النفس البشرية مبنية على إدراك اللذائذ ودفع الآلام، وقد تتعارض اللذائذ والآلام، فما فيه لَذَة قوم قد يكون فيه إيلام لغيرهم، ولو قام شخص ما ليحكم في استيفاء لذائذه وإزاحة آلامه، لاستأثر باللذائذ الأقوياء، وأدى ذلك إلى الاختلال وعدم التوازن بين مصالح الناس.
لذا وضعت الشرائع قوانين للمعاملات والجنايات؛ لكي تمكن الناس من استيفاء حقوقهم.
وليس كل ما فيه ألم يستحق أن يُدْفع، ولا كل ما فيه لذة يجب أن يُجْلَب؛ فقد يجد الشخص في المشقة سعادة ما ويلتذ بالراحة؛ كالمريذ تلذْ له بعض المطعومات، ولكنها تسوق إلى منيته، ويشمئز من بعض الأطعمة وفيها غنيمة شفائه.
يقول الحقُ ﵎: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].
فالمعتبر إذًا لواضع الشريعة إنما هو اللذة التي نطلق عليها اسم المنفعة أو المصلحة، والألم الذي نطلق عليه اسم المضرة أو المفسدة.
وتتفاوت هذه المنافع بحسب شدتها وضعفها، وطول بقائها وقصره، وبحسب ما تنتجه من نتائج.
والشريعة الإسْلاَمية العادلة هي مِيزَانُ المنافع والمضار، وهي التي تلاحظ ما يتفرع عنها من النتائج، ثم تفرض لها من الأحكام ما يطابقها ويلائمها.
[ ١ / ٥ ]
أَقْسَامُ الشَّرائِعِ
تنقسم الشرائع بصفة عامة إلى قسمين: سماوية، ووضعية، والشرائع السماوية هي ما نزل بها وحي على رسول الله - ﷺ - والشرائع الوضعية هي ما استقر عليه الأمر من التقاليد البشرية التي وضعها البشر من تلقاء عقولهم.
ومن الملاحظ أن أصول جميع الشرائع السماوية واحدة؛ فهي تدعو كلها إلى توحيد الله - تعالى - وإفراده - سبحانه - بالعبودية والطاعات؛ يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥].
وتدعو الشرائع السماوية جميعها إلى أصول عامة وقواعد أساسية، يقوم عليها نظام الحياةح كالعدل، والمساواة، والحرية الصحيحة؛ كما تنهى عن الظلم والعدوان.
وقد نسخ الله - تعالى - من تعاليم الشرائع السابقة "الجزئيات" التي اقتضتها الظروف وطبيعة المكلفين، وأبقى منها ما يبقى به نظام المجتمع الإنساني، مستقرًا على الأصل الذي دعت إليه تلك الشرائع.
بينما تختلف الشرائع الوضعية باختلاف الأمم؛ فكل أمة أو دولة لها جنسيتها وقوانينها الخاصة التي تختلف عن قوانين ونظم الدول الأخرى؛ وبهذا يظهر الفرق واضحًا بين الشرائع السماوية والوضعية؛ فالشرائع السماوية- كالإسلامية مثلًا- ترى أن المسلمين جنسية واحدة وأمة منفردة، مهما تفرقوا في شعاب الأرض ونواحيها؛ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠].
المقارنة بين نوعي التشريع السماوي والوضعي
١ - من حيث العقل والنظر:
لو تأملنا إلى حقيقة النفس البشرية، بما ركب فيها من النزعات النفسية والأهواء
[ ١ / ٦ ]
البشرية والإرادات الشخصية، لوجدناها كلها تتجه تلقاء ما يحقق أطماعها ويساير أهواءها بدافع الحرص على اللذائذ، والاستئثار بها، وهم أمام هذه الإرادات والنزعات، لا يرى المرء ما يراه لغيره؛ لأن العقل البشري قاصر الإدراك مهما بَعُد مرماه. والمشرع يجب ألا يكون لهذه الاعتبارات كلها أو لبعضها، بقية من أثر في نفسه، وليس للهوى سلطان عليه، عالمًا بما تقتضيه روح التشريع، متنبئًا بما يمليه الغيب وما ستظهره الحقائق. ومعلوم أنه ليس في البشر من تكون له هذه المزايا، وتتحقق عنده هذه الصفات؛ ليقود البشر ويشرع لهم ما فيه صلاحهم في الدنيا والآخرة. ومن هنا، نعلم أن التشريع الذي يصنعه العالم بهم والمطلع على ضمائرهم يكون أحفظ لمصالحهم، وأحكم نظامًا لهم.
٢ - من حيث المُشَاهدة والواقع:
يشهد الواقع - في كل زمان ومكان - بما جاءت به الشريعة الإسلامية، وبما اقتضته من حماية الإنسان من المفاسد والمضار التي تلحق بدينه، وعرضه، ونفسه، وماله، وكل ما يعكر صفوه وهناءه، وبالغت في الحفظ والحرص؛ حتى لقد يكون الشيء في نفسه خاليًا من المفسدة.
وهذا ما يدل عليه معنى التشريع المحكم الذي لا يتطرق إليه الفساد أو التناقض من أي وجه، فهل توجد في الشريعة الوضعية مثل هذه الأحكام؟
إننا لو نظرنا في الجرائم المتعلقة بالعرض والنفس والمال، وإلى جزاءات هذه الجرائم في كل من الشرائع الوضعية والسماوية - لوجدنا اختلافًا وبونًا شاسعًا بينهما.
فها هي مواد قانون العقوبات الوضعية تبين لنا الجزاء الواجب إيقاعه على كل سارق أو غاصب بأية كيفية، وبأي نوع من أنواع الاختلاس والاغتصاب، وذلك إما بالأشغال الشاقة المؤبدة، أو المؤقتة، أو الحبس مع الشغل في الأعمال الشاقة، أو الغرامة. كما تقع هذه الجزاءات نفسها - عدا الغرامة - على كل من هتك العرض، وأفسد الأخلاق.
ومن الملاحظ أن هذه الجزاءات لا تنفذ إلا إذا وقعت هذه الجرائم على وجه الإكراه.
وبالتأمل في هذه الأحكام- ومدى تأثيره في النفوس- نرى أنها كفاح مخفف ودواء، يحد من ثورة هذه الجرائم من بقاء أصل الداء في الجسم؛ لذا نرى السارق- وقد تلقى جزاءه الذي قرره له القانون الوضعي- يعود إلى السرقة مرة أخرى؛ وهكذا بقية الجرائم.
أما إذا قطعت يد السارق، أو أُخذ بالقود من القاتل- كما قررت الشريعة الإسلامية- لكان ذلك زاجرًا لكل أفراد المجتمع. إن الشريعة الإسلامية الغراء اعتبرت هؤلاء المجرمين من زناة، وسُرّاق، وقتلة عضوًا أشل في المجتمع البشري، بل جرثومة فساد؛ فوضعت لهذه
[ ١ / ٧ ]
الأمراض أنجع الوسائل لمكافحتها واتقاء شرها، وعدم انتشار ضررها، ولا يكون ذلك إلا باستئصال شأفتها، واجتثاث أصلها من جذوره.
ولقد فتحت القوانين الوضعية - بدعوى الحرية والمدنية - أبواب الشر والفجور، فالزنا وهو ما تمجُّه النفوس وتأباه الكرامات تبيحه الأنظمة الوضعية؛ كذلك الخمور وبقية الآفات.
مميزاتُ التَّشْريع الإسلامي
يتميز التشريع الإسلامي بثلاث خصائص أساسية هي:
١ - رفع الحرج والمشقة:
يقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ويقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
وقال - ﷺ -: "بعثت بالحنيفية السمحة" وصح أنه - ﷺ - ما خُير بين شيئين إلا اختار أيسرهما، ما لم يكن إثمًا.
وإذا تتبعنا أحكام الإسلام، وجدنا أن جميع التكاليف روى فيها التخفيف واليسر على العباد، وقد استقرأ الفقهاء ذلك، فوجدوه على سبعة أنواع:
١ - إسقاط العبادة في حالة قيام العذر؛ كالحج عند عدم الأمن، والصوم عند العجز.
٢ - النقص من المفروض؛ كالقصر في السفر.
٣ - الإبدال؛ كإبدال التيمم عن الوضوء.
٤ - التقديم؛ كالجمع بعرفات.
٥ - التأخير؛ كالجمع بمزدلفة.
٦ - التغيير؛ كتغيير نظام الصلاة في وقت الخوف.
٧ - الترخيص؛ كأكل الميتة عند المخمصة، وشرب الخمر لإزالة الغُصَّة مقدّرًا بقدرها.
[ ١ / ٨ ]
٢ - قِلَّةُ التَّكَالِيفِ:
تمتاز الشريعة الإسلامية بقلة التكاليف؛ حيث سلكت طريقًا وسطًا لا مشقة فيه بكثرة التكاليف ولا إرهاق؛ ويؤيد هذا أن السلف كانوا يكرهون السؤال عن النوازل قبل حدوثها، وكانوا يكرهون الاستفتاء في المسائل المقدرة.
قال - ﷺ - للأقرع بن حابس- حين سأل عن الحج أفي كل عام يا رسول الله؟ قال - ﷺ -: "لو قلت: نعم، لوجبت. ذروني ما تركتكم؛ فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم".
وقال - ﷺ: "إن الله فرض فرائض، فلا تضيعوها، وحدّ حدودًا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء؛ رحمة بكم، غير نسيان، فلا تبحثوا عنها".
٣ - التدرُّجُ في التَّشْرِيعِ:
من حسن تدبير الشرع وحكمته، أنه أخذ الناس في تقرير أحكامه على مهل، وعرض لهم أوامره قضية بعد قضية، متدرجًا بهم بما يلائم طباعهم وعاداتهم.
لقد جاء الشرع الحنيف، والعرب يرزحون تحت وطأة شهواتهم التي تمكنت من نفوسهم، ووقعوا تحت تأثير غرائز كثيرة، لا يستطيعون الفكاك منها دفعة واحدة؛ فاقتضت الحكمة الإلهية ألاَّ يفاجَؤُوا بالأحكام جملة؛ فتثقل كواهلهم، وتنفر منها نفوسهم؛ فلذلك نزل القرآن منجمًا، ووردت التكاليف متدرجة؛ لإعداد النفوس وتهيئتها لقبول كل هذه
[ ١ / ٩ ]
التكاليف والأحكام. ومن ذلك أمر تحريم الخمر التي تمكنت من نفوس العرب إلى حدٍ بعيد؛ الأمر الذي جعل الحكمة الإلهية تتدرج في تشريع الأحكام التي تحرمها، فقال سبحانه في أول الأمر: ﴿قُلْ: فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩].
ثم تدرج خطوة أخرى حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣].
ثم صرح بالنهي: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠].
هل لا بُدّ لكل تَشْريعٍ من حِكْمَةٍ؟
نعم، لا بد لكل تشريع من حكمة، تُطمئن القلوب حنى تمتثله وتقبل عليه، وهذه الحكمة قد تكون واضحة ظاهرة؛ كقول الرسول - ﷺ- في الهرة: "إنها من الطوافين عليكم والطوافات" وقد تكون الحكمة خفية يعجز البشر عن إدراكها، ولس ذلك مبررًا لترك العمل بما خفي فيه موضع الحكمة، وقصر عنه إدراكه؛ فذلك تشريع الحكيم الخبير.
فوائد حكمة التشربع:
١ - الإرشاد إلى استنباط الأحكام التي تقتضيها مصالح الناس، فحيثما وجدت المصلحة، وُجِدَ حكم الله.
٢ - الإثارة الى أن الشارع ينبغي له أن يبين لهم ما في تشريعه من مصالحهم، وجلب النفع لهم، ودفع الضرر عنهم.
يقول تعالى في الزكاة: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
وفي الحج: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨].
وفي القتل: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩].
وفي الصلاة: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
ولما كان التشريع الإسلامي مبنيًا على جلب المصالح ودفع المفاسد، فإنه لم يضع إلا قواعد عامة وأمورًا كلية، يدور عليها نظام الحياة في كل زمان ومكان، تاركًا التفصيلات الجزئية المختلفة يستنبطها المجتهدون والعلماء في ظل القواعد الكلية المقررة.
[ ١ / ١٠ ]
كما أن المصالح والمفاسد تترتب على الأفعال ترتب المسببات العادية على أسبابها؛ مثل ترتب منافع الأدوية ومضارها عليها؛ فإنها تختلف باختلاف الأحوال والأزمان، فالعمل قد يكون مُنشئًا لمصلحة في حال أو زمان في حق أشخاص، فيستدعي الإقبال عليه، وقد ينتقل فعله إلى أن يتصل بمفسدة، فيستحق البعد عنه، ومن هنا، يجب أن يكون في نص القانون سعة ومرونة، بحيث يمكن تطبيقه على ما يجد من الحاجات والجزئيات؛ لأنه قانون عام، وضع للناس كافة في كل زمان ومكان.
المصلحةُ العامَّةُ في التَّشْرِيع الإسْلامِيّ
لم يقف المجتهدون من الصحابة والتابعين عند ظواهر النصوص، بل استنبطوا منها أحكامًا تلائم حالة العصر، بحيث لا تخرج عن دائرة الشرع الحكيم، واعتبروا المصلحة العامة وفقًا للشرع الحنيف. كما أن الصحابة عملوا أمورًا لمطلق المصلحة، لا لتقدم شاهد بالاعتبار؛ ككتابة المصحف، وولاية العهد من أبي بكر لعمر وتدوين الدواوين إلخ مما لم يتقدم له أمر أو نظر، وإنما فعل لمطلق المصلحة.
هَلِ العُرْفُ قَانُونٌ شَرْعيٌّ مُطَاعٌ؟
من الأحكام التشريعية ما بينه الشارع على رعاية أحوال تتغير وعوائد تتجدد، وهذا النوع من الأحكام هو ما يعبر عنه بما يحتمل التفيير والتبديل ولا يلزم طرده في كل عصر، ولا إجراؤه في كل مكان بل يجري العمل فيه على ما يقتضيه العرف السائد بين الناس، ما دام الدين لا يحرم ذلك.
يقول عمر بن العزيز: "تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور" وعلى ذلك فالعادة قانون شرعي مطاع؛ لما لها في الشريعة الإسلامية بمقتضى المصلحة من هذا الأثر البيِّن، كذلك نرى لها هذا الأثر الفعال في بعض الشرائع الوضعية.
التَّشْرِيعُ عِنْدَ العَرَبِ
لقد استمد العرب تشريعاتهم من العرف والعادات الجارية فيهم، وآراء حكامهم في النوازل التي كانت تعرض لهم.
وإذا قرأنا تاريخ العرب وتاريخ حكامهم المشهورين، وجدنا هذه الأمثلة الواضحة لكثير من الحكام؛ مثل قصي بن عبد مناف، وعبد المطلب بن هاشم، وغيرهما من الذين
[ ١ / ١١ ]
أدلوا بآرائهم في كثير من المشكلات، وكان يدفعهم إلى وجه الصواب من الخصومات ما غرس في طباع الناس من حب العدل والميل إليه، بالإضافة إلى ما اقتبسوه من النصرانية واليهودية آنذاك.
ومما ينكر أن العرب كانوا على جانب عظيم من الفوضى والاضطراب، حتى جاء الإسلام بنوره ومهّد لإقامة الوحدة القومية، فانهدم سلطان العادات، وقام الدين ينظم العلاقات البشرية، ويكمل ما قصرت العادات دونه، ويفي بحاجات المدينة الناشئة المتجددة؛ لذلك كان العهد الذي ظهر فيه الإسلام عهد انقلاب للحياة العربية الأخلاقية والاجتماعية، وعهد إصلاح للتقاليد والقوانين، فأبطل وأد البنات، وحرّم الربا، وبيع الغرر، وحرم زواج المقت والمتعة وطلاق الظهار إلخ.
وامتدت حركة الإصلاح؛ لتضع للمجتمع الجديد الحدود والجزاءات للجرائم الخطيرة الني تهدد المجتمع بالفناء؛ كالزنا، والسرقة والقتل إلخ.
وقد أقر الإسلام بعض التقاليد الجاهلية التي لا تتعارض معه؛ كإقرار نظام القسامة، وميراث الولاء؛ كذلك إكرام الضيف، ونصر المظلوم وصلة الرحم.
منابعُ التَّشْرِيع الإِسْلاَمِيّ
رسمت الشريعة الإسلامية لبعض أحكامها العملية بالدلائل الصريحة، ورسمت لبقيتها مناهج يهتدي بها المجتهد، وينحصر ما يتمسك به المستدل للحكم في نوعين:
١ - ما يدل بنفسه، وهو القرآن الكريم، والحديث الشريف، والقياس.
٢ - ما يتضمنه الدليل ويستلزمه، وهو الإجماع.
وإنما كان كذلك؛ لأنه لا ينعقد على حكم حادثة إلا إذا قام له دليل ثابت ومستند صحيح.
قال في "كشف الأسرار" للبزدوي: "اعلم أن أصول الشرائع ثلاثة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والأصل الرابع: القياس بمعنى الاستنباط من هذ ٥ الأصول".
سبب انحصار المصادر على هذ ٥ الأربعة:
إن الحكم إما أن يثبت بالوحي، أو بغيره، والأوّل إما أن يكون متلوًا وهو الذي تعلق بنظمه الإعجاز، وجواز الصلاة، وحرمة القراءة على الحائض والجنب، أو لم يكن، والأول هو الكتاب، والثاني هو السُّنة، وإن ثبت بغيره فهو إما أن يثبت بالرأي الصحيح أو بغيره، والأول إن كان رأى الجمع فهو الإجماع، وإن لم يكن فهو القياس، والثاني الاستدلالات الفاسدة.
[ ١ / ١٢ ]
الأدلَّةُ على هذه المَصَادِرِ الأَرْبَعَةِ
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
وقد اختلفت آراء المفسرين في المراد بأولي الأمر في الآية؛ فذهب بعضهم إلى أنهم العلماء الذين يفتون في الأحكام الشرعية، وذهب بعضهم إلى أنهم الخلفاء الراشدون، وذهب البعض الآخر إلى أنهم أمراء السرايا.
ولا شك أن المراد بطاعة الله العمل بما جاء في كتابه، وبطاعة الرسول العمل بما صح عنه من الأخبار والآثار.
أما وجه الاستدلال بالآية على حجية الإجماع، فهو - كما يرى الفخر الرازي - أن المراد من "أولي الأمر" "أهل الحل والعقدة" فالله - تعالى - ذكر ثلاثة طاعتهم واجبة، وهم: الله، ورسوله، وأولو الأمر، والله ورسوله مقطوع بعصمتهما؛ فوجب أن يكون أولو الأمر كذلك. أما وجه الاستدلال بالآية على حجية القياس، فقوله فيها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.
حيث نرى أن موضع الآية الثانية غير موضع الآية الأولى؛ إذ لو كان الموضع واحدا، وهو السائل المنصوص على حكمها في الكتاب، أو السنة، أو الإجماع - كما يفهم من الآية الأخيرة لكان قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ تكرارًا محضًا؛ إذ يؤول الكلام إلى: أطيعوا الله، وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فأطيعوا الله إلخ. وذلك لغو ينزه القرآن عن مثله.
وحيث اختلف الموضوع، فكان محل الآية الأولى الأحكام المنصوص عليها، ويكون محل الثانية الأحكام الغير منصوص عليها أو على حكمها، وهذه يمكن تعرُّفها من النصوص الشرعية بعد معرفة العلة التي يناط بها الحكم في محل النص، وبعد معرفة تحققها في الحادثة التي لم ينص عليها، فكأن الله - تعالى - يقول: فإن تنازعتم في شيء، لا تجدون له نصًا - فردوه إلى المنصوص في الكتاب أو السنة، بإعطائه حكمه بعد الاشتراك في المناط المعتبر.
وبذلك تكون الآية قد دلت على حُجية الكتاب، والسُّنة، والإجماع، والقياس. وأما مأخذ هذه الأصول من السُّنة، فالأمر ظاهر بالنسبة للكتاب الكريم الذي قال الله فيه: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، وكان ذلك دليلًا على حُجية السُّنة من وجه آخر.
[ ١ / ١٣ ]
وأما الإجماع فسنده قوله - ﷺ-: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" وأما القياس، فدليله من السنة حديث معاذ بن جبل، حينما بعثه الرسول - ﷺ- إلى اليمن، وقال له: "كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟ " فقال له معاذ: أقضي بكتاب الله. قال: "فإن لم تجد في كتاب الله؟ ". قال معاذ: أقضي بسنة نبي الله. قال: "فإن لم تجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله؟ ". قال معاذ: أجتهد رأيي ولا آلوا، فضرب الرسول - ﷺ - على صدره، وقال: "الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله إلى ما يرضي رسول الله".
وإذا دققنا النظر، وجدنا أن الأصل في هذه الأحكام كلها واحد، وهو قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [يوسف: ٤٠].
ومن هذه الأحكام، ما وصلنا بين دفتي المصحف، ومنه ما وصل على لسان رسول الله، ومنها مما لم يكن قرآنًا ولا سنة، ولكنه مستنبط من ذلك وهو القياس، أو مستند إلى أحدها وهو الإجماع. وهناك أدلة أخرى أخذ بها البعض، وتركها البعض الآخر؛ مثل: الاستحسان، والاستصحاب، والمصالح المرسلة إلخ.
والكلام فيها مبسوط في كتب علماء الأصول.
بَعْضُ الدَّعَاوَى المُفْتَرَاةِ
يدعي بعض الباحثين في الشرائع والقوانين الذين هبطت عقولهم دون مستوى العقول - أن الشريعة الإسلامية أخذت بعض أصولها من الشرائع والقوانين الرومانية، ويستدلون على هذا الزعم الباطل باتحاد بعض القواعد والأصول في القانونين "الإسلامي والروماني" وبأن بلاد الشام كانت تابعة للدولة الرومانية قبل ظهور الإسلام، وقد كان القانون الروماني يحكمها، فهيأ ذلك لأولي الأمر من المسلمين أن يقتبسوا بعضًا من أصول هذا القانون.
وللرد على هذه الدعوى نقول:
[ ١ / ١٤ ]
١ - لقد جمعت الشريعة الإسلامية بنظمها وقوانينها في مدة قصيرة، ولم ينتقل الرسول - ﷺ - إلى الدار الآخرة حتى كانت أصولها تامّة، ولم يمض على الأمة قرن ونصف حتى ألفت تآليف هامة في فروعها وبسط أحكامها، وهذا ما لم يكن للأمم قبلنا، مع العلم أن النظم الرومانية لم تنضج إلا على عهد القيصر "جوستنيان" عام ٥٦٥، أي بعد مضي ثلاثة عشر قرنًا من حياة الرومان؛ وذلك يدل دلالة قاطعة على مكانة الشريعة الإسلامية وأنها بوحي سماوي.
٢ - من الناحية التاريخية يتضح لنا أنه لم يكن ثَمَّ اتصال بين العرب في شبه الجزيرة العربية، وبين أهل تلك البلاد "الشام" إلا في أحوال قليلة جدًا، كالتجارة مثلًا، فلا يعقل أن يكون المسلمون قبل اتساع فتوحاتهم قد أخذوا من فقه هؤلاء الرومان، على أن هذه القاعدة قد تقررت في الدين الإسلامي قبل أن تمتد الفتوحات الإسلامية إلى الشام، ويتهيأ للمسلمين أن يطلعوا على النظم الرومانية.
٣ - الاتفاق في بعض الأحكام واتحاد بعض النصوص في كلا القانونين لا ينهض دليلًا للحكم بأن القانون الإسلامي اقتبس من الروماني، فالعقل كثيرًا ما يهتدي إلى أحكام تتفق مع ما ينزل من السماء من شريعة وقانون، فمثلًا قد اهتدى عمر بن الخطاب - ﵁ - إلى أحكام في بعض ما عرض للنبي - ﷺ - من حوادث، وقد نزل القرآن موافقًا لما حكم به ابن الخطاب، فهل يقال - من أجل هذا التوافق -: إن الإسلام قلد عمر في رأيه؟
أقْسَامُ المَشْرُوعَاتِ الإِسْلاَمِيّة
يلاحظ الناظر إلى المشروعات الإسلامية أنها تنقسم إلى قسمين:
١ - أحكام أصلية، وبكون المقصود منها الاعتقاد.
٢ - أحكام فرعية، ويكون المقصود منها العمل.
ومعلوم أن الأحكام الاعتقادية متعلقة بذات الله - تعالى - وأسمائه وصفاته، وبالرسل، والكتب، واليوم الآخر؛ وهذا ما يطلق عليه "علم التوحيد".
والأحكام العملية هي ما تتعلق بأفعال المكلفين، من وجوب، وحرمة، وندب، وكراهة إلخ.
والأحكام الأصلية ثلاثة أقسام:
١ - ما لا يمكن إثباته إلا بالدليل العقلي القاطع كوجود الله تعالى، وصدق الرسل في دعوى الرسالة؛ لأنه لا طريق إلى إثبات ذلك بالدليل النقلي وحده، ولا يؤثر ذلك في كونه
[ ١ / ١٥ ]
شرعيًا؛ لأن الشارع أرشد إلى النظر والاستدلال في كثير من نصوصه.
٢ - ما لا سبيل إلى إثباته إلا بالنقل؛ وذلك كالأحكام المتعلقة بتفاصيل الدار الآخرة.
٣ - ما يثبت بكل من الدليلين النقلي والعقلي؛ كالحكم بأن الله عالم مريد، وبأن الأنبياء تجوز عليهم الأعراض البشرية.
تطوُّر التَّشْرِيع الإسْلاَمِيّ
وسوف نتكلم في ذلك عن عهدين متمايزين:
١ - العهد الأول: عهد التأسيس، وهو زمن الرسول - ﷺ - من بعثته إلى موته.
٢ - العهد الثاني: من بعد موته - ﷺ - إلى وقتنا هذا.
١ - التَّشْرِيعُ في عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ:
يلاحظ الناظر لنصوص الشرع في العهد المكي، أنها لا تكاد تتعرض لشيء من التشريع؛ وإنما كانت تدعو إلى أصول الدين وقواعده؛ فالإيمان بالله ورسوله، واليوم الآخر، والأمر بمكارم الأخلاق وتجنب مساويها.
وما نزل بمكة من الآيات التي تشتمل على تشريع، لم يكن الغرض منه إلا حماية العقيدة.
أما المرحلة الثانية للتشريع في عهد الرسول، فكان بعد هجرته - ﷺ- إلى المدينة؛ حيث انتظم التشريع جميع أمور الدولة ونواحيها، ونظمها.
وفي هذا العهد كان التشريع لرسول الله - ﷺ- وحده مستقلًا به، وما كان لأحد من المسلمين أن يشترك معه في سلطة التشريع، وكان المسلمون إذا عرض لهم حادث أو شجر بينهم خلاف، وأرادوا معرفة حكم الإسلام - رجعوا إلى الرسول، ليعرفوا ما أرادوا.
اجتهاد الرسُول ﷺ
قد اجتهد الرسول - ﷺ - في وقائع عدة، وأقر الاجتهاد كمصدر للشريعة الإسلامية.
وقال العلماء: إن ما فيه نص إلهي، لا يجوز للنبي أن يجتهد فيه؛ لقوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الأنعام: ١٠٦].
أما ما لا نص فيه، فيجوز أن يكون النبي - ﷺ - متعبدًا بالاجتهاد فيه؛ لأن له سلطة التشريع عن الله تعالى باعتباره مبلغًا معصومًا.
[ ١ / ١٦ ]
والظاهر من استقراء كلام أهل العلم، جواز الخطأ عليه - ﷺ - في اجتهاده؛ لأنه لو لم يكن احتمال الخطأ في اجتهاده، لكان مثل الوحي في عدم احتماله.
جوانبُ من اجْتِهَادِهِ ﷺ
١ - في الأحكام الدينية: قوله - ﷺ-: "لو استقبلت من أمري ما استدبرتُ لما سقت الهدى"، ويريد النبي به ما ظهر عنده من المشقة عليه ومن تبعه في سوقه الملزم دوام الإحرام إلى قضاء مناسك الحج لما سقته، بل كنت أحرمت بالعمرة ثم أحللت بعد أدائها، كما هو دأب المتمتع؛ فثبت بذلك اجتهاده في الأحكام الدينية.
٢ - في الحروب: قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] عاتبه الله على إذنه للمنافقين بالتخلف عن غزوة "تبوك".
٣ - في الأمور الدينية: قوله تعالى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ .﴾ [الأنفال: ٦٨] عاتبه على أخذه برأي أبي بكر الصديق في أخذه الفداء من أسارى بدر، وتركه رأي عمر في التقتيل، وكانت المصلحة الإسلامية تقتضيه.
٤ - في المصلحة العامة: لما قال - ﷺ- في مكة: "لا يُخْتَلَى خلاها ولا يُعْضَدُ شَجَرُهَا" قال له العباس - ﵁: "إلا الإذْخر - يا رسول الله - لبيوتنا وقبورنا" فقال رسول الله - ﷺ-: "إلا الإذخر".
وهذا منه - ﷺ- استثناء باجتهاده؛ إجابة للعباس؛ للمصلحة العامة.
اجْتِهَادُ الصَّحَابَةِ في عَصْرِهِ ﷺ
تروي لنا الآثار وقوع الاجتهاد من الصحابة - رضوان الله عليهم - وقد أقرهم الرسول - ﷺ- على ذلك وسُرّ بهذا. وقد مَرَّ بنا إقرار الرسول لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى "اليمن" ويروى أيضًا أن صحابيين خرجا في سفر، فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء
[ ١ / ١٧ ]
فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما، ولم يعد الآخر، فصوبهما رسول الله - ﷺ - وقال للذي لم يُعد: "أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك"، وقال للذي أعاد: "لك الأجر مرتين".
ولقد كان اجتهاد الصحابة في الحالات التي تعذر الرجوع فيها إلى الرسولﷺ- واستفتاؤه في الأمر؛ وعلى هذا فلا يظن أن الاجتهاد مصدر ثالث للشريعة في عهده - ﷺ -؛ لأن اجتهاد النبي مرجعه الوحي، فإن كان صوابًا أقر عليه، وإن كان خطأ نبه إلى وجه الخطأ فيه.
وعلى هذا، لا يصح -نظريًا- اعتبار الاجتهاد في عصرهﷺ- مصدرًا مستقلًا للشريعة؛ إذ كان مرجعه إلى السنة.
القرآنُ الكريمُ مَصْدَرُ التَّشْرِيعِ الأَوَّلُ
عرف العلماء القرآن الكريم بأنه اللفظ العربي المنزل على سيدنا محمد - ﷺ - المنقول بالتواتر، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس.
وهو أيضًا حبل الله المتين من تمسك به نجا، ومن حاد عنه ضل؛ يقول الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
يقول الإمام المازني: "القرآن قاعدة الإسلام، وقطب الأحكام، ومفزع أهل الملة ووزرهم، وآية رسولهم، ودليل صدق نبيهم".
ومعظم آيات القرآن تتعلق بالتوحيد، والأدلة الدالة عليه، ورد عقائد المضللين والملحدين، وإثبات الثواب والمعاد، ووصف يوم القيامة وأهواله، وما أعده للطائعين وللعاصين، وتضمن أيضًا أخبار الأمم الماضية والتنكير، وذكر أسماء الله وآلائه وبيان صفاته.
وتعلقت بقية الآيات بالأحكام الفقهية وهي قليلة بالنسبة للأغراض السابقة.
كيفيَّةُ نُزُولِ القُرْآنِ الكَرِيمِ
يقول تعالى: ﴿وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦].
[ ١ / ١٨ ]
معنى هذا، أن القرآن الكريم لم ينزل على النبي - ﷺ - جملة واحدة، بل كان ينزل بحسب الوقائع والمناسبات، أو جوابًا لأسئلة واستفتاءات.
مثال على الحالة الأولى: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١] حيث نزلت في شأن "مرثد الغنوي" وقد بعثه الرسول - ﷺ - إلى "مكة" ليحمل من المستضعفين من المسلمين، فعرضت امرأة مشركة أن يبيت عندها، وكانت ذات جمال ومال، فأعرض عنها خوفًا من الله، ثم أرادت أن يتزوجها، فقبل على شرط أن يرجع بالأمر إلى النبي، فلما رجع إليه سأله أن يأذن له في التزوج بها فنزلت الآية.
مثال على الحالة الثانية:
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: ٢٢٠].
وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٥].
وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وتلك الوقائع والاستفتاءات التي كان ينزل بحسبها القرآن هي ما يعرف بأسباب النزول، وللعلم بها أهمية كبرى في تفسير القرآن الكريم، ولتكون هذه الأسئلة والوقائع قرائن معنوية، يستعان بها على أن يفهم القرآن حق الفهم، وأن تعرف أسراره ولطائفه ومراميه أحسن معرفة.
وقد أفرد العلماء لأسباب النزول كتبًا ومصنفات كثيرة، كـ"أسباب النزول" للواحدي النيسابوري.
ما حِكْمَةُ نُزُولِ القُرْآن مُنَجَّمًا؟
قلنا فيما سبق: إن القرآن نزل منجمًا حسب الوقائع والمناسبات، وما زال كذلك حتى كملت الشريعة بتمام نزول القرآن، وقد ذكر العلماء الحكمة في نزوله منجمًا فيما يلي:
١ - ليقوي به قلب الرسول - ﷺ- فيعيه ويحفظه؛ يقول تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ [الفرقان: ٣٢].
٢ - اقتضت حكمة الله تعالى أن يكون في القرآن ما هو ناسخ، وما هو منسوخ، وهذا لا يتأتى إلا فيما ينزل مفرقًا.
[ ١ / ١٩ ]
٣ - في نزول القرآن منجمًا رحمة بالعبادة؛ لأنهم كانوا قبل الإسلام في إباحية مطلقة وحرية لا حدود لها، فلو نزل عليهم القرآن دفعة واحدة لثقلت عليهم التكاليف، ونفرت قلوبهم عن اتباع الحق والإذعان له.
أخرج البخاري عن السيدة عائشة أنها قالت: "إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل، فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أوّل شيء لا تشربوا الخمر، لقوال: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا".
الآيَاتُ المكّيَّةُ والمَدَنِيَّةُ
يقال للآيات التي نزلت بمكة: آيات مكية، وما نزل بالمدينة يقال لها: مدنية.
واختلف العلماء في ذلك؛ فيرى البعض منهم أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمدني ما نزل بالمدينة، معنى هذا أن ما نزل في الأسفار لا يطلق عليه مكّي ولا مَدَنيّ، فهو قسم مستقل.
ويرى بعضهم أن المكي ما كان خطابًا لأهل مكة، والمدني ما كان خطابًا لأهل المدينة.
ويرى البعض الآخر - وهو أشهر المذاهب- أن المكي ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعدها ولو في "مكة".
مميزات كل منهما:
١ - يرجع معظم الآيات المكية إلى توحيد الله، وإقامة البراهين على وجوده، وهدم افتراءات الملحدين؛ بينما تعرضت الآيات المدنية للأحكام الفقهية والفرائض والحدود.
٢ - الآيات المكية غالبًا قصيرة؛ ليتمكن الرسول والمؤمنون من حفظها؛ بخلاف المدني.
٣ - كانت صيغة الخطاب المكي تارة تكون بـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وتارة تكون بـ ﴿يَا بَنِي آَدَمَ﴾، أما الخطاب المدني فيغلب عليه أن يكون بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾، ولم يرد في الخطاب المدني بـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ إلا في سبع آيات معلومة.
٤ - كل سورة فيها سجدة فهي مكية إلا الحج؛ فالراجح أنها مدنية.
[ ١ / ٢٠ ]
٥ - كل سورة فيها ذكر المنافقين فهي مدنية، إلا "العنكبوت"؛ لأنهم لم يكونوا بمكة غالبًا.
اسْتِنْبَاطُ الفُقَهَاء للأحْكَام من القُرْآنِ الكَرِيمِ
تنحصر أحكام الشريعة الإسلامية في خمسة أنواع:
الوجوب، والندب، والحرمة، والكراهة، والجواز، وهو ما اصطلح أئمة الفقه والأصول عليه.
ولا يخفى على كل بصير أن القرآن جاء في أعلى طبقات البلاغة والفصاحة والإعجاز، وأن الله ساقه على سبيل الإنذار والبشارة؛ ليكون مؤثرًا في النفس البشرية، والفصاحة من أعظم المؤثرات على عقول البشر وطبيعته التي تمل من تكرار عبارة واحدة.
فلو جاءت الأحكام الإسلامية على سبيل: هذا واجب، هذا مندوب، هذا حرام إلخ. لم تكن هناك الفصاحة المؤثرة. وفي الواقع، نجد القرآن الكريم يعبر ببعض الألفاظ المصطلح عليها كالحرمة والحل؛ كما في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] وقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤].
وتارة يعبر في الوجوب بمادة "فرض": ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
أو يعبر عنه بـ"قضى"؛ مثل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣].
أو يعبر عنه بـ"كتب"؛ مثل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣].
ويعبر القرآن بـ"ينهى" عن حرَّم ويعبر عنه بـ"لا يحل"؛ مثل: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩].
ويعبر عن الوجوب بـ"على"؛ مثل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧].
ومن الصيغ المفيدة للوجوب ظاهرًا وصفه بأنه بر؛ مثل: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ١٨٩] أو وصفه بالخير؛ مثل: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
ومن الصيغ الدالة على التحريم "لا تفعل"؛ مثل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٣٤].
ومن ذلك فعل الأمر الدال على طلب الكف؛ نحو: ﴿ذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٠].
[ ١ / ٢١ ]
ومن ذلك ذكر الفعل متوعدًا عليه، إما بالإثم، أو بالفسق؛ مثل: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩]. وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]
وقوله: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣].
وما ذكرناه سابقًا، إنما هو أمثلة فقط لهذه الأحكام الخمسة. وبالجملة، فإن الأحكام الخمسة السابقة لم ينص في الكتاب والسنة عليها. كما هي في كتب الفقه بهذه الألفاظ المعروفة في كل مسألة مسألة؛ وإنما وردت في الكتاب والسنة تلك الصيغ الدالة على السخط، أو الرضا، أو عدمهما، منطوقًا أو مفهومًا، ثم إن الصحابة ومن بعدهم من العلماء أدركوا بحسب القرآن ما دلهم على تلك الأحكام، فاصطلحوا عليها ورأوا أن الأوامر والنواهي لا تخرج عنها، فبذلوا وسعهم في الاستنباط بحسب القرآن وموارد كلام العرب وكتاباتهم.
وقُوعُ النَّسْخِ فِي القُرْآنِ
وقع النسخ في الكتاب والسُّنة على السواء، وهو جائز عقلًا بلا خلاف.
وحكمة النسخ أن شرع الأحكام كثيرًا ما يكون لمقتضيات وقتية، فإذا تغيرت هذه المقتضيات اقتضى ذلك تغير الحكم؛ رحمة من الحق- تعالى - بعباده.
أما حكمة بقاء تلاوة المنسوخ، فهو التذكير بحكمة التخفيف واستحضار تلك الحالة السابقة، وثواب التلاوة، والتعبد، وغير ذلك.
والنسخ في القرآن معناه: رفع حكم آية عن جميع محالها.
أمثلة على ذلك:
١ - قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة:١٨٤]. نسخها قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥].
٢ - قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] نسخها قوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
٣ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآَتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]. نسخها قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦].
وقد وقع النسخ في حديث الرسول - ﷺ- قال العلاء بن الشخير: كان رسول الله - ﷺ - ينسخ حديثه بعضه بعضًا كما ينسخ القرآن بعضه بعضًا.
[ ١ / ٢٢ ]
والنسخ أنواع:
فمنه ما نسخ لفظه وحكمه؛ كـ"عشر رضعات معلومات يحرمن" ومنه ما نسخ لفظه وبقي حكمه؛ نحو: "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالًا من الله".
ومنه ما نسخ حكمه وبقي لفظه كالأمثلة السابقة.
وقد ينسخ قرآن بقرآن أو سُنَّة بسُنَّة أو سُنَّة بقرآن أو قرآن بسُنّة متواترة لا بخبر واحد، ولا نسخ بالعقل ولا بالإجماع؛ لأنه لا يتصور إلا بعد الرسول - ﷺ - ولا نسخ بعده.
المَصْدَرُ الثَّاني للتَّشريع
السُّنّة النبويّة المطهّرة
السُّنة في اللغة هي الطريقة الحسنة أو السيئة.
والمقصود بها شرعًا ما أثر عنه - ﷺ- من قول، أو فعل، أو تقرير.
ويستثنى من ذلك نوعان هما غير داخلين فيما يطلب فيه الاقتداء أو التأسي: أحدهما: ما سار فيه على مقتضى العادة أو الجبلّة؛ كما ترك أكل لحم الضب، وقال: "لم يكن بأرض قومي أجدني أعافه".
وثانيهما: ما قام الدليل على اختصاصه به؛ كحرمة أكل ذي الرائحة الكريهة.
وقد دل القرآن دلالة واضحة على العمل بما جاء في السُّنة المطهرة؛ يقول تعالى: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].
ولم يكن النبي - ﷺ - فيما يصدر عنه من قول أو فعل أو تقرير- إلا صادرًا عن وحي، إلا أن الوحي قسمان: متلو وهو القرآن، وغير متلو وهو السُّنة.
وقد نرى أقوامًا ضلوا الطريق فنبذوا سُنة رسول الله - ﷺ- وقالوا: في كتاب الله تبيان كل شيء، فما حاجتنا للسُنّة؟ ونسي هؤلاء قول الله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٩٢] وقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]. فقد دلت هذه الآيات وغيرها على حُجية السُّنة ووجوب الرجوع إليها والعمل بها.
مَرْتَبَةُ السُّنّةِ في الاحْتِجَاجِ بها
تقع السُنة في المقام الثاني بعد كتاب الله تعالى في درجة الاحتجاج؛ وذلك لأن ثبوت الكتاب قطعي، أما ثبوت السنة في الجملة فهو ظني.
[ ١ / ٢٣ ]
ويدلنا على ذلك ما ورد في حديث معاذ - ﵁- عندما قال له الرسول: "بم تحكم؟ " قال: "بكتاب الله". قال: "فإن لم تجد؟ " قال: فبسنة رسول الله.
وأما منزلتها من الكتاب من حيث الأحكام الثابتة بهما، فعلى ثلاثة منازل:
المنزلة الأولى: سُنة موافقة لما نزل في الكتاب.
المنزلة الثانية: سُنة تفسر الكتاب، وتبين مراد الله منه، وتقيد مطلقه.
المنزلة الثالثة: سُنة متضمنة لحكم سكت عنه الكتاب.
أمثلة لهذه المراتب الثلاث:
بالنسبة للمنزلة الأولى: قوله - ﷺ -: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه"، فإنه يوافق قوله تعالى: ﴿وَلَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
ومثال المنزلة الثانية: قوله - ﷺ- الوارد في تفسير الخيط الأبيض والخيط الأسود في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ومثال ما هو من المنزلة الثالثة:
تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، والتحريم بالرضاع كل ما يحرم بالنسب، وإعطاء الجدة السدس، وغير ذلك.
وهناك مرتبة رابعة للسُنة وهي أنها ترد ناسخة لحكم ثبت بالكتاب؛ كقوله - ﷺ-: "لا وَصِيّةَ لِوَارِثٍ" فإنه نسخ آية الوصية في سورة البقرة.
[ ١ / ٢٤ ]
وقوعُ النَّسْخ في السُّنَّةِ
وقع النسخ في السُّنة مثلما وقع في القرآن، ودليلنا على ذلك تشريع حد الخمر؛ فإنه لم يكن شُرِع للخمر أولًا حد، ثم شرع النبي - ﷺ - الحد، لكن كان أولًا خفيفًا وهو الضرب بأطراف أثوابهم والنعال والأيدي وجريد النخيل، ثم شرع الحد بالجلد، وثبت ذلك بقوله - ﷺ -: "إذا شرب الخمر فاجلدوه، فإذا شرب الثانية فاجلدوه، وإذا شرب الثالثة فاجلدوه، وإذا شرب الرابعة فاقتلوه".
لكنه روى أنه لم يقتل أحدًا حيث ورد أن النبي - ﷺ - أتى بمن شرب الرابعة فلم يكن قتل. تخفيفًا من الله تعالى، فالقتل شرع بالسُّنة ونسخ بها.
شُروطُ العَمَلِ بالسُّنَّةِ
السُّنة التي يعمل بها يجب أن تتوافر فيها عدّة شروط مهمة؛ مثل: أن تكون متواترة، أو صحيحة، أو حسنة، وليس هناك قادح؛ كما إذا خالف الراوي من هو أحفظ منه، أو أتقن، أو أكثر؛ فتكون حينئذٍ شاذة، والشاذ من قبيل الضعيف الذي لا يُحتج به.
والجمهور على وجوب قبول خبر الواحد الثقة الضابط عن مثله إلى رسول الله - ﷺ - وحكى الإجماع عليه في كتاب "جمع الجوامع"، وقد كان العمل بخبر الواحد شائعًا ومستفيضًا في زمن النبي - ﷺ - حيث كان يرسل رسله إلى الآفاق يبلغون أحكام الشريعة وهم فرادى.
بينما اشترط الإمام أبو حنيفة للعمل بخبر الواحد شروطًا ثلاثة:
١ - ألا يكون عمل الراوي مخالفًا لروايته، فالعمل بما رأى لا بما روى؛ لأنه لا يخالفه إلا عن دليل ناسخ.
٢ - ألا يكون فيما تعم به البلوى؛ فإن ما يكون كذلك تتوافر الدواعي على نقله متواترًا؛ ولذلك رد حديث "من مسّ ذكره فليتوضأ".
[ ١ / ٢٥ ]
٣ - ألا يكون مخالفًا للقياس على تفصيل عنده، ينبغي الرجوع إليه. واشترط الشافعي للعمل بخبر الآحاد الصحة والاتصال، وطعن في المراسيل، إلا مراسيل ابن المسيب التي وقع الاتفاق على صحتها. كذلك لم يقدم الإمام أحمد على الخبر المرفوع الصحيح عملًا، ور أيًا، ولا قياسًا، ولا قول صحابي.
ولم يعمل المالكية بما خالف عمل أهل المدينة من أخبار الآحاد.
كِتَابَةُ السُّنَّةِ
من المعلوم أن السنة الشريفة لم تدون في عهد صاحبها - ﷺ - بصفة مطلقة؛ وذلك لسببين:
١ - أن الأمة العربية كانت أمية، والأمي أقوى على الحفظ من الكتابة، وعلى الحفظ اعتمد جلّ الصحابة الكرام.
٢ - نهى النبي - ﷺ - عن كتابتها؛ مخافة أن يختلط القرآن بالحديث.
ويجب ألا يفهم هذا النهي على إطلاقه؛ لأنه ورد عنه - ﷺ - إجازته لبعض الصحابة في كتابتها؛ وعلى هذا يحمل النهي على طائفة مخصوصة وهم كتاب القرآن والوحي دون غيرهم؛ مخافة الخلط بينهما.
ودليل إباحة كتابتها ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمر قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله - ﷺ - أريد حفظه، فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله حتى يتكلم في الغضب والرضا، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: اكتب، فوالذي نفسي بيده، ما خرج مِنّي إلا حق".
ومهما يكن من أمر، فإن الذي كتب من السُّنة في عهد الرسول قليل جدًّا، وظل الأمر
[ ١ / ٢٦ ]
كذلك حتى أوائل المائة الثانية؛ حيث قيض الله من قام بتدوين السُّنة الشريفة من العلماء والفقهاء، ﵏ ورضي عنهم جميعًا.
التَّشْريعُ الإسلامِيّ
في عَهْدِهِ الذَّهبيِّ
ويبدأ هذا العهد من عهد الخلفاء الراشدين حتى ظهور المذاهب الفقهية، وتدوين مبادئ الشريعة من الكتب والمصنفات.
والملاحظ أن التشريع في هذه الفترة قد مر بمرحلتين متمايزتين:
١ - المرحلة الأولى مرحلة الخلفاء الراشدين وأوائل التابعين إلى آخر القرن الثاني الهجري.
٢ - المرحلة الثانية من وقت ظهور المذاهب الفقهية وتدوين الفقه إلى آخر القرن الرابع ممتدة إلى وقتنا هذا.
أولًا: المرحلة الأولى:
لقد امتدت الفتوحات ألإسلامية، واتسعت الممالك الجديدة في عهد الخلفاء الراشدين من الهند إلى الأندلس إلى غرب إفريقية، ودخل في دين الله أمم شتى؛ كفارس، والروم، والعراق، ومصر، والشام، وتفاعلت الحضارة العربية بحضارات الشرق والغرب، وتشعبت الأمور، وكثرت النوازل، وواجه المسلمون آنذاك وقائع لا عهد لهم بها، ولم يرد بها نص في كتاب أو سنة؛ لذا ظهر الفقهاء المفتون والقضاة المجتهدون في كل الأمصار، فأسسوا المبادئ وقعدوا القواعد، وقاسوا النظير على النظير والشبيه على الشبيه، وتنوعت أفكارهم ومشاربهم في كيفية الوصول إلى الضالة المنشودة، وقد تميزت هذه المرحلة بسمات أساسية منها:
١ - ظهور مواهب وأسرار الشريعة الإسلامية، وزادت سيطرة الأمة ورقابتها على متابعة الخلفاء لنصوص الشريعة وتحري اتباع الحق الواضح؛ وذلك تلبيةً لمبدأ الشورى الذي أقره الإسلام.
٢ - حيث كثرت النوازل والوقائع التي لم يكن للمسلمين بها عهد- بدأ التوسع في التفريع والاستنباط، ولقد اقتصر آنذاك على ما جدّ من الحوادث، وترك ما لم يحدث؛ حرصًا على الوقت الثمين الذي صرف في تدبير أمور الدولة وإدارة شؤونها؛ كما أن هذا الاستنباط والتفريع إنما صدر منهم عن حزم وتبصُّر على أساس الشورى فيما بينهم.
[ ١ / ٢٧ ]
٣ - امتزج الفقه بالقضاء في هذه المرحلة أيما امتزاج؛ وآية ذلك أن القاضي كان من المجتهدين فيما يعرض له من الوقائع التي لا نص فيها، فتأثر الفقه والتشريع بقضائه؛ كما وجد الفقيه المستقل بالإفتاء، وقد تأثر القضاء بفقهه وفتواه، فكان من الصعب تميز الفقه "التشريع" عن القضاء في ذلك العهد؛ إذ كان الفقيه قاضيًا، والقاضي فقيهًا.
مَصَادرُ التَّشْريع الإسْلاَمِيّ
في هذه المرحلةِ
كانت مصادر الشريعة في عهد الرسول - ﷺ - كما علمنا الكتاب والسُّنة، وفي هذه المرحلة زاد مصدران آخران وهما: الإجماع، والقياس، وبدخول هذين المصدرين تكفل لأحكام الشريعة الإسلامية المرونة والخصوبة على مر الزمن.
وسوف نتكلم ها هنا عن هذين المصدرين اللذين استجدا في هذه الفترة، وهما: الإجماع والقياس، أما المصدران الآخران، أعني: القرآن والسنة، فقد سبق تفصيل القول عنهما في الكلام عن المرحلة السابقة.
أولًا: الإجماع:
وجد الإجماع منذ أن وجدت فكرة تنظيم الرأي من طريق الاستشارة؛ إذ كان الخلفاء والقضاة يستشيرون أهل الفقه، فإذا اجتمع رؤوس الناس وأئمتهم على أمر، قضوا به، وقد كان الإجماع مقصورًا على الصحابة، ثم امتد إلى التابعين، ثم صار أخيرًا يطلق عليها إجماع المجتهدين من أمة محمد - ﷺ -.
ودليل الإجماع قول النبي - ﷺ -: "لا تجتمع أمتي على ضلالة".
ثانيًا: القياس:
وهو يتضمن الرأي والاجتهاد، وقد أقر الرسول الكريم الرأي والعاملين به عند الحاجة، وقد استدللنا سابقًا بحديث معاذ بن جبل ﵁؛ كذلك أقر عمر الرأي في كتابه لشريح القاضي.
أما ما جرى من ذم الرأي وأهله فلم يكن القصد منه إلا أن يبعدوا عن ساحة الرأي من لم يتأهل له؛ حتى لا يجترئ الناس على الفتوى والقول في الدين بغير علم، فالرأي المذموم هو اتباع الهوى في الإفتاء من غير استناد إلى دليل أو أصل من الدين.
وينبغي أن تراعى في القياس الأمور الآتية:
١ - أخذ الحكم من ظواهر النصوص إذا كان محل الحادثة مما تتناوله تلك النصوص،
[ ١ / ٢٨ ]
وذلك بعد النظر في عامها. وخاصها، ومطلقها ومقيدها، وناسخها ومنسوخها، وغير ذلك مما يتوقف عليه الاستنتاج من الألفاظ.
٢ - أخذ الحكم من معقول النص؛ بأن كان للحكم علة مصرح بها أو مستنبطة ومحل الحادثة مشتمل على تلك العلة، والنص لا يشمله؛ وذلك طريق القياس.
٣ - أن تنزل الوقائع على القواعد العامة المأخوذة من الأدلة المتفرقة في القرآن والسنة، وهذا ما يقع تحت اسم الاستحسان، أو المصالح المرسلة وسد الذرائع.
وهكذا كان اجتهاد الصحابة - ﵃ - بهذا المعنى الشامل؛ حيث نظروا في دلالة النصوص، وقاسوا، واستحسنوا إلى غير ذلك، وكان اعتمادهم في فتاواهم على أربعة أشياء في هذه المرحلة الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
أمثلةٌ من اجْتَهادَات الصَّحَابَةِ
﵃ أجمعين
١ - مثال من اجتهاد الصِّديق أبي بكر:
عندما واجه أبو بكر - ﵁ - مسألة الردة، وجد أقوامًا رفضوا أداء الزكاة رغم إقرارهم بالإسلام وأدائهم الصلاة، ولم يحدث هذا زمن الرسول - ﷺ- فكيف يتصرف إزاء هذه النازلة؟
رأى أبو بكر - ﵁ - أنه يقاتلهم، ورغم هذا لجأ إلى الرأي والمشورة، فقال له عمر بن الخطاب: كيف نقاتلهم، وقد قال - ﷺ -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم، وأموالهم، إلا بحقها" فقال له سيدنا أبو بكر: "ألم يقل: إلا بحقها؟ فمن حقها إيتاء الزكاة، كما أن من حقها إقام الصلاة، والله، لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم عليه.
[ ١ / ٢٩ ]
وهكذا اجتهد الصديق، حتى وصل إلى الصواب، وهداه الله إلى الحق فقاتل المرتدين، وانتصر عليهم وظهرت كلمة الله.
٢ - مثال من اجتهاد عمر ﵁:
اختلف الصحابة في المسألة المشتركة، وهي التي توفيت فيها امرأة عن زوج، وأم، وأخوة لأم، وأخوة أشقاء، فكان عمر يعطي للزوج النصف، وللأم السدس، وللإخوة لأم الثلث، فلا يبقى للأخوة الأشقاء نصيب، فقيل له: هب أن أبانا حجر في اليم، ألسنا من أم واحدة؟ فعدل عن رأيه وأشرك بينهم.
ولعل في ذلك دلالة واضحة على مدى إنصاف عمر وعدله ورجوعه إلى الحق، حتى وصفه الإفرنج بأنه أكبر حاكم ديمقراطي في الإسلام.
واجتهادات سيدنا عمر - ﵁ - كثيرة؛ فمنها ميراث الجدة، وضرب الجزية على أهل السواد، وتدوين الدواوين، وغير ذلك.
٣ - مثال من اجتهاد سيدنا عثمان بن عفان ﵁: رأى عثمان - ﵁ - جمع الناس على مصحف واحد بحرف واحد وترتيب واحد، وترك بقية الحروف السبعة؛ سدًا للذرائع، وتوحيدًا للصف الإسلامي وكلمته، وقطعًا للاختلاف والنزاع في القرآن الكريم، فوقع إجماعهم على ذلك، ثم جعل من هذا المصحف نسخًا كثيرة فرقها في عواصم البلاد الإسلامية، وحرق ما سواها إلا مصحف ابن مسعود.
كما أمر بزكاة الدين، وانعقد الإجماع على ذلك، ورأى توريث المبتوتة في مرض الموت؛ معاملة لزوجها بنقيض قصده، فوافقه الصحابة على ذلك.
٤ - مثال من اجتهاد علي كرم الله وجهه:
وفتاواه وأقضيته - ﵁ - كثيرة جدًا ويكفيه فخرًا أن الرسول قال في حقه: "أقضاكم علي".
وقال عمر بن الخطاب: "لولا علي لهلك عمر" وذلك حينما أمر عمر برجم المجنونة التي وضعت لستة أشهر، فرد عليه علي وقال: إن الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥].
[ ١ / ٣٠ ]
وقال: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فيستنبط منهما معًا أن أقل الحمل ستة أشهر، وقال أيضًا: إن الله رفع القلم عن المجنون.
وقد وقعت اجتهادات كثيرة لأولي الرأي وأصحاب العقل السليم من خيرة الصحابة؛ كابن مسعود، وابن عباس، وزيد بن ثابت. واجتهاداتهم كثيرة ومتنوعة وهي مبسوطة في كتب الفقه لمن أرادها.
المرحَلَةُ الثَّانيةِ من
هذا العَهْد الثَّاني
وتبدأ هذه المرحلة من وقت ظهور المذاهب الفقهية وتدوين الفقه إلى آخر القرن الرابع، ممتدة إلى وقتنا هذا.
وفي هذه المرحلة نضج الفقه الإسلامي واتضحت معالمه، واتسع باب الاجتهاد المطلق والاستنباط، ونشطت الروح المعنوية للتشريع الإسلامي. ولقد كان هذا التطور والنضج مرتبطًا برقي الحياة السياسية واتساع الدولة الإسلامية في ذلك العصر، أي في عصر الدولة العباسية إبَّان تقدمها وزهوها، كما اجتمع مع ذلك السبب سببان آخران هما:
١ - اعتناق كثير من الأمم المختلفة والديانات الأخرى، كاليهود، والنصارى، ومجوس فارس، والروم، والهند - الإسلام لسماحته وسهولة مبادئه وتعاليمه، وقد وحد الإسلام بين هذا الشتات وجمع كلمته وشمله.
٢ - اهتمام الخلفاء والأمراء برجال العلم والفقه؛ فقربوهم في مجالسهم، وأفسحوا لهم، وأغدقوا عليهم العطايا؛ مما نتج عنه ظهور الحوار والبحث الجدّي العميق، ونشأت حركة علمية واسعة في جميع الفروع عامة وفي الفقه أو التشريع خاصة، ودونت أحكام السنة وأصبحت علمًا مستقلًا بأصوله وأبحاثه.
وفي هذا الوقت أيضًا وضع "علم أصول الفقه"، وصنفت المؤلفات العلمية واتسع النزاع العلمي بين أهل الرأي وأهل الحديث، وتكونت المذاهب الأربعة: مذهب أبي حنيفة في الكوفة، ومذهب مالك في المدينة، ومذهب الشافعي، ومذهب أحمد.
كذلك ظهرت مذاهب أخرى في هذا العصر، وهي أقل شهرة وذيوعًا من المذاهب الأربعة المشهورة، وهذه المذاهب الأخرى مثل مذهب الأوزاعي، وسفيان الثوري، وداود الظاهري، وابن جرير الطبري.
ولما انتصف القرن الرابع وبدأت عوامل الضعف تتسلل إلى أركان الدولة العباسية -
[ ١ / ٣١ ]
في هذه الآونة فترت الهمم، وتقاعست عن طرق باب الاجتهاد، وماتت في الناس روح الاستقلال الفكري، ورضوا لأنفسهم أن يكونوا أتباعًا لغيرهم، وأصبح العلماء عالة على فقه أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأضرابهم مما كانت مذاهبهم متداولة إذ ذاك، والتزم كل منهم لنفسه مذهبًا لا يتعداه. وصار مريد الفقه يتلقى كتاب إمام معين ويدرس طريقته التي استنبط بها ما دَوَّنه من الأحكام، فإذا تم له ذلك صار من الفقهاء. لذا قصر الاجتهاد عن مسايرة التطورات في المعاملات والوقائع، وكان ذلك نتيجة طبيعية للعوامل التي طرأت على الدولة الإسلامية فأصبحت دويلات يتناحر من أجلها ملوكها وولاتها.
والصحيح الذي لا ينكره أحد أنه كان لعلماء هذه المرحلة رغم تحجر الأفكار وسيطرة التقليد، وضعف روحا الابتكار والاستنباط، كانت لهم أعمال جليلة، تتضمن جمع الآثار، والترجيح بين الروايات، وتخريج علل الأحكام، كما استخرجوا من شتى المسائل والفروع أصول أئمتهم وقواعدهم التي بنوا عليها فتاويهم وقد أفتى هؤلاء العلماء في مسائل كثيرة لم يكن لأئمتهم فيها نص ولكن حسب أصولهم، وبالقياس على فروعهم، كما قاموا بالترجيح بين أقوال أئمتهم والتنبيه على مسالك التعليل ومدارك الأدلة، وبيان تنزيل الفروع على الأصول.
ويمكن أن نقسم المرحلة التي تلت هذا العهد إلى مرحلتين:
١ - مرحلة تبدأ من عصر التقليد هذا إلى نهاية القرن العاشر، ونلمح في هذه المرحلة ظهور عدد من الفقهاء الأعلام؛ كالسبكي، والرملي، والكمال بن الهمام، وابن الرفعة، والسيوطي وغيرهم وكان لهؤلاء الأعلام ملكات استنباطية وجّهوها للتأليف والتحرير، ونحا أغلبهم منحى الاختصار وجمع الفروع الكثيرة في عبارات تشبه الألغاز، مما احتاجت إلى شروح لإيضاح مبهمها، وغلبت روح الاختصار على تلك الشروح، فمست الحاجة إلى التعليق عليها، وهكذا اشتغل الناس في حل العبارات والألفاظ مما أبعدهم عن لب العلم وجوهره، ففسدت الاستعدادات وماتت المواهب.
٢ - المرحلة الثانية تبدأ من القرن العاشر إلى الآن، وفيه ساءت حال الفقه كثيرًا؛ لأن العلماء صرفوا جهودهم إلى دراسة الكتب السابقة وقطعوا صلتهم بتلك الكتب النفيسة القيمة التي خلفها المتقدمون. وقد انقطعت الصلة في هذا العهد بين علماء الأمصار الإسلامية، وقلت الرحلات العلمية لملاقاة العلماء في مختلف البلدان، كما أن كثرة التآليف والتصانيف أدى إلى الاشتباه والاختلاط، وعاق طلاب العلم عن الاجتهاد، وادعاه من هو ليس بأهله، وتصدى له جهال، عبثوا بنصوص الشريعة ومصالحهم.
وبالجملة، فقد أقفل باب الاجتهاد، وطغى التقليد والجمود، حتى ضجَّ الناس من
[ ١ / ٣٢ ]
التزام مذهب معين في التقاضي؛ مما أدى إلى ظهور حركة علمية جديدة في "مصر" على الخصوص تطالب باتخاذ تشريع جديد مصادره الكتاب والسنة غير مقيد بمذهب معين.
هذا، ونسأل الله - تعالى - أن يأذن لشرعه أن يسود، وأن يهيئ حكام العالم الإسلامي إلى تطبيقه روحًا ونصًا.
وإذ قد فرغنا من بيان حاجة الناس إلى الشريعة، نذكر المذاهب الفقهية التي اعتنت بدراسة شريعة الإسلام، وانتشرت في العالم الإسلامي مكانًا وزمانًا، وسوف تُعْنَى في آخر دراستنا هذه بالمذاهب الفقهية الأربعة التي انتهت إليه المدرسة الفقهية الإسلامية إلى يوم الناس هذا!
[ ١ / ٣٣ ]
المذاهب الفقهية
تعددت المذاهب الفقهية، وانتشرت في كل مصر من الأمصار، وكتب لبعضها البقاء والاستمرار، وتزايد أتباعها عبر الزمن، وقد كان ذلك لمثل هذه المذاهب؛ لما توفر لها من بيئة علمية صالحة، استطاعت أن تحتضن هذه المذاهب، وتنشرها؛ وأن يصبح لكل مذهب مريدون وأتباع في مختلف أرجاء العالم الإسلامي، وينطبق كلامنا هذا على المذاهب الفقهية الأربعة: الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي.
وهناك مذاهب فقهية ارتبط وجودها بالسِّيَاسَةِ، أي أنها مذاهب فقهية سياسية، وقد وجدت هذه المذاهب أتباعًا لها جيلًا بعد جيل، وقد كان ذلك من عوامل بقائها مع الزمن، ومن هذه المذاهب الفقهية السياسية: مذهب الشيعة، ومذهب الخوارج.
غير أنَّ هناك بعض المذاهب الفقهية التي لم يكتب لها البقاء، ولم يوجد لها أتباع، وإنما ظل فقهها حبيس الكتب والمصنفات فحسب؛ ومن أمثلة هذه المذاهب:
مذهب الحسن البصري، وابن شَرَاحِيل الشعبي، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وأبي داود الظاهري، والليث بن سعد، وهناك مذاهب غيرها لم يكتب لها البقاء والاستمرار، غير أن كلامنا سيقتصر على هذه الأمثلة التي أوردناها؛ لشهرتها أكثر من غيرها:
أولًا: مذهب الحسن البصري:
* التعريف به:
هو الإمام الفقيه الحسن بن يسار مولى زيد بن ثابت، كان مولده سنة إحدى وعشرين
[ ١ / ٣٤ ]
هجرية، وذلك قبل عامين من نهاية خلافة عمر بن الخطاب - ﵁-.
وقد تولى الحسن البصري - ﵁ - قضاء البصرة في أيام الخليفة عمر بن عبد العزيز، ثم تركه، ونصَّب نفسه للإفتاء.
وقد جمع بعض العلماء فتاويه في سبعة مجلدات ضخمة، كما قال ابن قيِّم الجوزية.
وقال ابن قتيبة: "إنه تولى الكتابة لربيع بن زياد الحارثي بـ"خراسان".
* مكانته العلمية:
لقد كان الحسن البصري - ﵁ - فقيهًا ومحدثًا ثقةً عظيمًا؛ حيث روى عن كثير من الصحابة والتابعين أحاديث كثيرة، وكان - ﵀ - كما تحدثنا كتب التراجم- يميل إلى الرأي في فقهه.
يقول عنه أبو قتادة: "والله! ما رأيت رجلًا أشبه رأيًا بعمر بن الخطاب منه".
ويقول عنه أيوب: "ما رأت عيناي رجلًا قط كان أفقه من الحسن".
وقد خالف الحسن البصري رأي واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد في حكم مرتكب الكبيرة، مما أدى إلى اعتزالهما مجلس الحسن، حينما اختلفا معه، وقد كانا قبلُ قد رسا عليه.
وكان الحسن البصري - ﵀ - قد ابتعد بنفسه عن الخوض في الأحداث والمشاكل السياسية التي انقسم إزاءها المسلمون إلى فرق وأحزاب، وكان يجيب - إذا سئل عن ذلك - بقوله: "تلك دماء طهَّر الله منها أسيافنا، فلا نلطخ بها ألسنتنا".
بيد أنه - ﵀ - كان جريئًا شجاعًا في الحق، لا يخشى في الله لومة لائم؛ يروى أنه ذات مرة سئل عن الأحداث السياسية التي تمر بها البلاد، فأجاب: لا تكن مع هؤلاء، ولا مع هؤلاء.
فقال له رجل من أنصار يزيد بن معاوية الخليفة: ولا مع أمير المؤمنين؟ فأطرق، ثم دق بيده، وقال؛ ولا مع أمير المؤمنين.
* تصوفه، ومواعظه:
اشتهر الحسن البصري بميله إلى التصوف والزهد، ورويت عنه كثير من المواعظ
[ ١ / ٣٥ ]
والخطب الجليلة، حتى عده المتصوفة واحدًا منهم.
وكانت خطبه - ﵀ - تشتمل على التذكير بالآخرة، والتنفير من الدنيا، والتخويف من النار، والتشويق إلى الجنة، وترقيق القلوب، وتهذيب النفوس، إلى غير ذلك من أهداف المواعظ وأغراضها.
* ومن مواعظه ﵀:
"يا ابن
"يا ابن آدم لا تُرْض أحدًا في معصية الله، ولا تحمدن أحدًا على فضل الله، ولا تلومن أحدًا فيما لم يؤتك الله، إن الله خَلَق الخلق، فمضوا على ما خلقهم عليه، فمن كان يظن أنه مزداد بحرصه في رزقه، فليزدد بحرصه في عمره، أو يغير لونه، أو يزد في أركانه أو بنانه".
* وفاته:
مات - ﵀ - سنة عشر ومائة للهجرة بـ"البصرة"، وتبع جنازته خلق كثير.
ثانيًا: مذهب ابن شراحيل الشعبي:
* التعريف به:
الإمام الفقيه هو عامر بن شَرَاحِيل بن عبدٍ الشعبي، وأبوه عربي، وأمه من سبي "حَلُولا"، وكنيته: أبو عمرو، ومولده: سنة سبع عشرة هجرية.
* مكانته العلمية:
اشتهر الشعبي بالفقه، حتى أطلق عليه علامة التابعين، وقد حفظ - ﵀ - الكثير من الأحاديث؛ لِمَا حباه الله من قوة الذاكرة، وسعة الوجدان، وممن روى عنهم الحديث: أبو هريرة، وسعد بن أبي وقاص، وعبادة بن الصامت، وغيرهم من الصحابة والتابعين.
يقول عنه مكحول: "ما رأيت أفقه منه".
واشتهر الشعبي بوقوفه على النصوص، والتمسك بها، وكان - ﵀ - يكره القول بالرأي، وإذا سئل عن رأي لم يعلم فيه نصًا، قال: لا أدري، ويروى عنه أنه قال: "ما كلمة أبغض إليّ من (أرأيت) ".
[ ١ / ٣٦ ]
وقد تولى - ﵀ - قضاء "الكوفة".
* وفاته:
مات سنة ١٠٤ هـ، وقيل: سنة ١٠٥ هـ، وقيل غير ذلك.
ثالثًا: مذهب الإمام الأوزاعي:
* التعريف به:
هو الإمام الجليل: عبد الرحمن بن عمرو من "الأوزاع" قرية بـ"دمشق"، ولد سنة ثمان وثمانين هجرية بـ"دمشق"، وقد نشأ - ﵀- في "دمشق"، ثم رحل إلى "بيروت"، وأقام به حتى وافته المنية هناك.
* مكانته العلمية:
وكان الأوزاعي عالمًا فقيهًا محدثًا، يحفظ كثيرًا من الأحاديث، وممن روى عنهم: عطاء بن أبي رباح، والزاهدي، وابن سيرين، وخلق كثير.
وكان - ﵀ - معاصرًا للإمامِ مَالِكٍ بن أنس؛ وهما يرجعان إلى مدرسة واحدة هي مدرسة الحديث.
اشتهر عنه بغضه القول بالرأي؛ يقول: "إذا بلغك عن رسول الله ﷺ حديث، فإياك أن تقول بغيره".
وقد اشتهر مذهب الأوزاعي، وكان له أتباع كثيرون، وبخاصة في "الشام"، و"الأندلس" من أوائل القرن الثاني حتى منتصف القرن الثالث الهجري، غير أنه بعد ذلك اندثر أتباع هذا المذهب، وظلت أفكار الأوزاعي قاصرة على أمهات الكتب فحسب؛ وكان السبب في ذلك هو طغيان مذهب الإمام مالك في "الأندلس"، ومذهبِ الإمام الشافعي في "الشام".
يقول ابن سعد عن الإمام الأوزاعي: "كان ثقة مأمونًا فاضلًا خيرًا، كثير الحديث والعلم والفقه".
وكان - ﵀ - جريئًا شجاعًا لا يهاب أحدًا ما دام يتكلم بالحق، ولا يخشى
[ ١ / ٣٧ ]
سلطانًا ما دام الصواب معه، وسِجِلُّ حياته وتاريخه حافل بمواقف الرجولة والشجاعة مع الخلفاء والأمراء.
* وفاته:
مات الأوزاعي - ﵀ - بـ"بيروت"، وذلك في سنة سبع وخمسين ومائة هجرية.
رابعًا: مذهب الإمام الليث:
* التعريف به:
هو الإمام العلامة الفقيه: أبو الحارث الليث بن سعد، ولد بـ"مصر" بناحية "قلقشندة" عام أربعة وتسعين للهجرة، وأصله من "أصفهان" في "فارس".
* مكانته:
رحل - ﵁ - كثيرًا، وطوّف على مشايخ العلم، وفقهاء المعرفة، فرحل إلى "مكة"، و"بيت المقدس"، و"بغداد"، وسمع على فقهاء ومشايخ هذه البلدان، والتقى بكثير من التابعين، وحدث عن تسعة وخمسين منهم.
واشتهر عنه أنه كان زاهدًا ورعًا لا يسعى إلى المناصب، بل كانت المناصب تسعى إليه، غير أنه كان يرفضها تعففًا، وانشغالًا بأمور الآخرة عن أمور الدنيا؛ يروى أن المنصور عرض عليه أن يكون والي مصر، غير أن الليث رفض ذلك، وزهد في السلطان والجاه.
وتحدثنا الكتب التي ترجمت للإمام الليث أنه دارت بينه وبين الإمام مالك بن أنس مجادلات علمية، ومسائل فقهية كثيرة، كل يوضح رأيه، ويرد على الآخر، ومما كان يأخذه الليث على الإمام مالك هو تركه لخبر الآحاد إذا خالف عمل أهل "المدينة"؛ وذلك مبالغة من الإمام مالك في الأخذ بعمل أهل "المدينة".
وخلاصة القول أن الإمام الليث كان فقيهًا حافظًا حُجَّةً ثبتًا ثقة؛ في علمه وأخلاقه، ومبادئه.
[ ١ / ٣٨ ]
يقول عنه الإمام الشافعي: "الليث بن سعد أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به".
* وفاته:
مات - ﵀ - بـ"مصر" سنة خمس وسبعين ومائة هجرية.
خامسًا: مذهب سفيان الثوري:
* التعريف به:
هو الإمام المحدث الفقيه الثقة: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي.
* مولده:
ولده - ﵀ - بـ"الكوفة" سنة سبع وتسعين للهجرة.
وكان معاصرًا للإمام أبي حنيفة النعمان بـ"الكوفة"، غير أنهما من مدرستين متباينتين جدًا؛ فأبو حنيفة من زعماء مدرسة الرأي والأخذ به، والثوري من زعماء عدم الأخذ بالرأي.
والإمام الثوري إمام حُجَّة طَبَّقَتْ شهرته الآفاق، فقيه محدث؛ سمع كثيرًا من الأحاديث، وحفظ كثيرًا منها، وكان له مذهب خاص به، غير أنه لم يكتب له الذيوع وكثرة الأتباع، فاندثر وظلت أفكاره مقصورة على بطون الكتب والتصانيف.
وكان - ﵀ - كما روت الأخبار شجاعًا مع السلاطين والأمراء؛ كما هو حال الأتقياء من العلماء الذين لا يخشون في الحق لومة لائم.
وكان - ﵀ - أيضًا يبغض المناصب العليا، ويكره أن يكون من ذوي الجاه والسلطان؛ عَرَض عليه المهدي قضاء "الكوفة" بشرط ألا يعترض عليه في الأحكام، فما كان من الثوري إلا أن ألقى بكتاب المهدي في نهر دجلة.
يقول عنه الإمام مالك: "كانت العراق تجيش علينا بالدراهم والثياب، ثم صارت تجيش علينا بالعلم؛ منذ جاء سفيان".
[ ١ / ٣٩ ]
* وفاته:
توفي - ﵀ - بـ"البصرة" سنة إحدى وستين ومائة هجرية.
سادسًا: مذهب داود الظاهري:
* التعريف به:
هو الإمام أبو سليمان داود بن علي الأصفهاني المشهور بـ"داود الظاهري".
مولده:
ولد - ﵁- سنة مائتين بـ"الكوفة".
* مكانته:
يعتبر الإمام داود الظاهري من أئمة المسلمين، وعلمًا من أعلام الدين، ورعًا، حافظًا، ثقة.
اشتهر مذهبه في "بغداد"، و"الأندلس"، وكان له أتباع كثيرون، غير أنهم انقرضوا بعد القرن الخامس الهجري.
وكان داود الظاهري متعصبًا للمذهب الشافعي، غير أنه كان يرى أن القياس لا يعتبر مصدرًا تشريعيًا مطلقًا؛ كما اشتهر عنه الأخذ بظاهر الكتاب والسنة، وأن عمومات الكتاب والسنة تفي بكل أحكام الشريعة، وتكون له بمجموع هذه الآراء وغيرها ما يعرف بمذهب أهل الظاهر.
* وفاته:
توفي داود الظاهري - ﵀ - بـ"بغداد" سنة سبعين ومائتين هجرية.
تبلور المذاهب الفقهية
ونكتفي بذكر الأقطاب الأربعة أركان الإسلام: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
أولًا: المذهب الحنفي:
ومصادر المذهب الحنفي وموطنه يتمهد في أن عبد الله بن مسعود، والإمام عليا قدما
[ ١ / ٤٠ ]
إلى الكوفة واستقرا فيها، وأخذا يعلمان الناس أمر دينهم، ويلقنانهم مبادءهم، وقد كان ابن مسعود متأثرًا بطريقة عمر بن الخطاب في الاستنباط والبحث، وشدة ميله للرأي، واحتياطه الزائد في الأخذ بالحديث؛ كما أن عليًا كان واسع الأفق قوي الحجة.
برز في مدرستها فطاحل الفقهاء؛ فهذا شريح الكندي الذي مارس القضاء حقبة من الزمن، مع ميله الشديد للأخذ بالرأي، وكان بعده الفقيه إبراهيم النخعي فقيه الرأي، وعامر بن شراحيل الشعبي، غير أنه كان رغم أنه درس في مدرسة الرأي- يكره الأخذ بالرأي، ويقف عند الآثار؛ ولذا فإنه غذى هذه المدرسة بما جمع وحفظ من أحاديث، ثم جاء من بعدهما حماد بن سليمان، فأخذ عنهما، ومزج فقه النخعي بفقه الشعبي، ولقن هذا المزيج لتلاميذه بالكوفة، وكان فيهم أبو حنيفة النعمان الذي فاق جميع أقرانه، وتلقى زعامة هذه المدرسة من بعد شيخه حماد، والتفَّ حوله الراغبون في التفقه، وبرز منهم أبو يوسف ومحمد وزفر، وعملوا معه على تكوين المذهب الحنفي في القرن الثاني الهجري، في أواخر العهد الأموي.
وأخيرًا أطلق الفقهاء على أبي يوسف ومحمد كلمة الصاحبين، وعلى أبي يوسف وأبي حنيفة كلمة الشيخين، وعلى أبي حنيفة ومحمد كلمة الطرفين، أما زفر فيسمى باسمي لقصر مدته.
وفي العهد العباسي ازداد نفوذ هذا المذهب، وتغلغل في أنحاء الدولة العباسية، ووصل جميع أطرافها، وبقي حتى الآن يعتبر المذهب الرئيسي في باكستان، وبعض بلاد العراق، وتركيا، ومصر.
ولقد كان لاتصال أبي يوسف بالخلفاء العباسيين، وشدة نفوذه عندهم، وتعيينه على ولاية القضاء الفضل في الانتشار السريع الذي لاقاه هذا المذهب، وفي هذا يقول ابن حزم: "مذهبان انتشرا في بدء أمرهما بالرياسة والسلطان؛ الحنفي بالمشرق، والمالكي بالمغرب " وهذه سنة الله في كونه إذا أقبل الحاكم على شيء تسابق الناس عليه.
أما أصول هذا المذهب التي كان يرجع إليها في استنباط الأحكام- فهي أولًا القرآن، وهو المصدر الذي يرجع إليه فقهاء جميع المذاهب أو لا يختلفون عليه، وإن اختلفوا في فهم مدلوله وإشارته، وطرق الاستنباط منه، ثم يرجعون إلى السنة، وقد تشدد الفقه الحنفي في قبول الحديث، والتحري عنه وعن رواته؛ فلا يأخذون بالحديث إلا إذا كان متواترًا ترويه جماعة عن جماعة، أو كان مشهورًا اتفق فقهاء الأمصار على العمل به، أو رواه صحابي واحد أمام جمع منهم، ولم يخالف فيه أحدهم؛ إذ يعتبر سكوتهم إقرارًا له، ثم بعد ذلك يرجعون إلى ما كان في عهد الصحابة هل أجمعوا على حكم في مثل هذه المسألة المعروضة
[ ١ / ٤١ ]
عليهم، وليس لها حكم ظاهر في كتاب الله، وما صح من سنة رسوله؛ فإن كان اتبعوه وإلا أخذوا بالرأي عن طريق القياس والاستحسان، وقد كان تشددهم في الحديث، وعدم أخذهم بخبر الآحاد الذي لم يرو أمام جمع من الصحابة - سببًا في توسيعهم في الاجتهاد والرأي، وسنقدم لك أئمة هذا المذهب.
الإمام أبو حنيفة:
هو النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه مولى تيم الله بن ثعلبة، وقيل: إنه من أبناء فارس الأحرار، ولد بالكوفة سنة ٨٠ هـ. وتفقه فيها، وهو من أتباع التابعين، جلس في مسجد الكوفة إلى حلقات درس علم الكلام.
ويروى عن زفر بن الهذيل؛ أنه قال؛ سمعت أبا حنيفة يقول: "كنت أنظر في الكلام حتى بلغت فيه مبلغًا؛ ليشار إليَّ فيه بالأصابع، وكنا نجلس بالقرب من حلقة حماد بن أبي سليمان، فجاءتني امرأة يومًا فقالت: رجل له امرأة يريد أن يطلقها للسنة، كما يطلقها؟ فأمرتها أن تسأل حمادًا فترجع فتخبرني، فرجعت وأخبرتني، فقلت: لا حاجة لي في الكلام، فأخذت نعلي فجلست إلى حماد
ويروى أنه لازمه نحو ثماني عشرة سنة، جالسه نحو عشر سنوات، ثم حدثته نفسه أن يستقل عنه، ويكون له حلقة خاصة، ولكنه خجل من شيخه، ولما غاب حماد فترة بالبصرة جلس مكانه، وعرضت عليه نحو ستين مسألة جديدة فأفتى فيها برأيه، ولما عاد شيخه عرضها عليه فأقره على أربعين منها، فلزمه أبو حنيفة حتى مات حماد، فاختار الطلاب ابنه إسماعيل، ليجلس مكانه، غير أنه تنحى، لأنه كان متجهًا إلى الأدب والشعر لا إلى الفقه، فترأس الدرس موسى بن أبي كثير؛ لكبر سنه ومجالسته الشيوخ الكبار، ولما خرج للحج جلس مكانه أبو حنيفة، فملأ مكان حماد واستمر حتى مات.
كان أبو حنيفة أعلم أهل عصره إمامًا محققًا، قال فيه الشافعي: "الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة"، وكان فقيهًا أمينًا ثبتًا في رواية الحديث، لا يروي إلا الصحيح، واسع المال ميسور الحال، مصدر ماله تجارته، فقد كان خزازًا يبيع الخز، أزهد الناس في الجاه والسلطان.
منهجه في استنباط الأحكام:
بيَّنا لك من قبل أنه من مدرسة عبد الله بن مسعود؛ ولذا كان من أهل الرأي، إمامًا في القياس بارعًا في الاستحسان، وقد نقل عنه أنه قال في طريق استنباطه للأحكام: "إني آخذ بكتاب الله إذا وجدته، فما لم أجده فيه أخذت بسنة رسول الله، والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات، فإذا لم أجد لا في كتاب الله أو سنة رسوله أخذت بقول أصحابه من
[ ١ / ٤٢ ]
شئت، وأدع قول من شئت، ثم أخرج من قولهم على قول غيرهم، فإذا انتهى الأمر إلى إبراهيم، والشعبي، والحسن بن سيرين، وسعيد بن المسيب - فلي أن أجتهد كما اجتهدوا.
كان ﵀ يتشدد في الأخذ بالحديث، على طريقة مدرسة الرأي، فيتحرى عنه وعن سنده، لا يأخذ بالحديث إلا إذا كان متواترًا أو مشهورًا عمل به فقهاء الأمصار، وهذا يضطره إلى التوسع في القياس والاستحسان، وقد رأيت مما نسب إليه أنه كان يوازن بين ما يروى عن الصحابة في المسألة الواحدة من أحكام مختلفة، ويختار أعدلها وأقربها إلى الأصول العامة، ولا يأخذ برأي التابعي إلا إذا وافق اجتهاده، وعرف بالمهارة في فقه الحديث؛ فسرعان ما يفرع من الحديث ويستخرج الأحكام بعد أن تصح روايته، وقال الأعمش لما سمع أحكامًا فقهية خرَّجها أبو حنيفة مما رواه له من أحاديث: يا معشر الفقهاء، أنتم الأطباء ونحن الصيادلة.
خلقه ومريدوه:
كان - ﵁ - ورعًا تقيًا محبًا لأهل بيت رسول الله، كثير الصمت لا يتكلم إلا إذا سئل في مسألة فقهية فيتدفق علمه، تتلمذ عليه الكثير وأتى له الراغبون في فقه من كل جهة، برز منهم البعض فاصطفاهم وآخاهم، واستمروا معه يعاونونه في وضع المسائل والإجابة عنها، ولا يرى بأسًا في مناقشتهم لرأيه، ومعارضتهم له ومخالفته إن تبينوا أن الصواب في غير دليله؛ ولذا فهم بحق قد شاركوه في تأسيس المذهب وسأقدمهم لك.
القاضي أبو يوسف: هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد الأنصاري أحد أصحاب رسول الله - ﵇ - عربي الأصل، ولد سنة ١١٣ هـ بالكوفة.
محمد بن الشيباني: متفق على أنه من الموالي فهو شيباني، ولد سنة ١٣٢ هـ نشأ بـ"الكوفة"، ثم أقام بـ"بغداد"، أدرك الإمام أبا حنيفة، وتتلمذ عليه فترة قصيرة لوفاة الإمام ومحمد لم يتمم العشرين، ثم درس على أبي يوسف، ثم رحل إلى الحجاز، وحفظ الحديث، والتقى بالإمام مالك في المدينة، فدرس عليه الفقه والحديث، ومكث في المدينة في طلب العلم أكثر من ثلاث سنين؛ كما أخذ الفقه أيضًا عن الأوزاعي جمع كصاحبه من قبله بين مدرستي الرأي والحديث وعمل على التقريب بينهما، وقد كان ميسور الحال وفي بحبوحة من العيش.
ثانيًا: مذهب مالك:
مدرسة الحديث:
كانت المدينة المنورة مصدر الإشعاع العلمي فهي المقر الأصلي لأصحاب الرسول من الأنصار والمهاجرين، وبينا من قبل أنه من الطبيعي جدًا أن تكون المدينة المنورة هي مقر
[ ١ / ٤٣ ]
مدرسة الحديث، لأنها موطنه الأصلي، ولأن بها الكثير من حفظة الحديث ورواته، فهي وإن كان بها عمر الذي كان يتشدد بالأخذ بالحديث؛ فإن فيها عثمان، وعبد الله بن عمر، والسيدة عائشة، وعبد الله بن عباس، وزيد بن ثابت، ثم كان بها بعد عصر الصحابة سعيد بن المسيب الذي كان رأس هذه المدرسة، ومن بعده كان ابن شهاب الزهري، ونافع مولى عبد الله بن عمر، وربيعة الرأي، وغيرهم ممن تخرج عليهم مالك بن أنس، الذي تركزت فيه مدرسة المدينة، وكان رأس مدرسة الحديث بها.
مصادر المذهب وأصوله:
أول مصدر يرجع إليه فقهاء هذا المذهب هو كتاب الله، فإذا لم يكن به الحكم ظاهرًا يرجعون إلى سنة الرسول - ﵇ - المتواترة، فالمشهورة مثل غيرهم من فقهاء المدرسة الأخرى، غير أن هؤلاء يقدمون خبر الواحد الثقة عن القياس، بشرط أن يكون موافقًا لعمل أهل المدينة، وإلا فهم ينظرون هل في الموضوع حكم إجماعي سابق من الصحابة يأخذون به، فإذا لم يكن اعتبروا عمل المدينة حجة يستندون إليه في أحكامهم، وقدموه على خبر الواحد الذي يخالف ما هم عليه، يقول مالك في كتابه إلى الليث بن سعد: "إن الناس تبع لأهل المدينة التي كانت إليها الهجرة، ونزل بها القرآن، والمالكية إذ يقدمون عمل أهل المدينة على خبر الواحد الثقة، وعلى القياس - من باب أولى؛ فإنهم يرون أن عمل أهل المدينة بمنزلة روايتهم عن الرسول، ورواية جماعة عن جماعة مقدمة على رواية فرد عن فرد، ومقدمة على الرأي، ليس هذا فحسب، وإنما يؤخرون القياس أيضًا عن قول الصحابي الحجة الثقة، إذا صحت الرواية عنه فيما لا مجال فيه للرأي، ولم يرد في المسألة حديث صحيح يعارضه، وكان يعتبر ذلك مصدرًا تشريعيًا، وقد كان هذا المصدر محل جدل ومناقشة، إذ الصحابي غير معصوم، واجتهاده ليس بحجة ما دام لم يكن محل إجماع، وإلا لزم التناقض.
وإن كان مالك قد توسع في الأخذ بالحديث، وليس للقياس عنده المكانة التي له في المذهب الحنفي، إلا أنه كثيرًا ما كان يبني أحكامه على أساس ما سماه المصالح المرسلة، والاستصلاح، والاستصحاب، وسد الذرائع؛ وبذا تجد أن مجال الرأي موجود في مذهبه ومدرسته، لكن بصورة أضيق مما عند الآخرين، فلم يكن الخلاف بين مالك والأحناف في الأخذ بالسنة أو الأخذ بالرأي، ولكن التوسع في إحدى الناحيتين؛ ومع هذا فلم يكن مالك متساهلًا في الأخذ بالحديث، بل كان شديد التحري فيما يثبت منه، لكن كما تبينت لا يشترط في الأخذ به شهرته، ولم تكن مدرسة الرأي تهمل الحديث، ولكنهم كانوا يشترطون التواتر أو الشهرة، وإلا قدموا القياس على خبر الواحد الذي لم يشتهر العمل به، ولعل
[ ١ / ٤٤ ]
اختلاط تلاميذ أبي حنيفة بالإمام مالك وأخذهم عنه، وكذلك أخذ مالك عن ربيعة الرأي مما قرب بين المذهبين بعض الشيء.
التعريف بالإمام مالك:
هو مالك بن أنس بن أبي عامر وإن كان بعض المؤرخين يرون أن مالكًا وجدوده وأعمامه موالي لبني تميم بن مرة، إلا أن المشهور والمعروف أنه عربي الأصل، وانه منسوب إلى قبيلة ذي أصبح اليمنية، ولد بالمدينة سنة ٩٣ هـ، وتثقف بها ولم يخرج منها طول حياته إلا حاجًا إلى مكة، تعلم الفقه والحديث على علماء أهل المدينة، الذين كان طابعهم الاستدلال بالسنة ولا يتجهون إلى الرأي اتجاه أهل العراق، وكان متأثرًا في فقهه بالبيئة التي هو فيها، ومركز المدينة التي بها صحابة رسول الله والمحيطين به، والتي كانت موطن الحديث والسنة.
معاونوه على نشر المذهب:
ومن أشهر تلاميذه الذين عاونوه في نشر مذهبه عبد الله بن وهب المصري، وقد كان أعلم أصحاب مالك بالسنة والأثر، وكذلك عبد الرحمن بن القاسم، وأشهب، وعبد الله بن الحكم؛ وكلهم فقهاء مصريون، بل كانوا عماد المدرسة الدينية بمصر في ذلك العهد، وعملوا على نشر مذهب مالك في بلاد مصر والسودان.
ثالثًا: مذهب الشافعي:
الإمام الشافعي هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع، قرشي من بني طالب، ولد بغزة سنة ١٥٠ هـ، ورحلت به أمه صغيرًا يتيمًا فقيرًا إلى مكة موطن آبائه، حفظ القرآن قبل التاسعة؛ كما حفظ الكثير من الحديث، وكان قوي الذاكرة إلى حد بعيد، ولما شب انتقل إلى البادية، وتعلم فيها لغتها كما تعلم الشعر والأدب، وبرع في فن الرواية، ثم عاد إلى المسجد الحرام، وفيه أخذ علوم الفقه والحديث، وحفظ موطأ الإمام مالك، وكان الشافعي قد قارب على الثلاثين فانتقل إلى اليمن، واشتغل على ولاية نجران، وفي سنة ١٨٤ هـ وشى به إلى الخليفة الرشيد؛ فجيء به إلى بغداد متهمًا بتشيعه للعلويين ومناصرته لهم، لكنه قد خرج من هذه التهمة بقوة حجته، وشهادة محمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة الذي كان في حضرة الخليفة، بقي الشافعي بعد ذلك في بغداد، ودرس تعاليم مدرسة أهل الرأي على يد محمد بن الحسن وناظره، وكثيرًا ما كان ينتصر لمدرسة الحديث.
مصادر المذهب وأصوله:
وكانت أصول المذهب الشافعي القرآن يعمل بظاهره ما لم يقم الدليل على وجوب صرفه إلى ما يخالف الظاهر، ثم السُّنة المتواترة فالمشهورة، حتى خبر الواحد الثقة، ولو لم
[ ١ / ٤٥ ]
يكن مشهورًا؛ كما اشترط الأحناف، ولا موافقًا لعمل أهل المدينة؛ كما يقول مالك، ثم الإجماع، ثم القياس بشرط أن يكون له أصل من الكتاب والسنة، وهو لم يتوسع في القياس كما توسع الأحناف، بل روى أنه ذهب إلى بطلان الأخذ بالاستحسان، وقال: من استحسن فقد شرع، ولم يعمل بالقياس إلا إذا كانت علته منضبطة، وأنكر الاحتجاج بعمل أهل المدينة، ولم يأخذ بقول الصحابي، ورد المصالح المرسلة، ولم يأخذ بالحديث المرسل إلا إذا كان لسعيد بن المسيب، وكان متفقًا على صحته، مع أن مالكًا والأحناف أنفسهم يأخذون بها، وهاجم أبا حنيفة ومالكًا في عدم أخذ الأول بخبر الواحد، واشتراط الثاني للأخذ به أن يكون موافقًا لعمل أهل المدينة، وقد بيَّن الشافعي أصول مذهبه في كتاب "الأم"، فيقول: "الأصل قرآن وسنة، فإن لم يكن فقياس عليهما، وإذا اتصل الحديث عن رسول الله - ﷺ- وصح الإسناد به - فهو المنتهى، والإجماع أكبر من الخبر المفرد، والحديث على ظاهره، وإذا احتمل المعاني فما أشبه منها ظاهره أولاها به، وإذا تكافأت الأحاديث فأصحها إسنادًا أولاها، وليس المنقطع بشيء ما عدا منقطع ابن المسيب، ولا يقاس أصل على أصل".
تلاميذ الشافعي وعدم مخالفتهم له:
وكان للشافعي أتباع ومريدون درسوا عليه، ونهجوا منهجه وتشبعوا بطريقة بحثه واستنباطه، وعملوا على نشر مذهبه، ومن أشهر تلاميذه في مصر يوسف بن يحيى البويطي الذي خلف إمامه في رياسة دروسه، وهو من بويط من قرى بني سويف، وإسماعيل بن يحيى المزني، وقد كان أقدر أصحاب الشافعي على المناظرة، وأكثر من دون في المذهب، والربيع المرادي، ومن الملاحظ أن تلاميذ الشافعي كانوا يتبعون إمامهم فلا يخالفونه في آرائه، اللهم إلا المزني، وفي حالات نادرة، بخلاف ما لاحظناه قبل بالنسبة لتلاميذ المذهبين السابقين، وخصوصًا تلاميذ أبي حنيفة الذي كان من طبيعة مذهبهم الاتساع في الأخذ بالرأي.
أتباع الإمام أحمد بن حنبل:
كان للإمام أحمد بن حنبل أتباع كثيرون شأنه شأن الأئمة والفقهاء غيره، وقد التف هؤلاء الأتباع حول ابن حنبل يتلقون عنه العلم، وينشرون مذهبه، بل يرجع إليهم الفضل الأول في تدوين آراء الإمام أحمد؛ إذ بسبب تلاميذه وأتباعه، كان لابن حنبل شأن كبير يذكر ضمن الفقهاء.
ومن أتباعه - ﵁ - ابناه: صالح، وعبد الله؛ حيث نشر صالح فقه أبيه، واعتنى عبد الله بمسند أبيه الذي جمع فيه الإمام أحمد الأحاديث الصحاح ورتبتها وبوبها.
وهناك أيضًا: أحمد بن محمد بن هانئ وأبو بكر الأثرم، وعبد الملك بن
[ ١ / ٤٦ ]
عبد الحميد بن مهران الميموني، وحرب الكرماني، وابن إسحاق الحربي، وأحمد بن محمد أبو بكر المروذي، وأبو بكر الخلال الذي يُعَدُّ - بحق - جامع الفقه الحنبلي.
وأخيرًا، فإن المذهب الحنبلي لم ينتشر انتشار باقي المذاهب الأخرى، كما أن أتباعه قلة بالقياس إلى أتباع المذاهب الأخرى "الشافعية، والحنفية، والمالكية"، ويرجع ذلك إلى أسباب منها:
أولًا: أن ذلك المذهب تكوَّن، واستقر بعد نضوج المذاهب الأخرى واستقرارها.
ثانيًا: تزهيد ابن حنبل وأصحابه الناس للسلطان والجاه، وعدم اشتغالهم بولاية القضاء، أو غيرها من ولايات السلطان.
ثالثًا: تشدد الحنابلة في الاستمساك بالفروع الفقهية.
رابعًا: شدة تعصبهم لمذهبهم مما أدى إلى إثارة الفتن والأحداث في كثير من الأوقات.
خامسًا: مهاجمتهم للمذاهب الأخرى وأصحابها.
[ ١ / ٤٧ ]
ذِكْرُ شَيْءٍ مِنْ كُتُب مَذْهَبِ السَّادَةِ الشَّافعيَّة وَمَرَاتِبِ عُلمَائِهِ وَبَيَانِ
مَنْ يُفْتَى بِقَوْلِهِ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ
اعلم أن كتب الإمام الشافعي (رحمه الله تعالى) التي صنفها في الفقه أربعة: الأم، والإملاء، والبويطي، ومختصر المزني، فاختصر الأربعة إمام الحرمين في كتابه "النهاية"؛ كذا رأيته في غير موضع للمتأخرين، لكن نقل عن البابلي- وسيأتي أيضًا عن ابن حجر- أن النهاية شرح لمختصر المزني، وهو مختصر من "الأم" اختصر الغزالي "النهاية" إلى "البسيط" ثم اختصر "البسيط" إلى "الوسيط"، وهو إلى "الوجيز"، ثم اختصر "الوجيز" إلى "الخلاصة".
وفي "البجيرمي على شرح المنهج" وغيره أن الرافعي اختصر من "الوجيز" "المحرر" لكن في "التحفة": "وتسميته- أي "المحرر"- مختصرًا لقلة لفظه، لا لكونه ملخصًا من كتاب بعينه" أهـ ومثله في شرح البكري على المنهاج، فتنبه.
ثم اختصر الإمام النووي "المحرر" إلى "المنهاج"، ثم اختصر شيخ الإسلام زكريا "المنهاج" إلى "المنهج"، ثم اختصر الجوهري "المنهج" إلى "النهج"، وشرح الرافعي "الوجيز" بشرحين:
صغير لم يسمه.
وكبير سماه "العزيز"، فاختصر الإمام النووي "العزيز" إلى "الروضة"، واختصر ابن مقري "الروضة" إلى "الروض"، فشرحه شيخ الإسلام زكريا شرحًا سماه "الأسنى"، واختصر ابن حجر "الروض" إلى كتاب سماه "النعيم"، جاء نفيسًا في بابه، غير أنه فقد عليه في حياته، واختصر "الروضة" أيضًا المزجد في كتابه "العباب" فشرحه ابن حجر شرحًا جمع فيه فأوعى، سماه "الإيعاب"، غير أنه لم يكمل، واختصر الروضة أيضًا السيوطي مختصرًا سماه "الغنية"، ونظمها أيضًا نظمًا سماه "الخلاصة" لكنه لم يتمّ؛ كما ذكره في فهرست مؤلفاته.
[ ١ / ٤٨ ]
وكذلك اقتصر القزويني "العزيز شرح الوجيز" إلى "الحاوي الصغير" فنظمه ابن الوردي في بهجته، فشرحها شيخ الإسلام بشرحين، فأتى ابن المقري فاختصر "الحاوي الصغير" إلى "الإرشاد"، فشرحه ابن حجر بشرحين.
قال ابن حجر (رحمه الله تعالى) في أثناء كلام من ذيل تحرير المقال: وقولهم: إنه منذ صنف الإمام كتابه "النهاية" الذي هو شرحه لمختصر المزني الذي رواه من كلام الشافعي (﵁) وهي في ثمانية أسفار حاوية لم يشتغل الناس إلا بكلام الإمام؛ لأن تلميذه الغزالي اختصر النهاية المذكورة في مختصر مطول حافل، وسماه "البسيط"، واختصره في أقل منه وسماه "الوسيط"، واختصره في أقل منه وسماه "الوجيز"، فجاء الرافعي وشرح الوجيز شرحًا مختصرًا، ثم شرحًا مبسوطًا ما صنف في مذهب الشافعي مثله، وأسفاره نحو العشرة غالبًا، ثم جاء النووي واختصر هذا الشرح ونقحه وحرره واستدرك على كثير من كلامه مما وجده محلًا للاستدراك، وسمى هذا المختصر "روضة الطالبين" وأسفاره نحو أربعة غالبًا، ثم جاء المتأخرون بعده فاختلفت أغراضهم.
فمنهم المحشون وهم كثيرون، أطالوا النفس في ذلك حتى بلغت حاشية الإمام الأذرعي التي سماها "التوسط بين الروضة والشرح" إلى فوق الثلاثين سفرًا؛ كما رأيتها في نسخة كانت عندي، وكذلك الأسنوي حشى، وابن العماد، والبلقيني، وهؤلاء هم فحول المتأخرين بالمحل الأسنى، ثم جاء تلميذ هؤلاء الأربعة: الأسنوي والأذرعي وابن العماد والبلقيني، فجمع ملخص حواشيهم في كتابه المشهور، وسماه "خادم الروضة" وهو في نحو العشرين سفرًا، ووقع لجماعة أنهم اختصروا الروضة ومنهم المطول ومنهم المختصر؛ كـ"الروض" للشرف المقري، فأقبل الناس على تلك المختصرات، فلما ظهر "الروض" رجع أكثر الناس إليه؛ لمزيد اختصاره وتحرير عباراته. ثم جاء شيخنا شيخ الإسلام فشرحه شرحًا حسنًا جدًا، وآثر فيه الاختصار؛ فانثال الناس عليه، إلى أن جاء صاحب "العباب" أحمد بن عمر المزجد الزبيدي فاختصر "الروضة" وضم إليها من فروع المذهب ما لا يحصى، ثم شرحته شرحًا مبينًا محاسنه وقد وصلت فيه إلى باب الوكالة، فأقبل عليه الذين تيسرت لهم تلك القطعة من الشرح، وكذلك اختصر صاحب "الحاوي الصغير" الشرح الكبير اختصارًا لم يسبق إليه؛ فإنه جمع حاصل المقصود منه في ورقات نحو ثمن جزء من أجزائه العشرة، فأذعن له أهل عصره أنه في بابه ما صنف مثله، فأكب الناس عليه حفظًا وشروحًا، ثم نظمه صاحب البهجة، فأكبوا عليها حفظًا وشروحًا؛ كذلك إلى أن جاء الشرف المقري صاحب "الروض" فاختصره في أقل منه بكثير وسماه "الإرشاد"، فأكب الناس عليه حفظًا وشروحًا؛ وبحمد الله لي عليه شرحان أهـ. المقصود.
[ ١ / ٤٩ ]
وهذا خلاصة الكلام في هذا المقام، وهناك اضطراب في النقول لجملة من أهل العصر في ذلك لم أقف لها على مستند، لا سيما ما في حاشية لبعضهم على "فتح المعين"؛ فهو إن لم يكن تغييرًا من النساخ غلط غريب وخبط عجيب.
وقوله: "ثم جاء تلميذ هؤلاء الأربعة" يعني به الزركشي.
قال العلامة العلنبجي تلميذ الكردي في تذكرة الإخوان: قال الشيخ ابن حجر وغيره من المتأخرين: قد أجمع المحققون على أن الكتب المتقدمة على الشيخين لا يعتد بشيء منها إلا بعد كمال البحث والتحرير، حتى يغلب على الظن أنه راجح في مذهب الشافعي.
ثم قالوا هذا في حكم لم يتعرض له الشيخان أو أحدهما، فإن تعرضا له فالذي أطبق عليه المحققون أن المعتمد ما اتفقا عليه، فإن اختلفا - ولم يوجد لهما مرجح، أو وجد ولكن على السواء- فالمعتمد ما قاله النووي، وإن وجد لأحدهما دون الآخر فالمعتمد ذو الترجيح أهـ.
قال الكردي في "المسلك العدل والفوائد المدنية"، فإن تخالفت كتب النووي، فالغالب أن المعتمد: "التحقيق"، فالمجموع فـ"التنقيح"، فـ"الروضة" والمنهاج ونحو فتاواه، فـ"شرح مسلم" فتصحيح التنبيه ونكته.
فإن اتفق المتأخرون على أن ما قالاه سهو، فلا يكون حينئذٍ معتمدًا لكنه نادر جدًا، وقد تتبع من جاء بعدهما كلاهما وبينوا المعتمد من غيره بحسب ما ظهر لهم. ثم إن لم يكن للشيخ ترجيح؛ فإن كان المفتي من أهل الترجيح في المذهب أفتى بما ظهر له ترجيحه مما اعتمد أئمة مذهبه، ولا تجوز له الفتوى بالضعيف عندهم، وإن ترجح عنده؛ لأنه إنما يسأل عن الراجح في المذهب لا عن الراجح عنده، إلا أن نبه على ضعفه وأنه يجوز تقليده للعمل به، وحيث كان كذلك فلا بأس، وغن لم يكن من أهل الترجيح- وهم الموجودون اليوم- فاختلف فيهم: فذهب علماء مصر - أو أكثرهم- إلى اعتماد ما قاله الشيخ محمد الرملي في كتبه خصوصًا في نهايته؛ لأنها قرئت على المؤلف إلى آخرها في أربعمائة من العلماء فنقدوها وصححوها، فبلغت صحتها إلى حد التواتر، وذهب علماء حضرموت والشام والأكراد وداغستان، وأكثر اليمن والحجاز إلى أن المعتمد ما قاله الشيخ ابن حجر في كتبه بل في تحفته؛ لما فيها من إحاطة نصوص الإمام مع مزيد تتبع المؤلف فيها، ولقراءة المحققين لها عليه الذين لا يحصون كثرة. ثم "فتح الجواد"، ثم "الإمداد"، ثم "شرح العباب" ثم فتاويه أهـ.
[ ١ / ٥٠ ]
قال الشيخ العلامة علي بن عبد الرحيم باكثير في منظومته التي في التقليد وما يتعلق به: [من الرجز]:
وشاع ترجيح مقال ابن حجر في يمن وفي الحجاز فاشتهر
وفي اختلاف كتبه في الرجح الأخذ بالتحفة ثم الفتح
فأصله لا شرحه العبابا إذ رام فيه الجمع والإيعابا
أهـ.
قال الكردي: هذا ما كان في السالف عند علماء الحجاز، ثم وردت علماء مصر إلى الحرمين وقرروا في دروسهم معتمد الشيخ الرملي، إلى أن فشا قوله فيهما حتى صار من له إحاطة بقولهما يقررهما من غير ترجيح.
وقال: علماء الزمازمة تتبعوا كلامهما فوجدوا ما فيهما عمدة مذهب الشافعي (﵁).
ثم قال: وعندي لا تجوز الفتوى بما يخالفهما، بل بما يخالف "التحفة" و"النهاية" إلا إذا لم يتعرضا له، فيفتي بكلام شيخ الإسلام، ثم بكلام الخطيب، ثم بكلام حاشية الزيادي، ثم بكلام حاشية ابن قاسم، ثم بكلام عميرة، ثم بكلام حاشية الشبراملسي، ثم بكلام حاشية الحلبي، ثم بكلام حاشية الشوبري، ثم بكلام حاشية العناني، ما لم يخالفوا أصل المذهب؛ كقول بعضهم: لو نقلت صخرة من أرض عرفات إلى غيرها يصح الوقوف عليها.
ثم قال: وأقول: والذي يتعين اعتماده أن هؤلاء الأئمة المذكورين من أرباب الشروح والحواشي كلهم أئمة في المذهب، يستمد بعضهم من بعض، يجوز العمل والإفتاء والقضاء بقول كل منهم وإن خالف من سواه، ما لم يكن سهوًا أو غلطًا أو ضعيفًا ظاهر الضعف؛ لأن الشيخ ابن حجر نفسه قال في مسألة الدور: "زلات العلماء لا يجوز تقليدهم فيها" أهـ.
قال السيد عمر في فتاويه: "والحاصل أن ما تقرر من التخيير لا محيد عنه في عصرنا هذا بالنسبة إلى أمثالنا القاصرين عن رتبة الترجيح؛ لأنا إذا بحثنا عن الأعلم بين الحيين لعسر علينا الوقوف، فكيف بين الميتين؟ فهذا هو الأحوط الأورع الذي درج عليه السلف الصالحون المشهود لهم بأنهم خير القرون" أهـ.
وفي "المسلك العدل حاشية شرح بأفضل": "ورفع للعلامة السيد عمر البصري سؤال من الإحساء فيما يختلف فيه ابن حجر، والحمال، الرملي، فما المعوّل عليه من الترجيحين؟ فأجاب: إن كان المفتي من أهل الترجيح، أفتى بما ترجح عنده، قال: وإن لم
[ ١ / ٥١ ]
يكن كذلك - كما هو الغالب في هذه الأعصار المتأخرة - فهو راوٍ لا غير؛ فيتخير في رواية أيهما شاء أو جميعًا أو بأيها من ترجيحات أجلاء المتأخرين، ثم الأولى بالمفتي التأمل في طبقات العامة، فإن كان السائلون من الأقوياء الآخذين بالعزائم وما فيه الاحتياط اختصهم برواية ما يشتمل على التشديد، وإن كانوا من الضعفاء الذين هم تحت أسر النفوس، بحيث لو اقتصر في شأنهم على رواية التشديد أهملوه ووقعوا في وهدة المخالفة لحكم الشرع - روى لهم ما فيه التخفيف؛ شفقة عليهم من الوقوع في ورطة الهلاك، لا تساهلًا في دين الله أو لباعث فاسد؛ كطمع، أو رغبة، أو رهبة.
ثم قال: "وهذا الذي تقرر هو الذي نعتقده وندين الله به؛ قال: وكان بعض مشايخنا يجري على لسانه - عند مرور اختلاف المتأخرين في الترجيح في مجلس الدرس وسؤال بعض الحاضرين عن العمل بأي الروايتين: من شاء يقرأ لـ"قالون"، ومن شاء يقرأ لـ"ورش"، وأما التزام واحد على التعيين في جميع المواد وتضعيف مقابله، فالحامل عليه محض التقليد" أهـ.
وفي القضاء من "التحفة" ما نصه في الخادم عن بعض المحتاطين: "الأولى لمن بلي بوسواس الأخذ بالأخف والرخص؛ لئلا يزداد فيخرج عن الشرع، ولضده الأخذ بالأثقل؛ لئلا يخرج إلى الإباحة أهـ.
وهذا الذي قاله السيد عمر البصري هو الذي يميل إليه الفقير، وقد نقله تلميذه ابن الجمال مختصرًا، وأقره في رسالته فتح المجيد، ورأيت نقلًا ع ن العلامة السيد عبد الرحمن بن عبد الله الفقيه العلوي في آخر جواب طويل: "وإذا اختلف ابن حجر والرملي وغيرهما من أمثالهما، فالقادر على النظر والترجيح يلزمه، وأما غيره فيأخذ بالكثرة، إلا إذا كانوا يرجعون إلى أصل واحد، ويتخير بين المتقاربين؛ كابن حجر والرملي خصوصًا في العمل؛ كما حرره السيد عمر بن عبد الرحيم البصري في فتوى له" أهـ.
وسئل سيدنا الإمام العلامة السيد عبد الرحمن بلفقيه عما إذا اختلف ابن حجر ومعاصروه، فقال: اعزل الحظ والطمع، وقلد من شئت؛ فإنهم أكفاء أهـ.
ونقل عن الإمام العلامة السيد حامد بن عامر حامد علوي أن معتمد سلفنا العلويين في الفقه على ما قاله الشيخ ابن حجر، وليس ذلك لكثرة علمه؛ فإن الشيخ عبد الله بامخرمة أوسع علمًا منه، ولكن ابن حجر له إدراك قوي أحسن منه بل ومن غيره من الفقهاء المصنفين؛ فلذا اعتمده سلفنا بتريم أهـ.
فما قوي مدركه هو المتقدم عند المحققين، وإن لم يقل به إلا واحد أو خالف كلام الأكثرين، ومن ثم وافق الأصحاب على كثرتهم الشافعي (﵁) في مسائل انفرد بها
[ ١ / ٥٢ ]
عن أكثر الأئمة؛ نظرًا إلى قوة مدركه؛ ذكره في شرح "العباب"؛ قال الكردي في المسلك واعلم أني أذكر كثيرًا في هذه الحاشية وأصليهما الخلاف الكائن بين الشارح م ر وشيخهما شيخ الإسلام والخطيب؛ فإنهم مما اتفق على جلالتهم، وعذري في عدم التصريح بالترجيح في كثير من المسائل المختلف فيها بينهم - ما تقدم في كلام السيد عمر وغيره؛ فإنَّ من هو أهل للترجيح لا يتقيد بما رجحه، ومن لا، فرتبته التخيير، فأي ثمرة له في الترجيح؟ نعم، وقع في كلامهم حتى "التحفة" و"النهاية" مسائل من قبيل الغلط أو الضعيف الواضح الضعف، فلا يجوز الإفتاء بها مطلقًا، وقد أوضحت جملة منها في كتابي "الفوائد المدنية" فيمن يفتي بقوله من متأخري السادة الشافعية بما لم أقف على من سبقني إليه، فليراجعه من أراد الإحاطة بذلك؛ فإنه جمع فأوعى أهـ كلام الكردي بالحرف.
تنبيه: ينبغي لكل فقيه الوقوف على هذه المسائل التي وقعت في كلامهم من قبيل الغلط أو الضعيف الواضح الضعف المحررة في "الفوائد المدنية" (شكر الله سعي مؤلفها)، ولو قيل بوجوب ذلك على كل مفت؛ لئلا يقع في الإفتاء بشيء منها، لم يبعد.
فائدة من "الفوائد المدنية": سئل العلامة السيد عمر البصري عن توافق عبارات "المغني" و"التحفة" و"النهاية"، هل ذلك من وضع الحافر على الحافر أو استمداد بعضهم من بعض؟ فأجاب (رحمه الله تعالى) بقوله: شرح الخطيب الشربيني مجموع من خلاصة شروح "المنهاج" مع توشحه من فوائد من تصانيف شيخ الإسلام زكريا، وهو متقدم على التحفة وصاحبه في مرتبة مشايخ شيخ الإسلام ابن حجر؛ لأنه أقدم منه طبقة. وأما صاحب النهاية فالذي ظهر لهذا الفقير من سبره أنه في الربع الأول يماشي الشيخ الخطيب الشربيني ويوشح من التحفة ومن فوائد والده وغير ذلك، وفي الثلاثة الأرباع يماشي التحفة ويوشح من غيرها أهـ. ما أردت نقله من فتاوى السيد عمر البصري.
وأقول: إن ابن حجر يستمد كثيرًا في التحفة من حاشية شيخه ابن عبد الحق على شرح المنهج للجلال المحلي، والخطيب في "المغني" يستمد كثيرًا من كلام شيخه الشهاب الرملي ومن شرح ابن شهبة الكبير على "المنهاج"؛ كما يقضي بذلك السبر أهـ بالحرف.
تتمة: مراتب العلماء ست:
الأولى: مجتهد مستقل؛ كالأربعة وأضرابهم.
الثانية: مطلق منتسب؛ كالمزني.
الثالثة: أصحاب الوجوه؛ كالقفال وأبي حامد.
الرابعة: مجتهد الفتوى؛ كالرافعي والنووي.
[ ١ / ٥٣ ]
الخامسة: نظار في ترجيح ما اختلف فيه الشيخان؛ كالأسنوي وأضرابه.
السادسة: حملة فقه ومراتبهم مختلفة فالأعلون يلتحقون بأهل المرتبة الخامسة، وقد نصوا على أن المراتب الأربع الأول يجوز تقليدهم، وأما الأخيرتان فالإجماع الفعلي من زمنهم إلى الآن الأخذ بقولهم وترجيحاتهم في المنقول حسب المعروف في كتبهم؛ ذكره في "مطلب الإيقاظ"، وفي حواشي "المحلي" للقليوبي: "إن قدر المجتهد على الترجيح دون الاستنباط، فهو مجتهد الفتوى، وإن قدر على الاستنباط من قواعد إمامه فهو مجتهد المذهب، أو على الاستنباط من الكتاب والسنة فهو المطلق" أهـ.
قال في "فتح المعين": "والمجتهد من يعرف بأحكام القرآن من العام والخاص، والمجمل والمبين، والمطلق والمقيد، والنص والظاهر، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، وبأحكام السنة من المتواتر؛ وهو ما تعدّدت طرقه، والآحاد وهو بخلافه، والمتصل باتصال رواته إليه (ﷺ) ويسمى المرفوع، أو إلى الصحابي فقط ويسمى الموقوف، والمرسل وهو قول التابعي: قال رسول الله (ﷺ) كذا، أو فعل كذا، أو بحال الرواة قوّة أو ضعفًا، وما تواتر ناقلوه وأجمع السلف على قبوله لا يبحث عن عدالة ناقليه، وله الاكتفاء بتعديل إمام عرف صحة مذهبه في الجرح والتعديل، ويقدم عند التعارض الخاص على العام، والمقيد على المطلق، والنص على الظاهر، والمحكم على المتشابه، والناسخ والمتصل، والقوي على مقابلها، ولا تنحصر الأحكام في خمسمائة آية ولا خمسمائة حديث؛ خلافًا لزاعمها - وبالقياس بأنواعه الثلاثة: من الجلي وهو ما يقطع فيه بنفي الفارق؛ كقياس ضرب الوالد على تأفيفه، أو المساوي وهو ما يبعد فيه انتفاء الفارق؛ كقياس إحراق مال اليتيم على أكله، أو الأدون وهو ما يبعد فيه انتفاء الفارق؛ كقياس الذرة على البرّ في الربا بجامع الطعم، وبلسان العرب: لغة، ونحو أو، صرفًا، وبلاغة، وبأقوال العلماء من الصحابة فمن بعدهم، ولو فيما يتكلم فيه فقط لئلا يخالفهم أهـ.
وفي "التحفة": قال ابن الصلاح: "اجتماع ذلك كله إنما هو شرط للمجتهد المطلق الذي يفتي في جميع أبواب الفقه أمَّا مقيد لا يعد ومذهب إمام خاص، فليس عليه غير معرفة قواعد إمامه، وليراع فيها ما يراعيه المطلق في قوانين الشرع؛ فإنه مع المجتهد كالمجتهد مع نصوص الشرع؛ ومن ثم لم يكن له عدول عن نص إمامه؛ كما لا يجوز الاجتهاد مع النص.
وقال السيوطي (رحمه الله تعالى) في نقايته في المجتهد: "شرطه العلم بالفقه أصلًا وفرعًا، خلافًا ومذهبًا، والمهم من تفسير آيات، وأخبار، ولغة، ونحو، وحال رواة.
قال ابن دقيق العيد: "لا يخلو العصر عن مجتهد، إلا إذا تداعى الزمان وقربت الساعة، وأما قول الغزالي كالقفال: إن العصر خلا عن المجتهد المستقل، فالظاهر أن المراد
[ ١ / ٥٤ ]
مجتهد قائم بالقضاء لرغبة العلماء عنه، وكيف يمكن القضاء على الأعصار بخلوّها عنه والقفال نفسه كان يقول لسائله في مسائل الصبرة: تسألني عن مذهب الشافعي أم عما عندي؟ وقال هو وآخرون منهم تلميذه القاضي حسين: "لسنا مقلدين للشافعي، بل وافق رأينا رأيه".
قال ابن الرفعة: ولا يختلف اثنان أن ابن عبد السلام وتلميذه ابن دقيق العيد بلغا رتبة الاجتهاد.
وقال ابن الصلاح: "إمام الحرمين والغزالي والشيرازي من الأئمة المجتهدين في المذهب أهـ ووافقه الشيخان، فأقاما- كالغزالي- احتمالات الإمام وجوهًا، وخالفه ابن الرفعة، والذي يتجه أن هؤلاء - وإن ثبت لهم الاجتهاد - فالمراد التأهل له مطلقًا أو في بعض المسائل؛ إذ الأصح جواز تجزئه، أما حقيقته بالفعل في سائر الأبواب فلم يحفظ ذلك من قريب عصر الشافعي إلى الآن؛ كيف وهو متوقف على تأسيس قواعد أصولية وحديثية يخرّج عليها استنباطاته وتفريعاته؟! وهذا التأسيس هو الذي أعجز الناس عن بلوغ حقيقة مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا يغني عنه بلوغ الدرجة الوسطى فيما سبق؛ فإن أدون أصحابنا ومن بعدهم بلغ ذلك ولم يحصل له مرتبة الاجتهاد المذهبي، فضلًا عن الاجتهاد النسبي، فضلًا عن الاجتهاد المطلق أهـ ما نقله عن التحفة.
ولنتعرّض لطبقات الفقهاء أيضًا من السادة الحنفية؛ إتمامًا للفائدة وللاحتياج إليها لديهم في كل قضية.
قال خاتمة المحققين العلامة ابن عابدين (﵀) ما نصه: "وقد أوضحها المحقق ابن كمال باشا في بعض رسائله، فقال: لا بد للمفتي أن يعلم حال من يفتي بقوله، ولا يكفيه معرفته باسمه ونسبه، بل لا بد من معرفته في الرواية ودرجته في الدراية وطبقته من طبقات الفقهاء؛ ليكون على بصيرة في التمييز بين القائلين المتخالفين، وقدرة كافية في الترجيح بين القولين المتعارضين.
الأولى: طبقة المجتهدين في الشرع؛ كالأئمة الأربعة (﵃) ومن سلك مسلكهم في تأسيس قواعد الأصول وبه يمتازون عن غيرهم.
الثانية: طبقة المجتهدين في المذهب؛ كأبي يوسف، ومحمد، وسائر أصحاب أبي حنيفة القادرين على استخراج الأحكام من الأدلة على مقتضى القواعد التي قرّرها أستاذهم أبو حنيفة في الأحكام، وإن خالفوه في بعض أحكام الفروع، لكن يقلدونه في قواعد الأصول، وبه يمتازون عن المعارضين في المذهب؛ كالشافعي وغيره المخالفين له في الأحكام غير مقلدين له في الأصول.
[ ١ / ٥٥ ]
الثالثة: طبقة المجتهدين في المسائل التي لا نص فيها عن صاحب المذهب، كالخصاف، وأبي جعفر الطحاوي، وأبي الحسن الكرخي، وشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي، وفخر الإسلام البزدوي، وفخر الدين قاضيخان وأمثالهم؛ فإنهم يقدرون على شيء من المخالفة لا في الأصول ولا في الفروع، لكنهم يستنبطون الأحكام في المسائل التي لا نص فيها على حسب الأصول والقواعد.
الرابعة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين؛ كالرازي وأضرابه؛ فإنهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلًا، لكنهم - لإحاطتهم بالأصول وضبطهم للمآخذ - يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين وحكم مبهم محتمل لأمرين، منقول عن صاحب المذهب أو أحد أصحابه برأيهم ونظرهم في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظرائه من الفروع، وما في الهداية من قوله كذا في تخريج الكرخي وتخريج الرازي من هذا القبيل.
الخامسة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين؛ كأبي الحسن القدوري، وصاحب الهداية، وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض؛ كقولهم: هذا أولى، وهذا أصح رواية، وهذا أرفق للناس.
والسادسة: طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى، والقويّ، والضعيف، وظاهر المذهب، والرواية النادرة؛ كأصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين؛ مثل صاحب "الكنز"، وصاحب "المختار"، وصاحب "الوقاية" وصاحب "المجموع" وشأنهم أَلاَّ ينقلوا الأقوال المردودة والروايات الضعيفة.
والسابعة: طبقة المقلدين الذين لا يقدرون على ما ذكر ولا يفرقون بين الغث والسمين أهـ بنوع اختصار أهـ كلام ابن عابدين في رد المختار.
وقال (رحمه الله تعالى) قبل ذلك:
تتمة: قدمنا عن "فتح القدير" كيفية الإفتاء مما في الكتب، فلا يجوز الإفتاء مما في الكتب الغريبة، وفي شرح الأشباه لشيخنا المحقق هبة الله لبعلي: قال شيخنا العلامة صالح الجينيني: إنه لا يجوز الإفتاء من الكتب المختصرة؛ كالنهر، وشرح الكنز للعيني، والدر المختار شرح تنوير الأبصار؛ إما لعدم الإطلاع على حال مؤلفيها كشرح الكنز لمنلا مسكين، وشرح النقاية للقهستاني، أو لنقل الأقوال الضعيفة فيها كالقنية للزاهدي، فلا يجوز الإفتاء من هذه إلا إذا علم المنقول عنه وأخذه منه؛ هكذا سمعته منه وهو علامة في الفقه مشهور والعهدة عليه أهـ.
أقول: وينبغي إلحاق الأشباه والنظائر بها؛ فإن فيها من الإيجاز في التعبير ما لا يفهم
[ ١ / ٥٦ ]
معناه إلا بعد الإطلاع على مأخذه، بل فيها في مواضع كثيرة الإيجاز المخلّ يظهر ذلك لمن مارس مطالعتها مع الحواشي، فلا يأمن المفتي من الوقوع في الغلط إذا اقتصر عليها، فلا بد له من مراجعة ما كتب عليها من الحواشي أو غيرها، ورأيت في حاشية أبي السعود الأزهري على شرح منلا مسكين أنه لا يعتمد على فتاوى ابن نجيم ولا على فتاوى الطوري أهـ كلام ابن عابدين أيضًا بالحرف.
ذِكْرُ شَيْءٍ مِن اصْطِلاَح الْفُقَهَاءِ فِي عِبَارَاتِهِمْ، وَمَا أَوْدَعُوهُ في طَيِّ إِشَارَاتِهِمْ
وَفِي تَعْرِيفِ اصْطِلاَح الإِمَامِ شَيْخِ الْمَذْهَبِ يَحْيى الْنَّوَويِّ (رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى)
فِي الْمِنْهَاجِ وَاتِّبَاعِ الْكَثِيرِ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الانْتِهَاجِ
اعلم: أن الاصطلاح هو اتفاق طائفة على أمر مخصوص بينهم؛ فحيث قالوا: الإمام، يريدون به: إمام الحرمين الجويني بن أبي محمد.
وحيث يطلقون "القاضي" يريدون به: القاضي حسينًا، أو القاضيين فالمراد بهما: الروياني والماوردي.
وإذا أطلقوا "الشارح" معرفًا أو "الشارح المحقق" يريدون به: الجلال المحلي شارح المنهاج؛ حيث لم يكن لهم اصطلاح بخلافه، وإلا كالشارح في شرح الإرشاد؛ حيث أطلق الشارح يريد به: الجوجري شارح الإرشاد.
وإن قالوا "شارح" فالمراد به واحد من الشراح لأيّ كتاب كان كما هو مفاد التنكير، ولا فرق في ذلك بين التحفة وغيرها كما أوضحت ذلك في غير هذا المحل، خلافًا لمن قال: إنه يريد: شهبة.
وحيث قالوا: قال بعضهم أو نحوه، فهو أعم من شارح.
وحيث قالوا: قال الشيخان ونحوه، يريدون بهما: الرافعي والنووي، أو: الشيوخ، فالمراد بهم: الرافعي والنووي فالسبكي.
وحيث قال: "الشارح شيخنا" يريد به: شيخ الإسلام زكريا، وكذلك الخطيب الشربيني وهو مراد الجمال الرملي بقوله: "الشيخ".
وإن قال الخطيب: "شيخي" فمراده: الشهاب الرملي، وهو مراد الجمال بقوله: أفتى به الوالد ونحوه.
وإذا قالوا: لا يبعد كذا، فهو احتمال.
[ ١ / ٥٧ ]
وحيث قالوا: على ما شمله كلامهم ونحو ذلك، فهو إشارة إلى التبريّ منه أو أنه مشكل؛ كما صرّح بذلك الشارح في حاشية "فتح الجواد" ومحله؛ حيث لم ينبه على تضعيفه أو ترجيحه، وإلا خرج عن كونه مشكلًا إلى ما حكم به عليه.
وحيث قالوا: كذا قالوه أو كذا قاله فلان، فهو كالذي قبله.
وإن قالوا: إن صحّ هذا فكذا، فظاهره عدم ارتضائه؛ كما نبه عليه في الجنائز من "التحفة".
وإن قالوا كما أو لكن، فإن نبهوا بعد ذلك على تضعيفه أو ترجيحه فلا كلام، وغلا فهو معتمد، فإن جمع بينهما فنقل الشيخ سعيد سنبل عن شيخه الشيخ عبد المصري عن شيخه الشوبري أن اصطلاح التحفة أن ما بعد "كما" هو المعتمد عنده، وأن ما اشتهر من أن المعتمد ما بعد "لكن" في كلامه إنما هو فيما إذا لم يسبقها "كما"، وإلا فهو المعتمد عنده وإن رجح بعد ذلك ما يقابل ما بعد "كما" إلا إن قال: لكن المعتمد كذا أو الأوجه، فهو المعتمد أهـ.
وعندي أن ذلك لا يتقيد بهاتين الصورتين بل سائر صيغ الترجيح كهما، ورأيت عن الشارح أن ما قيل فيه "لكن" إن كان تقييدًا لمسألة بلفظ "كما" فما قبل "لكن" هو المعتمد، وإن لم يكن لفظ "كما" فما بعد "لكن" هو المعتمد أهـ وهو يؤيد ما سبق عن شيخنا الشيخ سعيد، وعلى هذا الأخير يحمل ما نقله ابن اليتيم في حواشي التحفة عن مشايخه الأجلاء أنهم تتبعوا كلامٍ الشارح، فوجدوا أن المعتمد عنده ما بعد "لكن" إذا لم ينص على خلافه أنه المعتمد، لكن رأيت نقلًا عن تقرير البشبيشي في درسه أن ما بعد "لكن" في التحفة هو المعتمد سواء كان قبلها "كما" أو غيره أهـ إلا أن يقال هو المعتمد عنده لا عند الشارح، وقد أفردت الكلام على ما يتعلق بهذا بالتأليف فليراجعه من أراده أهـ من المسلك العدل بزيادة من مختصر فتاوى ابن حجر لابن قاصي.
وفي فتاوى الكردي (﵀): سئل إذا سجد ثم رفع من السجود، وشك هل وضع يده أو رجله، أو اطمأنت يده أو رجله - هل يضر ذلك أو لا؟
الجواب: يجب عليه العود للسجود فورًا مطلقًا؛ على المعتمد في التحفة إن قلنا: قاعدتها حيث لم يكن في العبارة "كما" أن ما بعد "لكن" فيها هو المعتمد، وهو ما ذكرناه من وجوب العود، وإن قلنا بما ملت إليه في كتابي "الفوائد المدنية" من أن محلّ تلك القاعدة حيث لم يرد ما بعد "لكن" وقد ردّه في مسألتنا في "التحفة" فيكون المعتمد ما قبل "لكن" وهو عدم وجوب العود، وهو الذي يظهر للفقير ويؤيده اعتماده في غير التحفة كالإيعاب وشرح الإرشاد وغيره، والله أعلم أهـ.
[ ١ / ٥٨ ]
قال في "المطلب": ويظهر من "تذكرة الإخوان" للعليجي أن اصطلاح الشمس الرملي والخطيب الشربيني كاصطلاح الشيخ في هذه الألفاظ المذكورة عن الكردي أهـ.
قال العليجي: "وإذا قالوا: على ما اقتضاه كلامهم، أو على ما قاله فلان بذكر "على"، أو قالوا: هذا كلام فلان - فهذه صيغة تبري كما صرحوا به، ثم تارة يرجحونه وهذا قليل، وتارة يضعفونه وهو كثير، فيكون مقابله هو المعتمد؛ أي: إن كان، وتارة يطلقون ذلك فجرى غير واحد من المشايخ على أنه ضعيف، والمعتمد ما في مقابله أيضًا أي إن كان كما سبق أهـ كلام العليجي.
وتوقف العلامة الكردي في صورة الإطلاق؛ قال: لأنه لا يلزم من تبريه اعتماد مقابله، فينبغي حينئذٍ مراجعة بقية كتب ابن حجر فما فيها هو معتمده، فإن لم يكن ذلك فيها فما اعتمده معتمد ومتأخري أئمتنا الشافعية، فحرّر ذلك وهو حسب ما ظهر للفقير، والله أعلم بحقائق الأحوال وتفصيل المعتمد من الأقوال أهـ.
قال العليجي: وقال الشيخ محمد باقشير: تتبع وكلام الشيخ ابن حجر، فإذا قال: على المعتمد، فهو الأظهر من القولين أو الأقوال، وإذا قال: على الأوجه مثلًا، فهو الأصح من الوجهين أو الأوجه أهـ.
وقال السيد عمر في الحاشية: وإذا قالوا: والذي يظهر مثلًا، أي بذكر الظهور، فهو بحث لهم أهـ.
وقال الشيخ ابن حجر في رسالته في الوصية بالسهم: "البحث ما يفهم فهمًا واضحًا من الكلام العام للأصحاب المنقول عن صاحب المذهب بنقل عام أهـ.
وقال السيد عمر في فتاويه: "البحث هو الذي استنبطه الباحث من نصوص الإمام وقواعده الكليين.
وقال شيخنا: "وعلى كلا التعريفين لا يكون البحث خارجًا عن مذهب الإمام وقول بعضهم في بعض مسائل الأبحاث لم نر فيه نقلًا - يريد به نقلًا خاصًا؛ فقد قال إمام الحرمين: لا تكاد توجد مسألة من مسائل الأبحاث خارجة عن المذهب من كل الوجوه أهـ.
قال السيد عمر في الحاشية في الطهارة: كثيرًا ما يقولون في أبحاث المتأخرين وهو محتمل؛ فإن ضبطوا بفتح الميم الثاني، فهو مشعر بالترجيح؛ لأنه بمعنى قريب، وإن ضبطوا بالكسر فلا يشعر به؛ لأنه بمعنى ذي احتمال، أي قابل للحمل والتأويل، فإن لم يضبطوا بشيء منهما فلا بد أن تراجع كتب المتأخرين عنهم؛ حتى تنكشف حقيقة الحال أهـ.
وأقول: والذي يظهر أن هذا إذا لم يقع بعد أسباب التوجيه كلفظ "كل"، أما إذا وقع
[ ١ / ٥٩ ]
بعدها فيتعين الفتح؛ كما إذا وقع بعد أسباب التضعيف فيتعين الكسر أهـ.
قال شيخنا: الاختيار هو الذي استنبطه المختار عن الأدلة الأصولية بالاجتهاد، أي: على القول بأنه يتحرى وهو الأصح من غير نقل له من صاحب المذهب، فحينئذٍ يكون خارجًا عن المذهب ولا يعوّل عليه، وأما المختار الذي وقع للنووي في الروضة فهو بمعنى الأصح في المذهب لا بمعناه المصطلح اهـ كلام العليجي رحمه الله تعالى.
وأما تعبيرهم بوقع لفلان كذا، فإن صرحوا بعده بترجيح أو تضعيف - وهو الأكثر - فذاك، وإلا حكم بضعفه كما حقق ذلك شيخنا خاتمة المحققين مفتي الديار اليمنية السيد محمد بن أحمد بن عدب الباري، والإمام العلامة السيد سليمان بن محمد بن عبد الرحمن مفتي زبيد في جواب سؤال قدمته إليهما في ذلك ضمن أسئلة بعد أن فتشت على نقل في ذلك فلم أظفر به، وفي "مطلب الإيقاظ": سئل العلامة الشريف عمر بن عبد الرحيم الحسيني المكي عن قول المصنفين: كذا في أصل الروضة كأصلها أو أصلها، ما المراد بما ذكر؟ فأجاب: بخط بعض الأئمة المحققين من تلامذة شيخ الإسلام زكريا بهامش نسخته الغرر لشيخه ما حاصله: أنه إذا قال قال: في أصل الروضة، فالمراد منه عبارة النووي في الروضة التي لخصها واختصرها من لفظ العزيز، رفع هذا التعبير بصحة نسبة الحكم إلى الشيخين، وإذا عزى الحكم إلى زوائد الروضة فالمراد منه زيادتها على ما في العزيز، وإذا أطلق لفظ الروضة فهو محتمل لتردّده بين الأصل والزوائد، وربما يستعمل بمعنى الأصل؛ كما يقضي به السبر، وإذا قيل: كذا في الروضة وأصلها، أو كأصلها، فالمراد بالروضة ما سبق التعبير بأصل الروضة وهي عبارة الإمام النووي الملخص فيها لفظ "العزيز" في هذين التعبيرين، ثم بين التعبيرين المذكورين فرق؛ وهو إذا أتى بالواو فلا تفاوت بينهما وبين أصلها في المعنى وإذا أتى بالكاف فبينهما بحسب المعنى يسير تفاوت، وهذا الذي أشار إليه هذا الإمام يقضي به سبر صنيع أجلاء المتأخرين من أهل الثامن والعشرين ومن داناهم من أوائل العشائر وأما من عداهم فلا التزم وجود هذا الصنيع في مؤلفاتهم لا عرض فيها من التساهل في ذلك بل في ما هو أهم منه بتحرير الخلاف، والله أعلم أهـ.
وقوله: "نقله فلان عن فلان وحكاه فلان عن فلان" - بمعنى واحد؛ لأن نقل الغير هو حكاية قوله، إلا أنه يوجد كثيرًا مما يتعقب الحاكي قول غيره بخلاف الناقل له؛ فإن الغالب تقريره والسكوت عليه؛ كما أفاد ذلك العلامة عبد الله بن أبي بكر الخطيب، والسكوت في مثل هذا رضا من الساكت؛ حيث لم يعترضه بما يقتضي ردّه؛ إذ قولهم: سكت عليه، أي: ارتضاه، وقولهم: أقرّه فلان، أي: لم يرده، فيكون كالجازم به.
ومن فتاوى العلامة عبد الله بن أحمد بازرعة: والقاعدة أنّ من نقل كلام غيره وسكت عليه فقد ارتضاه.
[ ١ / ٦٠ ]
قال العلامة الكردي في "كشف اللثام" من أثناء كلام: "لأنّ نقله منه وسكوته عليه مع عدم التبري منه، ظاهر في تقريره أهـ.
وقال في موضع آخر منه: "وكون تقرير النقل عن الغير يدل على اعتماده هو مفهوم كلامهم في مواضع كثيرة، فقول الجمال الرملي في باب زيارة قبره (ﷺ) من "شرح الإيضاح"- عند قول المصنف: "ويقف": ما نصه: "ونقل التخيير عن غيره ولم يتعقبه، لا يقتضي ترجيحه- لا يخلو عن نظر، وإن وافقه ابن علان في شرحه، وسبقهما إليه ابن حجر في الحاشية، نعم، قد يجاب عنه بأن عدم التعقب ظاهر في ترجيحه، لا أنه يقتضيه؛ فإنّ الاقتضاء رتبة فوق الظاهر كما في الشوبري على شرح "المنهج" بل في كلامهم ما يفيد أن المراد بالاقتضاء الدخول في الحكم من باب أولى، لكن الظاهر أن الاقتضاء رتبة دون التصريح؛ كما يفيده كلام "التحفة" في فصل الاختلاف في المهر أهـ.
وأما قولهم: "نبه عليه الأذرعي" فالمراد أنه معلوم من كلام الأصحاب، وإنما للأذرعي مثلًا التنبيه عليه- أو: "كما ذكره الأذرعي" مثلًا فالمراد أن ذلك من عند نفسه؛ ذكر ذلك الشوبري عن شيخه الزيادي.
وأما قولهم: "الظاهر كذا" فهو من بحث القائل لا ناقل له؛ ففي الإيعاب لابن حجر ما لفظه: "قد جرى في العباب على خلاف اصطلاح المتأخرين من الاختصاص التعبير بـ"الظاهر"، ويظهر، ويحتمل، ويتجه، ونحوها عما لم يسبق إليه الغير بذلك؛ ليتميز ما قاله مما قاله غيره، والمصنف يعبر بذلك عما قاله غيره ولم يبال بإيهام أنه من عنده غفلة عن الاصطلاح المذكور أهـ.
وقال الكردي: "جرى عرف المتأخرين على أنهم إذا قالوا: الظاهر كذا، فهو من بحث القائل لا ناقل له أهـ.
وقال السيد عمر في الحاشية: "إذا قالوا: والذي يظهر" مثلًا، أي: بذكر الظهور فهو بحث لهم أهـ.
قال بعضهم: "إذا عبروا بقولهم وظاهر كذا، فهو ظاهر من كلام الأصحاب، وأما إذا كان مفهومًا من العبارة فيعبروا عنه بقولهم: والظاهر كذا أهـ.
وأما تعبيرهم بالفحوى فهو ما فهم من الأحكام بطريق القطع وبالمقتضى، والقضية هو الحكم بالشيء لا على وجه الصراحة؛ كما أفتى به العلامة عبد الله الزمزمي، وقولهم: وزعم فلان، فهو بمعنى قال، إلا أنه أكثر ما يقال فيما يشك فيه؛ ذكره العلامة بحرق في شرحه الكبير على لامية الأفعال.
ومن اصطلاحهم أنهم إذا نقلوا عن العالم الحي فلا يصرحون باسمه؛ لأنه ربما رجع
[ ١ / ٦١ ]
عن قوله، وإنما يقال: قال بعض العلماء ونحوه، فإن مات صرحوا باسمه؛ كما أفاد ذلك العلامة عبد الله بن عثمان العمودي.
قال ابن حجر (رحمه الله تعالى) في كتابه "الحق الواضح": "المقرر الناقل متى قال: "وعبارته" و"كذا"- تعين عليه سوق العبارة المنقولة بلفظها، ولم يجز له تغيير شيء منها وإلا كان كاذبًا، ومتى قال: قال فلان كان بالخيار بين أن يسوق عبارته بلفظها أو بمعناها من غير نقلها، لكن لا يجوز له تغيير شيء من معاني ألفاظها أهـ.
وفي "التحفة" من الشهادات: "وأنه يجوز التعبير عن المسموع بمرادفه المساوي له من كل وجه لا غير" أهـ.
وقولهم: أهـ ملخصًا، أي: مؤتى من ألفاظه بما هو المقصود دون ما سواه، والمراد بالمعنى التعبير عن لفظه بما هو المفهوم منه؛ ذكر ذلك عبد الله الزمزمي أهـ.
قال بعضهم: "إن الشارح والمحشي إذا زاد على الأصل، فالزائد لا يخلو: إما أن يكون بحثًا واعتراضًا إن كان بصيغة البحث والاعتراض، أو تفصيلًا لما أجمله، أو تكميلًا لما نقصه وأهمله، والتكميل- إن كان له مأخذ من كلام سابقه أو لاحقه- فإبراز وإلا فاعتراض فعلي.
وصيغ الاعتراض مشهورة ولبعضها محل لا يشاركها فيه الآخر؛ فيرد وما اشتق منه لما لا يندفع له بزعم المتعرض ويتوجه، وما اشتق منه أعم منه من غيره ونحوه إن قيل له مع ضعف فيه، وقد يقال: "ونحوه" لما فيه ضعف شديد، و"نحوه لقائل" لما فيه ضعف ضعيف، "وفيه بحث ونحوه" لما فيه قوّة، سواء تحقق الجواب أو لا، وصيغة المجهول ماضيًا- كان أو مضارعًا- "ولا يبعد" و"يمكن" - كلها صيغ التمريض، تدل على ضعف مدخولها بحثًا كان أو جوابًا.
وأقول: "وقلت" لما هو خاصة القائل.
وإذا قيل: "حاصله"، أو "محصله"، أو "تحريره"، أو "تنقيحه"، أو نحو ذلك - فذلك إشارة إلى قصور في الأصل أو اشتماله على حشو، وتراهم يقولون في مقام إقامة الشيء مقام آخر مرة "ننزل منزلته"، وأخرى: "أنيب منابه"، وأخرى: "أقيم مقامه".
فالأوّل: في إقامة الأعلى مقام الأدنى.
والثاني: بالعكس.
والثالث: في المساواة.
وإذا رأيت واحدًا منها مقام آخر فهناك نكتة.
[ ١ / ٦٢ ]
وإنما اختاروا في الأول التفعيل وفي الآخرين الأفعال؛ لعلة الإجمال؛ لأن تنزيل الأعلى مكان الأدنى يحوج إلى العلاج والتدريج، وربما يختم المبحث بنحو "تأمل"، فهو إشارة إلى دقة المقام مرة وإلى خدش فيه أخرى، سواء كان بالفاء أو بدونها أهـ إلا في مصنفات الإمام البوني، فإنها بالفاء إلى الثاني وبدونها إلى الأول.
والفرق بين "تأمل" و"فتأمل" و"فليتأمل"- أن "تأمل" إشارة إلى الجواب القوي، و"فتأمل" إلى الضعيف، و"فليتأمل" إلى الأضعف؛ ذكره الدماميني.
وقيل: معنى "تأمل" أن في هذا المحل دقة، ومعنى "فتأمل" أن في هذا المحل أمرًا زائدًا على الدقة بتفصيل، و"فليتأمل" هكذا مع زيادة بناء على أن كثرة الحروف تدل على كثرة المعنى.
"وفيه بحث" معناه أعمّ من أن يكون في هذا المقام تحقيق أو فساد، فيحمل عليه على المناسب للحمل، و"فيه نظر" يستعمل في لزوم الفساد، وإذا كان السؤال أقوى يقال: و"القائل" فجوابه "أقول" أو تقول بإعانة سائر العلماء، وإذا كان ضعيفًا يقال: فإن قلت فجوابه قلنا أو قلت، وقيل: "فإن قلت" بالفاء سؤال عن القريب، وبالواو عن البعيد، و"قيل" يقال فيما فيه اختلاف، و"قيل فيه" إشارة إلى ضعف ما قالوا محصل الكلام إجمال بعد التفصيل.
و"حاصل الكلام" تفصيل بعد الإجمال، و"التعسف" ارتكاب ما لا يجوز عند المحققين، وإن جوّزه بعضهم، ويطلق على ارتكاب ما لا ضرورة فيه والأصل عدمه، وقيل: حمل الكلام على معنى لا تكون دلالته عليه ظاهرة، وهو أخف من البطلان، و"التساهل" يستعمل في كلام لا خطأ فيه ولكن يحتاج إلى نوع توجيه تحتمله العبارة، ولا نصب قرينة دالة عليه؛ اعتمادًا على ظهور الفهم من ذلك المقام و"التحمل" الاحتيال وهو الطلب، و"التأمل" هو إعمال الفكر، و"التدبر" تصرف القلب بالنظر في الدلائل، والأمر بالتدبر بغير فاء للسؤال في المقام، وبالفاء يكون بمعنى التقرير والتحقيق لما بعده أهـ من كليات أبي البقاء.
والفرق بين "وبالجملة" و"في الجملة" أن "في الجملة" يستعمل في الجزئي و"بالجملة" في الكليات؛ كذا وجد بخط العلامة علوي بن عبد الله باحسن، وفي كليات أبي البقاء و"في الجملة" يستعمل في الإجمال، و"بالجملة" في التفصيل، وفي الصبان علي الأشموني و"جملة القول"، أي: مجمله، أي: مجموعه، فهو من الإجمال بمعنى الجمع ضدّ التفريق لا من الإجمال ضد التفصيل والبيان أهـ.
[ ١ / ٦٣ ]
وقولهم: "اللهم إلا أن يكون كذا" قد يجيء حشوًا أو بعد عموم؛ حثًا للسامع المقيد المذكور قبلها وتنبيهًا، فهي بمثابة نستغفرك؛ كقولك إنا لا نقطع عن زيارتك، اللهم إلا أن يمنع مانع؛ فلذا لا يكاد يفارق حرف الاستثناء وتأتي في جواب الاستفهام نفيًا وإثباتًا كتابة، فيقال: اللهمّ نعم، اللهم.
وقولهم: "وقد يفرق"، و"إلا أن يفرق" و"يمكن الفرق"- فهذه كلها صيغ فرق.
وقولهم: "وقد يجاب" و"إلا أن يجاب"، و"لك أن تجيب"- فهذا جواب من قائله، وقولهم: "ولك ردّه" و"يمكن رده"- فهذه صيغ رده.
وقولهم: "لو قيل بكذا لم يبعد" و"ليس ببعيد" أو "لكان قريبًا" أو "أقرب" - فهذه صيغ ترجيح.
وإذا وجدنا في المسألة كلامًا في المصنف وكلامًا في الفتوى، فالعمدة ما في المصنف، وإذا وجدنا كلامًا في الباب وكلامًا في غير الباب، فالعمدة ما في الباب، وإذا كان في المظنة وفي غير المظنة استطراد، فالعمدة ما في المظنة.
ومن اصطلاحاتهم أن أدوات الغايات كـ"لو" و"إن" - للإشارة إلى الخلاف، فإذا لم يوجد خلاف فهو لتعميم الحكم. وعندهم أن "البحث" والإشكال والاستحسان والنظر لا يرد المنقول، والمفهوم لا يرد الصريح أهـ.
ومن فتاوى الشيخ ابن حجر: "معنى قولهم في تكبير العيد والشهادات "الأشهر كذا والعمل خلافه"- تعارض الترجيح من حيث دليل المذهب والترجيح من حيث العمل، فساغ العمل بما عليه العمل أهـ. وقول الشيخين: "وعليه العمل" صيغة ترجيح؛ كما حققه بعضهم، وفي كتاب "كشف الغين عمن ضل عن محاسن قرة العين" لابن حجر: أن قولهم "اتفقوا"، و"هذا مجروم به"، و"هذا لا خلاف فيه"- يقال فيما يتعلق بأهل المذهب لا غير.
وأما قولهم "هذا مجمع عليه" فإنما يقال فيما اجتمعت عليه الأئمة أهـ.
وقال في "قرة العين" له ما نصه: أدى الاستقرار من صنيع المؤلفين بأنهم إذا قالوا: "في صحته كذا" أو "حرمته" أو نحو ذلك نظر - دل على أنهم لم يروا فيه نقلًا أهـ وسئل الشهاب الرملي عن إطلاق الفقهاء نفي الجواز هل ذلك نص في الحرمة فقط أو يطلق على الكراهة؟ فأجاب بأن حقيقة نفي الجواز في كلام الفقهاء التحريم، وقد يطلق "الجواز" على رفع الحرج أعم من أن يكون واجبًا، أو مندوبًا، أو مكروهًا، أو على "مستوى الطرفين" وهو التخيير بين الفعل والترك، أو على "ما ليس بلازم" من العقود كالعارية أهـ.
[ ١ / ٦٤ ]
وفي باب الطهارة من "الإقناع": "يجوز" إذا أضيف إلى العقود، كان بمعنى الصحة، وإذا أضيف إلى الأفعال، كان بمعنى الحلّ، وهو هنا بمعنى الأمرين؛ لأن من أمرّ الماء على أعضاء طهارته بنية الوضوء والغسل، لا يصح ويحرم؛ لأنه تقرّب بما ليس موضوعًا للتقرّب؛ فعصى لتلاعبه أهـ.
و"ينبغي" الأغلب فيها استعمالها في المندوب تارة والوجوب أخرى، ويحمل على أحدهما بالقرينة، وقد تستعمل للجواز والترجيح، و"لا ينبغي" قد تكون للتحريم أو الكراهة أهـ تحفة بزيادة من النهاية.
ومن فتاوى ابن حجر ما لفظه: "وفي الاصطلاح": المراد "بالأصحاب" المتقدمون، وهم أصحاب الأوجه غالبًا، وضبطوا بالزمن وهم من الأربعمائة ومن عداهم، لا يسمون بالمتقدمين ولا بالمتأخرين، ويوجد هذا الاصطلاح بأن بقية هذا القرن الثالث من جملتهم السلف المشهود لهم على لسانه (ﷺ) بأنهم خير القرون، أي: ممن بعدهم، فما قربوا من عصر المجتهدين خصوا؛ تمييزًا لهم على من بعدهم باسم المتقدمين، فاحفظ ذلك؛ فإنه مهم.
وقال في "التحفة" في باب الفرائض بعد قول الأصل: وأفتى المتأخرون من أثناء كلام؛ ومن هذا يؤخذ أن "المتأخرين" - في كلام الشيخين ونحوهما- كل من كان بعد الأربعمائة، وأما الآن وقبله فهم من بعد الشيخين أهـ- ومثله في النهاية أهـ ما أردت نقله من مطلب الإيقاظ بزيادة من مختصر فتاوى ابن حجر.
وأما اصطلاح الإمام شيخ المذهب الشيخ يحيى النووي في المنهاج فقال (رحمه الله تعالى) ونفعنا به في منهاجه مع شرحه للجمال الرملي ما لفظه: فحيث أقول "في الأظهر" أو "المشهور" فمن القولين أو الأقوال للشافعي (﵁)، ثم قد يكون القولان جديدين أو قديمين، أو جديدًا وقديمًا، وقد يقولهما في وقتين أو وقت واحد، وقد يرجح أحدهما وقد لا يرجح، فإن قوي الخلاف لقوة مدركه.
قلت الأظهر المشعر بظهور مقابله؛ وإلا بأن ضعف الخلاف فالمشهر المشعر بغرابة مقابله لضعف مدركه، وحيث أقول "الأصح" أو "الصحيح" فمن الوجهين أو الأوجه لأصحاب الشافعي يستخرجونها من كلامه، وقد يجتهدون في بعضها وإن لم يأخذوه من أصله، ثم قد يكون الوجهان لاثنين، وقد يكونان لواحد، واللذان للواحد ينقسمان كانقسام القولين، فإن قوي الخلاف لقوّة مدركه، قلت: "الأصح" المشعر بصحة مقابله، وإلا بأن ضعف الخلاف فالصحيح ولم يعبر بذلك في الأقوال؛ تأدبًا مع الإمام الشافعي كما قال، فإن الصحيح منه مشعر بفساد مقابله وظاهر أن المشهور أقوى من الأظهر، وأن الصحيح أقوى
[ ١ / ٦٥ ]
من الأصح، وحيث أقول "المذهب" فمن الطريقين أو الطرق وهي اختلاف الأصحاب في حكاية المذهب؛ كأن يحكي بعضهم في المسألة قولين أو وجهين لمن تقدم، ويقطع بعضهم بأحدهما، ثم الراجح الذي عبر عنه بالمذهب: إما طريق القطع، أو الموافق لها من طريق الخلاف، أو المخالف لها كما سيظهر في المسائل، وما قيل من أن مراده الأول وأنه الأغلب، ممنوع، وإن قال الأسنوي والزركشي: إن الغالب في المسألة ذات الطريقين أن يكون الصحيح فيها ما يوافق طريقة القطع أهـ.
قال الرافعي في آخر زكاة التجارة: وقد تسمى طرق الأصحاب وجوهًا، وذكر مثله في مقدمة المجموع؛ فقال: وقد يعبرون عن الطريقين بالوجهين وعكسه، وحيث أقول "النص" فهو نص الشافعي (رحمه الله تعالى) من إطلاق المصدر على اسم المفعول، سمي بذلك؛ لأنه مرفوع إلى الإمام، أو لأنه مرفوع القدر لتنصيص الإمام عليه، والشافعي هو خير الأمة وسلطان الأئمة أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف جدّ النبي (ﷺ) والنسبة إليه شافعي لا شفعوي، ولد بغزة التي توفي بها هاشم جدّ النبي (ﷺ) سنة خمسين ومائة، ثم حمل إلى مكة وهو ابن سنتين، ونشأ بها، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، والموطأ وهو ابن عشر سنين، تفقه بمكة على مسلم بن خالد الزنجي، وكان شديد الشقرة، وأذن له مالك في الإفتاء وهو ابن خمس عشرة سنة، ورحل في طلب العلم إلى اليمن والعراق إلى أن أتى مصر فأقام بها إلى أن توفاه الله شهيدًا يوم الجمعة سلخ شهر رجب سنة أربع ومائتين، وفضائله أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تستقصي، ويكون هناك أي مقابله وجه ضعيف، أو قول مخرّج من نص له في نظير المسألة لا يعمل به، وكيفية التخريج- كما قاله الرافعي في باب التيمم- أن يجيب الشافعي بحكمين مختلفين في صورتين متشابهتين، ولم يظهر ما يصح للفرق بينهما، فينقل الأصحاب جوابه من كل صورة إلى الأخرى؛ فيحصل في كل صورة منهما قولان: منصوص، ومخرّج، والمنصوص في هذه هو المخرج في تلك، والمنصوص في تلك هو المخرج في هذه، وحينئذٍ فيقولون: قولان بالنقل والتخريج، أي: نقل المنصوص، من هذه الصورة إلى تلك وخرج فيها وكذلك بالعكس؛ قال؛ ويجوز أن يكون المراد بالنقل الرواية، والمعنى أن في كل من الصورتين قولًا منصوصًا وآخر مخرجًا، ثم الغالب في هذا عدم إطباق الأصحاب على التخريج، بل ينقسمون إلى فريقين: فريق يخرّج، وفريق يمتنع ويستخرج فارقًا بين الصورتين؛ ليستند إليه، والأصح أن القول المخرج لا ينسب إلى الشافعي إلا مقيدًا، إلا أنه ربما يذكر فرقًا ظاهرًا لو روجع فيه.
وحيث أقول "الجديد" فالقديم خلافه، أو "القديم" أو "في قول قديم" فالجديد خلافه، و"القديم" ما قاله الشافعي بالعراق أو قبل انتقاله إلى مصر، وأشهر رواته أحمد بن
[ ١ / ٦٦ ]
حنبل، والزعفراني، والكرابيسي، وأبو ثور، وقد رجع الشافعي عنه، وقال: لا أجعل في حل من رواه عني، وقال الإمام: لا يحل عد القديم من المذهب، وقال الماوردي في أثناء كتاب الصداق: "غير الشافعي جميع كتبه القديمة في الجديد إلا الصداق، فإنه ضرب على مواضع منه وزاد مواضع، و"الجديد" ما قاله بمصر، وأشهر رواته: البويطي، والمزني، والربيع المرادي، والربيع الجيزي، وحرملة، ويونس بن عبد الأعلى أو عبد الله بن الزبير المكي، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وأبوه، ولم يقع للمصنف التعبير بقوله "وفي قول قديم" ولعله ظن صدور ذلك منه فيه، وإذا كان في المسألة قولان قديم وجديد، فالجديد هو المعمول به إلا في نحو تسع عشرة مسألة أفتى فيها بالقديم، قال بعضهم: وقد تتبع ما أفتى فيه بالقديم فوجد منصوصًا عليه في الجديد أيضًا، وقد نبه في "المجموع" على شيئين:
أحدهما: أن إفتاء الأصحاب بالقديم في بعض المسائل محمول على أن اجتهادهم أداهم إليه؛ لظهور دليله، ولا يلزم من ذلك نسبته إلى الشافعي؛ قال: وحينئذٍ فمن ليس أهلًا للتخريج، تعين عليه العمل والفتوى بالجديد، ومن كان أهلًا للتخريج والاجتهاد في المذهب، يلزمه اتباع ما اقتضاه الدليل في العمل والفتوى، مبينًا أن هذا رأيه وأن مذهب الشافعي، كذا وكذا؛ قال: وهذا كله في قديم لم يعضده حديث لا معارض له، فإن اعتضد بذلك فهو مذهب الشافعي، فقد صح أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي.
الثاني: أن قولهم "إن القديم مرجوع عنه، وليس بمذهب الشافعي محله في قديم نص في الجديد على خلافه، أما قديم لم يتعرض في الجديد لما يوافقه ولا لما يخالفه، فإنه مذهبه، وإذا كان في الجديد قولان فالعمل بما رجحه الشافعي، فإن لم يعلم فبآخرهما، فإن قالهما في وقت واحد ولم يرجح شيئًا - وذلك قليل- أو لم يعلم هل قالهما معًا أو مرتبًا - لزم البحث عن أرجحهما بشرط الأهلية، فإن أشكل توقف فيه كما مر إيضاحه، وحيث أقول: "وقيل كذا" فهو وجه ضعيف والصحيح أو الأصح خلافه، وحيث أقول: "في قول كذا" فالراجح خلافه، ويتبين قوّة الخلاف وضعفه في قوله وحيث أقول المذهب إلى هنا من مدركه أهـ عبارة النهاية وقوله: "إلا في نحو تسع عشرة مسألة. قال العلامة الكردي في "الفوائد المدنية" قد نظمها بعضهم في قوله: [من الرجز]:
مسائل الفتوى بقول الأقدم هي للإمام الشافعي الأعظمِ
لا ينجس الجاري ومنع تباعدٍ والطهرُ لم ينقض بلمس المحرم
واستجمرن بمجاوزٍ عن مخرجٍ للصفحتين ولو تلوث بالدم
والوقت مُد إلى مغيب المغرب ثوب بصبحٍ والعشاء فقدم
لا تأتين في الأخريين بسورةٍ والاقتداء يجوز بعد تحرم
والجهر بالتأمين سُنّ لمقتدٍ والخط بين يدي مُصَلٍّ علم
[ ١ / ٦٧ ]
والظفر يكره أخذه من ميتٍ وكذا الركاز نصابه لم يلزم
ويصح عن ميتٍ صيامُ وليه ويجوز شرط تحللٍ للمحرم
ويجوز إجبار الشريك على البنا وعلى عمارة كل ما لم يقسم
والزوج إن يكن الصداق بيده فضمان يد حكمه في المغرم
والجلد بعد الدبغ يحرم أكله والحد في وطء الرقيق المحرم
أهـ.
قال: وثمة مسائل أخر مذكور على القديم منها، إلى أن قال: ولو تتبعت كلام أئمتنا لزادت المسائل على الثلاثين بكثير، وقد نبه (رحمه الله تعالى) على كل فرد منها أنه مما يفتي فيه بالجديد، وبيَّن أيضًا أن الفتوى بنجاسة الماء الجاري القليل بمجرد ملاقاة النجاسة وإن لم يتغير كالراكد، وأن المذهب اشتراط النصاب في الركاز، وأن المعتمد أنه لا يجوز إجبار شريكه على العمارة في الجديد، وأن الصحيح أن الصداق مضمون ضمان عقد، وأن المدبوغ يحرم أكله عند ابن حجر بلا تفصيل.
وأما الجمال الرملي: "يحل أكل المدبوغ من المذكى ويحرم غيره؛ سواء كان مما لا يؤكل لحمه أو من ميتة المذكى، وأن المعتمد عدم وجوب الحد بوطء أمته المحرم عليه بنسب أو رضاع أو مصاهرة، وهو القول الجديد، وبرهن على ذلك فانظره إن شئت أهـ.
قال في التحفة: وقد يقع للمصنف أنه في بعض كتبه يعبر بالأظهر، وفي بعضها يعبر عن ذلك بالأصح، فإن عرف أن الخلاف أقوال أو أوجه فواضح، والأرجح الدال على أنه أقوال؛ لأن مع قائله زيادة علم بنقله عن الشافعي (رضي الله تعالى عنه) بخلاف نافيه عنه أهـ. وفي المطلب عن فتاوى الأشخر: الصحيح أن الأقوال المخرجة على قواعد المذهب تعد منه، وقول الشربيني: الأصح أن القول المخرّج لا ينسب للشافعي؛ لأنه ربما لو روجع فيه ذكر فارقًا أهـ أي من حيث نسبته إليه، فلا يقال: قال الشافعي مثلًا، أي: وإن كان معدودًا من مذهبه بشرطه كما عن الأشخر وغيره أهـ.
تتمة من "الحق الواضح": المقرر من المعلوم بين الأئمة أن ما يقع لبعضهم بعضًا؛ كقوله: هذا غلط وخطأ، لا يريدون به تنقيصًا ولا بغضًا، بل بيان المقالات الغير المرتضاة، وهذا شأن الأسنوي مع الشيخين، والأذرعي، والبلقيني، وابن العماد وغيرهم في الرد على الأسنوي بإغلاظ وجفاء، ونسبته لما هو برئ منه غالبًا، لكنه لما تجاوز في حق الشيخين قيض له من تجاوز في حقه جزاء وفاقًا، ومع ذلك معاذ الله أن يقصد أحد منهم غير بيان وجه الحق مع بقاء تعظيم بعضهم لبعض، فكذا نحن ومن اعترضنا عليه واعترض علينا مع اعتقاد صلاحهم، وأنهم القدوة للناس في ذلك الإقليم، جزاهم الله خيرًا ونفعنا بهم، وختم لنا ولهم بالحسنى والتوفيق أهـ مختصر فتاوى ابن حجر.
[ ١ / ٦٨ ]
ترجمة الإمام البغوي
اسمه وكنيته ولقبه ونسبه:
هو أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي، ركن الدين الملقب بـ"محيي السنة".
يقول: طاش كبري زاده - في كتابه "مفتاح السعادة": ورأيت في بعض المجامع أنه لقب بـ"محيي السنة"، وسبب ذلك أنه لما صنف "شرح السنة" رأى رسول الله ﷺ وقال له: أحييت سنتي بشرح أحاديثي، فلقب من ذاك اليوم بـ"محيي السنة".
ويلقب - أيضًا - بـ"الفراء"، و"ابن الفراء" نسبة إلى عمل الفراء وبيعها؛ كما يقول ابن خلكان.
والبغوي نسبة إلى "بغ" و"بغشور".
يقول السمعاني: البغوي هذه النسبة إلى بلدة من بلاد خراسان، ومرو، وهراة، يقال لها: "بغ" و"بغشور" دخلتها غير مرة، ونزلت بها وكان بها جماعة من الأئمة والعلماء قديمًا وحديثًا.
وقال ياقوت الحموي: بغشور بُلَيْدَةٌ بين "هراة" و"مرو الروذ"، شربهم من آبار عذبة، وزروعهم ومباطخهم أعذاء، وهي في برية ليس عندهم شجرة واحدة، ويقال لها: "بَغْ" أيضًا رأيتها في سنة ٦١٦ هـ، والخراب فيها ظاهر، وقد نسب إليها خلق كثير من العلماء والأعيان
ويقول النسبة إليها "بَغَويِّ" على غير قياس على أحدهما.
[ ١ / ٦٩ ]
مولده ونشأته ورحلاته وسماعاته:
لم يحدد لنا سنة ولادته سوى صاحب "معجم البلدان" فقد جاء فيه:
ومولده في جمادى الأولى سنة ٤٣٣ هـ.
وقد انتقل من موطن رأسه "بغا" إلى "مرو الروذ" بعد الستين وأربعمائة، حيث كان عمره سبعًا وعشرين عامًا، فأقام بها، وتلقى العلم على شيوخها واتخذها وطنًا ثانيًا له، ولم يغادرها حتى توفي بها.
ويقول السبكي: وسماعاته بعد الستين وأربعمائة، ويقول: ولم يدخل بغداد، ولو دخلها لاتسعت ترجمته وقال: مات في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة بمرو الروذ وبها كانت إقامته، ويقول في موضع آخر: قال شيخنا الذهبي: ولم يحج وأظنه جاوز الثمانين.
فأما رحلاته فتفرد بذكرها ابن تغري بردي من بين المصادر التي ترجمت للبغوي حيث يقول:
رحل إلى البلاد، وسمع الكثير.
ولم يذكر هذه البلاد، والذي ترجمه أنه رحل من بلدة "بغشور" إلى مرو الروذ و"بنج ده"، وهما البلدان الوحيدان اللذان نصت عليهما سائر المصادر، وأن أكثر سماعه للعلم كان في "مرو الروذ".
وكانت نشأته - إضافة لما ذكرنا من رحلته في طلب للعلم- نشأة الزاهد الورع.
يقول ابن خلكان:
ونقلت عنه- أي: المنذري في الفوائد السفرية- أنه ماتت له زوجة، فلم يأخذ من ميراثها شيئًا، وأنه كان يأكل الخبز وحده، فعدل في ذلك، فصار الخبز مع الزيت.
ويقول الذهبي:
وكان لا يلقي الدرس إلا على طهارة، وكان مقتصدًا في لباسه له ثوب خام وعمامة صغيرة.
ويقول أيضًا: وكان من العلماء الربانيين، كان ذا تعبد ونسك وقناعة باليسير.
[ ١ / ٧٠ ]
أسرته:
لم تذكر المصادر التي تحت أيدينا إلا ثلاثة من أفراد أسرته، هم: أبوه، وأخوه، وزوجته.
أما أبوه: فقال عنه الذهبي: وكان أبوه يعمل بالفراء ويبيعها.
وأما أخوه: فقال عنه ياقوت الحموي: وأخوه الحسن، وكان أيضًا من أهل العلم ذكره في "التحبير"- أي: السمعاني - وقال كان ﵀ رقيق القلب، أنشد لرجل: [الوافر]:
ويوم تولت الأظعان عنا وقوَّض حاضرٌ وأرنَّ حادي
مددت إلى الوداع يدي، وأخرى حبستُ بها الحياة على فُؤادي
فتواجد الحسن الفراء، وخلع عليه ثيابه التي عليه سنة ٥٢٩.
وأما زوجته: فقال ابن خلكان: ماتت زوجته فلم يأخذ من ميراثها شيئًا.
مذهبه العقدي والفقهي:
يعدُّ البغوي إمامًا من أئمة أهل السنة والجماعة، ورجلًا من رجالات الحق والهدى، فبعقيدة السلف يؤمن وعلى مذهبهم يسير.
قال الذهبي: (بورك في تصانيفه، ورزق فيها القبول التام؛ لحسن قصده وصدق نيته، وتنافس العلماء في تحصيلها، وكان لا يلقي الدرس إلا على طهارة، وكان مقتصدًا في لباسه، له ثوب خام، وعمامة صغيرة على منهاج السلف حالًا وعقدًا.
ويقول طاش كبرى زاده: وكان متورعًا، ثبتًا، حُجَّة، صحيح العقيدة في الدين.
قال السبكي في تكملة شرح المهذب: قل أن رأيناه يختار شيئًا إلا وإذا بحث عنه وجد أقوى من غيره هذا مع اختصار كلامه، وهو يدل على نبل كبير، وهو حري بذلك؛ فإنه جامع لعلوم القرآن والسنة والفقه.
وتفقه البغوي على مذهب الشافعي حتى صار من أئمته، وله فيه كتاب "التهذيب" الذي يعتبر من الكتب المعتمدة عند الشافعية، وقد بلغ البغوي درجة الاجتهاد؛ كما يصفه بذلك عامة من ترجم له، وتكلم عنه.
[ ١ / ٧١ ]
ثقافته ومكانته العلمية:
جمع البغوي اختصاصات متعددة في فروع العلم والمعرفة؛ كالتفسير، والقراءات، والحديث، والفقه.
يقول التاج السبكي: "فإنه جامع لعلوم القرآن والسنة والفقه﵀".
شُيُوخُ الإِمَامِ البغويِّ
تلمذ الإمام البغوي على كثير من كبار العلماء والفقهاء، الذين كان لهم دورٌ ملحوظ في تكوين شخصيته العلمية، وتوجيه مسارِه الثقافي والمعرفي إلى مرتبة عالية لا تنبغي إلا للإمام الغزالي.
وسنذكر بإيجاز ما استطاعنا الوقوف عليه من تراجم هؤلاء الأئمة:
١ - أحمد بن أبي نصر الكوفاني، أبو بكر، شيخ الزهاد بهراة.
٢ - أحمد بن عبد الرحمن الكتاني، أبو الحسن.
٣ - أحمد بن عبد الرزاق الصالحي.
٤ - أحمد بن عبد الملك بن علي بن أحمد، أبو صالح النيسابوري، الحافظ الثقة، محدث وقته بخراسان، المتوفي سنة (٤٧٠ هـ).
٥ - أحمد بن محمد بن العباس الخطيب الحميدي، أبو سعد.
٦ - أحمد بن محمد الشريحي، أبو سعد.
٧ - إسماعيل بن عبد القاهر.
٨ - حسان بن سعيد، أبو علي، المنيعي المروزي، من أهل مرو الروذ، كان ثريًا سخيًا متواضعًا، عابدًا، توفي سنة (٤٦٣ هـ).
٩ - الحسين بن محمد بن أحمد، وسنفرد بحثًا في ترجمته، بعد الفراغ من ترجمة الإمام البغوي، إن شاء الله.
١٠ - زياد بن محمد الحنفي، أبو الفضل، ويكثر من ذكره في تفسيره "معالم التنزيل".
١١ - سعيد بن إسماعيل الضبي، أبو عثمان.
[ ١ / ٧٢ ]
١٢ - عبد الباقي بن يوسف بن علي بن صالح بن عبد الملك، المراغي، أبو تراب، مفتي نيسابور، الفقيه الشافعي، المتوفي سنة (٤٩٢ هـ).
١٣ - عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن فوران الفوراني المروزي، أبو القاسم، ذكره التاج السبكي (٧٧١ هـ) في "طبقات الشافعية الكبرى" وقال: (كان إمامًا حافظًا للمذهب، شيخ أهل مرو، سمع الحديث وكان كثير النقل، روى عنه البغوي، توفي سنة (٤٦١ هـ).
١٤ - عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن المظفر الداودي، أبو الحسن، البوشنجي، شيخ خراسان.
١٥ - عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك بن طلحة النيسابوري، أبو القاسم القشيري، شيخ خراسان في عصره المتوفي سنة (٤٦٥ هـ).
١٦ - عبد الله بن أحمد الطاهري، أبو سعيد.
١٧ - عبد الله بن عبد الصمد بن أحمد بن موسى الجوزجاني، أبو محمد.
١٨ - عبد الواحد بن أحمد بن أبي القاسم، أبو عمر المليحي الهروي، المحدث، راوي الصحيح عن النعيمي، كان صالحًا، أكثر عنه البغوي، توفي سنة ٤٦٣ هـ.
١٩ - عبد الوهاب بن محمد الخطيب.
٢٠ - عبد الوهاب بن محمد الكسائي.
٢١ - علي بن الحسين بن الحسن، أبو الحسن القرينيني، نسبة إلى ناحية بين مرو الشاهجان، ومرو الروذ.
٢٢ - علي بن يوسف الجويني، أبو الحسن، المعروف بشيخ الحجاز، عمّ إمام الحرمين، المحدّث الصوفي، أملى بخراسان وتوفي سنة (٤٦٣ هـ).
٢٣ - عمر بن عبد العزيز بن أحمد يوسف الفاشاني، المروزي، أبو طاهر، الإمام الفاضل والفقيه البارع، والمتكلم، والأصولي.
٢٤ - محمد بن أحمد التميمي.
٢٥ - محمد بن عبد الرحمن النسوي، أبو عمرو.
٢٦ - محمد بن عبد الصمد الترابي، أبو بكر المروزي، المتوفي سنة ٤٦٣ هـ.
٢٧ - محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أبو بكر.
٢٨ - محمد بن عبد الله بن محمد بن المعلم الطوسي.
٢٩ - محمد بن عبد الملك المظفري السرخسي، أبو منصور.
[ ١ / ٧٣ ]
٣٠ - محمد بن علي بن محمد بن علي بن بويه الزرّاد.
٣١ - محمد بن الفضل بن جعفر الخَرَقي، نسبة إلى خَرَق، قرية من قرى مرو.
٣٢ - محمد بن محمد الشيرزي، أبو الحسن، نسبة إلى شيرز، قرية بسرخس.
٣٣ - محمد بن أبي الهيثم الترابي، أبو بكر المروزي، المتوفي سنة ٤٦٣ هـ.
٣٤ - المطهر بن علي الفارسي.
٣٥ - المظهر بن إسماعيل التميمي، أبو الفرج.
٣٦ - يحيى بن علي الكشمهيني، أبو القاسم.
٣٧ - يعقوب بن أحمد الصيرفي، أبو بكر النيسابوري، المتوفي سنة ٤٦٦ هـ.
تلاميذه:
وهذا مسرد بتلاميذ المصنف:
١ - أسعد بن أحمد بن يوسف بن أحمد بن يوسف، أبو الغنائم البامنجي الخطيب، المتوفي سنة (٥٤٨ هـ)، ذكره التاج السبكي في "طبقات الشافعية".
٢ - الحسن بن محمد بن أبي جعفر البلخي، الشافعي، القاضي أبو المعالي. روى عنه أبو سعد بن السمعاني، وأثنى عليه، وذكر سنة وفاته سنة ٥٤٨ هـ.
٣ - الحسن بن مسعود البغوي، أبو علي، أخو الإمام البغوي، تفقه على أخيه، كما يذكر النووي (٦٧٦ هـ) في طبقات الشافعية.
٤ - عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الحسين، أبو محمد النبهي، ابن أخي الحسين بن عبد الرحمن النبهي، تلميذ القاضي حسين. ذكره ابن العماد في "شذرات الذهب" ٤/ ١٤٨.
٥ - عبد الرحمن بن علي بن أبي العباس النعيمي الموفقي، الفقيه، المناظر، الورع، العابد، أقام عند أبي حامد الغزالي مدة، وعند البغوي مدة، وتوفي سنة (٥٤٢ هـ).
٦ - عبد الرحمن بن عمر الأصفر، أبو نعيم البامنجي.
٧ - عبد الرحمن بن محمد، أبو القاسم بن أبي سعد الفارسي ثم السرخسي، الفقيه، الورع، المتوفي سنة (٥٥٥ هـ).
٨ - عبد الله بن محمد بن المظفر بن علي، أبو محمد المتولي البغوي.
٩ - عمر بن الحسن بن الحسين الرازي، والد الإمام الرازي صاحب "التفسير الكبير"، ذكره طاش كبرى زادة.
[ ١ / ٧٤ ]
١٠ - فضل الله بن محمد النوقاني، نسبة إلى نوقان، قصبة طوس، أبو المكارم، وهو آخر من روى بالإجازة عن البغوي، توفي سنة ستمائة، ذكره الذهبي.
١١ - مثاور بن فزكوه، أبو مقاتل الديلمي اليزدي، عماد الدين الفقيه، الأديب، الشاعر، الزاهد، المتوفي سنة (٥٤٦ هـ) وكان من كبار تلامذة البغوي، كما يذكر التاج السبكي.
١٢ - محمد بن أسعد بن محمد بن الحسين بن القاسم، مجد الدين، أبو منصور المعروف بحَفَدَة العطاري الشافعي، من أهل نيسابور، أصله من طوس، وتفقه بها على الغزالي، كان من أئمة الدين وأعلام الفقهاء، حدّث بكتابي "معالم التنزيل" و"شرح السنة" للبغوي.
١٣ - محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين بن علي بن يعقوب المروزي الزاغولي. الفاضل، الصالح، العارف بالحديث، سافر إلى هراة ونيسابور، وسمع البغويَّ بمرو الروذ.
١٤ - محمد بن داود بن رضوان الإيلاقي، أبو عبد الله، المتوفي سنة (٥٣٩ هـ).
١٥ - محمد بن عمر بن محمد بن محمد الشاشي، أبو عبد الله، الفقيه العابد، حدّث عن البغوي بالأربعين الصغرى له، وتوفي سنة (٥٥٦ هـ).
١٦ - محمد بن محمد بن علي الطائي الهمذاني، أبو الفتوح، الفقيه، المحدث، الأديب، المتوفي سنة (٥٥٥ هـ).
١٧ - محمود بن محمد بن العباس بن أرسلان، أبو محمد العباس، توفي سنة ٥٦٨ هـ، وترك أعقابًا علماء.
١٨ - مسعود بن أحم بن يوسف بن أحمد بن يوسف، أبو الفتح، تفقه بـ"مرو الروذ" على الإمام أبي محمد البغوي، وتوفي سنة نيف وأربع وخمسمائة.
١٩ - ملكدار بن علي بن أبي عمرو العمركي، القزويني، كان من أئمة المذهب الشافعي، توفي سنة (٥٣٥ هـ).
٢٠ - أبو محمد الموفق بن علي بن محمد بن ثابت الثابتي الخرقي الفقيه، توفي سنة ٥٤٠ هـ.
٢١ - العماد التيمي. ذكره طاش كبرى زادة في "مفتاح السعادة" ٢/ ٤١٠.
نتاجه العلمي (تصانيفه):
ترك الإمام البغوي كتبًا متنوعة في التفيسر، والقراءات، والحديث، والفقه، وقد
[ ١ / ٧٥ ]
لاقت كتبه قبول العلماء، وذاع صيتها وانتشرت، وفي ذلك يقول الحافظ الذهبي: بورك له في تصانيفه ورزق فيها القبول التام لحسن قصده، وصدق نيته، وتنافس العلماء في تحصيلها.
وتناوله للعلوم تناول الناقد البصير الفقيه ببواطن الأمور، قال السيوطي: كان إمامًا في التفسير إمامًا في الحديث في الفقه. ومن تصانيفه:
١ - أربعون حديثًا نص عليه الذهبي.
٢ - الأنوار في شمائل النبي المختار أو "آثار الأنوار في شمائل النبي المختار".
٣ - ترجمة الأحكام في الفروع: وهو باللغة الفارسية في الفقه الشافعي.
٤ - تعليق على فتاوى القاضي حسين، وهي عبارة عن مسائل سئل عنها شيخه الإمام أبو علي.
٥ - التهذيب في الفقه وهو كتابنا هذا: وهو كتاب جليل في فقه الشافعي - ﵁- وله مختصران؛ أحدهما للمروزي، والآخر لشهاب الإسكندري.
٦ - الجمع بين الصحيحين.
٧ - شرح "الجامع" للترمذي.
٨ - شرح السنة وله مختصرات كثيرة.
٩ - فتاوي البغوي: وتوجد منه نسخة مخطوطة في المكتبة السليمانية رقم ٦٧٥: ٣.
[ ١ / ٧٦ ]
١٠ - فتاوي المرو الروذي: وهي فتاوي شيخ القاضي حسين. وتوجد منها نسخة في الظاهرية بدمشق رقم ٢٣١١ (٣٧٤ فقه الشافعي).
١١ - الكفاية في الفروع: وهو مختصر في الفقه الشافعي بالأعجمية.
١٢ - الكفاية في القراءة.
١٣ - المدخل إلى مصابيح السنة.
١٤ - مصابيح السنة.
١٥ - معالم التنزيل: وهو تفسير للقرآن متوسط الحجم جامع لأقاويل السلف في تفسير الآي محلى بالأحاديث النبوية الشريفة وهو مطبوع ومتداول بين أهل العلم وله عدة مختصرات.
١٥ - معجم الشيوخ: وهو من قبيل الفهرسة والمشيخة، والبرنامج، وهي كتب درج العلماء على تأليفها، يضمنون فيها أسماء شيوخهم، ومروياتهم من الكتب والأجزاء عنهم.
وفاته:
رحل إمامنا إلى الرفيق الأعلى بعد أن خلف وراءه تراثًا فكريًا ضخمًا ونتاجًا علميًا بارعًا، على أنه من حملة العلم العدول، ودفن عند شيخه القاضي حسين، بمقبرة الطالقان، وقبره مشهور هنالك.
وكانت وفاته - ﵀ - في شوال ستة عشر وخمسمائة "بمرو الروذ".
وذكر المنذري أن وفاته سنة ست عشرة وخمسمائة وهو الراجح والله أعلم.
[ ١ / ٧٧ ]
بين يدي كتاب "التهذيب"
للإمام البغوي
يعدُّ كتاب "التهذيب" للبغوي موسوعة فقهية، ومرجعًا أساسيًا للفقه الإسلامي عامة، ولمذهب الإمام الشافعي﵁- خاصة؛ فهو كتاب معتمد عند الشافعية منه ينقلون، وعليه يعتمدون، ومن تقريره وتحريره وترجيحه يستفيدون، وكيف لا؟ وهو كتاب الإمام المحدث والفقيه المفسر، العلامة الذي جمع بين أشتات العلم، وأجاد في كل فن.
هذا، وبعد تتبع كتاب "التهذيب" للإمام البغوي ﵀ وجدناه يسير على منهج التزمه في كتابه، وهو:
أولًا: يذكر الإمام البغوي في بداية كل باب أو فصل أدلة ما هو بصدد الحديث عنه؛ من آيات قرآنية، أو أحاديث نبوية، ويذكر شرحًا مبسطًا لما كان غريبًا منها ويحتاج إلى توضيح.
ثانيًا: يذكر المسألة الفقهية مع الاختلاف فيها إن وجد، سواء كان بين المذاهب الفقهية أو مذهب الشافعي.
ثالثًا: يذكر الفروع المندرجة تحت تلك المسألة التي ذكرها، ويحررها، ويشرحها شرحًا وافيًا.
رابعًا: الترجيح بين أقوال مذهب الإمام الشافعي﵁- في فرع المسألة التي يذكرها.
خامسًا: التوسع في الفروع الفقهية مع تحرير ما ينقله، ولعل هذا يرجع إلى ما يتصف به أهل خراسان من كثرة التفريع والترتيب؛ كما أشار إلى ذلك النووي؛ حيث قال: "اعلم أن نقل أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي، وقواعد مذهبه، ووجوه متقدمي أصحابنا أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين غالبًا، والخراسانيون أحسن تصرفًا وبحثًا وتفريعًا وترتيبًا غالبًا".
سادسًا: ذكر قولي الشافعي﵁- في مذهبه القديم والجديد.
سابعًا: نقل آراء الصحابة والتابعين في المسألة الفقهية.
ثامنًا: ذكر آراء المذاهب الأخرى؛ كأبي حنيفة، ومالك وأحمد - ﵄- مما يجعل لكتابه مكانًا في الفقه المقارن.
هذا، وقد اختصر كتاب إمامنا الحسين بن محمد الهروي، وسماه: "لباب التهذيب"، ومنه أخذنا كتاب الحج الناقص في الكتاب.
[ ١ / ٧٨ ]
تاسعًا: الحسين بن محمد بن أحمد، شيخ الشافعية بخراسان، أبو علي المَرّوذي، ويقال له أيضًا: المروروذي وهذه النسبة إلى "مرو الروذ"، وهي بلدة على وادي "مرو".
قال ابن السَّمعاني في الأنساب: والوادي بالعجمية يقال له: "الروذ" فركبوا على اسم البلد الذي ماؤُه في هذا الوادي، والبلد اسمًا وقالوا: "مرو الروذ" فتحها الأحنف بن قيس من جهة عبد الله بن عامر، كان بها جماعة من الفضلاء والعلماء قديمًا وحديثًا.
طلبه للعلم وثناء العلماء عليه:
كان الشيخ - ﵀ - عاكفًا على العلوم دراسة وتدريسًا، حتى أصبح من أعلم أهل عصره، وأرفعهم منزلة، وأوسعهم فقهًا، وأشهرهم اسمًا، قال عنه ابن السمعاني: "القاضي أبو محمد الحسين بن محمد بن أحمد المرو الروذي إمام عصره، صار "مرو الروذ" محط العلماء ومقصد الفقهاء بسببه وبعده".
قال السبكي في طبقاته: الإمام الجليل.
أحد رُفَعاء الأصحاب، ومن له الصِّيت في آفاق الأرَضِين، وهو صاحب "التعليقة" المشهورة، وصاحب ذُيول الفخار المرفُوعة المجرُورة، وجالبُ التحقيق إلى سُوق المعاني، حتى يخرج الوجه من صورةٍ إلى صورة، السامي على آفاق السماء، والعالي على مقدار النجم في الليلة الظلماء، والحال فوق فرق الفرقد، وكذا تكون عزائم العلماء، قاضٍ مكمَّل الفضل، فلو يتعرف به النحاة لما قالت في "قاض": إنه منقوص، وبحر علم زَخَرت فوائده فعمت الناس، وتعميمُ الفقهاء بها للخُصوص، وإمام تصطفُّ الأئمة خلفه، كأنهم بُنيان مرصوص.
كان القاضي جبل فقهٍ منيعًا صاعدًا، ورجل علمٍ من يُساجِلْه، يُساجِلْ ماجدًا، وبطل بحث يترك القرن مصفرًا أنامله قائمًا وقاعدًا.
قال عنه النووي في تهذيبه: هو الإمام أبو علي الحسين بن محمد المروذي، من أصحابنا.
أصحاب الوجوه، كبير القدر، مرتفع الشأن، غواص على المعاني الدقيقة، والفروع المستفادة الأنيقة، وهو من أجل أصحاب القفال المروزي، له "التعليق الكبير" وما أجزل فوائده، وأكثر فروعه المستفادة.
[ ١ / ٧٩ ]
قال الإسنوي في طبقاته: قال عبد الغافر: كان فيه خراسان، وكان عصره تاريخًا به.
وقال الرافعي في التدوين: إنه كان كبيرًا، غوّاصًا في الدقائق من الأصحاب الغر الميامين، وكان يلقب بـ"حبر الأمة". قال الرافعي: سمعت سبطه الحسن بن محمد بن الحسين بن محمد بن القاضي الحسين يقول: أتى القاضي﵀- رجل، فقال حلفت بالطلاق أنه ليس أحد في الفقه والعلم مثلك، فأطرق رأسه ساعةً وبكى، ثم قال: هكذا يفعل موت الرجال، لا يقع طلاقك.
وقال الرافعي أيضًا في "التذنيب": إنه كان كبيرًا، غواصًا في الدقائق من الأصحاب الغر الميامين، وكان يلقب بـ"حبر الأمة".
لقبه بـ"القاضي".
قال النووي في "التهذيب": اعلم أنه متى أطلق القاضي في كتب متأخري الخراسانين كـ"النهاية"، و"التتمة"، و"التهذيب"، وكتب الغزالي ونحوها- فالمراد: القاضي حسين، ومتى أطلق القاضي في كتب متوسط العراقيين، فالمراد: القاضي أبو حامد المروروذي، ومتى أطلق في كتب الأصول لأصحابنا، فالمراد القاضي أبو بكر الباقلاني الإمام المالكي في الفروع، ومتى أطلق في كتب المعتزلة، أو كتب أصحابنا الأصوليين حكاية عن المعتزلة، فالمراد به القاضي الجُبَّائي والله أعلم.
قال ابن خلكان: كلما قال إمام الحرمين في كتاب "نهاية المطلب"، والغزالي في "الوسيط" و"البسيط": قال القاضي- فهو المراد بالذكر لا سواه.
قال ابن قاضي شهبة في طبقاته: متى أطلق "القَاضِي" في كتب متأخري المراوزة، فالمراد المذكور.
من الرواية عنه وهي عزيزة
كذا عَنْوَنَ ابن السبكي في "طبقاته"، في معرض الرواية عن القاضي حسين - ﵀- وقال:
[ ١ / ٨٠ ]
أخبرنا محمد بن إسماعيل الحمويّ، قراءةً عليه وأنا أسمع، أخبرنا الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن يوسف بن محمد البَعْليّ، أخبرنا أبو المجد محمد بن الحسين بن أحمد بن الحسين القزويني، أخبرنا الإمام أبو منصور محمد بن أسعد بن محمد، المعروف بـ"حَفَدَةَ العطارِيّ".
ح: وأخبرنا جماعةٌ من مشايخنا، منهم: الحافظان أبو الحجاج المِزِّي، وأبو عبد الله الذهبي، عن أبي الحسن بن البُخاري، عن فضل الله بن محمد النُّوقَانِيّ، قالا: أخبرنا الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي، قال حفدةُ: سماعًا، وقال فضل الله: إجازة، أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أخبرنا أبو القاسم إبراهيم بن محمد بن علي بن الشَّاة، حدثنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد، حَفِيد العباس بن حَمْزة، حدثنا جَدِّي العباس بن حمزة، حدثنا محمد بن مُهاجر، حدثنا أبو معاوية، وعبد الله بن نُمير، وأبو أسامة، قالوا: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة".
(شيوخه):
أما شيوخه فإنهم خير سلف للخلف؛ فهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، ومنجاة من الردى، فبهم اشتهر الدين وبه اشتهروا فأقاموا السنة، وهدموا بفضل الله البدعة، فسعت بذكرهم الركبان، وغشت مناقبهم البلدان، فتهافت الناس عليهم من كل صقع شاسع ومكان، ولا غرو فالعالم النحرير، والألمعي الكبير، قمين أن تقوم له الدنيا فلا تقعد، إلا أن يقعدها بروائع علمه، ومزيد حلمه، ويرحم الله "الإلبيري" لما ذكر العلماء فقال: [السريع]:
إن أولي العلم بهذي الفتن تهيبوها من قديم الزمن
فاستعصموا الله وكان التُقى أوفى لهم فيها من أوفى الجنن
فهم دعاة الله في أرضه حقًا بهم تدفع عنا الفتن
فهنيئًا لعالمنا أن ينتسب إلى هالة النور من كوكبة العلماء هذه، وهي الزاخرة الفاخرة، ذات الشهرة السائرة: [الطويل]:
أولئك آبائي فجئني بمثلهم إذا جمعتنا يا جرير المجامع
ودُونك نظمًا لعقد الأنوار، من كوكبة العلماء الأخيار.
[ ١ / ٨١ ]
الهروي المعروف بـ"العالم"
أبو بشر، أحمد بن محمد بن جعفر، الهروي المعروف بـ"العالم"، سكن بغداد، ودرس عليه أمير المؤمنين "القادر بالله".
ذكره الشيخ في "طبقاته" ولم يزد عليه، وقال التفليسي في "طبقاته": ولد بـ"هراة" سنة ثمان وعشرين وثلثمائة، وسكن بغداد، وروى عنه القاضي الحسين وغيره، وتوفي في شهر ربيع الأول، سنة خمس وثمانين وثلثمائة.
أبو بكر القفال
عبد الله بن أحمد بن عبد الله المروزي، الإمام الجليل، أبو بكر القفال الصغير، شيخ طريقة خراسان، وإنما قيل له: القفال؛ لأنه كان يعمل الأقفال في ابتداء أمره، وبرع في صناعتها حتى صنع قفلًا بآلاته ومُفتاحه وزن أربع حبات، فلما كان ابن ثلاثين سنة، أحس من نفسه ذكاءً، فأقبل على الفقه، فاشتغل به على الشيخ أبي زيد وغيره، وصار إمامًا يقتدي به فيه، وتفقه عليه خلق من أهل خراسان، وسمع الحديث، وحدث وأملى.
قال الفقيه ناصر العمري: لم يكن في زمان أبي بكر القفال أفقه منه، ولا يكون بعده مثله، وكنا نقول: إنه ملك في صورة إنسان.
وقال الحافظ أبو بكر السمعاني في "أماليه": أبو بكر القفال وحيد زمانه فقهًا، وحفظًا، وورعًا، وزهدًا، وله في المذهب من الآثار ما ليس لغيره من أهل عصره، وطريقته المهذبة في مذهب الشافعي التي حملها عنه أصحابه أمتن طريقة، وأكثرها تحقيقًا، رحل إليه الفقهاء من البلاد وتخرج به أئمة، وذكر القاضي الحسين: أن أبا بكر القفال كان في كثير من الأوقات يقع عليه البكاء في الدروس، ثم يرفع رأسه، ويقول: ما أغفلنا عما يراد بنا.
وقال الشيخ أبو محمد: أخرج القفال يده فإذا على ظهر كفه آثار، فقال: هذا من آثار عملي في ابتداء شبيبتي، وكان مصابًا بإحدى عينيه. ومن تصانيفه: "شرح التلخيص" وهو مجلدان، و"شرح الفروع" في مجلدة، وكتاب "الفتاوى" له في مجلدة ضخمة، كثيرة الفائدة. توفي بـ"مِرو" في جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وأربعمائة، وعمره تسعون سنة.
[ ١ / ٨٢ ]
أبو نصر المؤدب
أبو نصر المؤدب، أحد أشياخ القفال، حكى القاضي الحسين في تعليقه عن القفال: أنه سمعه يقول: إن العمل الكثير في الصلاة هو الذي يحتاج إلى اليدين جميعًا؛ كربط السراويل، وتعمم العمامة، والقليل ما لا يحتاجه إليه، ونقل ابن الرفعة ذلك عنه، لا أعرف وقت وفاته وذكرته هنا؛ لأنه من نظراء أبي زيد.
تلاميذه:
فهم خير خلف لنعم السلف؟ إذ بهم تمت المسيرة واستمرت الشريعة منيفة منيرة، فهم كما قال النبي - ﷺ -: "يحمل هذا العلم عن كل سلف عُدُولُهُ ينفون عنه تحريف الغالين، وكلام المبطلين " فكانوا كما قال النبي - ﷺ-، فهنيئًا لهم البشرى، وطاب لهم الخلود في الدار الأخرى وذلك أنه لما طاب عالمنا، تطيبوا؛ كما قالوا: لا يستقيمُ الظل، ما دام العود أعوج، فاستقام العود، فاستقامت فروعه؛ وكما قيل: [الرجز]:
بأبه اقتدى عديٌّ في الكرمْ ومن يُشابه أبهُ فَمَا ظَلَمْ
ودونك نشرًا لأسمائهم وإحصاءً لأعدادهم- جعلنا نحن الله في عدادهم.
أبو سعد المتولي
عبد الرحمن بن مأمون بن علي بن إبراهيم النيسابوري، الشيخ أبو سعد المتولي تفقه بـ"مرو" على الفوراني، بـ"مرو الروذ" على القاضي الحسين، بـ"بخاري" على أبي سهل الأبيوردي؛ وبرع في الفقه، والأصول، والخلاف.
قال الذهبي: وكان فقيهًا محققًا، وحبرًا مدققًا.
وقال ابن كثير: أحد أصحاب الوجوه في المذهب، وصنف التتمة ولم يكمله، وصل فيه إلى القضاء، وأكمله غير واحد ولم يقع شيء من تكملتهم على نسبته.
قال الأذرعي: ونسخ التتمةتختلف كثيرًا، وصنف كتابًا في "أصول الدين"، وكتابًا في "الخلاف"، ومختصرًا في "الفرائض"، ودرس بالنظامية ثم عزل بابن الصباغ، ثم أعيد إليها.
[ ١ / ٨٣ ]
ومولده بـ"نيسابور" سنة ست، وقيل: سبع وعشرين وأربعمائة.
قال ابن خلكان ولم أقف على المعنى الذي به سمي المتولي.
توفي في شوال سنة ثمان وسبعين وأربعمائة ببغداد، ودفن بمقبرة "باب أبرز".
أبو المعالي الجويني
عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن يوسف بن محمد، العلامة إمام الحرمين، ضياء الدين، أبو المعالي بن الشيخ أبي محمد الجويني، رئيس الشافعية بـ"نيسابور"، مولده في المحرم سنة تسع عشرة وأربعمائة، وتفقه على والده، وأتى على جميع مصنفاته، وتوفي أبوه وله عشرون سنة، فأُقْعِد مكانه للتدريس فكان يدرس، ويخرج إلى مدرسة البيهقي، حتى حصَّل أصول الدين وأصول الفقه على أبي القاسم الإسفراييني الإسكاف، وخرج في الفتنة إلى الحجاز، وجاور بـ"مكة" أربع سنين يدرس ويفتي، ويجمع طرق المذهب، ثم رجع إلى نيسابور، وأُقْعِد للتدريس بنظامية نيسابور، واستقام أمور الطلبة، وبقي على ذلك قريبًا من ثلاثين سنة غير مزاحم ولا مدافع، مسلم له المحراب، والمنبر، والتدريس، ومجلس الوعظ، وظهرت تصانيفه، وحضر درسه الأكابر، والجمع العظيم من الطلبة؛ وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو من ثلاثمائة رجل، وتفقه به جماعة من الأئمة.
قال ابن السمعاني: كان إمام الأئمة على الإطلاق، المجمع على إمامته شرقًا وغربًا، لم تر العيون مثله، قال: وقرأت بخط أبي جعفر محمد بن أبي علي الهمذاني، سمعت الشيخ أبا إسحاق الفيروزابادي يقول: تمتعوا بهذا الإمام؛ فإنه نزهة هذا الزمان - يعني أبا المعالي الجويني-، توفي في ربيع الآخر سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، ودفن بداره، ثم نقل بعد سنين فدفن إلى جانب والده، ومن تصانيفه: "النهاية" جمعها بـ"مكة" وحررها بـ"نيسابور"، ومختصرها له ولم يكمله، قال فيه: إنه يقع في الحجم من النهاية أقل من النصف، وفي المعنى أكثر من النصف، وكتاب "الأساليب في الخلاف"، وكتاب "الغياثي" مجلد متوسط، يسلك به غالب مسالك الأحكام السلطانية، والرسالة النظامية، وكتاب "غياث الخلق في اتباع الحق" يحث فيه على الأخذ بمذهب الشافعي دون غيره، وكتاب
[ ١ / ٨٤ ]
"البرهان" في أصول الفقه، و"التلخيص" مختصر التقريب، و"الإرشاد" في أصول الفقه أيضًا، وكتاب "الإرشاد" في أصول الدين، وكتاب "ألشامل" في أصول الدين أيضًا، وكتاب "غنية المسترشدين" في الخلاف.
أبو عبد الله النيهي
الحسن بن عبد الرحمن بن الحسين بن محمد بن عمر بن حفص بن زيد، أبو عبد الله النيهي. والنيهي: منسوب إلى "نِيه"- بنون مكسورة ثم ياء مثناة من تحت ساكنة ثم هاء؛ بلدة صغيرة بين سجستان وإسفرايين. تلميذ القاضي الحسين وأستاذ إبراهيم المروزي.
قال ابن السمعاني: كان إمامًا، فاضلًا، عارفًا بالمذهب، ورعًا، انتشر عنه الأصحاب. نقل الرافعي عنه في أوائل حد القذف فقال: ولو قال: "يا مؤاجر" فليس بصريح في القذف، وعن الشيخ إبراهيم المروزي أنه حكي عن أستاذه النيهي: أنه صريح لاعتياد الناس القذف به.
وكانت وفاته في حدود سنة ثمانين وأربعمائة.
أبو الفضل الأزْجاهي
أبو الفضل: عبد الكريم بن يونس بن محمد، الأزْجَاهي نسبة إلى: "أَزْجاه"- بهمزة مفتوحة، وزاي معجمة ساكنة، بعدها جيم، ثم ألف ثم هاء- قرية من قرى خراسان.
قال ابن السمعاني: كان إمامًا، فاضلًا، متقنًا حافظًا "لمذهب الشافعي"، متصرفًا فيه، ورِعًا، تفقه بـ"نيسابور" على الشيخ أبي محمد، ثم بـ"مرو" على أبي طاهر السنجي بـ"مرو الروذ"، على القاضي الحسين، سمع وأملى، وتوفي سنة ست وثمانين وأربعمائة.
سعد الأستراباذي
أبو محمد: سعْد - بسكون العين- ابن عبد الرحمن الأستراباذي، تفقه بـ"نيسابور"
[ ١ / ٨٥ ]
على ناصر العُمري، وغيره، ثم رحل إلى مرو الروذ، وتفقه على القاضي الحسين، وصار من أخِصَّائه.
توفي في منتصف شوال، سنة تسعين وأربعمائة، أي: بالتاء ثم السين؛ قاله عبد الغافر في "ذيله على تاريخ الحاكم" نقل عنه الرافعي في الباب الثاني: من أركان الطلاق أنَّه إذا قال: لك طلقة، لا يقع به شيء وإن نوى، ونقل عنه أيضًا: قبيل الرجعة بنحو ورقة.
عبد الرزاق المعروف بـ"المَنِيعي"
أبو الفتح: عبد الرزاق بن أبي علي حسّان المروروذي، المعروف بـ"المَنِيعي"- بميم مفتوحة ثم نون مكسورة بعدها ياء بنقطتين من تحت- نسبة إلى جدّه: منيع بن خالد بن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد المخزومي، صاحب رسول الله ﷺ.
رحل المذكور إلى بغداد، وسمع كثيرًا من مشايخها، وتفقه على القاضي الحسين، وعلق عنه تعليقًا، وكان إمامًا وخطيبًا بجامع والده بـ"نيسابور"، ودرّس به، وحدَّث وأملى وصار رئيس نيسابور.
ولد في شهور سنة اثني عشرة وأربعمائة، ومات سنة إحدى وتسعين وأربعمائة.
أبو الفرج السرخسي
عبد الرحمن بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أحمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن زاز بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن زاز بن حميد، الأستاذ أبو الفرج السرخسي.
فقيه مَرْو، المعروف بـ"الزاز"- بزايين معجمتين؛ مولده سنة إحدى، أو اثنتين وثلاثين وأربعمائة، وتفقه على القاضي الحسين.
قال ابن السمعاني في "الذيل": كان أحد أئمة الإسلام، وممن يضرب به المثل في الآفاق في حفظ مذهب الشافعي، رحلت إليه الأئمة من كل جانب، وكان دينًا ورعًا محتاطًا في المأكول والملبوس.
قال: وكان لا يأكل الأرز؛ لأنه يحتاج إلى ماء كثير، وصاحبه قل ألاَّ يظلم غيره. ومن تصانيفه: كتاب "الأمالي"، وقد أكثر الرافعي النقل عنه.
[ ١ / ٨٦ ]
قال الأسنوي في "المهمات": إن غالب نقل الرافعي من ستة تصانيف غير كلام الغزالي المشروح، التهذيب، والنهاية، والتتمة، والشامل، وتجريد ابن كج، وأمالي أبي الفرج السرخسي.
توفي بمرو في ربيع الآخر سنة أربع وتسعين وأربعمائة.
سهل بن أحمد
المعروف بالحاكم، كان إمامًا، فاضلًا، حسن السيرة، تفقه على القاضي الحسين، ثم دخل طوس، فقرأ بها التفسير والأصول، على شهفور الإسفرايني، ثم دخل نيسابور، وقرأ بها علم الكلام على إمام الحرمين، وعاد إلى ناحيته، وولي بها القضاء وروى عنه جماعة، منهم: الحافظ السِّلَفِيُّ، ثم حجَّ، وترك القضاء، واشتغل بالعبادة.
ولد سنة ست وعشرين وأربعمائة، وتوفي أول يوم من المحرم سنة تسع وتسعين وأربعمائة بتاء ثم سين فيهما.
مفتي الحرمين
عبد الرحمن بن محمد بن ثابت الثابتي. الخَرقي المعروف بمفتي الحرمينِ.
والخرقي: منسوب إلى خَرْق بخاء معجمة مفتوحة وراء ساكنة بعدها قاف، وهي: قرية من قرى مَرْو، تفقه أولًا بمرو على الفوراني، ثم بمرو الروذ على القاضي الحسين، ثم ببخاري على أبي سهل الأبيوردي، ثم ببغداد على الشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وسمع الحديث، ثم حج وجاور بمكة سنة، ثم رجع إلى وطنه، وسكن قريته، واشتغل بالهد والفتوى إلى أن مات في ربيع الأول سنة خمس وتسعين وأربعمائة.
ذكره التفليسي.
أبو جعفر السمنجاني
أبو جعفر، محمد بن الحسين السَّمِنْجاني.
[ ١ / ٨٧ ]
تفقه ببخاري على أبي سهل الأبيوردي، وبمروِ الروذ على القاضي الحسين، وأملى ببلخ، ومات بها سنة أربع وخمسمائة، قاله ابن السمعاني.
أبو محمد البغوي
الحسين بن مسعود بن محمد، العلامة، محيي السنة أبو محمد البغوي، ويعرف بابن الفراء تارةً وبالفراء أخرى.
أحد الأئمة، تفقه على القاضي الحسين. وكان دينًا، عالمًا، عاملًا على طريقة السلف، وكان لا يلقي الدرس إلا على طهارة، وكان قانعًا باليسير، يأكل الخبز وحده، فعدل في ذلك، فصار يأكله بالزيت، قال الذهبي: كان إمامًا في التفسير، إمامًا في الحديث، إمامًا في الفقه، بُورِك له في تصانيفه ورزق القبول؛ لحسن قصده وصدق نيته.
وقال السبكي في "تكملة شرح المهذب" قل أن رأيناه يختار شيئًا إلا وإذا بحث عنه إلا وجد أقوى من غيره، هذا مع اختصار كلامه، وهو يدل على نبل كبير، وهو حريٌّ بذلك؛ فإنه جامع لعلوم القرآن والسنة والفقه.
توفي بمرو الروذ في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة، ودفن عند شيخه. قال الذهبي: ولم يحج، قال: وأظنه جاوز الثمانين، والبغوي منسوبٌ إلى بَغَا بفتح الباء، قرية بين هراة ومرو، وسن تصانيفه "التهذيب" لخصه من تعليق شيخه، وهو تصنيف متين محرَّر عارٍ عن الأدلة غالبًا، و"شرح المختصر" وهو كتاب نفيس، أكثر الأذرعي من النقل عنه، ولم يقف عليه الأسنوي، و"الفتاوى"، و"كتاب شرح السنة"، و"معالم التنزيل في التفسير"، و"المصابيح"، و"الجمع بين الصحيحين"، وغير ذلك.
العجلي
أبو سعد: عثمان بن علي بن شراف العجلي- بفتح العين والجيم-، البنجديهي.
قال ابن السمعاني: كان إمامًا ورعًا، زاهدًا، لا يمكن أحدًا من الغيبة في مجلسه.
تفقه بالقاضي الحسين، وسمع منه ومن غيره، ولد سنة خمس وثلاثين وأربعمائة،
[ ١ / ٨٨ ]
وتوفي ببلده بنجديه، في شعبان سنة ست وعشرين وخمسمائة.
مصنفاته:
فهي مصنفات عرف فضلها الأكابر، وكفر نورها المكابر، ورغم أنفه فميسم العلاء يطوقها، ويد الأكابر تقرظها، وثناؤهم يلهج بفضلها وعلمها.
فقد بذل فيها مؤلفها جهده، ونمقها بعقله قبل يده. فاقتصد ولم يسرف، وأبدع فيها وأطْرَف، وأبان المبهم وعرَّف، وهي:
١ - شرح تلخيص ابن القاص - لم يكمله -.
٢ - أسرار الفقه.
٣ - فتاوى القاضي حسين.
٤ - شرح على فروع ابن الحداد.
٥ - التعليق الكبير، كذا ذكره المؤرخون.
٦ - طريقة الخلاف، وقد قام بتحقيقه الدكتور: محمد النجيمي.
قال النووي في التهذيب: له "التعليق الكبير" وما أجزل فوائده، وأكثر فروعه المستفادة، ولكن تقع في نسقه اختلاف، وكذلك في تعليق الشيخ أبي حامد.
وقد تعقبه الإسنوي في "طبقاته" فقال: "وللقاضي في الحقيقة تعليقان، يمتاز كل واحد منهما على الآخر بزوائد كثيرة، وسببه: اختلاف المعلّقين عنه؛ ولهذا نقل ابن خلكان في ترجمة أبي الفتح الأرغياني: أن القاضي قال في حقه: ما علق أحد طريقتي مثله، وقد وقع لي "التعليقان" بحمد الله - تعالى-.
وفاته:
تُوفي القاضي حسين بـ"مرو الروذ" في المحرم سنة اثنتين وستين وأربعمائة.
ومن شعره: [الطويل]:
إذا ما رماك الدهر يومًا بنكبةٍ فأوسع لها صدرًا وأحسن لها صبرا
فإن إله العالمين بفضله سيعقب بعد العسر من فضله يسرا
[ ١ / ٨٩ ]
وصف نسخ كتاب "التهذيب"
للإمام: البغوي
النسخة الأولى: المحفوظة بدار الكتب المصرية، تحت رقم (٤٨٨) فقه. ومسطرتها (٢١) سطرًا، ويتكون من:
الجزء الأول: وهو في ثلاثة أجزاء في مجلد واحد من أول الكتاب إلى كتاب الاعتكاف.
والجزء الخامس: من أول كتاب القراض إلى نهاية كتاب البيوع.
والجزء السادس: من أول كتاب النكاح إلى كتاب القصاص.
والجزء الثامن: من أول كتاب القصاص إلى كتاب أهل البغي.
والجزء التاسع: من أول كتاب أهل البغي إلى كتاب الضحايا.
والجزء الحادي عشر: من أول كتاب الضحايا إلى كتاب أدب القاضي.
والجزء العاشر: من أول كتاب أدب القاضي وينتهي بآخر الكتاب.
وقد رمزنا لها بالرمز: (د).
النسخة الثانية: المحفوظة بالمكتبة الأزهرية العامرة تحت رقم [(٤٣) ٩١٤]، والموجود منها:
الجزء الأول: (٢١٠) ورقة، وبأوراقه تلويث، ومسطرته (٢١) سطرًا ويبدأ بأول الكتاب إلى باب صدقة الخلطاء.
وقد رمزنا لها بالرمز: (ز).
[ ١ / ٩٠ ]
النسخة الثالثة: بمعهد المخطوطات العربية المصورة عن مكتبة أحمد الثالث، وتتكون من:
الجزء الثاني: المحفوظ تحت رقم (١٠٥) فقه شافعي، من أول كتاب البيوع إلى كتاب النكاح.
الجزء الثالث: المحفوظ تحت رقم (١٠٧) فقه شافعي، من أول كتاب النكاح إلى كتاب القصاص.
الجزء الرابع: المحفوظ تحت رقم (١٠٦) فقه شافعي من أول كتاب القصاص حتى آخر الكتاب.
وقد رمزنا لها بالرمز: (أ).
النسخة الرابعة: المحفوظة بمكتبة الأسد تحت رقم (٢٢٢٩). وعدد أوراقها (٣٦١) ورقة، ومسطرتها (٢١) سطرًا وتحتوي على:
جزء من: كتاب القصاص إلى آخر الكتاب وجزء آخر تحت رقم (٢٢٢٣٠) وعدد أوراقه ٣١٩ من أول كتاب البيوع إلى كتاب القصاص ونسب هذا الجزء الأخير في فهرس الظاهرية لأحمد بن محمد بن النقيب، ووجد على المخطوط عبارة "لعل هذا الكتاب جزء من أجزاء كتاب تهذيب القفال المتوفي سنة (٤١٧).
وبعد مقابلة هذا الجزء بنسخة دار الكتب، وأحمد الثالث تبين أنه بنفس النص، وكذلك هو بنفس المنهج الذي سلكه البغوي في كتابه، لذلك اعتمدنا عليها كنسخة لكتاب "التهذيب" للبغوي.
وقد رمزنا لهذه النسخة بالرمز: (ظ).
[ ١ / ٩١ ]