فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَوْجِيهِ الْأَقَاوِيلِ الثَّلَاثَةِ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ حِينِ عَوْدِهِ فِي ظِهَارِهِ إِلَى وَقْتِ تَكْفِيرِهِ مِنْ سِتَّةِ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا بِالْعِتْقِ فِي أَحْوَالِهِ كُلِّهَا فَفَرْضُهُ الْعِتْقُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا
وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا بِالْعِتْقِ فِي أَحْوَالِهِ كُلِّهَا فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا فِي كُلِّ الْبِلَادِ فَفَرْضُهُ الصَّوْمُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا، لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِهِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا فِي بَلَدِ تَكْفِيرِهِ مُوسِرًا فِي غَيْرِهِ فَالْكَفَّارَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ بِالْيَسَارِ وَالْإِعْسَارِ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا كَانَ مَحَلُّهُ مُعَيَّنًا مِثْلَ كَفَّارَةِ التَّمَتُّعِ بِالْحَجِّ فَإِذَا كَانَ مُعْسِرًا بِمَكَّةَ مُوسِرًا فِي غَيْرِهَا أُجْرِيَ عَلَيْهِ حُكْمُ المعسر في جواز صوم اعْتِبَارًا بِمَكَانِهِ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا كَانَ مَحَلُّهُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ وَلَا يَلْحَقُهُ بِتَأْخِيرِهِ ضَرَرٌ مِثْلُ كَفَّارَةِ الْقَتْلِ وَالْحِنْثِ
[ ١٠ / ٥٠٧ ]
فَيَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُوسِرِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكَفِّرَ بِالصَّوْمِ وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْعِتْقِ فِي مَوْضِعِهِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَلَيْسَ فِي تَأْخِيرِهِ حَرَجٌ وَلَا ضَرَرٌ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَجُوزَ تَأْخِيرُهُ لَكِنْ يَلْحَقُهُ فِيهِ ضَرَرٌ مِثْلُ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ قَدْ يَلْحَقُهُ فِي تَأْخِيرِهَا ضَرَرٌ وَإِنْ جَازَ لِمَا عَلَيْهِ مِنِ اجْتِنَابِ الْوَطْءِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: -
أَحَدُهُمَا: يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُوسِرِ فِي التَّكْفِيرِ بِالْعِتْقِ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَيْهِ إِذَا وَصَلَ إِلَيْهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُعْسِرِ فِي التَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنَ الضَّرَرِ فِي تأخير التكفير.
والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا عِنْدَ الْعَوْدِ مُعْسِرًا عِنْدَ الْأَدَاءِ. فَإِنْ قِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِوَقْتِ الْوُجُوبِ أو بأغلط الْأَحْوَالِ فَفَرْضُهُ الْعِتْقُ.
وَإِنْ قِيلَ: الِاعْتِبَارُ بِوَقْتِ الْأَدَاءِ فَفَرْضُهُ الصَّوْمُ وَإِنْ أَعْتَقَ أَجْزَأَهُ لِأَنَّ العتق أغلظ من التكفير بالصوم.
والحالة الرَّابِعَةُ: أَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا وَقْتَ الْعَوْدِ مُوسِرًا عِنْدَ التَّكْفِيرِ فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الِاعْتِبَارَ بِوَقْتِ الْأَدَاءِ أَوْ بِأَغْلَظِ الْأَحْوَالِ فَفَرْضُهُ الْعِتْقُ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الِاعْتِبَارَ بِوَقْتِ الْوُجُوبِ فَفَرْضُهُ الصَّوْمُ.
والحالة الْخَامِسَةُ: أَنْ يَكُونَ مُوسِرًا فِي الطَّرَفَيْنِ وَقْتَ الْوُجُوبِ وَعِنْدَ التَّكْفِيرِ وَمُعْسِرًا فِي الْوَسَطِ فَفَرْضُهُ عَلَى الْأَقَاوِيلِ كُلِّهَا الْعِتْقُ لِأَنَّهُ وَقْتَ الْوُجُوبِ موسرًا وعند الأداء موسر وأغلظ الأحوال اليسار.
والحالة السَّادِسَةُ: أَنْ يَكُونَ مُعْسِرًا فِي الطَّرَفَيْنِ مُوسِرًا فِي الْوَسَطِ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الِاعْتِبَارَ بِوَقْتِ الْوُجُوبِ أَوْ بِوَقْتِ الْأَدَاءِ فَفَرْضُهُ الصَّوْمُ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ الِاعْتِبَارَ بِأَغْلَظِ الْأَحْوَالِ فَفَرْضُهُ الْعِتْقُ لِأَنَّهُ أَغْلَظُ أَحْوَالِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.