إذا كان للقتيل ابنانِ، فحلَف أحدهما، وماتَ الآخر، قبل أن يحْلِف عن ابْنَيْنِ. فحلف أحدهما حصَّته، وهي ثلاث عشرة يمينًا، ونَكَلَ الآخر، فيوزَّع الربع الذي نَكَلَ عنه على أخيه وعمه على حساب ما يأخذان من الدِّية، فيخص الأخَ أربعةٌ وسدُسٌ يُضَمُّ ذلك إلى حصَّته في الأصْل، وهي اثنتا عشْرة ونصْفْ، تبلغ سِتَّ عشرة وثلثَيْن، فتُكَمَّل، وقد حلَف ثلاثَ عشْرةَ يمينًا، فيحلِف الآن أربعًا أخرَى، ويخص العمَّ ثمانيةٌ وثلثٌ، فيحلف تسعًا، ويُكمَّل له أربع وثلاثون.
قال الغَزَالِيُّ: هَذَا كُلُّهُ فِي يَمِينِ المُدَّعِي، أَمَّا سائِرَ الأَيمانِ فِي الدَّمِ كَيَمِينِ المُدَّعَى عَلَيْهِ واليَمِينِ مَعَ الشَّاهِد فَفِي تَعَدُّدِهِ خَمْسِينَ قَوْلاَنِ، وَيَجْرَيَانِ فِي الأَطْرَافِ مَعَ أَنَّ القَسَامَةَ لا تَجْرِي فِيهَا، فَإنْ قُلْنَا: يتَعَدَّدُ فِي الطَّرَفِ فَلَوْ نَقَصَ فَفِي التَّوزِيعَ قَوْلاَنِ، وَلَوْ ادَّعَى عَلَى اثْنَيْنِ أَنَّهُمَا قَتَلا فَفِي التَّوْزِيعَ عَلَيْهُما قَوْلاَنِ كَمَا فِي الوَارِثِينَ، وَلَوْ كَانَ مَعَهُ شَاهِدٌ وَاحِدٌ وَقُلْنَا يَتَّحِدُ اليَمِينُ مَعَ الشَّاهِدِ فَإنْ شَهِدَ عَلَى اللَّوْثِ حَلَفَ مَعَهُ خَمْسِينَ يَمِينًا، وَإِنْ شَهِدَ عَلَى القَتْلِ حَلَفَ مَعَهُ وَاحِدَةٌ.
قَالَ الرَّافِعِيُّ: جميعُ ما ذكرناه في أيمان القسامة من جنبة المدَّعِي، أما إذا ادَّعَى القتل في غيْرِ محلِّ اللوْث، وتوجَّهَتِ اليمين على المدَّعَى عليه، فهل تُغلَّظ عليه بالعَدد؟ فيه قولان:
أحدُهما، وبه قال أبو حنيفة: لا، لأنها يمينٌ في جنبة المدعَى عليه، فلا تغليظ بالعَدَد، كاليمين في سائر الدعاوَى.
[ ١١ / ٣٥ ]
وأصحُّهما: نعم؛ لأنها يمين في دعوى الدَّمِ، فأشبهت يمين المدَّعَي، وقد بني الخلاف على أن التعدُّد في يمين المدعي سببه ماذا؟ قيل سببه أن تصديق المدَّعِي خلافَ القياس الظاهر، فأكد (١) بالعدَد في اليمين.
وقيل: سببه حرمة الدمِ وتفخيم شأنه، فعلى الأول: لا تعدد في يمين المدعَى عليه، وعلى الثاني: يتعدد، وإذا نَكَل المدعَى عليه، فيرد على المدعَي ما توجه على المدعَى عليه، على اختلاف القولَيْن.
ويجري الخلافُ في يمين المدعي مع الشاهد الواحِدِ، وإذا كانت الدعوَى في محلِّ اللوث، ونَكَل المدعِي عن أيمان القَسامة، فهلْ تُغلَّظ اليمينُ على المدَّعَى عليه بالعَدَد؟ فيه طريقان:
أحدهما: أنه على القولَيْن المذكورَيْن فيما إذا لم يكن هناك لَوْث؛ لأن نكوله يُبْطِل اللوث، فكأنه لا لَوْث.
وأصحُّهما: القَطْع بالتغليظ؛ لمَا رُوِيَ أنَّه -ﷺ- قال في قصَّة قتيل خَيْبَر"فَتُبْرِئَكُمُ اليَهُودُ بخمسين يمينًا" جعل أيمان المدعَى عليهم بعَدَد أيمان المدَّعِين، وإذا قلنا بالتعدُّد، فلو كانت الدعْوَى على جماعة، إما في محلِّ اللوث أو من غير لوث فتُقَسَّط اليمين عليهم أو يَحْلِف كلُّ واحد منهم خمسين يمينًا؟ فيه قولان:
أحدهما: [أنها] تُقسَّط؛ لأن النبيَّ -ﷺ- لم يجْعل على اليهود إلاَّ خَمْسين يمينًا؛ وعلى هذا، فالتوزيع على عدد رؤوسهم؛ لأن الشركاء في القتل لا يتفاوتون في الدية، بخلاف ما في طَرَف المدَّعِين، حيث قلْنا: بالتوزيع على مقادير الإرث؛ لأنهم يثبتون الحق للقتيل نيابةٌ عنه، فيُنْظر إلى قدْر النيابة.
والثاني: أن كلَّ واحدٍ منهم يحْلِف خمسين يمينًا، كما كان يحلِفُ الواحدُ خمسين؛ اعتبارًا باليمين الواحدة، والقوْلان كالقولَيْن، فيما إذا تعدَّد ورثة القتيل تُوزَّع عليهم أيمانُ القسامة أم يَحْلِف كلُّ واحد منهم خمْسين، لكن أصحُّ القولَيْن ههنا على ما ذَكَره الأكثرون، منهم الشيخُ أبو حامد وأصحابُه "وصاحب المهذب" والقاضي الرويانيُّ: أنه يحلِف كل واحد منْهم خمسين يمينًا.
والأصحُّ، فيما إذا تعدَّد المُدَّعون: التوزيع عليهم، وفَرَقوا بأنَّ كل واحدٍ من المدعَى عليهم يبقى عن نفسه القتْل، كما ينفيه الواحدُ، لو انفرد، وإذا تعدَّد المدعون،
_________________
(١) في ز: القياس فأكدوا.
[ ١١ / ٣٦ ]
لا يثبت كلُّ واحد لنفسه ما يثبته الواحد لو انفرد؛ لأنَّ الواحد يُثْبت كل الدية وكلُّ واحد عند الاجتماع يُثْبِت بعضَها، فيحلِف بحَسَب ما يثبته، وسَوَّى في "التهذيب" بين الطَرَفَيْنِ، وجعَل الأصحَّ ههنا التوزيعَ أيضًا، وإذا قلنا بالتوزيع، فلو كانت الدعوَى على اثنين؛ أحدُهما حاضرٌ، والآخرُ غائبٌ، حلف الحاضرُ خمسين يمينًا، فإذا حضَر الغائبُ، وأنكر، حلَفَه خمسًا وعشرين، وإن كانا حاضرَيْن، فنكل أحدُهما، حلَف الآخر خمسين؛ لأن البراءة عن الدم لا تحصل بما دونها على قوْلِ التعدُّد، ويحْلِف المُدَّعي على الناكل خمسين، وإذا نَكَل المدَّعَى عليه عن اليمين، والمدَّعون جماعةٌ، وقلْنا بالتعدد، فتوزع الأيمان عليهم على قَدْر مواريثهم أو يَحْلِف كلُّ واحد خمسين؟ فيه القولان السابقان.
هذا حُكْم الأيمان في دعْوَى النفس، فأما إذا كانتِ الدعوَى في الأطراف والجراحات؛ فقد مرَّ أنه لا يجْرِي فيها القَسامةُ، وأنه لا اعتبار فيها باللَّوْث، ولكن يحلف المدَّعَى عليه، وهل يتعدَّد اليمين؟ ينبني (١) ذلك على أن يمين المدَّعَى عليه في دعْوى النفْس هل تتعدَّد؟ إن قلنا: لا فههنا أولَى، وإن قلْنا: نعم، فقولان، ويُقَال وجهان:
أحدهما: لا تتعدد أيضًا، كما في سائر الدعاوَى والتغليظ (٢) هناك من خاصيَّة النفْسِ؛ لِعِظَم خطَرِها.
والثاني: يستويان في هذا التغْليظ كما يستويان في القصاص، وفي تغليظ الدية، وهَذَا أشبهُ بأن يُرجَّح.
وذكر ابن الصبَّاغ: أن هذا الخلاف فيما إذا كانتِ الدعوَى في العمد المحض، أما إذا كانَتْ في الخطأ وشبْه العمْد، فتتحد اليمين بلا خِلاَف؛ لأن الواجبَ المَالُ غيْرِ، والأكثرون لم يَفْرِقوا بين العمْد وغيره، كما في النفْس، وإذا قلْنا: بالتعدد فذلك فيما إذا كان الواجبْ فيما يدعيه مثلَ به بدل النفس، فأما إذا كان الواجبُ دون بدَلِ النفس مقدَّرًا كما كان (٣) في اليد الواحدة، أو حكومة؟ فقولان:
أصحُّهما: على ما ذكر المتولِّي وغيره: أنه يُحَلَّفُ المدَّعَى عليه خمسين يمينًا أيضًا، كما أن في سائر الدعاوَى لا يختلف الحالُ بكثرة المدَّعي وقلته.
والثاني: أنه يحْلِف بالقسْط، وتوزَّع الأيمانُ على الأبدال، ففي اليد الواحدةِ
_________________
(١) في ز: خفى.
(٢) في ز: والغليظ.
(٣) في ز: كان كما.
[ ١١ / ٣٧ ]
يَحْلِف خمسًا وعشرين، وفي الموضحة ثلاثة أيمان، توزع الأيمان على عدَد الإبل، ويجبر ما انكسر منْها، ولو زاد الواجبُ على بدل النفس فهل يزادُ في مقدار الدية بزيادة مقدار الأروش، وطردَ الإمامُ الخلافَ فيه، وقربه من الخلاف في أن مدة الضرْب على العاقلة، هل تزاد على ثلاثِ سنين، إذا زادَتِ الأروش؟ قال: ولا يبعُد إجراء الخلافِ المذكُور في أن دِيَة النفُوس الناقصةِ تُضْرب في ثلاث سنين أو تنقص المدة، بحَسَب نقصان الدية، وفي أن يمين المدعَى عليه، هل يَنْقُص عن خمسين في النفوس الناقصة، والأشبه تعظيمُ النُّفُوس فيما يتعلَّق بالأيمان، والتسوية بين الكاملة منها والناقصة، وإذا كانت الدعوى في الطَّرَف على جماعة، فَيَحْلِف كلُّ واحد منْهم بقَدْر ما يحْلِف الواحدُ لو انفرد، أو توزع عليهم على عدد رؤوسهم؟ فيه قولان، كما قدَّمنا، ويتولَّد من الخلاف في الأصُول المذْكورة فيما إذا ادَّعَى على رجُلٍ أنه قَطَع إحدَى يدَيْه أو إحدَى يدَىْ أبيه ثلاثة أقوال:
أحدُها: أن المدَّعَى عليه يَحْلِف يمينًا واحدةً وهذا هو القول الذاهبِ إلى أنه لا تعدُّد في يمين الطَّرَّف.
والثاني: يحْلِف خمسين يمينًا، وهو القولُ الذاهب إلى التعدُّد، والقول بأن الأيمان لا تتوزَّع على الأبدال.
والثالث: يحْلِف خمسًا وعشرين وهو مبنيٌّ على التعدُّد [والتوزيع] (١)، وفيما إذا ادَّعَى على رجلَيْن قطْعَ يده أربعةُ أقوالٍ:
يحلف كلُّ واحد يمينًا واحدةً، بناءً على أن يمين الطرف لا تتعدَّد، [ويحلف كلُّ واحد خمسين، بناءً على التعدُّد] (٢) وعلى التوزيع على الأشخاص دون الأبدال، يَحْلِف كلُّ واحد خمسًا وعشرين، وعلى التوزيع عَلَى الأشخاص والأبدال، يَحْلِف كل واحدٍ ثلاث عشرة يمينًا؛ بناء على التعدُّد والتوزع على الأشخاص والأبدال جميعًا، وفيما إذا ادعَى على ثلاثةٍ قطْعَ يديه خمسةُ أقوالٍ؛ يحلف كل واحد [منهم] (٣) يمينًا واحدةً، يحلف كل واحد خمسين، يحلِفُ كلُّ واحد خمسًا وعشرين؛ بناءً على التوزيع على الأبدال دون الأشخاص، يَحْلِفُ كلُّ واحد سبع وعشرة؛ بناءً على التوزيع على الأشخاص دون الأبدال، يحلِفُ كل واحد تسعًا توزيعًا عليهما جميعًا، ومهما نكَلَ المدَّعَى عليه عن اليمين المفروضَةِ عليْه، ردَّت على المدَّعي، ويحْلِف بقَدْر ما كان يحلِفُ المدعَى عليه، وإن تعدَّد المدَّعون، فيوزَّع أو يحْلِف كلُّ واحدٍ منهم مثل ما
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) سقط في ز.
(٣) سقط في ز.
[ ١١ / ٣٨ ]
يَحْلِف المنْفَرِد؟ فيه القولان السابقان، والتوزيع عليْهِم يكونُ بقدْر المواريث كما مرَّ.
بقيتْ مسألة في الفصْل، وهي ما إذا كان مع المدَّعي شاهدٌ واحدٌ، وأراد أن يتحد يحْلِف معه، فإن قلْنا: اليمين مع الشاهدَيْن في دعْوَى الدم، قال في الكتاب: "فإن شهدَ على اللَّوْث، حلَف معه خمسين يمينًا، وإن شهد على القَتْل، حلَف معه [يمينًا] (١) واحدة"، ولك أن تقُولَ: قد يُشْعر الطرف الأول بالاكتفاء في اللَّوْث بشَاهِدٍ واحدٍ، وما ينْبَغي أن يَكْتَفِي به القاضِي، فإنَّ قوْل الواحدِ لا يصلُح مثبتًا، وما لم يثبت اللَّوْث عنْد القاضي، لا يُمْكنه البدايةُ بتحْليف المدَّعِي، فكان المعنى إتيانَ الشاهِدِ بما يفيد اللوْث بأنْ أخبر عن القتل، ولم يأتِ بصيغة الشهادة، ولم يحافِظْ على شروطها، ولم يأتِ بما هو سبيلُ الشهادة، ولكنْ لفْظُه في "الوسيط" تعبيرًا عن هذا الطَّرَف، وإن جاء بصيغة الإخْبار أو شهِد على اللَّوْث، فيحلف معه خمسين يمينًا، وهذا يَصُدُّ عن التأويل المذْكُور.
وأما الطَّرَف الثاني، فإذا حافَظَ الشاهدُ على شروط (٢) الشهادة، وأتى بصيغتها، فيحْلِف المدَّعِي معه يمينًا واحدةً.
قال الإِمام: ويثبت المال، إن كان القتْل خطأً، وإنْ كان المدَّعِي قتلًا عمدًا، فلا يثبت القصاص، وإن قلْنا: يتعلق القصاص بأيمان القسامة، وفي ثبوت المالِ خلافٌ، سيأتي إن شاء الله تعالى نظيرُه، وأما إذا قلْنا في دعوى الدم: تتعدَّد اليمين مع الشاهد فلا بد من خمسين يمينًا بكل حال، وقوله [في الكتاب] (٣) "ففي تعدَّده خمسين قولان" يجوز أن يُعْلَم لفْظ "القولين" بالواو؛ لأن في "جمع الجوامع" للقاضي الرويانيِّ حكايةُ طريقةٍ قاطعةٍ؛ بأن يمين المدعَى عليه، إذا لم يكن لَوْث يتعدَّد، وكذا قوله "ويجريان في الأطراف"؛ لأنه يخرج مما ذكرنا في ترتيب الطَّرَف على النفْس طريقةٌ قاطعة بأن أيمان الأطْراف لا تتعدَّد، وكذا قوله "مع أن القَسَامة لا تَجْرِي فيها" لوجه ذَكَرْناه من قبل.
وقوله "فلو نقص، ففي التوزيع قولان" أي نقَص أرْش الطَّرَف عن قدْر الدية [والله أعلم].
قال الغَزَالِيُّ: الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ القَسَامَةِ وَلا يُنَاطُ بِهَا القِصَاصُ عَلَى الجَدِيد، بَل الدِّيَةُ مِنَ الجَانِي إنْ حَلَفَ عَلَى العَمْدِ، وَمِنَ العَاقِلَةِ إنْ حَلَفَ عَلَى الخَطَأِ، وَإِنْ نَكَلَ عَنِ القَسَامَةِ وَنَكَلَ المُدَّعَى عَلَيْهِ عَنِ اليَمِينِ فَفِي تَمْكِينِهِ مِنَ اليَمِينِ المَرْدُودَةِ قَوْلاَنِ، وَكَذَا إِذَا نَكَلَ عَنِ اليَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ وَعَادَ إِلَى اليَمِينِ المَرْدُودَةِ.
_________________
(١) سقط في ز.
(٢) في ز: شرط.
(٣) سقط في ز.
[ ١١ / ٣٩ ]
قَالَ الرَّافِعِيُّ: في الفصْلِ مسألتان:
إحْدَاها: إذا أقْسَمَ المُدَّعِي في مَحَلِّ اللوْثِ نُظِرَ؛ إن ادَّعَى قتْل خطأ أو شبه عمْدِ، وجبَتِ الديةُ على عاقلةِ المُقْسَم عليه مخففَّةً في الخَطأ ومغلَّظة في شِبْه (١) العمد، ولو كان [المدَّعِي] (٢) قَتْلًا عمدًا والمدَّعَى عليه ممن يَقْتُل بذلك القَتِيلِ، فهل يُنَاطُ بالقسامة القصاصُ؟ فيه قولان: رواية أبي ثوْرٍ عن القديم، [نعم] (٣) وبه قال مالك وأحمد، لما رُوِيَ أنه -ﷺ- قال: "تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ قَاتِلِكُمْ"
ويُرْوَى: "يُحْلِف خَمُسونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَيُدْفَعُ إِلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ".
وأيضًا، فإنها يمين مشروعةٌ في جنبة المدَّعي، فيتعلق بها القصاصُ كاليمين المردُودة. وأيضًا، فإنها تثبت العمد المحْض، فثبّت القصاصَ كالبينة.
وأيضًا، فإنا نرجم المرأة بلِعانِ الزَّوْج، فلا يبعد أن نقتصَّ بقسامة المدَّعي.
والجديد الصحيح (٤): المنع؛ لما رَوِي أنَّه -ﷺ- قال: "إِمَّا أنْ تَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ تَأْذَنُوا بِحَرْبٍ [مِنَ اللهِ وَرَسُولِه] " (٥) ولم يتعرَّض للقصاص.
وأيضًا، فإن القَسَامة حجَّةٌ ضعيفةٌ، لا يثبت بها النكاحُ، فلا يثبت القصاص، كالشاهد واليمين، وليستِ القسامةُ كاليمين المردودَةِ، ولا كلعانِ الزَّوْج.
أما اليمينُ المردُودةُ، فَلأَنَّ نكولَ المدعَى عليه يقوِّي شأنها، ولهذا جُعِلَتْ كالبينة أو كالإقرار وأما اللعان، فلأَنَّ المرأة متمكنة من الدَّفْع بلعانها، ولو أَنَطْنَا القِصاصَ بالقَسامة، لم يتمكَّن المدعَى عليه من الدفع بيمينه، فإن قلْنا بالجديد، فيجب بها الدية حالَّةً في مال القاتل، وإن ادَّعَى قتلًا خطأً أو شبْهَ عَمْدٍ، وأقْسَمَ، وجبت الدية مخفَّفة في الخطأ، ومغلَّظة في شبْه العَمْد. وإن قلْنا بالقديم، فلا فرق بين أن تكون الدعوَى على واحدٍ أو على جماعة، كالبينة.
وعن مالك -﵁- أن الوليَّ يختار واحدًا منْهم فيقتله قصاصًا، ولا يُقْتَل الجميع. وفي "الشامل": أن ابن سُرَيْج خرَّج على القديم قولًا مثله. وزاد "صاحب البيان" في حكاية هذا التخْريج أنه يأخُذ من الباقين حصَّتهم من الدية.
_________________
(١) لقيام الحجة بذلك كما لو قامت به بينة.
(٢) سقط في ز.
(٣) سقط في ز.
(٤) لخبر البخاري: "إما أن تدوا صاحبكم أو تأذنوا بحرب". وأطلق -ﷺ- إيجاب الدية، ولم يفصل، ولو صلحت الأيمان للقصاص لذكره؛ ولأن القسامة حجة ضعيفة، فلا توجب القصاص احتياطًا لأمر الدماء، كالشاهد واليمين.
(٥) سقط في ز.
[ ١١ / ٤٠ ]
وفي "المهذب" نسبةُ هذا القول إلى أبي إسحاق من غَيْر زيادةِ أخذْ الحصَّة، وكيْف ما قُدِّر، فهو ضعيفٌ، وإذا ادَّعَى القتْل على ثلاثة في محلِّ اللوث، والحاضرُ منهم واحد، فإن قال: تعمَّدوا جميعًا، أقْسَمَ على الحاضر خمسين يمينًا، ويأخُذ ثلْث الدية من ماله على الجديد، وعلى القديم؛ له القصاص منه، ثم إذا قَدِم أحد الغائبين فإن أقَرَّ اقتص منه، لان أنكر أقسم عليه المُدَّعي، وكم يَحْلِف؟ فيه وجهان: ويُقال قولان:
أحدُهما: خمْسًا وعشرين يمينًا؛ لأنهما لو كانا حاضرَيْن، لأقسم.
الثاني: خمسين عليهما جميعًا، فحصَّة الواحدِ من الخمسين النصْف.
وأصحُّهما: أنه يحْلِف خمسين أيضًا؛ لأن الأيمان السابقة لم تتناولِ الثانيَ، هكذا أطلقُوه، وينبغي أن يكون هذا على الخلافِ السابقِ في جواز القَسَامة في غيبة المدَّعِي، فإن جوَّزناها، وذكَره في الأيمان السابقة فينبغي أن يُكْتَفَى (١) بها، ثم إذا حَلَف عليه، عادَ القولان الجديدُ والقديمُ [ثم] (٢) إذا قَدِم الثالثُ، فأنكر فكم يحْلِف عليه؟ فيه الخلافِ، وإنْ قال: تعمَّد هذا الحاضرُ، وكان الغائبان مُخْطِئَيْن، فيُقْسِم على الحاضرِ، ولا يقتص منه قولًا واحدًا، وإذا حَضَر الآخران وأنْكَرَا، فكم يحْلِف عليهما، ففيه الخلافُ، وإن أقرا وصدقتهما العاقلةُ، فالدية على العاقلة، وإن كذَّبتهما، ففي مالهما مخففة وإن قال: تعمَّد الحاضر، ولا أدْري أتعمَّد الغائبان أم أخطأ أقْسَم على الحاضرِ خمْسين، وأخَذ منه ثلثَ الدية على الجديد، وعلى القديم يوقَفُ الأمْر إلى أن يحضرا الغائبان، [فإن] حضَرا، واعْتَرَفا بالتعمُّد، اقتُصَّ منهما، ويقتص من الأول أيضًا على القديم، وإن قالاَ قتلْناه خطأً، وجَبَتِ الدية المخففة علَيْهما، إن كذَّبْتهما العاقلة، وعلى العاقلة، إن صدَّقَتْهما، وإن أنكرا أصْلَ القتل، فهل يُقْسِم المدَّعي؟ فيه الوجهان المذكوران فيما إذا ادَّعَى القتل وظهر اللوث فيه، ولم يذْكر أنه عمْدًا وخطأ.
والأظهر: أنه لا يُقْسِم وينسب الثاني إلَى أبي إسحاق، قال: وإذا أقسم عليهما؛ فَيُحْبَسان حتى يصفا القَتْلَ وكم يَقْسِم عليهما فيه الخلاف. ولو ادَّعَى القتْلَ على رجلَيْنِ، وعلى أحدهما لوْث دون الآخر، يقسم المدَّعي على الذي عليه اللوث خمسين، وفي الاقتصاص منه القولان، ويَحْلِف الذي لا لوث عليه.
المسألة الثانية: إذا أنكل المُدَّعي عن القسامة في محلِّ اللَّوْث يَحْلِف المُدَّعَى عليه، كما مَرَّ؛ فإن نَكَلَ، فهل تُرَدُّ اليمين على المدعي؟ نقل الأئمة، منهم صاحب "التهذيب" و"التتمة": أنه إذا ادعَى قتلًا يوجب القصاص، وقلنا: إن القسامة لا يناط بها القصاص، فتُرَدُّ اليمينُ على المدَّعي بلا خلاف؛ لأنه يستفيد بها ما لا يستفيد بأيْمان
_________________
(١) في ز: فيكتفي.
(٢) سقط في ز.
[ ١١ / ٤١ ]
القسامة، وهو الاقتصاص، وإن كان المُدَّعي قَتْلًا لا يوجب القصاص، أو قتلا بوجبه، وقلنا: [لا] يناط القصاص بالقسامة، فقولان: أطلقهما الأكثرون:
أحدهما: أن اليمين لا ترد على المُدَّعي؛ لأنه قد نكل عن اليمين في هذه الخصومة مرةً.
وأصحهما: الردُّ؛ لأنه، إنما نَكَل عن يمين القسامة، وهذه يمين أُخْرَى، والسبب الممكن من تلك الأَيْمان اللَّوْث، ومن يمين الرد نكولُ المدَّعَى عليه، فالنكولُ عن شَيْءٍ في مقامٍ لا يبطل حقًّا في مقام آخر، وعن الشيخِ أبي محمَّد: بناءُ القولَيْن على أن اليمين المردودة في الدم، هل تتعدَّد؟ إن قلنا: لا، فتُرَدُّ عليه؛ لأنه قد يرضى بيمينٍ واحدة، ولا يرغب في الأيمان المتعدِّدة، وإن قلنا بالتعدُّد، فلا تُرَدُّ، لاستوائهما في العدد والكيفية والفائدة، وحكى الامام عن بعضهم؛ أنا إن قلنا بتعدُّد اليمين المردودة، فلا ترد اليمينُ عليه قولًا واحدًا، وإن قلْنا بالاتحاد، فقولان، وقد يوجَّه الردُّ بأن نكول المدَّعَى عليه علامةٌ مشعرةٌ بصدور القتل منه، فتنضم إلى اللوْث، ويتأكَّد الظن الذي يستند إليه اليمين، ولو كانت الدعوى في غير صورة اللوْث، ونكل المدعَى عليه عن اليمين، والمُدَّعي عن اليمين المردودة، ثم ظهر لَوْثٌ، وأراد المدعي أن يُقْسم، فقد أجْرُوا القولَيْن في تمكينه منه، وقضية البناء المنقول عن الشيخ أبي محمَّد: القَطْعُ بعدم التمكين، أما إذا عَدَدْنا اليمين المردودة، فلتساوي اليمينَيْن، وأما إذا لم نَعْدُدْ، فلأنه إذا رغب عن اليمين الواحدة، فهو عن الخمسين أرغب.
ولو أقام المُدَّعي شاهدًا واحدًا في دَعْوَى مالٍ، ونَكَلَ عن الحلف معه، ونكَلَ المدَّعَى عليه عن اليمين المَعْروضة علَيْه، فأراد المدَّعِي أن يحلف اليمين المردودة، عاد القولان المذكوران؛ لنكوله عن اليمين مرَّة، هكذا أطلقوه، وقضيَّة ما حكينا في أول المسألةِ أن يقال: لو جرى ذلك في دعْوَى القتل المُوجِب للقصاص، يمكَّن من اليمين المردودة، فلا خلاف؛ لأنه لا يستفيد باليَمِينِ مع الشاهد التَّمَكُّن من القصاص، ويستفيده باليمين المردُودَة.