مسألة: قال: يقال لمن ترك الصلاة حتى يخرج وقتها بغير عذر.
الفصل
وهذا كما قال. إذا ترك الصلاة حتى خرج وقتها، فقال له: لم تركتها فإن قال: لأنها غير واجبة، وأنا لا أعتقد وجوبها فهو مرتد يقتل ويكون ماله فيأ، ويدفن في مقابر المشركين، وإن قال: ما علمت أنها واجبة وكان قريب عهد بالإسلام، فقال له: فاعلم أنها واجبة فقتل تاركها وإن اعتقد بعد هذا وجوبها وصلاها تركناه، وإن لم يعتقد [٢٦٢ ب/ ٣] وجوبها فهو مرتد أيضًا؛ لأن الصلاة تشبه الإيمان، لأنها قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح ولا يختص هذا الحكم بالصلاة في الحقيقة؛ لأن كل من جحد وجوب فرض من طريق الضرورة كالزكاة والحج والوضوء، فإنه يكفر بذلك قال: قال: الصلاة واجبة عليّ ولكني لا أمليها فهو في معنى الكافر، لأن النبي - ﷺ - قال: "بين الكفر والإيمان ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر"، وروي أنه - ﷺ - قال: "الصلاة عماد الدين" فمن تركها متعمدًا فقد كفر، وإذا قتل فهو مسلم مقتول بحق، كالمقتول بالزنا يغسل ويكفن ويدفن في مقابر المسلمين، ويرثه ورثته من المسلمين ويرجى له العفو، وليس أحد يقتل بترك عبادة مع صحة الاعتقاد إلا تارك الصلاة لما
[ ٢ / ٥١٢ ]
ذكرنا من تشبيه الصلاة بالإيمان، وأشار الشافعي إلى المعنى فقال: يقال له: هذا العمل لا يعمله غيرك أي: لا تجري فيه النيابة ولا يمكن استخراجه منك إلا بك كالإيمان وهكذا لو قال: أعتقد وجوبها، ولكني أقبل عنها لما فيها من المشقة ولا أشط فيها، ولو قال: نسيتها [٢٦٣ أ/ ٣] أو تركتها لشغل عارض أمرناه بقضائها متى زال العذر وتذكر والقضاء موسع، وإن قال: أنا مريض قلنا له: صل كيف أطقت. وبهذا قال مالك وجماعة من السلف.
وقال أحمد وإسحاق: يكفر بتركها عمدًا ويخرج عن الملة، فإذا قيل: لا يصلي عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين وتوبته أن يصلي، ويروى هذا عن عمر وعلي ﵄ وقيل: هذا قول بعض أصحابنا ذكره في "المهذب"، وقال صاحب "التلخيص": يسوي عليه التراب بحيث لا يعلم أن هناك قبرًا عقوبة له. وذكر أبو سليمان الخطابي عن بعض أصحابنا أنه لا يصلى عليه واحتجوا بظاهر الذي ذكرنا وهذا غلط لما روي أن رسول الله - ﷺ - قال: "خمس صلوات افترضهن الله تعالى على عباده في اليوم والليلة فمن جا، بهن لم يضع منهن شيئًا كان له عند الله عهدًا أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة"، ولأنها من فروع الإيمان فلا يكفر بتركها مع اعتقاد وجوبها كالصوم.
وأما خبرهم: أراد به [٢٦٣ ب/٣] فحكمه حكم الكافر كما قال - ﷺ - "قتال: المسلم كفر"، وقال أبو حنيفة والثوري: لا يقتل تاركها ويحبس حتى يصلي وقال بعضهم: لا يتعرض له لأنها أمانة فيما بينه وبين الله تعالى.
وقال بعضهم: يضرب حتى يصلي وبه قال المزني، واحتجوا بما روي أن النبي - ﷺ - قال: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، كفر بعد إيمان، وزنًا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق". وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر، وروي عن النبي - ﷺ - قال: "فمن ترك الصلاة فقد برئت منه الذمة" رواه مكحول فدل على إباحة قتله. فإذا تقرر هذا اختلف أصحابنا في وقت وجوب القتل، فقال الإصطخري: إذا ترك ثلاث صلوات وضاق وقت الرابعة قتل، ولا يقتل بترك صلاة واحدة وصلاتين، لأنه يجوز أن يكون قد تركها لعارض عذر، فإذا تكرر منه الترك علمنا أنه تركها تهاونًا بها واستخفافًا.
وقال أبو إسحاق: إذا ترك صلاة واحدة وتضيق وقت الثانية وامتنع من أدائها يقتل. وقال بعض أصحابنا بخراسان: [٢٦٤ أ/ ٣] إذا ترك صلاة حتى خرج وقتها من غير عذر أمر بقضائها، فإن لم يفعل قتل، ولا يقتل ما لم يخرج وقت العذر والضرورة، مثل
[ ٢ / ٥١٣ ]
أن يترك الظهر فلا يقتل حتى تغيب الشمس، وفي ترك صلاة المغرب لا يقتل حتى يطلع الفجر، ويجب قتله إذا لم يقض، وإن كان يصلي الصلاة الأخرى في وقتها، لأنه تركها عمدًا بلا عذر بخلاف من تركها ناسيًا، أو عذر، ويصلي بعد ذلك ولا يقضي تلك فلا يقتل لأنه قضاء في ذمته، ولم يحصل منه قصد في ترك الأداء وهو اختيار القفال. وهذا كله هو خلاف النص؛ لأن الشافعي قال، يقال لمن ترك الصلاة حتى خرج وقتها ولم يعتبر التكرار ولا خروج وقت العذر والضرورة لا يضيق وقت الصلاة الثانية، فمذهب الشافعي أنه إذا تضيق وقتها لما بيناه بفعلها، فإن فعل وإلا قلنا له: إن أخرتها عن وقتها قتلناك فيستوجب القتل بإخراجها عن وقتها كما يستوجب القتل بالخروج من الإيمان، وفعل القتل والزنا لا يعتبر تضيق وقت الصلاة الثانية، وهذا هو اختيار صاحب "الإفصاح" وابن أبي هريرة [٢٦٤ ب/ ٣].
فإن قيل: إذا قتلتموه قبل أن يتضيق وقت الصلاة الثانية لا يخلو إما أن يكون قتله للأولى أو للثانية لا يجوز أن يكون للأولى، لأنها صارت فائتة وصارت في ذمته ولا يجوز قتله لترك الفائتة، ولا يجوز أن يكون للثانية، لأنه قد وسع له في تأخيرها إلى أخر الوقت، قلنا: نحن نقتله لامتناعه عن فعلها في وقتها فإذا خرج وقتها استوجبه القتل كما يستوجب بالكفر، فإن قيل: هذا خلاف قول الشافعي؛ لأنه قال: يقال لمن ترك الصلاة حتى خرج وقتها بلا عذر وأنتم تقولون ذلك إذا تضيق وقتها ولم يقل حتى خرج وقتها، فدل أنه أراد إذا تركها حتى يضيق وقتها فقال له: هذا عمل لم يعمله غيرك، فإن صليت وإلا استتبناك فإن تبت وإلا قتلناك، وقد غلط بعض أصحابنا، فقال ظاهر "المختصر": إنه يقتل بالفائتة ولا خلاف أن لا يقتل بالفائتة، وإنما قال: يقتل بالصلاة الواحدة إذا تضيق وقتها على ما ذكرنا أو بالصلاة الرابعة عند [٢٦٥ أ/٣] تضيق وقتها عند الاصطخري أو بالصلاة الثانية إذا تضيق وقتها عند أبي إسحاق، لأنه يعلم به تحقيق عزمه على الترك. فإذا تقرر هذا، فإنه يستتاب قبل القتل، لأنه ليس بأشد من الردة، وهناك يستتاب، وهل يتأتى به ثلاثة أيام؟ قولان:
أحدهما: يتأنى به ثلاثة أيام نص عليه في البويطي، فقال: وان استنيب ثلاثا كان حسنًا ولم يستحسن ذلك في "الأم" فحصل قولان وكذا القولان في استتابة المرتد ثلاثًا واختار المزني للشافعي أنه لا يتأنى به ثلاثًا؛ لأن مذهبه أنه لا يقتل تارك الصلاة على ما ذكرنا، واحتج بالمرتد، وفي المرتد نص على قولين أيضًا فلا معنى لهذا. ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: يمهل المرتد فهذا أولى، وإن قلنا: إنه لا يمهل المرتد فهل يمهل تارك الصلاة؟ قولان تغليظًا للردة، ثم إذا أردنا قتله المنصوص في "البويطي" أنه تضرب رقبته؛ لأنه شبهه بالمرتد. وقال ابن سريج: لا يزال يضرب وينخس بشيء فيه حديد حتى يصلي، أو يأتي الضرب عليه، كما إذا قصد دم غيره أو ماله فإن المقصود أن يدفعه عن نفسه ولا يقصد قتله فإن لم [٢٦٥ ب/ ٣] يمتنع حتى إذا أتى الدفع إليه لم يلزمه ضمانة كذلك هاهنا وهذا خلاف النص.
[ ٢ / ٥١٤ ]
فرع
من وجبت عليه الصلاة فلم يصل حتى فات الوقت لزمه قضاؤها، والمستحب أن يقضيها على الفور، فإن أخر قضاءها جاز، لما روي "أن النبي - ﷺ - فاتته صلاة الصبح فلم يصلها حتى خرج من الوادي"، وقال أبو إسحاق: إن تركها بغير عذر لزمه قضاؤها على الفور، لأنه مفرط في تأخيرها وهذا عندي حسن.
فَرْعٌ آخرُ
إذا امتنع من الوضوء هل يُقتل؟ اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: لا يقتل لأنه غير مقصود في نفسه، والصحيح عندي أنه يقتل لأنه لا يتوصل إلى أداء الصلاة إلا به وفي الامتناع منه امتناع من الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ
إذا أخر الصلاة المنذورة عن وقتها المعين لها عمدا لا نص فيه ويحتمل أن يقال: يقتل لأنها كالشرعية.
فرع
لو ترك التشهد والاعتدال قال بعض أصحابنا: إن رأي الإمام أن يقتل تارك الصلاة يجوز قتله وإلا فلا، كما شرب المطبوخ له أن يحد، ومن أصحابنا من قال: لا يقتله، لأن هذا غير ممتنع من الصلاة أصلًا [٢٦٦ أ/ ٣].
[ ٢ / ٥١٥ ]