مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "وَإِذَا كَانَ فِي دَارٍ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَسْكُنَهَا أَخَذَ فِي الخُرُوجِ مَكَاَنُه وَإِنْ تَخَلَّفَ سَاعَةً يُمْكِنُهُ الخُرُوجُ مِنْهَا فَلَمْ يَفْعَلْ حَنَثَ".
[ ١٠ / ٤٣٨ ]
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا كان ساكنًا في دار فحلف أن لا يسكنها فإن بادر بالخروج منها عقيب يمينه بر ولم يحنث وإن توقف عن الخروج مع القدرة عليه حنث، سواء قل مقامه، أو كثر وشرع في إخراج رجله، أو لم يشرع، وقال مالك: إن أقام بعد يمينه يومًا وليلة حنث، وإن أقام أقل من يوم وليلة لم يحنث لأنه لا ينطلق عليه اسم السكنى إلا باستكمال هذا الزمان، وقال أبو حنيفة: إن أقام لنقل رحله وجمع متاعه لم يحنث وإن أقام لغير ذلك حنث، لأنه بإخراج متاعه مفارق لحكم السكنى، وقال زفر بن الهذيل: قد حنث بنفس اليمين، ولا يبر أن يبادر بالخروج، لأنه مقيم على السكنى قبل مفارقتها.
ودليلنا هو أن استدامة المقام فيها سكنى لاستصحاب ما تقدم من حاله فحنث لانطلاق اسم السكن عليه بخلاف ما قال مالك وأبو حنيفة، وإذا بادر بالخروج فهو تارك ولا يكون ترك الفعل جاريًا مجرى الفعل، لأنهما ضدان، فيبطل به قول زفر، ثم يقال لمالك وأبي حنيفة: قد وافقتما أنه لو حلف لا أقيم في هذه الدار فلبث فيها بعد يمينه حنث وكذلك إذا حلف لا يسكنها، لأن المقام فيها سكنى والسكنى فيها مقام، ويتحرر هذا الاستدلال قياسًا فيقال: إن ما حنث به في المقام حنث به في السكنى قياسًا على اليوم والليلة مع مالك وعلى من أمسك عن جميع رحله وقياسه مع أبي حنيفة.
مسألة:
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵁: "فَيَخْرُجُ بِبَدَنِهِ مُتَحَوِّلًا وَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَتَرَدَّدَ عَلَى حَمْلِ مَتَاعِهِ وَإِخْرَاجِ أَهْلِهِ لأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسُكْنَى".
قال في الحاوي: اختلف الفقهاء فيمن حلف لا يسكن دارًا هو ساكنها بماذا يبر في يمينه على أربعة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب الشافعي أنه يبر إذا انتقل منها ببدنه ولا اعتبار بنقل عياله وماله.
والثاني: وهو مذهب مالك أنه لا يبر إلا أن ينتقل ببدنه وعياله، ولا اعتبار بنقل ماله.
والثالث: وهو مذهب أبي حنيفة: أنه لا يبر، حتى ينتقل ببدنه وعياله وماله؟ فمتى خلف أحدها حنث.
والرابع: وهو مذهب محمد بن الحسن أن بره معتبر بنقل بدنه وعياله، وأن ينقل من ماله ما يستقل به، وإن خلف فيها ما لا يستقل به من سكانها بر، وإن خلف ما يستقل به في سكانها حنث، واستدلوا على اختلاف مذاهبهم في أن البر لا يختص ببدنه دون عياله
[ ١٠ / ٤٣٩ ]
وماله بأمرين:
أحدهما: أن من استضاف رجلًا ببدنه لم ينسب إلى السكنى عنده لخروجه عن عرف السكنى، فصار العيال والمال من جملة السكنى.
والثاني: أن من خلف عياله وماله في داره، وخرج منها إلى دكانه، أو بستانه لا يشار بسكناه إلى مكانه ويشار به إلى داره المشتملة على عياله ماله.
ودليلنا قول الله تعالى ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] فكان بالشام وولده وأمه بمكة، فلم يخرج عن سكنى الشام، وإن كان عياله في غيرها.
ولأنه لو جاز أن يكون ساكنًا فيها بعد الانتقال عنها ببدنه، لبقاء عياله وماله لوجب إذا سافر ببدنه أن يكون كالمقيم في المنع من قصره، وفطره، فلما أجرى عليه حكم السفر وجب أن يجري عليه حكم الانتقال، ولأن المتمتع بالعمرة إلى الحج لو أقام بمكة كان كالمستوطن لها في سقوط الدم عنه، وإن كان عياله وماله في غيرها فدل على أن الاعتبار ببدنه دون عياله وماله، وقد قال الشافعي أنا مقيم بمصر، وأهلي وولدي وكتب بمكة أفتراني ساكن بمكة، لأنه علق يمينه بفعله فوجب أن يكون حكمها موقوفًا عليه دون غيره، لأن الأحكام تتعلق بحقائق الأسماء.
وأما الجواب عن استشهادهم بالضيف فهو أنه نزلها ضيفًا، فلم ينطلق عليه اسم السكنى، وإن كان مع عياله وماله وليس كذلك إذا قصد السكنى فكان اختلاف الاسمين لاختلاف المقصدين موجبًا لاختلاف الحكمين، وبمثله يجاب عن استشهادهم الثاني من الخارج إلى دكانه وبستانه.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا من شرط بره أن يكون معتبرًا بتعجيل خروجه بنفسه لم يخل حاله من أن يكون قادرًا على الخروج أو ممنوعًا، فإن كان ممنوعًا من الخروج، إما لحبسه في داره المغلق أبوابه، أو لتقييده وإمساكه أو لزمانته، وهو لا يجب من يحملها منها لم يحنث ما كان باقيًا على عجزه ومنعه، لأن وجود المكنة شرط في الأفعال المستحقة وخرج فيها أبو علي بن أبي هريرة قولًا آخر أنه يحنث من اختلاف قوليه في حنث الناس، وليس بصحيح لما عللنا.
وإن كان قادرًا على الخروج فتوقف للبس ثيابه التي جرت عادته في الخروج بها لم يحنث ولو توقف لأكل أو شرب حنث، وكذلك لو توقف لطهارة أو صلاة حنث، لأنه لم يقدر على فعل ذلك في غيرها إلا أن يضيق عليه وقت الصلاة، ويعلم أنه إن خرج منها فاتته فلا يحنث بالصلاة، لأن الشرع قد منعه من الخروج قبل الصلاة فكان أوكد من منع المخلوقين، ولو توقف فيها لغلق أبوابه، أو إحراز ما يخاف عليه تلفه من أمواله، فإن
[ ١٠ / ٤٤٠ ]
كان يقدر على استنابة أمين فيه حنث، وإن لم يقدر على الاستنابة لم يحنث على الصحيح من المذهب، لأن أخذه في ذلك شروع في الخروج، ويحتمل وجهًا آخر أنه يحنث، لأنه منع لا يختص ببدنه، وإن قدر على الخروج وارتفعت عوارض المنع حنث بقليل المقام وكثيره فإن كان لخروجه بابان يقرب من أحدهما ويبعد من الآخر كان مخيرًا في الخروج من أيهما شاء، ولا يحنث بالخروج من أبعدهما، لأنه أخذ في الخروج وإن بعد مسلكه، فإن صعد إلى علوها للخروج من سطحهما، وله باب يخرج منه حنث؛ لأنه بالصعود في حكم المقيم، ولو لم يقدر على الخروج من بابه لم يحنث بالصعود للخروج.
فصل:
وإذا خرج منها، ثم عاد إليها لنقل عياله، أو ماله، سواء قدر على الاستنابة في ذلك، أو لم يقدر، لأنه لا يكون بالعود بعد الخروج لنقل أهل، أو رحل ساكنًا، فإن لبث بعد العود لغير نقل أهل أو رحل حنث، قل زمانه لبثه أو كثر، ويراعى في لبثه لنقل الرحل والأهل وما جرى به العرف من غير إرهاق، ولا استعجال.
فإن قال: (أردت بيميني لا سكنت هذه الدار شهرًا) فإن كانت بالله، حملت على ما نواه ظاهرًا أو باطنًا لأنها مختصة بحق الله الذي يحمل فيه على نيته، وإن كانت بطلاق، أو عتاق حمل على التأبيد في ظاهر الحكم لوجود خصم فيه، وكان في الباطن مدينًا فيما بينه وبين الله تعالى، ومحمولًا على ما نواه، ولو قال (لا سكنتها يومًا، كانت معلقة إلي مثل وقته من غده، ولو قال: (لا سكنتها يومي هذا) انقضت بغروب الشمس من يومه، يكون في الأولة مستوفيًا اليوم، وفي الثانية مستوفيًا لبقية اليوم: لوقوع الفرق بين الإطلاق والتعيين.
مسألة:
قَالَ الشّافِعِيُّ: ﴿وَلَوْ حِلْفً أَنَّ لَا يُسَاكِنْهُ وَهُوَ سَاكِنٌ فَإِنَّ أَقَامَا جَمِيعًا سَاعَةُ يُمْكِنُهُ التَّحْوِيلَ عَنْه حِنْثً﴾.
قال في الحاوي: أما المساكنة فهي المفاعلة بين اثنين، فأكثر، فإذا حلف "لا ساكنت فلانًا" فاليمين منعقدة على أن لا يجتمعا في مسكن واحد، وبر الحالف بخروج أحدهما، فإن خرج الحالف، وبقى المحلوف عليه، بر وإن خرج المحلوف عليه، وبقى الحالف بر وإن خرجا معًا كان أوكد في البرد، وإن بقيا فيها معًا، حنث الحالف، وإن قال: "والله لا سكنت مع زيد" فقد ذهب بعض أصحابنا البصريين أحسبه "أبا الفياض" إلى أن اليمين تكون متعلقة بفعل الحالف وحده، فإن خرج الحالف بر، وإن خرج المحلوف عليه، لم يبر، لأنه أضاف الفعل إلى نفسه، وهكذا لو قال: "والله لا سكن معي زيد" كان تعلق البر بفعل المحلوف عليه وحده، فإن خرج المحلوف عليه بر، وإن خرج
[ ١٠ / ٤٤١ ]
الحالف لم يبر، لأنه أضاف الفعل إلى المحلوف عليه إلى نفسه وفرق بين هذين وبين المساكنة، وهذا وإن كان له وجه فهو ضعيف والصحيح أنه يبر في هذه المسائل الثلاث بخروج أحدهما، لأن اليمين معها معقودة على الإجماع فيها، وبخروج أحدهما يزول الاجتماع، فوجب أن يقع له البر، والله أعلم.
فصل:
ولو قال: والله لا سكنت زيدًا وعمرًا بر بخروج أحدهما.
ولو قال: والله لا ساكنت زيدًا، ولا عمرًا، لم يبر بخروج أحدهما، لأن كل واحد منهما محلوف عليه، وكان بره بخروجه دونهما، أو بخروجهما معًا دونه، وفي الأولى يبر بخروجه، أو بخروج أحدهما لأن يمينه في الأولى معقودة على الاجتماع، وفي الثانية معقودة على الإفراد والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشّافِعِيُّ:" وَلَوْ كَانَا فِي بَيْتَيْنٍ فَجَعَلَ بَيَّنَهُمَا حَدًّا وَلِكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَجَرَتَيْنِ بَابً فَلَيْسَتْ هَذِهٍ بِمُسَاكَنَةٍ وَإِنَّ كَانَا فِي دَارِ وَاحِدَةٍ وَالْمُسَاكَنَةَ أَنْ يَكُونَا فِي بَيْتٍ أَوْ بَيْتَيْنِ حُجْرَتِهُمَا وَاحِدَةٍ وَمَدْخَلُهُمَا وَاحِدٌ وَإِذَا اِفْتَرَقَ الْبَيْتَانِ أَوْ الْحَجَرَتَانِ فَلَيْسَتْ بِمساكِنَةٍ إلّا أَنْ يَكُونُ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى، فَإِنَّ قَيَّلَ مَا الْحُجَّةُ فِي أَنَّ النُّقْلَةَ بِبَدَنِهِ دُونَ مَتَاعِهِ وَأُهِلُّهُ وَمَالَهُ؟ قَيَّلَ أَرَأَيْتِ إِذَا سَافِرِ أَيَكُونُ مَنْ أهْلُ السَّفَرِ فَيَقْصُرُ؟ أَوْ رَأَيْتِ لَوْ اِنْقَطَعَ إلى مَكَّةٍ بِبَدَنِهِ أَيَكُونُ مِنْ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامَ الَّذِينَ إِنَّ تُمَتِّعُوا لَمْ يَكُنْ عَلِيُّهُمْ دَمٍ؟ فَإِذَا قَالٍ نَعَمْ فَإِنَّمَا النُّقْلَةَ وَالْحُكْمَ عَلَى الْبَدَنِ لَا عَلَى مَالِ وَأَهُلُّ وَعِيَالَ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا حلف لا يساكنه، وقد جمعتهما دار واحدة لم يخل حالهما في وقت اليمين من أن يكونا مجتمعين أو غير مجتمعين، فإن لم يكونا مجتمعين وكانا خارجين، أو أحدهما فقسمت الدار بينهما بحائط بنى في وسطها، وسكن كل واحد منهما أحد الجانبين بباب مفرد، يدخل ويخرج منه، بر في يمينه، وليست هذه مساكنة، وإنما هي مجاورة، وإن كانا في وقت اليمين مجتمعين فشرعا في بناء حائط بينهما، حنث، لأنها قبل كمال ما يقع بينهما متساكنان ولو كان في الدار حجرة، فسكن أحدهما في الحجرة، والآخر في الدار نظر فإن كان باب الحجرة إلى الدار، حنث لأنهما متساكنان، وإن انفردت الحجرة بباب غير باب الدار نظر، فإن كان بابها إلى الدار مسدودًا بر، وإن كان بابها إلى الدار مفتوحًا حنث، ولو كان في الدار حجرتان فسكن كل واحد منهما في إحدى الحجرتين، فإن لم تكن الدار مع واحد منهما بر، وإن كان باب كل واحد منهما إلى الدار صارت كالخان الذي فيه حجر فلا يحنث إذا سكن كل واحد منهما
[ ١٠ / ٤٤٢ ]
في حجرة من الخان، كذلك الدار، وإن كانت الدار مع أحدهما، فهو علي ما مضى إذا كان في الدار حجرة واحدة، فإنه لا يبر حتى تنفرد الحجرة عن الدار بباب للدخول والخروج منها بعد قطع ما بين الحجرة والدار.
ولو كانا في دار واحدة فاختص كل واحد منهما ببيت منها، فإن كانت الدارة صغيرة، حنث لأنها مسكن واحد، وإن كانت واسعة فإن اعتزلا الدار، وتفرط بالبابين منها بباب يغلق كل واحد منهما على نفسه، بر وصارا كساكن بيتين من خان جامع، فلا يحنث بسكني كل واحد منهما في بيت منه، كذلك في علوها، وسكن الآخر في سفلها، فإن كان مدخلهما ومخرجهما واحدًا حنث، إن انفرد كل واحد منهما بمدخل ومخرج وانقطع ما بين العلو والسفل بر.
فصل:
قال الشافعي: " إلا يكون له نية، فهو على ما نوى" يريد بذلك أن ما بينه من اعتزالهما في حجرتين، أو بيتين من دار، إذا كانت يمينه مطلقة على المساكنة، فأما إذا اقترنت بنية ألا يجاوره في موضع أو في محلة، أو في قبيلة، أو في بلد كانت على يمينه محمولة علي ما نواه، ولا يبر بانفرادهما في حجرتين من دار، ثم ذكر الشافعي ﵁ على أن الانتقال بالبدن دون العيال، والمال مزيل لحكم السكنى، والمساكنة وقد ذكرناه.
مسألة:
قَالَ الشّافِعِيُّ:" وَلَوْ حِلْفً لَا يَدْخُلْهَا فرمى فَوْقَهَا لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَدْخُلَ بَيْتًا مِنْهَا أَوْ عَرْصَتَهَا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا حلف لا يدخل الدار فرقى سطحها والسطح غير محجز لم يحنث.
وقال أبو حنيفة: يحنث احتجاجًا، بأنه من حقوقها، وإن سورها محيط به فأشبه قرارها.
ودليلنا شيئان:
أحدهما: أن السطح حاجز فأشبه سورها، فصار الراقي عليه كالراقي علي السور، وقد وافق علي أنه لا يحنث، بارتقائه علي السور، كذلك يجب أن لا يحنث بارتقائه على السطح.
والثاني: هو أن الدار حرز لما فيها، يقطع سارقه، وما فوق السطح ليس بمحرز، ولا قطع علي سارقه، فلما خرج عن حكم الحرز في القطع وجب أن يخرج عن حكم الدار في الحنث.
[ ١٠ / ٤٤٣ ]
واستدلالهم بأنه من حقوقها يبطل بارتقائه على سورها.
واستدلاله بأنه محيط بها كالسور فصحيح، لكن ما فوق السطح جار مجرى ما وراء السور.
فصل:
فأما إذا كان علي السطح تحجيز، فهو علي ضربين:
أحدهما: أن يكون غير مانع كالقصب، وما ضعف من الخشب، فلا يحنث بارتقائه عليه.
والثاني: أن يكون مانعًا ببناء يمتنع بمثله ويتحرز من بناء أو خشب وثيق فقد اختلف أصحابنا في حنثه بارتقائه على ثلاثة أوجه:
أحدهما: يحنث ويشبه أن يكون قول أبى إسحاق المروزي، لأن إحاطة السطح بالدار تحجز عما فوقه.
والثاني: يحنث وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، لأن السترة محيطة بالدار، فأشبهت السور.
والثالث: وهو طريقة أبي الفياض إن كانت السترة عالية يحجز مثلها، لو كان في العرصة حنث، وإن كانت السترة قصيرة لا يحجز مثلها، لو كان في العرصة، لم يحنث، ولو كان في السطح غرفة فدخلها يحنث، ولو نزل من السطح إلى مرقاة من درجتها الداخلة فيها، حنث، ولو صعد من درج الدار إلى سطحها، والدرجة خارج الدار معقودة، أو غير معقودة، فإن لم يدخل في سور الدار، لم يحنث وإن دخلت في سور الدار، حتى تجاوزته في الدخول حنث، وإن لم تتجاوز حد السور لم يحنث، وإن رقى على شجرة الدار، وأغصانها في الدار، وعدل عن أغصانها الداخلة لم يحنث، وإن صار فوق أغصانها الداخلة نظر فيها فإن كانت الأغصان فوق السطح لم يحنث، وإن كانت دون السطح حنث، ولو جلس خارج الدار في ماء يجري إلى الدار، فحمله الماء إليها حنث، وصار الماء كالدابة، إذا ركبها فأدخلته الدار حنث، لأنه يصير بهما داخلًا، إلى الدار، ولو رقى على سورها فألقته الريح إليها لم يحنث، إن بادر بالخروج منها، لأن دخولها من غير فعله، ولو أدخل إحدى رجليه من باب الدار دون الأخرى، لم يحنث، لأن الدخول لم يكمل، ولو ثقب حائط الدار، ودخل إليها من ثقبها، حنث، إلا أن يكون له نية أن لا يدخلها من بابها، فيحمل على ما نواه، ولا يحنث بالدخول من غير الباب، والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشّافِعِيُّ:" وَلَوْ حِلْفً لَا يَلْبَسْ ثَوْبًا وَهُوَ لَابِسُهُ وَلَا يَرْكَبُ دَابَّةً وَهُوَ رَاكِبُهَا
[ ١٠ / ٤٤٤ ]
فَإِنَّ نَزْعً أَوْ نُزَلْ مَكَانَهُ إلّا حِنْثً وَكَذَلِكً مَا أَشِبْهُه".
قال في الحاوي: أعلم أن ما حلف عليه من الأفعال ينقسم إلي ثلاثة أقسام:
أحدها: ما يحنث فيه بابتداء الفعل، واستدامته، وهو خمسة أشياء: السكنى، واللباس، والركوب، والغصب، والجماع، فإذا حلف لا سكنت دارًا حنث بأن يبتدئ سكناها، وحنث بأن يكون ساكنًا فيها، فيستديم يسكناها إلا أن يبادر بالخروج منها.
ولو حلف لا لبست ثوبًا حنث بأن يبتدئ لباسه، وحنث أن يكون لابسه، فيستديم لباسه إلا أن يبادر بنزعه.
ولو حلف "لا يركب دابة، حنث" بان يبتدئ ركوبها وحنث بأن يكون راكبًا، فيستديم ركوبها إلا أن يبادر بالنزل عنها، ولو حلف: لا غصبت مالًا، حنث، بأن يبتدئ بالغصب، وحنث بأن يكون غاصبًا، فيستديم الغصب إلا أن يبادر برده.
ولو حلف لا جامعت، حنث بأن يبتدئ الجماع، وحنث بأن يكون مجامعًا، فيستديم الجماع إلا أن يبادر بالإخراج.
وإنما حنث في هذه الخمسة بالابتداء والاستدامة لأن اسم الفعل منطلق عليه في الحالين، فاستوي حكمها في الحنث.
والثاني: ما يحنث بابتداء الفعل، ولا يحنث باستدامته، وهو خمسة أشياء النكاح، والإحرام، والرهن، والشراء، والوقف، فإذا حلف لا ينكح، وقد نكح. وأن لا يحرم وقد أحرم، أو لا يرهن، وقد رهن، أو لا يقف وقد وقف، لم يحنث، حتى يستأنف نكاحًا، وإحرامًا، ورهنًا، وشراء، ووقفًا، لأنها عقود فلم يحنث باستدامتها لتقدم العقد فيها.
والثالث: ما اختلف هل تكون الاستدامة فيه كالابتداء، وهو ثلاثة أشياء: الدخول، والطيب، والسفر، هلي يكون الاستدامة كالابتداء فإذا حلف لا دخلت هذه الدار حنث بأن يستأنف دخولها، إذا كان خارجًا، وفي حنثه باستدامة دخولها، إذا كان فيها قولان.
أحدهما: وهو مقتضى نصه في كتاب الأم.
وقال أبو عبد الله الزبيري أنه يحنث، باستدامة جلوسه فيها لما كما يحنث باستئناف دخولها، كالسكنى، وقد قال الشافعي: لو حلف لا يدخلها فأكره على دخولها، فإن عجل الخروج منها بعد المكنة، لم يحنث وإن أقام حنث، فجعل استدامة الدخول كالدخول.
والثاني: نص عليه في كتاب حرملة، وقاله أبو العباس بن سريج، لا يحنث باستدامة الدخول، حتى يستأنفه، لأن الدخول يكون بعد خروج.
ولو حلف لا تطيبت حنث بأن يستأنف الطيب، وفي حنثه باستدامة طيب متقدم ثلاثة أوجه:
أحدها: يحنث باستدامته، لأنه منسوب إلى التطيب.
[ ١٠ / ٤٤٥ ]
والثاني: لا يحنث بالاستدامة، لأنه لم يستحدث فعلًا.
والثالث: أنه إن كان أثر طيبه باقيًا، حنث، وإن بقيت الرائحة دون الأثر لم يحنث، وهى طريقة أبي الغياض اعتبارًا ببقاء العين، وزوالها ولو حلف لا يسافر، حنث بأن يستأنف السفر طويلًا، كان أو قصيرً فأما إذا حلف وهو مسافر، فله ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يأخذ في العود من سفره، فلا يحنث، لأنه قد أخذ في ترك السفر.
والثانية: أن يكون باقيًا على وجهه في السفر، فيحنث باستدامة مسيره، لأن أخذ في السفر.
والثالثة: أن يقيم مكانه من سفره، ففي حنثه باستدامته وجهان:
أحدها: يحنث كالتوجه لبقائه على السفر.
والثاني: لا يحنث لكفه عن السير، فصار كالعود.
وكل ما لم نسمه فهو معتبر بما سميناه من هذه الأقسام، فيكون ملحقًا بأشبهها به والله أعلم.
مسألة:
قَالَ الشّافِعِيُّ:" وَإِنَّ حِلْفً لَا سَيُكَنُّ بَيْتًا وَهُوَ بِدَوى أَوْ قروي وَعَلَا نِيَّةً لَهُ فَأَيُّ بَيْتٍ مِنْ شِعْرٍ أَوْ أَدَمً أَوْ خَيْمَةً أَوْ بَيْتٌ مِنْ حَجَّارَةٍ أَوْ مُدِرًّ أَوْ مَا وَقْعٌ عَلَيه اِسْمُ بَيْتِ سَكَنِهِ حِنْثٍ".
قال في الحاوي: أعلم أن بيوت السكني تختلف من وجهين:
أحدها: باختلاف الأحوال.
والثاني: باختلاف العادات.
فأما المختلف باختلاف الأحوال فللبوادي بيوت النقلة من الأدم، والشعر، لأنهم ينتجعون في طلب الكلأ، فيسكنون من البيوت ما ينتقل معهم في النجعة من الخيام، والفساطيط، ولأهل القرى بيوت الاستقرار فيسكنون ما يدوم ثبوته في أوطانهم من الأبنية المستقرة، وأما ما يختلف باختلاف العادات، فهو أن بيوت أهل الأمصار لتشيدها، وقسمة مساكنها، مخالفة لبيوت أهل القرى في ذهابها، واحتلال قسمها وتختلف العادات، فمنهم من يبني بالأحجار والنورة، ومنهم من يبنى بالآجر والجص، ومنهم يبني بالبن والطين، ومنهم من يبني بالخشب، ومنهم من يبني بالقصب، واختلاف العادات، لا تؤثر في الأيمان وجميعا بيوت لمن اعتادها، ومن لم يعتدها، فإذا حلف لا يسكن بيتًا، حنث بسكنى كل بيت منها، وإن لم يعتد سكناه من حجر أو أجر أو طين أو خشب، أو قصب، محكم يدوم على مر السنين، ولا يحنث أن يسكن بيوت الرعاة من
[ ١٠ / ٤٤٦ ]
الهشيم، والجريد، والحشيش، لأنه يستدفع له أذى وقت من حر أو برد، ولا يستدم سكناها، فأما إن سكن مسجدًا أو حمامًا، لم يحنث لأمرين:
أحدهما: أن انطلاق اسم البيت عليهما مجاز لا حقيقة.
والثاني: أنهما لا يسكنان في العرف، فلهذا لم يحنث لسكناهما.
فصل:
وأما ما اختلف باختلاف الأحوال من بيوت النقلة للبوادي وبيوت الاستقرار لأهل الأمصار، فلا يختلف مذهب الشافعي وسائر أصحابه، أن بيوت الاستقرار، من أبنية أهل الأمصار والقرى يحنث الحالف بسكناها بدويًا، كان أو قرويًا لأمرين:
أحدهما: انطلاق اسم الحقيقة عليها، ووجود عرف الاستعمال فيها، فاقترن بحقيقة الاسم عرف الاستعمال.
وأما بيوت النقلة من خيم الشعر، وفساطيط الأدم فقد قال الشافعي يحنث بسكناها البدوي، والقروي، فلم يختلف أصحابه أن الحالف لا يسكن بيتًا، إذا كان بدويًا حنث بسكناها، لانطلاق اسم الحقيقة عليها ووجود عرف الاستعمال فيها، وإن كان الحالف قرويًا، فقد اختلف أصحابه هل يحنث بسكناها، وحمل كلام الشافعي على أهل قرى عربية، يسكن أهلها بيوت المدر تارة، وبيوت الشعر أخرى، فأما من لا يسكن إلا بيوت المدر فلا يحنث بسكنى بيوت الشعر والأدم وبه قال أبو حنيفة لخروجها عن العرف والعادة، كما لو حلف لا يأكل رؤوسًا لم يحنث، برؤوس الطير والجراد، حتى يأكل رأس النعم من الإبل، والبقر، والغنم، وإن انطلق اسم الحقيقة على جميعها اعتبارًا بالعرف والعادة، وكذلك لو حلف لا يأكل بيضًا لم يحنث ببيض السمك والجراد، وإن انطلق اسم البيض عليها حقيقة، حتى يأكل من البيض ما فارق بائضه حيًا اعتبارًا بالعرف.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي: وأكثر المتأخرين أنه يحنث القروي بسكناها، كما يحنث البدوي لأمرين:
أحدهما: انطلاق اسم الحقيقة عليها.
والثاني: اقتران عرف الاستعمال فيها، وإن خرجت عن عادة الحالف لوجودها في غيره كما حنث البدوي بسكنى بيوت المدر.
وإن خرجت عن عادته، لوجودها في غيره، وكما لو حلف عراقي من أهل اليسار، أن لا يأكل خبزًا حنث بخبز الذرة، والأرز، وإن خرج عن عرفه وعادته، لوجودها في غيره فلا يعتبر في الأيمان عادة الحالف إذا وجدت في غيره، ويعتبر في الوكالة عادة الموكل دون غيره، فإذا وكله في شراء الخبز، وعادته أكل البر فاشترى له حب الأرز لم يلزمه، ولو حلف لا يأكل الخبز وعادته أكل البر فأكل حب الأرز حنث.
[ ١٠ / ٤٤٧ ]
مسألة:
قَالَ الشّافِعِيُّ:" وَإِنَّ حِلْفً أَنَّ لَا يَاكُلْ طَعَامًا اِشْتَرَاهُ فُلَانٌ فَاِشْتَرَاهُ فُلَانٌ وَآخِرَ مَعَه طَعَامًا وَلَا نِيَّةً لَهُ فَأُكْلً مِنْه لَمْ يَحْنَثْ".
قال في الحاوي: وهو كما قال: إذا حلف لا يأكل طعامًا اشتراه زيد، فاشترى زيد وعمرو طعامًا صفقة واحدة، فأكل منه لم يحنث.
وقال أبو حنيفة: يحنث احتجاجًا بأمرين:
أحدهما: أنه قد أكل طعامًا قد اشتراه زيد، وعمرو، فوجب أن يحنث كما لو اشترياه في صفقتين.
والثاني: إلزام لنا أنه لما أجرى الشافعي على اجتماعهما في الشراء حكم الصفقتين في انفراد كل واحد منهما، بالرد بالعيب، وجب أن يجري عليه حكم الصفقتين في الحنث.
ودليلنا شيئان:
أحدهما: أن الشراء عقد إذا اشتركا فيه، لم ينفرد أحدهما به واختص كل واحد منهما في العرف بنصفه، فلم تكمل الصفة، فلم يقع الحنث، لأن الأسماء في الأيمان يختص بالعرف.
والثاني: أن كل جزء من الطعام لم يختص الحالف بشرائه، فإن قل فوجب ان لا يقع له الحنث كما لو حلف، لا دخلت دار زيد فدخل دارًا بين زيد وعمرو، أو حلف لا يلبس ثوب زيد، فلبس ثوبًا بين زيد وعمرو لم يحنث بوفاق أبي حنيفة، كذلك يلزمه أن لا يحنث بطعام اشتراه زيد وعمرو.
فإما الجواب عن استدلاله بالشراء في صفقتين مشاعًا فهو أن كل جزء من أجزاء الطعام قد اشتري زيد نصفه، بعقد تام فوجد شرط الحنث، وإذا كان بعقد واحد فهو مشترك، فلم يكمل شرط الحنث فافترقا.
وأما الجواب عما ذكره من الرد بالعيب، فهو أن الأيمان والأحكام وإن اشتركا في اعتبار الأسماء فقد افترقا في غيرها، فاعتبر العرف في الأيمان واعتبر المعنى في الأحكام، فصار هذا الفرق مانعًا من اشتراكهما في تعلق الحكم بهما على سواء.
فصل:
فإما إذا اشترى زيد طعامًا انفرد به، واشترى عمرو طعامًا انفرد به، وخلطاه فأكل منه الحالف، ففي حنثه ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو قول أبى سعيد الإصطخري أنه لا يحنث بحال، وإن أكل جميع
[ ١٠ / ٤٤٨ ]
الطعامين، لأن الاختلاط المحلوف عليه بغيره خارج في العرف عن اسم الانفراد، فخرج عنه من حيث الأيمان، حتى قال أبو سعيد الإصطخري: لو حلف لا يأكل جبنًا فأكل خبزًا وجبنًا لم يحنث، وزعم من نص قوله بأن الشافعي قد نص في الجامع الكبير: "أنه لو حلف لا يأكل زيتًا فأكل خبزًا وزيتًا لم يحنث"، وهذا المحكي عنه في الجامع الكبير سهو من حاكيه، والموجود في الجامع الكبير للمزني عن الشافعي: "أنه لو حلف لا أكل خبزًا وجبنًا فأكل خبزًا وزيتًا، لم يحنث" ورد بهذا القول على مالك حيث حنثه بذلك فهذا وجه.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه إذا اختلط الطعامان وكانا متساوين في القدر فأكل منهما أكثر من النصف حنثه، لعلمنا أنه قد أكل مما اشتراه زيد، وإن أكل أقل من النصف، لم يحنث للاحتمال وجواز أن لا يكون قد أكل ما اشتراه زيد، لأن الحنث لا يقع بالاحتمال، والجواز.
والثالث: مذهب البصريين ويشبه أن يكون قول أبي علي بن أبي هريرة أنه إن كان كالمانع في الامتزاج، وإن كان متميزًا مثل التمر، والرطب، لم يحنث، حتى يأكل منه أكثر من النصف لدخول الاحتمال في المتميز، وانتفائه عن الممتزج.
وقد قال الشافعي: "لو حلف على تمرة أن لا يأكلها فوقعت في تمر كثير. فأكله كله إلا تمرة لم يحنث" لجواز أن تكون الباقية هي التمرة المحلوف عليها.
فصل:
ولو حلف لا يأكل طعامًا اشتراه زيد، فأكل من طعام ورثه زيد، أو استو هبه، لم يحنث، لأنه جعل الشراء شرطًا في الحنث.
وقال مالك: يحنث، لأن المقصود ملك زيد، ولو كان زيد في الشراء وكيلًا، فأكل منه الحالف لم يحنث، لأن الشراء من غيره، وحنثه مالك، لأنه من ملكه ولو توكل زيد لغيره فاشترى طعامًا لموكله، حنث الحالف بأكله، وإن لم يملكه زيد، لأن اليمين معقودة على الشراء، دون الملك، وهذا إذا كانت اليمين مطلقة فأما إن كانت له نية فإنه يحمل في الحنث على نيته.
مسألة:
قَالَ الشافعي:" وَلَوْ حِلْفً لَا يَسْكُنُ دَارً فُلَانٌ هَذِهٍ بِعَيْنِهَا فَبَاعَهَا فُلَانٌ حِنْثً بأَيْ وَجْهُ سَكَنِهَا إِنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإِنَّ كَانَتْ نِيَّتُهُ مَا كَانَتْ لِفُلاَنٍ لَمْ يَحْنَثْ إِذَا خَرَجْتِ مَنْ مَلَكَهُ".
[ ١٠ / ٤٤٩ ]
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا حلف على دار زيد أن لا يسكنها ولا يدخلها فذلك ضربان:
أحدهما: أن يعين الدار فيقول لا دخلت دار زيد هذه، فتكون اليمين منعقدة على عين الدار، وتكون إضافتها آلي زيد تعريفًا فإن دخلها، وهى على ملك زيد حنث، بإجماع، وإن دخلها بعد أن باعها زيد حنث عندنا وهو مذهب مالك، ومحمد بن الحسن، وزفر تغليبًا لحكم العين دون الإضافة.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا يحنث بزوال ملك زيد عنها، وجعل إضافتها إلى زيد شرطًا في عقد اليمين احتجاجًا بأمرين:
أحدهما: أن المقصود بهذه اليمين قطع الموالاة، وإظهار العداوة والدار لا توالي ولا تعادي فصار صاحبها مقصودًا، فكان بقاء ملكه في اليمين شرطًا.
والثاني: أنه لما كان دخولها موقوفًا على إذنه، وجب أن يكون بقاء ملكه شرطًا في حنثه.
ودليلنا شيئان:
أحدهما: أن اليمين إذا تعلقت بعين مضافة وجب أن يغلب حكم العين على الإضافة، ويقع بهما الحنث مع زوال الإضافة كما لو حلف لا يكلم زوجة زيد، فطلقها زيد حنث بكلامها، تغليبًا للعين على الإضافة، كذلك إذا قال: لا دخلت هذه الدار، التي لزيد، وجب أن يحنث بدخولها وإن خرجت عن ملك زيد، فإن قيل: الزوجة توالي وتعادي فغلب حكم العين على الإضافة، والدار لا توالي ولا تعادي، فغلب حكم الإضافة على العين. قيل: اعتبار هذا التعليل في إيقاع الفرق بين الفرع، والأصل باطل في الفرع بأن يقول: لا دخلت الدار من غير إضافة، فيحنث بدخولها، وإن كانت الدار لا توالي ولا تعادي وباطل في الأصل بأن يقول لا كلمت عبد زيد فحنث عنده بكلامه، إذا باعه زيد، وإن كان العبد لا يوالي ولا يعادي وإذا بطل التعليل في الأصل والفرع سقط.
والثاني: أن العين إذا أضيفت آلي صفة، كانت الصفة تعريفًا ولم تكن شرطًا، كما لو قال: لا كلمت هذا الراكب، لم يكن بقاء ركوبه شرطًا في حنثه، وحنث بكلامه راكبًا، ونازلًا لأنهما إضافة تعريف، كذلك دار زيد وقد مضى الجواب عن استدلالهم بالموالاة، والمعاداة.
فالجواب عن استدلالهم بأن دخولها موقوف على إذن مالكها، فهو أن الإذن في الدخول غير معتبر في البر، والحنث، فكان أولى لا يعتبر به مستحق الإذن والله أعلم.
فصل:
والثاني: أن يعين الدار بأن يقول: لا دخلت دار زيد، فتكون اليمين منعقدة على ملك زيد للدار، فأي دار دخلها، وزيد مالكها حنث بدخولها فإن باعها زيد بعد ملكه
[ ١٠ / ٤٥٠ ]
لها، فدخلها الحالف لم يحنث بوفاق. والفرق بين الإطلاق والتعيين، أن عدم العين في الإطلاق أوجب عقد اليمين على الإضافة، ووجود العين في التعيين، أوجب عقدها على العين ألا تراه لو أسلم في ثوب هروي. كان العقد مختصًا بالصفة، ولو اشترى هذا الثوب الهروي، كان العقد مختصًا بالعين دون الصفة، فإن وجده هرويًا لم يبطل البيع، فإن حلف لا يدخل دار زيد، فدخل دارًا بين زيد وعمرو لم يحنث قل سهم زيد فيها، أو كثر، لأن ملكه لم يكمل وإن أعار زيد داره، أو رهنها حنث، بدخولها، لبقائها على ملكه، ولو وقفها لم يحنث لخروج الوقف عن ملك واقفه، ولو دخل استأجرها زيد من مالكها، لم يحنث بدخولها لأن حقيقة الإضافة محمولة على الملك دون اليد والتصرف وهذا مع إطلاق يمينه، وإن حنثه مالك بهذا كله فأما إذا كانت له نية، فحنثه محمول على نيته، والله أعلم.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا فَانْهَدَمَتْ حَتَّى صَارَتْ طَرِيقًا لَمْ يَحْنَثْ لأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَارٍ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا حلف، لا يدخل هذه الدار، فانهدمت وصارت عراصًا، فدخلها لم يحنث، وهكذا لو حلف لا يدخل هذا البيت، فانهدم، وصار براحًا لم يحنث.
وقال أبو حنيفة: إذا دخل عرصة الدار بعد انهدامها حنث، وإذا دخل عرصة البيت بعد انهدامه، لم يحنث فوافق في البيت، وخالف في الدار، إلا أن يبني مسجدًا أو حمامًا، أو يجعل بستانًا، استدلالًا بأن اسم الدار ينطلق على العرصة بعد ذهاب العمارة، كما ينطلق عليها مع العمارة كما يقولون هذه ديار عاد، وديار ثمود، وديار ربيعة، وديار مضر، وإن ذهبت عمارتها، وبقيت عراصها، وهو واضح في أشعار العرب قال النابغة:
يَا دَارَ مَيَّةَ بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الأَمَدِ
وقال لبيد:
عَفَتْ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا بِمِنًى تَأَبَّدَ غَوْلُهَا فَرَجَامُهَا
فَمَا هَا دَارًا بَعْدُ أَقْوَاتُهَا
والعفا: الدرس فسماها ديارًا بعد دروسها، فكان بقاء الاسم على عرصها موجبًا، لوقوع الحنث، بدخولها، ولأنه لو انهدم من سورها، فأدخل منه آلي عرصة ضمنها حنث، وإن لم يدخل في بناء ولا صار في عمارة فكذلك إذا انهدم جميع بنائها حنث بدخول عرصتها.
[ ١٠ / ٤٥١ ]
ودليلنا هو أن ما تناوله الاسم مع البناء زاله عنه حكم الحنث بذهاب البناء، كالبيت فإن قيل: البيت لا
يسمى بعد انهدامه بيتًا، وتسمى الدار بعد انهدامها دارًا بطل بقول الله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢]. فسماها بعد الخراب بيوتًا، ولأن ما منع من الحنث بدخول عرصة البيت، منع منه بدخول عرصة الدار، كما لو بنى العرصة مسجدًا، ولأن أبا حنيفة قد وافقنا أنه لو حلف لا يدخل دارًا، ولم يعينها، فدخل عرصة دار قد انهدم بناؤها لم يحنث كذلك إذا عينها.
وتحريره أن كل ما لا يتناوله الاسم الحقيقي، مع عدم التعيين، لم يتناوله مع وجود، التعيين كالبيت.
فإن قيل: قد فرق الشرع في الأيمان بين التعيين والإبهام، لأنه لو حلف فقال: لا جلست في سراج فجلس في الشمس لم يحنث، وإن مساها الله تعالى سراجًا، ولو عين، فقال: لا جلست في هذا السراج إشارة إلى الشمس حنث بجلوسه فيها، ولو حلف لا جلست على بساط فجلس على الأرض لم يحنث وإن سماها الله تعالى بساطًا، ولو عين، فقال: لا جلست على هذا البساط مشيرًا إلى الأرض، فجلس عليها حنث فصارت الشمس سراجًا مع التعيين، وإن لم تكن سراجًا مع الإبهام وصارت الأرض بساطًا مع التعيين، وإن لم تكن بساطًا مع الإبهام، كذلك وجب أن تكون العرصة دارًا مع التعيين، وإن لم تكن درًا مع الإبهام، قلنا: ليس يفترق التعيين، والإبهام في حقائق الأسماء، فإن اسم السراج ينطلق على الشمس مجازًا في الإبهام، والتعيين، واسم البساط ينطلق على الأرض مجازًا في الإبهام، والتعيين، وإنما جعل التعيين مقصودًا والاسم مستعارًا، فإذا أبهم الاسم اعتبر فيه الحقيقة، دون المجاز المستعار والتعيين، في الدار توجه إلى شيئين جمعهما حقيقة الاسم وهي العرصة والبناء، فإذا ذهب البناء زال شطر العين، فارتفع حقيقة الاسم ولأن الإبهام، إذا حلف لا دخلت دارًا، أعم من التعيين، وإذا حلف لا دخلت هذه الدار، لأنه يحنث في الإبهام بدخول دار، ولا يحنث في التعيين إلا بدخول تلك الدار فلما ارتفع بالهدم حكم الأعم، كان أولى أن يرتفع به حكم الأخص. فأما الجواب عن قولهم بأن اسم الدار ينطلق عليها بعد انهدامها هو أن الاسم ينطلق عليها بعد الهدم على أحد وجهين:
إما على الاستعارة والمجاز، والأيمان تراعي فيها حقائق الأسماء دون مجازها، وإما لأنها كانت دارًا فاستصحب اسمها اتساعًا، والأسماء في الأيمان معتبرة، بالحال دون ما سلف، كما لو حلف لا كلمت عبدًا فكلمه معتقًا، ثم يقال لأبي حنيفة هذا الاستدلال، والتعيين يفسد بالإطلاق في الإبهام، وأما استدلاله بدخوله إلى صحنها من هدم من سورها، فنشرح من مذهبنا فيه ما يكون انفصالًا عنه، وهو أنه ليس يخلو حال ما انهدم منها، وبقي من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن لا يمنع من سكنى شيء منها، فيحنث بدخوله من المستهدم والعامر.
[ ١٠ / ٤٥٢ ]
والثاني: أن يمنع بالهدم من سكنى الباقي، وسكنى المستهدم، فلا يحنث بدخول ما بقي، ولا بدخول ما أنهدم.
والثالث: أن يمنع الهدم من سكنى ما استهدم، ولا يمنع من سكنى ما بقي على عمارته، ولم يستهدم فلا يحنث بدخول المستهدم منها، ويحنث بدخول الباقي من عامرها، ولو انهدمت بيتونها، وبقي سورها، فإن كان السور مانعًا لعلوه حنث بدخوله، وإن كان غير مانع لقصره فالصحيح أنه لا يحنث بدخوله، وخرج بعض أصحابنا وجهًا آخر فمن حلف لا يدخل الدار، ورقا على سطحها أنه يحنث، إذا كانت عليه سترة وليس هذا التحريم صحيحًا، لأن السطح ممتنع بسكنى أسفله، فجاز أن يكون قصر سترته مانعًا فخالف الباقي من سترة الدار.
فصل
وإذا انهدمت الدار المحلوف عليها فبينت مسجدًا، أو حمامًا، لم يحنث بدخوله، سواء كان البناء بتلك الآلة، أو بغيرها لزوال اسم الدار عنها، وإن أعيد بناؤها دارًا، لم يخل أن تبنى بتلك الآلة، أو بغيرها، فإن بنيت بغير تلك الآلة، لم يحنث، لأنه دخل غير تلك الدار، وإن بنيت الآلة ففي حنثه بدخولها وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، لا يحنث، لأن غير ذلك البناء يجعلها غير تلك الدار.
والثاني: يحنث لأن تلك العرصة، وتلك الآلة تجعلها تلك الدار وجرى تغيير بنائها، مجرى تغيير سقوفها وأبوبها.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلْ مِنْ بَابِ هَذِهِ الدَّارِ فِي مَوْضِعٍ فَحَوَّلَ لَمْ يَحْنَث إِلَّا أَنْ يَنْوِي أَنْ يَدْخُلَهَا فَيَحْنَثَ".
قال في الحاوي: اعلم أنه لا يخلو حال من حلف، لا يدخل هذه الدار من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يطلق يمينه في دخولها، ولا يسمى موضع دخوله إليها، فيحنث بدخولها من بابها، وغير بابها، من ثقب فيها أو جدار تسوره، حتى دخلها لأن عقد اليمين في الإطلاق مقصور على الدخول، دون المدخل.
والثاني: أن يحلف "لا دخلتها من هذا الباب" فإن دخلها منه حنث، وإن دخلها من باب استحدث لها، لم يحنث، سواء فعل ذلك الباب من الأول إلى المستحدث، أو ترك وحكي أبو حامد الإسفراييني عن بعض أصحابنا أنه إن نقل باب الأول إلى الثاني،
[ ١٠ / ٤٥٣ ]
حنث بدخول الثاني دون الأول، وإن ترك على الأول حنث بدخول الأول، ولم يحنث بدخول الثاني، فجعل الباب معتبرًا بالخشب المنحوت دون الفتح المعقود، والذي عليه جمهور أصحابنا هو المعول عليه من مذهب الشافعي أن الباب معتبر بالفتح المقعود، دون الخشب المنصوب، لأن الباب على ما يكون منه الدخول، والخروج، وذلك من الفتح المعقود، فكان أحق بالاسم من الخشب المنصوب.
والثالث: أن يحلف لا دخلت هذه الدار من بابها، ولا يشير إلى باب بعينه، فإن تسور عليه من جدارها، أو دخل من ثقب في حائطها لم يحنث، وإن دخل من بابها الموجود لها وقت يمينه حنث، وإن استحدث لها باب غيره فدخل منه ففي حنثه وجهان:
أحدهما: وهو ظاهر ما نص عليها الشافعي في هذا الموضع، أنه لا يحنث وبه قال أبو علي بن أبي هريرة لأن اليمين انعقدت على باب موجود، فكان شرطًا في الحنث، كما لو حلف: "لا دخلت دار زيد" فباعها زيد لم يحنث.
والثاني: وهو أظهرهما وبه، قال أبو إسحاق المروزي أنه يحنث لأن الحادث باب لها فصار داخلًا من بابها فصار كما لو حلف "لا دخلت هذه الدار التي لزيد" فباعها زيد، حنث بدخولها، فيكون نص الشافعي محمولًا على تعين الباب دون إبهامه.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وَهُوَ رِدَاءٌ فَقَطَعَهُ قَمِيصًا أَوْ اتْتَزرَ بِهِ أَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ سَرَاوِيلَ فَئْتَزَرَ بِهِ أَوْ قَمِيصًا فَارْتَدَى بِه فَهَذَا كُلُّهُ لُبْسٌ يَحْنَثُ بِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ فَلَا يَحْنَثُ إِلَّا عَلَى نِيَّتِهِ".
قال في الحاوي: وهذه مسألة اختلط فيها كلام أصحابنا، حتى خبطوا خبط عشواء، وسنذكر ما يسره الله تعالى، وأرجو أن يكون بالصواب مقرونًا، فإذا حلف لا يلبس ثوبًا، وهو على صفة، فلبسه وهو على خلافها، كمن حلف لا يلبس ثوبًا هو رداء فائتتزر به، أو قطعه قميصًا، أو حلف لا يلبس قميصًا، فارتدى به، أو قطعه سراويل أو حلف لا يلبس سراويل، فائتزر به، أو حوله منديلًا أو حلف لا يلبس طيلسانًا، فتعمم به، أو قطعه ملبوسًا، فلا يخلو حال يمينه من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يعقدها على عين الثوب، ويلغي صفته، وصفة لبسه، فهذا يحنث على أي حال لبسه، وعلى أي صفة لبسه مع تغير أحواله، وأوصافه اعتبارًا، بعقد اليمين على عينه، دون صفته، وهذا مما اتفق أصحابنا عليه.
والثاني: أن يعقد يمينه على صفة الثوب وصفة لبسه فحنث يلبسه إذا كان على حاله، وعلى الصفة المعتادة في لبسه، ولا يحنث أن يجعل الإزار قميصًا، أو اتزر به،
[ ١٠ / ٤٥٤ ]
ولا إن جعل القميص سراويل، أو ارتدى به ولا أن جعل السراويل منديلًا، أو اتزر به، حتى يجمع في لبسه بين بقائه على صفته، وبين المعهود في لبسه، اعتبارًا بما عقد يمينه عليه، من الجمع بين الأمرين، وهذا مما اتفق أيضًا عليه أصحابنا.
والثالث: وهو الذي اختلط فيه الكلام، واختلف فيه الجواب وهو أن يعقد يمينه على الإطلاق، فيقول: لا لبست هذا الثوب، أو هذا القميص، أو هذه السراويل، فيغيره عن صفته، أو يلبسه على غير عادته، فقد اختلف أصحابنا فيما يقع به حنثه على ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو الظاهر من مذهب الشافعي ﵁ أنه يحنث بلبسه على أي صفة كانت، فإن غير القيمص سراويل أو ارتدى به أو غير السراويل منديلًا، أو اتزر به حنث وهو قول الجمهور من أصحابنا، تغليبًا لحكم العين على الصفة ولحكم الفعل على العادة، وقد نص بقوله، فهذا كله ليس يحنث به، ويكون قوله: لا لبست ثوبًا وهو رداء من كلام الشافعي صفة للثواب، وليس من كلام الحالف شرطًا في الحنث، لأن الحالف لو قال: "هذا لم يحنث إذا لبسه وهو غير رداء".
والثاني: وهو منسوب إلى المزني، وطائفة من متقدمي أصحابنا أنه لا يحنث بلبسه، إذا غيره عن صفته، ولا إذا لبسه على غير عادته، فإن جعل الرداء قميصًا، أو القميص سراويل، وارتدى بالقميص أو اتزر بالسراويل، لم يحنث، حتى يتقمص بالقميص، ويتسرول بالسراويل، ويرتدي بالرداء، فيجمع بين بقائه على صفته، وبين لبسه على عادته، حتى حكى عن المزني، أنه قال لو حلف لا يلبس خاتمًا، فلبسه في غير الخنصر من أصابعه لم يحنث، لأنه عدل به عن عادة لبسه، والعرف ولعادة في الأيمان شرط معتبر، ولأن المحرم ممنوع من لبس القميص والسراويل، ولو ارتدى بالقميص واتزر بالسراويل، جاز ولم يكفر وتأول قائل هذا الوجه كلام الشافعي، فهذا كله ليس بحنث على النفي أي لا يحنث به وهذا التأويل لكلامه زلل من قائله، لأن الشافعي قال بعده، إلا أن تكون له نية ولا نحسبه إلا على نيته، وهذا استثناء ضد حكم المستثنى منه فهذا الاستثناء نفي فلم يجز أن يعود إلى نفي، لأنه إنما يستثنى النفي من الإثبات، ويستثنى الإثبات من النفي، فدل على فساد هذا التأويل، وإن كان لما قاله من الحكم وجه.
والثالث: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه إن كانت يمينه على الثوب حنث بلبسه على جميع الأحوال، فإن اشتمل به أو ارتدى أو تعمم، أو قطعه قميصًا أو سراويل حنث، وإن كانت يمينه على قميص لم يحنث إذا غيره فجعله سراويل، أو ارتدى به، ولم يتقمص، وفرق بين اسم الثوب والقميص بأن اسم الثوب عام، ينطلق على كل ملبوس، ولا يزول عنه اسم الثوب وإن تغيرت أوصفاه، واسم القميص خاص، يزول عنه اسم القميص إذا غيره فجعل سراويل، أو يخرج عن العرف، إذا لبس على غير المعهود من
[ ١٠ / ٤٥٥ ]
الارتداء به فلم يحنث بتغيير لبسه، ولا بتخيير قطعه، لوقوع الفرق بينهما ببقاء الاسم على الثوب إذا غير لعمومه وزواله عن القميص، إذا غير لخصوصه ومن حكي عن أبي إسحاق غير هذا حرف عليه، لأن شرحه دار على ما ذكرنا.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَ رَجُلٍ مَنَّ عَلَيْهِ فَوَهَبَهُ لَهُ فَبَاعَهُ وَاشْتَرَى بِثَمَنِهِ ثَوْبًا لَبِسَهُ لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا أَنْ يَلْبَسَ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ بَعَيْنِهِ وَإِنَّمَا أَنْظُرُ إلى مَخْرَج اليَمِينِ ثُمَّ أَحْنُث صَاحِبَهَا أَوْ أَبُّرُهُ وَذَلِكَ أَنَّ الأَسْبَابَ مُتَقَدِّمَةٌ وَالأَيْمَانُ بَعْدَهَا مُحَدَّثَةٌ قَدْ يَخْرُجُ عَلَى مِثَالِهَا وَعَلَى خِلَافِهَا فَأُحْنِثُهُ عَلَى مَخْرَجِ يَمِينِهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا لَوْ كَانَ قَالَ وَهَبْتُ لَهُ مَالِي فَحَلَفَ لِيَضْرِبَنَّهُ أَمَا يَحْنَثُ إِنْ لَمْ يَضْرِبْهُ؟ وَلَيْسَ يُشْبِهُ سَبَبَ مَا قَالَ؟ ".
قال في الحاوي: اعلم أن عقد الأيمان ضربان:
أحدهما: ما ابتدأ الحالف عقد يمينه على نفسه من غير أن يتقدمها سبب يدعو إليه، فيقول مبتدأ والله لا كلمت زيدًا فلا يحنث بغير كلامه، أو يقول: لا أكلت طعامه، فلا يحنث بغير أكل طعامه، أو لا لبست له ثوبًا، فلا يحنث بغير لبس ثيابه، أو لا ركبت له دابة، فلا يحنث بغير ركوب دوابه، وهذا متفق عليه، لم يخالفنا مالك في شيء وتكون اليمين مقصورة على اقتضاه الاسم من خصوص وعموم.
والثاني: أن تتقدم اليمين أسباب دعت إليها مثل أن يمن عليه رجل بإحسان أوصله إليه، أو بمال أنعم به عليه، فبعثه ذلك على اليمين فيقول والله لا لبست لك ثوبًا، ولا شربت لك ماء من عطش فقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في هذا هل تكون اليمين محمولة على السبب المتقدم أو مقصورة على العقد المتأخر، فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنها مقصورة على ما تضمنه لفظ الحالف في عقودها، ولا اعتبار بما تقدمه من سببها، فإذا حلف لا يلبس له ثوبًا لم يحنث بركوب دوابه، ولا بأكل طعامه، ولا بدخول داره. وإذا حلف لا شربت لك من عطش لم يحنث ليشرب غير الماء من الشراب ولا بلبس الثياب ولا بركوب الدواب وقال مالك ﵀ ومن وافقه من أهل المدينة ﵃: أن يمينه محمولة على السبب الداعي إليها، فإذا كان سببها المنة عامة، حنث بكل نفع عاد إليه، فإن حلف لا يلبس له ثوبًا حنث بأكل طعامه وركوب دوابه، وسكن داره، ولو حلف لا شربت لك ماء من عطش حنث بكل أقواله وحنث إن استظل بجدار داره اعتبارًا بعموم السبب. وإلغاء الخصوص في اليمين استدلالًا بأمرين:
أحدهما: أنه لما جاز في الأيمان تخصيص عمومها بالعرف حتى يخرج منها بعض ما انطلق عليه الاسم جاز أن يتجاوز خصوصها بالعرف، إلى غير ما انطلق (عليه) الاسم.
[ ١٠ / ٤٥٦ ]
والثاني: أنه لما جاز في أصول الشرع تخصيص العموم في قتل المشركين مع وجود الاسم، وجاز تجاوز النص في ثبوت الربا في البر أن ما لا ينطلق عليه اسم البر وجب اعتبار مثله في الأيمان فيخص عمومها بالعرف تارة مع وجود الاسم ويتخطاه بالعرف تارة مع عدم الاسم.
والدليل على اعتبار الاسم وإسقاط السبب هو أن السبب قد يتجرد عن اليمين فلا يتعلق، وقد تنفرد اليمين عن سبب فيتعلق بها الحكم فوجب إذا اجتمعا وهما مختلفان أن يتعلق الحكم باليمين دون السبب لأمرين:
أحدها: لقوة اليمين على السبب.
والثاني: لحدوث اليمين وتقدم السبب وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]. ولأن ما لا ينطلق عليه حقيقة الاسم المظهر لم يجز أن يكون في الأيمان معتبرًا ألا تراه لو قال: والله لا، وقطع كلامه، فقال: أردت: لا كلمت زيدًا، لم تنعقد يمينه على الامتناع من كلامه، وإن أراده بقلبه وقرنه بيمينه فلأن لا تنعقد على السبب الذي يقترن باليمين ولم يعتقد القلب أولى: وقد قال النبي ﷺ: "إنما أحكم بالظاهر ويتولى الله السرائر".
واحتج الشافعي ﵁ على إلغاء السبب بأن رجلًا لو وهب لرجل مالًا فحلف الموهوب له ليضربن الواهب. حنث إن لم يضربه، وإن كان يمينه مخالفة لما تقدمها من السبب، وقد كان يلزم من اعتبار الأسباب أن لا يحنثه فيها، وإن لم نقله فدل على فساد اعتباره.
فأما الجواب عن استدلالهم بأنه لما جاز في الأيمان تخصيص عمومها بالعرف جاز تخطي خصوصها بالعرف، فهو أن العرف من تخصيصها مقارن بعقدها فجاز اعتباره والعرف في تخطي خصوصها، مفارق فلم يجز اعتباره وأما الجواب عن استدلالهم بأنه لم جاز في أصول الشرع تخصيص العموم مع وجود الاسم وجاز تجاوز النص في ثبوت الربا في البر إلا ما لا ينطلق عليها اسم البر كذلك في الأيمان معتبرة بالأسامي دون المعاني، لأن الضرورة دعت في المسكوت عنه في أحكام الشرع إلى اعتبار المعاني وتجاوز الأسامي، ولم تدع الضرورة في الأيمان إلى اعتبار المعاني، فوقفت على اعتبار الأسامي والله أعلم.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ بَيْتَ فُلَانٍ فَدَخَلَ بَيْتًا يَسْكُنُهُ فُلَانٌ بِكِرَاءٍ لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ نَوَى مَسْكَنَ فُلَانٍ فَيَحْنَثَ".
[ ١٠ / ٤٥٧ ]
قال في الحاوي: أما إذا قال: والله لا دخلت مسكن زيد، فدخل دارًا يسكنها زويد بملك أو إجارة أو غصب حنث لأنها مسكن له في الأحوال كلها، ولو حلف لا يدخل دار زيد، فدخل دارًا يملكها زيد حنث. سواء كان يسكنها أو لا يسكنها، ولو كان زيد يملك نصفها أو أكثرها لم يحنث، ولو دخل دارًا يسكنها زيد بإجارة وهو لا يملكها لم يحنث على مذهب الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك يحنث استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال: ٥]، وكان قد أخرجه من بيت خديجة: فأضاف البيت إليه، وإن لم يملكه، لأنه كان ساكنه. وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١]، أي من بيوت أزواجهن فأضافها إليهن بسكناها، لأن ملكها لا يجوز أن يخرج منه بالفاحشة المبينة، ولا يغيرها ولأنه لما كان الإذن في دخولها مقصورًا عليه دون مالكها صار بالإضافة إليه أحق فوجب أن يكون بالحنث ألزم.
ودليلنا أن إضافة الأملاك بلام التمليك تقتضي إضافة الملك للرقاب دون المنافع ألا تراه لو قال: هذه الدار لزيد كان هذا إقرارًا منه له بالملك دون المنفعة، فلو قال: أردت أنه مالك لمنافعها لم يقبل منه فإذا كان هذا في الإقرار موجبًا للملك وجب أن يكون في الأيمان محمولًا على الملك، ولأنه لو سكن زيد دار عمرو، فحلف رجل ألا يدخل دار زيد وحلف آخر لا يدخل دار عمرو ثم دخلها كل واحد من الحالفين قالوا: يحنثان جميعًا فجعلوها كلها دار زيد، وجعلوها كلها دار عمرو ومن المستحيل أن يكون كل الدار لزيد وكلها لعمرو، فوجب أن تضاف إلى أحقهما بها والمالك أحق بها من الساكن، لأن الساكن لو حلف أن الدار له، حنث والمالك إن حلف أن الدار له لم يحنث. فوجب أن يكون الحانث من الحالفين من اختص بالملك دون الساكن. وأما الجواب عن استلالهم بالآيتين في إضافة الدار إلى ساكنها فهو أنها إضافة مجاز لا حقيقة كما يقال: مال العبد وسرج الدابة، والأيمان محمولة على حقائق الأسماء دون مجازها.
وأما الجواب عن استلالهم بالإذن فهو أن استحقاق الإذن لا يغير حكم الملك، كما لو حلف المالك لا دخلت داري فدخل دارًا قد أجرها حنث، وإن كان الإذن في دخولها حقًا لغيره، فإذا تقرر هذا فهذا هو الكلام في الحكم مع عدم النية، فأما إن كانت له نية تخالف هذا الإطلاق حمل في الحنث على نيته.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حُمِلَ فَأُدْخِلَ فِيْهِ لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ تَرَاخَى أَوْ لَمْ يَتَرَاخَ".
[ ١٠ / ٤٥٨ ]
قال في الحاوي: أما إذا حلف أن لا يدخل دارًا فدخلها مختارًا ذاكرًا حنث بدخولها ماشيًا كان أو راكبًا لأنه دخل إليها حقيقة، ولو دخلها ناسيًا كان على قولين نذكرهما من بعد، ولو حمل فأدخل إليها محمولًا فلا يخلو فيه من أحد أمرين: إما بأمره أو بغير أمره، فإن كان قد أمر بحمله فعل الدخول، وإن كان من غيره فهو منسوب إليه إذا كان عن أمره فأشبه دخوله إليها راكبًا.
فإن قيل: لو حلف لا باع، ولا ضرب فأمر غيره بالضرب والبيع لم يحنث، فهلا كانت في الأمر بالدخول كذلك.
قيل: لأن البيع والضرب وإن كان عن أمره فالفعل موجود من غيره، فكان مثاله من دخول الدار أن يأمر غيره بالدخول فلا يحنث. فهذا إذا دخل الدار بأمر سواء أدخل عقيب الأمر أو بعد تطاول الزمان تسوية بين الفور والتراخي، لإضافته إلى أمره في الحالين، فأما إذا حمل وأدخل الدار بغير أمره لم يحنث، استصعب أو تراخى، وقال مالك ﵁ إنه استصعب على الحامل لم يحنث، وإن تراخى حنث لأنه مع الاستصعاب كاره ومع التراخي مختار، وهذا ليس بصحيح، لأنه غير فاعل ولا آمر، فلا يجوز أن يضاف إليه ما لم يفعله، ولم يأمر به، ولو جاز أن يضاف إليه لاستوى حكمه في حالتي الاستصعاب والتراخي لأنه يمينه محمولة على الفعل دون الاختيار والكراهية، فأما قول الشافعي: "تراخى أو لم يتراخ" فمن أصحابنا من حمله على الرد على مالك في سقوط الحنث مع الاستصعاب والتراخي، ومنهم من حمله على الأمر في وقوع الحنث على الفور والتراخي فإذا ثبت أنه لا يحنث، إذا حمل نظر فإن بادر بالخروج منه عقب قدرته على الخروج فهو على بره وإن مكث بعد قدرته على الخروج. ففي حنثه قولان على ما بيناه من قبل هل يكون استدامة الدخول جاريًا ابتدائه أم لا؟
وقد نص الشافعي ها هنا على أنه يحنث به فكان أولاهما بمذهبه.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "وَلَوْ قَالَ: نَوَيْتُ شَهْرًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي الحُكْمِ إِنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَدِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ﷿".
قال في الحاوي: أما اليمين المطلقة أن لا يدخل الدار فمحمولة على التأبيد فإن قيدها نطقًا في الامتناع من دخولها شهرًا لم يحنث بدخولها بعد انقضائه ولو نوى مع إطلاق يمينه أن لا يدخلها شهرًا لم تخل اليمين من أن يتعلق بها حق آدمي أو لا يتعلق بها حق آدمي، وهي اليمين بالله تعالى في غير الإيلاء، فهو محمول على نيته في الظاهر والباطن لاختصاصها بحقوق الله تعالى المحضة فكانت موكولة إلى ديانته، وإن تعلق بها
[ ١٠ / ٤٥٩ ]
حق آدمي كاليمين بالطلاق والعتاق وبالله في الإيلاء من الزوجة حمل على ظاهر الحكم عند نزاعه على ما اقتضاه ظاهره لفظه من التأبيد دون ما نواه من التقييد، لأن الحكم في حقوق الآدميين محمول على الظاهر فيقع الحنث بوجود ذلك على التأييد، وهو فيما بينه وبين الله تعالى في البطن محمول على ما نوى من التقييد.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا فَدَخَلَ عَلَى رَجُلٍ غَيْرِهِ بَيْتًا فَوَجَدَ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِيهِ لَمْ يَحْنَثْ لأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ فِي البَيْتِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ حَنَثَ فِي قَوْلِ مَنْ يُحَنِّثُ عَلَى غَيْرِ النِّيَّةِ وَلَا يَرْفَعُ الخَطَأَ. قَالَ المُزَنِيُّ ﵀: قَدْ سَوَّى الشَّافِعِيُّ فِي الحِنْثِ بَيْنَ مَنْ حَلَفَ فَفَعَلَ عَمْدًا أَوْ خَطَأَ".
قال في الحاوي: وصورتها أن يقول: والله لا دخلت على زيد بيتًا فيدخل عليه، فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يدخل عليه في بيته الذي هو ساكنه إما بملك أو إجارة أو غصب، فإن كان ذاكرًا ليمينه حنث، وإن كان ناسيًا ففي حنثه قولان، وكذلك إذا دخل عليه مكرهًا على ما سنذكره من توجيه القولين:
أحدهما: يحنث بنفس الدخول.
والثاني: لا يحنث بنفس الدخول، ولا باستدامته مع تعذر الخروج، فإن أمكنه الخروج فأقام ولم يخرج حنث باستدامة الدخول قولًا واحدًا، لأنه قد وجد منه العقل وتجدد منه الذكر فصار كالعمد.
والثالث: أن يدخل عليه في مسجد فقد نص الشافعي في كتاب الأم أنه لا يحنث لأن اسم البيت ينطلق على المسجد مجازًا، والحقيقة أن يسمى مسجدًا، فحمل على الحقيقة دون المجاز، وعند مالك يحنث، لأنه يعتبر الأسباب.
والرابع: أن يدخل على عمرو بيتًا، فيكون زيد المحلوف عليه عنده في بيته فقد اختلف كلام الشافعي في حنثه بهذا الدخول فاختلف أصحابنا فيه على أربعة أوجه:
أحدها: وهو اختيار المزني أنه يحنث علم أن بالبيت أو لم يعلم اعتبارًا بالفعل دون القصد، وهو قول من حنث العامد والناس.
والثاني: وهو اختيار الربيع أنه لا يحنث علم أنه في البيت أو لم يعلم، لأنه داخل على غيره اعتبارًا بالمقاصد.
والثالث: وهو اختيار أبي العباس بن سريج أنه يحنث إن علم أنه في البيت ولا يحنث إن لم يعلم، لأنه مع العلم قاصد ومع الجهل غير قاصد، وهذا قول من فرق بين العمد والخطأ.
[ ١٠ / ٤٦٠ ]
والرابع: وهو مذهب عطاء أنه إن لم يعلم به أو علم فاستثناه بقلبه لم يحنث وإن علم ولم يستثنه حنث تخريجًا ممن حلف لا يكلم زيدًا فسلم على الجماعة وهو فيهم، واستثناه بنيته لم يحنث على ما سنذكره من شرح المذهب فيه.
فصل
فإذا ثبت تعليل ما ذكرنا من هذه الأوجه الأربعة، فإن قيل: بوقوع الحنث بهذا الدخول حنث إذا جمعهما بيت واحد، فإن كانا في بيتين من دار واحدة لم يحنث لأنه لا يكون داخلًا عليه بيتًا، وإن جمعتهما دار واحدة، فإن كانت صغيرة لا يفرق المتبايعان فيها حنث، لأن اسم البيت منطلق على الدار عرفًا، لأنه مشتق من المبيت، وإن كانت الدار كبيرة، وكل واحد منهما بمكان يفترق المتبايعان منه لم يحنث، وكان أبو العباس بن سريج، يرى أنه لا يحنث حتى يدخل عليه، وهو في بيت من الدار، فإن دخل عليه وهو في صحنها أو صفتها لم يحنث اعتبارًا بحقيقة اسم البيت أنه منطلق على ما تميز من الدار بهذا الاسم كما لو قال: والله لا دخلت بيتًا فدخل صحن الدار أو صفتها، أو استطرق دهليزها لم يحنث، وبينهما فرق يمنع من التساوي، وإن كان أبو حنيفة يسوي بينهما في الحنث، كما سوى أبو العباس بينهما في البر.
وإن قيل: بأن الحنث لا يقع بهذا الدخول، فإن بادر بالخروج ساعة دخوله أو بادر المحلوف عليه بالخروج لم يحنث، وإن لم يخرج واحد منهما في الحال ففي حنثه قولان، فمن حلف لا يدخل دارًا وهو داخلها، هل يحنث بالاستدامة كما يحنث بالابتداء أم لا؟ على قولين:
أحدهما: يحنث هذا إذا جعل الاستدامة كالابتداء.
والثاني: لا يحنث، إذا فرق بين الاستدامة والابتداء فلو دخل المحلوف عليه بيتًا على الحالف فإن بادر الحالف بالخروج منه لم يحنث، وإن أقام فيه، فإن قيل: إن استدامة الدخول لا تكون دخولًا لم يحنث الحالف ها هنا.
وإن قيل: إن استدامة الدخول تكون كابتدائه ففي حنث الحالف ها هنا وجهان:
أحدهما: يحنث لأنه قد صار كالداخل.
والثاني: لا يحنث لأنه مدخول عليه وليس بداخل على المحلوف عليه والله أعلم.
مسألة
قَالَ الشَّافِعيُّ ﵀: "وَلَوْ حَلَفَ لَيَاكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ غَدَا فَهَلَكَ قَبْلَ غَدٍ لَمْ يَحْنَثَ لِلإِكْرَاهِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ
[ ١٠ / ٤٦١ ]
مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النّحل: ١٠٦] فَعَقَلْنَا أَنَّ قَوْلَ المُكْرَهِ كَمَا لَمْ يَكُنْ فِي الحُكُمِ وَعَقَلْنَا أَنَّ الإِكْرَاهِ هُوَ أَنْ يُغْلِبَ بِغَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ فَإِذَا تَلَفَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ لِيَفْعَلَنَّ فِيهِ شَيْئًا بِغَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ فَهُوَ فِي أَكْثَرِ مِنَ الإِكْرَاهِ".
قال في الحاوي: ومقدمة هذه المسألة أن من حلف لا يفعل شيئًا ففعله ناسيًا أو جاهلًا أو مكرهًا ففي حنثه قولان:
أحدهما: يحنث به وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل.
والثاني: لا يحنث وبه قال عطاء والزهري وعمرو بن دينار وإسحاق بن راهويه.
فإذا قيل: يحنث فدليله قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩]، فكان عقدها موجبًا للمؤاخذة بالكفارة على عموم الأحوال من عمد وخطأ وعلم وجهل واختيار وإكراه ولأن إطلاق عقدها مع القدرة على استثناء النسيان والإكراه فيها موجب لحملها في الحنث على إطلاق الأحوال كلها كما أن تقييدها موجب لتقييد الحنث فيها اعتبارًا بالنصوص الشرعية في حمل المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده ألا ترى أن إطلاق قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، موجب للجزاء في العمد والخطأ وإطلاق قول النبي ﷺ: "لا ينكح المحرم ولا يُنكح" موجب لإبطال النكاح مع الذكر والنسيان، ولأن الكفارة تطهير فأشبهت طهارة الحدث فلما استوى حكم الحدث في العمد والخطأ وجب أن يستوي حكم الحنث في العمد والخطأ وإذا قيل لا يحنث، فدليله قول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فكان رفع الجناح في الخطأ موجبًا لإسقاط الكفارة عن الخاطئ وبما رواه ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" فكان حكم الأيمان داخلًا في عموم هذا التجاوز، ولأن مطلق النواهي في الشرع محمول على العمد دون السهو، كالكلام في الصلاة والأكل في الصيام، كذلك في الأيمان، ولأن عقد الأيمان لما لم يلزم إلا بالقصد والاختيار وجب أن يكون حلها بالحنث لا يكون إلا عن قصد واختيار فهذا توجيه القولين والبغداديون من أصحابنا يذهبون إلى تصحيح القول بأن لا حنث على الناس، لما يرتكبونه من خلاف أبي حنيفة، وأما البصريون فقال أبو القاسم الصيمري: ما أفتيت في يمين الناسي بشيء قط، وحكي عن شيخه أبي العياض أنه لم يفت فيها بشيء قط، وحكي أبو العياض عن شيخه أبي حامد المروزي أنه لم يفت فيها بشيء قط فاقتديت بهذا السلف ولم أفت فيها بشيء لأن استعمال التوقي أحوط من ورطات الأقدام.
[ ١٠ / ٤٦٢ ]
فصل
فأما يمين المكره فلا تنعقد قولًا واحدًا.
وقال أبو حنيفة: تنعقد كالمختار، وقد مضى الكلام معه في كتاب الطلاق. ودليله في الأيمان ما روي أن اليمان والد حذيفة حلفه المشركون أن لا يغير رسول الله ﷺ فأخبر رسول الله ﷺ بذلك، فقال: "أوف بعهدك" فسوى بين يمين المكره والمختار ولأنها يمين مكلف فانعقدت كالمختار.
ودليلنا رواية مكحول عن واثلة بن الأسقع وعن أبي أمامة قالا قال رسول الله ﷺ "ليس على مقهور يمين"، ولأن ما منع ثبوت الكفر من انعقاد اليمين كالجنون، وأما يمين اليمان بها مختارًا، لأنه كان مشركًا.
وأما قياسهم على المختار فلا يصح الجمع بينهما كما لا يصح الجمع بينهما في الكفر.
فصل
فإذا تقرر ما ذكرنا في هذه المقدمة فصورة مسألتنا هذه أن يحلف ليأكلن هذا الطعام غدًا أو ليركبن هذه الدابة غدًا، أو ليلبس هذا الثوب غدًا، فلا يخلو حاله في ذلك من أربعة أقسام:
أحدها: أن يفعل ذلك في وقته.
والثاني: أن يقدمه على وقته.
والثالث: أن يؤخره عن وقته.
والرابع: أن يفوته فعله في وقته.
فأما القسم الأول: وهو أن يفعل ذلك في وقته، وهو أن يأكل الطعام في غده ويركب الدابة ويلبس فيه الثوب، فقد بر في يمينه إذا جعل ذلك ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس، لأن الغد هو يوم يستوعب ما بين طلوع فجره وغروب شمسه وليس ما قبل طلوع الفجر بعد غروب الشمس من الغد ولا هما وقت البر.
وأما القسم الثاني: وهو أن يقدم فعل ذلك قبل وقته فهو أن يأكل الطعام في يومه ويركب فيه الدابة، ويلبس فيه الثوب، فلا يبر بذلك عند الشافعي ويحنث بالاقتصار على فعله فيه.
وقال مالك أبو حنيفة: يبر ولا يحنث، لأن مقصود يمينه أن لا يؤخذ فعل ذلك عن غده وهو في القديم غير مؤخر له فبر فيه.
ودليلنا هو أن البر مفيد بزمان فوجب أن يكون شرطًا فيه كالمقيد بالمكان ولأنه لما كان تقديم المكان كتأخيره وجب أن يكون تقديم الزمان كتأخيره، وإذا لم يبر بفعل ذلك في يومه فإن كان طعامًا قد أكله حنث، إذا لا سبيل له أن يأكله في غده إلا أن حنثه لا
[ ١٠ / ٤٦٣ ]
يقع إلا في غده، وهل يتعلق حنثه بطلوع فجره، أو بغروب شمسه، على وجهين:
أحدهما: يحنث بطلوع فجره، لأنه أول وقت البر فيما فات، فأشبه الصلاة التي يكون خروج وقتها دليلًا على وجوبها بأوله.
والثاني: أن يحنث بغروب شمسه لبقاء زمان البر قبل الغروب فلم يتعلق به حكم القوات كأوله، فأما إن كان المحلوف عليه دابة إن ركبها في غده أو ثوبًا يلبسه فيه لم يحنث بركوب الدابة ولبس الثوب في يومه لإمكان ذلك في غده فإن ركب وليس في غده فيما بين طلوع فجره وغروب شمسه بر في يمينه، وإن لم يفعل حنث بغروب الشمس وجهًا واحدًا، لأن إمكان الفعل يمنع من القطع بالحنث.
وأما القسم الثالث: وهو أن يؤخر فعل ذلك عن وقته، فإن أخره عامدًا حنث، وإن أخره ناسيًا ففي حنثه قولان:
أحدهما: يحنث.
والثاني: لا يحنث، ولا يلزمه فعله بعد فوات وقته، فلو أكل بعض الطعام في يومه وباقيه في غده حنث لأن إكمال الأكل في غده شرط في بره.
وأما القسم الرابع: وهو أن يفوته فعل ذلك في وقته، فهذا على أربعة أضرب:
أحدها: أن يفوت ذلك الحالف قبل الغد فلا حنث عليه لزوال تكليفه بالموت.
والثاني: أن يفوته ذلك باستهلاكه له قبل غده باختياره فيحنث في غده قولًا واحدًا، لأنه قد كان قادرًا على فعله في الغد.
والثالث: أن يتلف قبل غده بفعل غيره ففي حنثه قولان لزوال قدرته وعدم مكنته.
والرابع: أن يفوته فعله مع بقاء ذلك وجوده إما بحبس أو إكراه أو مرض، فيكون حنثه على قولين كالمكره فأما إن قدر على فعله في غده فلم يفعله مع القدرة حتى تلف في بقية غده، فقد اختلف أصحابنا، هل يجري على فواته فيه حكم المختار أو حكم المكره على وجهين:
أحدهما: يجري عليه حكم المختار لإمكان فعله في وقته، فعلى هذا يحنث قولًا واحدًا.
والوجه الثاني: يجري عليه حكم المكره لبقاء رقته، فعلى هذا يكون في حنثه قولان، والله أعلم.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ لَوَقْتٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ فَمَاتَ قَبْلَ يشَاءَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ أَنَّهُ لَا حَنَثَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ فُلَانٌ فَمَاتَ فُلَانٌ الَّذِي
[ ١٠ / ٤٦٤ ]
جَعَلَ المَشِيئَةَ إِلَيْهِ. قَالَ المُزَنِيُّ: هَذَا غَلَطٌ لَيْسَ فِي مَوْتِهِ مَا يَمْنَعُ إِمْكَانَ بَرِّهِ وَأَصْلُ قَوْلِهِ وَإِنْ أَمْكَنَهُ البِرُّ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى فَاتَهُ الإِمْكَانُ أَنهُ يَحْنَثُ وَقَدْ قَالَ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ إِلَّا بِإِذْنِ فُلَانٍ فَمَاتَ الَّذِي جَعَلَ الإِذْنَ إِلَيْهِ أَنَّهُ إِنْ دَخَلَهَا حَنَثَ قَالَ المُزَنِيُّ: وَهَذَا وَذَاكَ سَوَاءٌ".
قال في الحاوي: وهاتان مسألتان جمع المزني بينهما، ونحن نذكر قبل شرحهما مسألتين ليكونا أصلًا يتمهد به جواب مسائلهم، فتصير المسائل أربعًا.
فالمسألة الأولى: أن يقول: والله لأقضينك حقك، ولا يعين للقضاء وقتًا، فيكون بره معتبرًا بقضائه قبل موت الغريم وصاحب الحق في قريب الزمان وبعيده سواء، لأن إطلاق اليمين يتناول مدة الحياة، فإن مات صاحب الحق قبل قضائه حنث الحالف، وكذلك لو مات الغريم الحالف قبل القضاء حنث أيضًا فيقع الحنث، بموت كل واحد منهما قبل القضاء لحدوث الموت مع إمكان البر.
والمسألة الثانية: أن يحلف لأقضينك حقك في يوم الجمعة، فيجعل للقضاء وقتًا، فلا يبر الحالف إلا بقضائه فيه، فإن قضاه قبل يوم الجمعة أو بعده حنث، فلو مات الحالف قبل يوم الجمعة لم يحنث قولًا واحدًا لموته قبل إمكان بره، وإن مات صاحب الحق قبل يوم الجمعة ففي حنث الحالف قولان من اختلاف قوليه فيمن حلف ليأكلن هذا الطعام غدًا، فهلك الطعام اليوم.
أحدهما: يحنث.
والثاني: وهو أصح، لا يحنث، وعليه يكون التفريع، والفرق بين إطلاق اليمين، فيحنث بموت كل واحد منهما، وبين تقييدها بوقت فلا يحنث بموت كل واحد منهما قبل الوقت هو إمكان البر مع الإطلاق، وتعذر إمكانه مع التوقيت.
والمسألة الثالثة: وهي أولى المنصوصين أن يحلف ليقضينه حقه في يوم الجمعة، إلا أن يشاء صاحب الحق أن يؤخره، فبره معتبرًا بأحد شطرين إما أن يشاء صاحب الحق أن يؤخره قبل انقضاء يوم الجمعة، وإما أن يقضيه حقه في يوم الجمعة إلا أن مشيئة تأخيره حل ليمينه والقضاء بر في يمينه فإن مات الحالف قبل يوم الجمعة لم يحنث بفوات القضاء فيه، وإن مات صاحب الحق قبل يوم الجمعة لم يحنث الحالف أيضًا، لكنه إن مات بعد مشيئته ارتفع الحنث بحل اليمين، وإن مات قبل مشيئته ارتفع الحنث بتعذر إمكان البر، وإن احتمل تخريج الحنث.
والمسألة الرابعة: أن يحلف ليقضينه حقه في يوم الجمعة إلا أن يشاء زيد تأخيره، فارتفاع حنثه يكون بأحد شرطين: إما بمشيئة زيد للتأخير فتحل به اليمين، وإما بقضاء الحق في يوم الجمعة فيبر في اليمين، فإن مات الحالف قبل يوم الجمعة لم يحنث قولًا واحدًا، وإن مات صاحب الحق قبله لم يحنث على الصحيح من المذهب وإن احتمل تخريج الحنث، وإن مات زيد صاحب المشيئة وهي مسألة الكتاب فله قبل موته ثلاثة أحوال:
[ ١٠ / ٤٦٥ ]
أحدها: أن يموت بعد مشيئة التأخير، فاليمين قد انحلت ولا يقع الحنث فيها بتأخير القضاء.
والحال الثانية: أن يموت قبل مشيئة التأخير، فاليمين منعقدة ولا حنث عليه في الحال، لأن زمان البر منتظر، وهو بإمكان القضاء معتبر فإن قضاه في يوم الجمعة بر، وإن لم يقضه حنث لإمكان البر، فأما المزني لما رأى الشافعي ﵀ قال في هذه المسألة: إنه لا يحنث بموت صاحب المشيئة كما لو كانت المشيئة مردودة آلي صاحب الحق ظن أنه جمع بينهما في سقوط الحنث بموتها في الأحوال كلها، فقال: كيف جمع بينهما في سقوط الحنث بموتها والبر في موت صاحب الحق متعذر وفي موت صاحب المشيئة ممكن فيقال له: إنما جمع الشافعي ﵀ بينهما في أن الحنث لا يقع في حال موتهما، لأن وقت القضاء لم يأت فصارا فيه سواء في الحال، وإن افترقا بتأخير القضاء، فيحنث بتأخيره إذا كانت المشيئة إلى غير صاحب الحق، ولا يجب تأخيره إذا كانت المشيئة إلى صاحب الحق بما علل المزني من تعذر القضاء بموت صاحب الحق أو إمكانه بموت غيره.
والحال الثالثة: من أحوال صاحب المشيئة قبل موته أن يقع الشك في مشيئته، فلا يعلم هل شاء التأخير أو لم يشأ فالذي عليه جمهور أصحابنا وهو الصحيح أنه يجري عليه حكم من لم يشأ التأخير، لأن الأصل عدم المشيئة حتى يعلم حدوثها، فيكون الحكم على ما مضى.
وحكي أبو علي بن أبي هريرة أنه يجري عليه حكم التأني فلا يحنث الحالف بتأخير القضاء اعتبارًا بالظاهر من نص الشافعي واحتجاجًا بأن الحنث لا يقع بالشك وهذا زلل لأن اليمين منعقدة فلا تحل بالشك.
فصل
ثم إن المزني وصل احتجاجه على ما وهم في تأويله وإن أصاب في جوابه بأن الشافعي قال: إن حلف لا يدخل الدار إلا بإذن فلان، فمات الذي جعل الإذن إليه، إنه إن دخلها حنث، وهذا وذاك سواء، وهذا صحيح.
والجواب في المسألتين على ما ذكره، وليس بينه وبين الشافعي فيهما اختلاف وإنما وهم فيما أطلقه الشافعي من جواب المسألة المتقدمة، فإذا حلف لا يدخل الدار إلا بإذن زيد فدخلها بعد موت زيد فإن كان زيد قد أذن قبل موته لم يحنث، ويكون إذنه شرطًا في البر وتكون المشيئة في المسألة المتقدمة شرطًا في حل اليمين لأن اليمين في دخول الدار معقودة على الإذن، وفي المشيئة معقودة على القضاء، وإن مات زيد قبل إذنه حنث في الدخول، لأن شرط البر لم يوجد، وإن مات على وشك من وجود إذنه وعدمه حنث وجهًا واحدًا على قول جميع أصحابنا، والفرق بين الإذن في هذه المسألة وبين المشيئة في المسألة المتقدمة حيث خرج فيها بعض أصحابنا من الاحتمال على ما خرج فمن وجهين:
[ ١٠ / ٤٦٦ ]
أحدهما: أن الإذن ظاهر والمشيئة باطنة.
والثاني: أن الإذن في هذه شرط في البر، والمشيئة في ذلك شرط في الحل. والله أعلم.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: "وَلَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ عِنْدَ رَاسِ الهِلَالِ أَوْ إلى رَاسِ الهِلَالِ فَرَأَى فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي يَهِلُّ فِيهَا الهِلَالُ حَنَثَ. قَالَ المُزَنِيُّ ﵀: وَقَدْ قَالَ فِي الَّذِي حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ إلى رَمَضَانَ فَهَلْ إِنَّهُ حَانِثٌ لَأَنَّهُ حَدَّ قَالَ المُزَيِيُّ ﵀: هَذَا أَصَحُّ كَقَوْلِهِ إلى اللَّيْلِ فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ حَنَثَ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح كقوله إلى الليل فإذا جاء الليل حنث، نقل المزني عن الشافعي في هذا الموضع ثلاث مسائل، اتفق الجواب في مسألتين واختلف في الثالثة، إحدى المسائل التي اتفق المذهب في الجواب عليها إذا حلف ليقضيه حقه عند رأس الهلال، أو عند رأس الشهر فوقت بره معين بين زماني حنث وهو أن يقضيه مع رأس الشهر ورؤية الهلال، فإن قضاه قبل الهلال حنث، وإن قضاه بعد الهلال وبعد إمكان القضاء معه حنث بمضي زمان الإمكان بعد الهلال.
وقال مالك: لا يحنث بقضائه قبل القضاء يوم وليلة، وجعل زمان القضاء بعد الهلال معتبرًا بيوم وليلة، واعتبره الشافعي ﵀ بالإمكان وهو أصح، لأن مقادير الزمان إن لم تؤخذ عن نص أو قياس بطلت لما يتوجه عليها من المعاوضة وإذا ثبت أن ذلك معتبر بالإمكان فعليه أن يأخذ في القضاء مع رأس الشهر فيستوي حكم قوله: عند رأس الشهر مع رأس الشهر، وإن كان الحق مما لا يكون زمان قضائه كوزنه من ذهب أو فضة، ضاق زمان بره لإمكان وزنه في أول زمان بعد رأس الشهر، فإن أخره عنه بأقل زمان حنث، فإن شرع في حمله إليه مع رأس الشهر، وكان بعيد الدار منه حتى مضت الليلة أو أكثرها لم يحنث، لأنه معتبر في الإمكان، وإن كان الحق مما يطول زمان قضائه كمائة كر من بر اتسع زمان بره، إذا شرع في القضاء مع رأس الشهر وامتد بحسب الواقع من كيل هذا القدر حتى ربما أيامًا، فإن أخر عند رأس الشهر في جميع ما يقضيه وتحصيله للقضاء حنث، ولو أخذ في نقله إليه لم يحنث، لأن نقله مشروع في القضاء، وليس جمعه مشروعًا فيه، وقول الشافعي ﵀ في هذه المسألة فرأى في الليلة التي يهل فيها الهلال حنث، يعني إذا لم يقضه فيها، فإن قضاه بر، وليس رؤية الهلال شرطًا وإنما دخول الشهر بأوله جزء من ليلته هو الزمان المعتبر، لأن الهلال ربما غم بسحاب منع من رؤيته إلا أن يعلم في ليلة شك، فلا يكون من الشهر.
[ ١٠ / ٤٦٧ ]
فصل:
وأما المسألة الثانية المتفق عليها، فهي أن يحلف ليقضينه حقه إلى رمضان، فجعل رمضان غاية واحدًا، لأنه علقه بحرف وضع للغاية والحرف هو "آلي" فيكون زمان بره، من وقت يمينه إلى أول جزء من ليلة رمضان كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فكان زمان الصيام إلى أول جزء من أجزاء الليل فإن لم يقضه حقه حتى دخل أول جزء من ليلة رمضان حنث ويجيء على مذهب مالك أنه لا يحنث إلا بانقضاء يوم وليلة منه، فإن شرع في قضاء الحق قبل رمضان وكمله في رمضان لطول زمانه بر، لأن الشروع في القضاء كالقضاء، فإن أخر القضاء في ليلة شك في دخول رمضان، ثم بان أنها من رمضان، ففي حنثه قولان كالناسي والمكره، فإن قال: أردت بقولي إلى رمضان أي: في رمضان، دين في الباطن لاحتمال ما أراد لأنها حروف تقام بعضها مقام بعض كقول الله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي: عليها فأما في ظاهر الحكم فيحنث إذا تعلق بيمينه حق آدمي من طلاق أو عتاق اعتبارًا بحقيقة اللفظ دون مجازه، فإن حلف لأقضينك حقك عند رمضان لم يبر بقضائه قبل رمضان، لأن كلمة عند موضوعة للمقاربة، فإذا أهل رمضان احتمل ما يعتبر في بره وجهين:
أحدهما: يعتبر بإمكان القضاء عند دخوله، فإن أخره حنث كما لو قال عند رأس الشهر.
والثاني: يكون جميع الشهر وقتًا للبر، لأنه لم يعين على جزء منه، فصار حكم آخره كحكم أوله.
فصل
وأما المسألة الثالثة: المختلف فيها، فهو أن يحلف ليقضينه حقه عند رأس الهلال، أو إلى رأس الهلال، فالذي نقله المزني فيها عن الشافعي أنه جمع بين قوله: إلى رأس الهلال، وبين قوله: عند رأس الهلال في أنه يحنث برؤية الهلال، ليكون زمان البر فيها بين وقتي حنث بتقدم أحدهما على رأس الهلال ويتأخر الآخر عنه، وجمع المزني بين قوله إلى رأس الهلال، وإلى رمضان في أن زمان البر من وقت يمينه، وإلى رأس الهلال، كما كان في وقت يمينه إلى رمضان، واختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة أوجه:
أحدها: وهو الصحيح أن الأمر على ما قاله المزني من اختلاف الحكم بين قوله: عند رأس الهلال، في أن وقت البر يكون مع رؤية الهلال بين زماني حنث، وقوله: عند رأس الهلال، أن البر من وقت يمينه وإلى رؤية الهلال، فيكون رؤية الهلال وقتًا لحنثه، ورؤيته في قوله: عند رأس الهلال وقتًا لبره لأن لفظه "إلى" موضوعة في اللغة للحد والغاية، ولفظة: عند موضوعة للمقاربة، فاختلف حكمهما لاختلاف موضوعهما، كما اختلف حكم قوله: إلى رأس الهلال، والشافعي عادة أن يجمع بين مسألتي يعطف بالجواب عليهما، فيريد به إحداهما اكتفاء بما عرف من مذهبه في الأخرى ولم يخف
[ ١٠ / ٤٦٨ ]
عليه أن "إلى" و"عند" مختلفا المعنى في اللغة، ويجب أن يكونا مختلفين في الحكم في الشرع.
والثاني: وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي أن جمع الشافعي بين عند رأس الهلال، وإلى رأس الهلال صحيح، وإن كليهما في البر والحنث واحد، وأن رأس الهلال وقت البر فيهما، وأن ما قبله وما بعده وقت الحنث فيهما، لأن لفظة "إلى" قد تستعمل للحد تارة وللماقربة تارة كما قال تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي: مع الله، ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، أي: مع المرافق، فلما احتمل أن تكون للحد تارة، وللمقاربة أخرى، صار الحنث في جعلها للحد مشكوكًا فيه، وفي جعلها للمقاربة متيقنًا، فحنث باليقين دون الشك، وفرق أبو إسحاق ومن تابعه، بين قوله إلى رأس الشهر، فيكون للمقاربة، وبين قوله: إلى رمضان فيكون للحد بأن رأس الشهر معين للقضاء، فغلب حكم الوقت على حكم اللفظ فحمل على المقاربة، ورمضان غير معين للقضاء، لأنه ليس جميعه وقتًا له، فغلب حكم اللفظ على حكم الوقت فحمل على الحد.
والثالث: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أن الشافعي جمع بين "عند" و"إلى" في الحنث، وفرق بينهما في البر، فإذا قال عند رأس الشهر لم يبر إلا بدفعه مع رأس الشهر وإذا قال: إلى رأس الشهر بر بدفعه في وقته، وإلى عند رأس الشهر، لأنه عند لم توضع إلا للمقاربة، وإلى قد وصفت للمقاربة تارة، وللحد آخر: فاجتمع فيهما حكم المقاربة وحكم الحد فوجب أن يتعلق بهما الحكمان معًا فصار الأجل ذلك مجتمعين في الحنث إن لم يقضه حتى جاء رأس الشهر حنث، ومفترقين في البر إن قضاه في قوله: إلى رأس الشهر قبل الشهر بر، وإن قضاه في قوله: عند رأس الشهر قبل الشهر لم يبر والله أعلم.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ إلى حِينٍ فَلَيْسَ بِمَعْلُومِ لأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى مُدَّة الدُّنْيَا وَيَوْمٍ والفُتْيَا أَنْ يُقَالَ لَهُ الوَرَعَ لَكَ أَنْ تَقْضِيَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ يَوْمٍ لأَنَّ الحِينَ يَقَعُ عَلَيْهِ مِنْ حِينِ حَلَتْتَ وَلَا نُحْنِثُكَ أَبَدًا لأَنَّا لَا نَعْلَمُ لِلْحِينِ غَايَةً".
قال في الحاوي: أما الحين من الزمان فجمعهم لا حد له في الشرع عندنا، وحده أبو حنيفة بستة أشهر، وحده مالك بسنة، فإذا حلف ليقضينه حقه إلى حين لم يحنث على مذهب الشافعي إلا بفوات القضاء بموته أو موت صاحب الحق.
وقال أبو حنيفة: إن قضاه في ستة أشهر بر، وإن قضاه بعدها حنث، وقال مالك: إن قضاه إلى ستة بر، وإن قضاه بعدها حنث، واستدلالنا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: ٢٥] فقدره أبو حنيفة بستة أشهر، لأنها في
[ ١٠ / ٤٦٩ ]
النخل مدة حملها من أول طلعها إلى آخر جذاؤها، وقدره مالك بسنة، لأنها تحمل من كل سنة، فتكون من الإطلاع إلى الإطلاع ستة.
ودليلنا هو أن الحين اسم مبهم، ينطلق على قليل الزمان، كقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] وأراد به أقل من يوم، وينطلق على مدة الدنيا لقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: ٨٨] يعني يوم القيامة، وينطلق على ما بين الزمانين كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ﴾ [الإنسان: ١] يعني: تسعة أشهر هي مدة حمله، وقيل: هي أربعون سنة إشارة إلى آدم أنه صور من حمإ مسنون وطين لازب، ثم نفخ فيه الروح بعد أربعين سنة، وإذا اختلف المراد به في هذه المواضع دل على أنه مشترك لا يختص بزمان دون غيره، وينطلق على قليل الزمان وكثيره، وإذا كان كذلك وقضاه قبل موته، ولو بطرفة عين بر في يمينه، لأنه قضاه في زمان ينطلق عليه اسم الحين، قال الشافعي ﵁: وأفتيه ورعًا أن يقضيه في يومه، وأن يحنث نفسه إن قضاه بعد انقضائه ليحمل على أقل ما ورد به الشرع، وإن لم يلزم ذلك في الحكم.
فصل
قال: ويتفرع على هذا إذا حلف لا أكلم فلانًا إلا بعد حين فكلمه بعد ساعة من يمينه بر لوجود الكلام بعد زمان ينطلق اسم الحين عليه. وعند أبي حنيفة لا يبر حتى يكلمه بعد ستة أشهر.
وعند مالك لا يبر حتى يكلمه بعد سنة على حسب اختلافهم في مدة الحين، والفرق بين هذه المسألة والتي تقدمت أن هذه نفي وتلك إثبات، فإذا وجد الفعل النفي والإثبات في زمان ينطلق اسم الحين عليه بر، وقليل الزمان حين، فبر في النفي وكثيره حين فبر في الإثبات والله أعلم.
مسألة
قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَكَذَلَكَ زَمَانٌ وَدَهْرٌ وَأَحْقَابٌ وَكُلُّ كَلِمَةٍ مُفْرَدَةٍ لَيْسَ لَهَا ظَاهِرٌ يَدُلُّ عَلَيْهَا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح: إذا حلف ليقضينه حقه بعد زمان أو بعد دهر أو بعد أحقاب بر إذا قضاه بعد قليل الزمان وكثير كالحين، لأنها أسماء مبهمة ينطلق على ما قل وكثر.
وقال أبو حنيفة: أقل الزمان ستة أشهر وأقل الحقب ثمانون سنة، وقال مالك: أقله أربعون سنة وليس لهذا التحديد وجه لعدم النص فيه والقياس، وهو في الجملة عبارة عن
[ ١٠ / ٤٧٠ ]
زمان غير محدود وقال أهل اللغة ولو حلف ليقضينه حقه قريبًا أو بعيدًا فإنه غير محدود فجاز أن يقضيه في قليل الزمان وكثيره، وكذلك قريب الزمان وبعيده.
وقال أبو حنيفة في القريب: إنه أقل من شهر، وفي البعيد: إنه أكثر من شهر وليس بصحيح، لأنه قد يكون قريبًا بالإضافة إلى ما هو أبعد ويكون بعيدًا بالإضافة إلى ما هو أقرب، فصار كقوله: له علي مال كثير أو قليل والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو حلف لا يشترى فأمر غيره أو لا يُطّلِّقُ فجعل طلاقها إليها فطلقت أو لا يضرب عبده فأمر غيره فضربه لا يحنث إلا أن يكون نوى ذلك".
قال في الحاوي: اعلم أنه لا يخلو حال من حلف لا يفعل شيئًا فأمر غيره حتى فعله من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن ينوي لا يفعله بنفسه، فلا يحنث إذا أمر غيره بفعله، لا يختلف المذهب فيه اعتبارًا بنيته، سواء جل قدر الحالف أو قلّ.
والثانية: أن ينوي أنه لا كان منه ما يقتضي ذلك الفعل ولا كان باعثًا عليه فيحنث إذا أمر غيره بفعله كما يحنث إذا فعله بنفسه، لأنه قد كان باعثًا عليه سواء جلّ قدر الحالف أو قلّ.
والثالثة: أن تكون يمينه مطلقة لم تقترن بها نية، فينقسم ذلك الفعل المحلوف عليه ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون العرف في فعله جاريًأ بالأمر دون المباشرة من جميع الناس، كقوله: والله لا احتجمت، ولا اقتصدت ولا حلقت رأسي، ولا بنيت داري، فإذا أمر غيره بالحجامة وفصده وحلق رأسه، وبناء داره حنث سواء جلّ قدر الحالف أو قلّ، لأنه لم يجر في العرف من قليل أو جليل أن يباشر فعلها في نفسه، إلا بأمره، فصار العرف فيه شرطًا يصرف حقيقة الفعل إلى مجازه فيصير اعتبار المجاز إذا اقترن بالعرف أولى من اعتبار الحقيقة إذا فارق العرف لأن العرف ناقل.
والثاني: أن يكون العرف في فعله جاريًا بمباشرته دون أمره من جميع الناس كقوله: والله لا كتبت، ولا قرأت، ولا حججت، ولا اعتمرت فإذا أمر غيره بالكتابة والقراءة والحج والعمرة لم يحنث، سواء جلّ قدر الحالف أو قلّ، لأن العرف جار بين الناس بمباشرة ذلك من كل قليل وجليل، فصار العرف مقترنًا بالحقيقة دون المجاز فخرج مجازه عن حكمه.
والثالث: أن يكون العرف مختلفًا في مباشرة فعله فيباشره من دنا، ولا يباشره من
[ ١٠ / ٤٧١ ]
علا، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يقترن بعرف الاستعمال في الاختلاف بينهما عرف الشرع وهو إقامة الحدود التي لا يقيمها في الشرع والعرف إلا أولو الأمر من ذي ولاية وسلطان، فيحنث الآمر بها إن كان من أولي الأمر وإن لم يباشرها، كما قيل جلد النبي ﷺ زانيًا، ورجم ماعزًا وقطع سارقًا، ولا يحنث بها غير أولي الأمر حتى يباشرها بفعله، لأنه غير نافذ الأسر فيهما.
والثاني: أن ينفرد الاختلاف بينهما بعرف الاستعمال دون عرف الشرع، فيباشره من دنا، ولا يباشره من علا تنزعًا وتصونًا كعقود البيوع والأشربة وتأدية العبيد والخدم، فينقسم حال الحالف والمحلوف عليه ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون عرف الحالف جاريًا بمباشرته كرجل من عوام السوقة حلف لا باع ولا اشترى، ولا تزوج ولا طلق، ولا ضرب عبدًا، ولا أدب خادمًا، فإذا أمر غيره بأن باع له واشترى وزوجه وطلق عنه وضرب عبده وأدب خادمه لم يحنث في هذا كله، وقال مالك: يحنث في هذا كله، وقال أبو حنيفة: إن كان هذا العقد مما إذا باشره الوكيل إضافة إلى نفسه كالشري، يقول: اشتريت هذه الدار لموكلي لم يحنث الموكل، وإن كان مما لا يضيفه إلى نفسه كالنكاح يقول: قبلت هذا النكاح لموكلي، ولا يقول: نكحت لموكلي، كما يقول: اشتريت لموكلي حنث الموكل، وكلا المذهبين مدخول، والصحيح أن جميعها سواء في أنه لا يحنث الآمر بهما والموكل فيها إذا كان العرف بمباشرته لها جاريًا، لأن الأيمان تحمل على حقائق الأسماء والأفعال، ما لم ينقلها عرف الحقيقة في هذه الأفعال بمباشرتها، والعرف مقترن بها، فلم يجز أن يعدل في الأمر بها عن الحقيقة والعرف إلى مجاز تجرد عن العرف فعلى هذا لو حلف على امرأته أنه لا يطلقها فرد إليها الطلاق، فطلقت نفسها لم يحنث، لأنه لا يكون مطلقًا، وإنما يكون مخيرًا في الطلاق، ولو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلتها طلقت وحنث، لأنه مطلق لها على صفة وقعت منها فلذلك افترقا.
والثاني: أن يكون عرف الحالف جاريًا بالاستنابة دون مباشرته، وإن باشره استنكرته النفوس منه، كالسلطان أو من قاربه في رتبته إذا خلف، لا باع ولا اشترى، ولا ضرب عبدًا، ولا أدب خادمًا، فإذا وكل في البيع والشراء وأمر بضرب عبده وبأدب خادمه ففي حنثه قولان:
أحدهما: تفرد البيع بنقله وتفرد بعض أصحاب الشافعي، أنه يحنث اعتبارًا بالعرف، لأن العرف قد صار مقترنًا بالمجاز دون الحقيقة، والعرف ناقل، كما لو حلف: لا أكلت رؤوسًا، لم يحنث برؤوس الطير والجراد، وإن وجد حقيقة الاسم فيها، لأن
[ ١٠ / ٤٧٢ ]
العرف لما اختص برؤوس الغنم نقل عما عداها حقيقة الاسم.
والثاني: وهو الأظهر، وما عليه الأكثرون من أصحابنا أنه لا يحنث، لأن الحقيقة فيها المباشرة لها دون الأمر بها والحقيقة لا تنقل إلا بعرف عام، كما قيل في الرؤوس، وهذا عرف خاص، فلم يجز أن ينتقل به الحقيقة، كما لو حلف سلطان: لا أكلت خبزًأ ولا لبست ثوبًا، فأكل خبز الذرة ولبس عباءة حنث وإن لم تجر عادته بأكل الذرة ولبس العباءة، لأنه عرف خاص وليس بعام، فلذلك ساوى فيه عرف العموم فكذلك في هذه العقود.
والثالث: أن يكون عرف الحالف جاريًا بالاستنابة فيه، لكن إن باشره لم تستنكر النفوس منه، ولا تستقبحه، كالنكاح والطلاق والعتق، لا يستقبح من السلطان أن يباشر بنفسه، فإذا حلف سلطان لا تنكح ولا طلق، ولا أعتق، فوكل في النكاح والطلاق والعتاق فقد اختلف أصحابنا هل يعتبر حكم عرفة أو يعتبر ما تستنكره النفوس من فعله، على وجهين:
أحدهما: يعتبر حكم عرفة، لأنه أخص به، فعلى هذا في حنثه قولان.
والثاني: يعتبر ما لا تستنكره النفوس من فعله، لأنه أعم فعلى هذا لا يحنث قولًا واحدًا والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "ومن حلف لا يفعل فعلين أو لا يكون أمران، لم يحنث حتى يكونا جميعًا وحتى يأكل كل الذي حلف أن لا يأكله".
قال في الحاوي: عقد اليمين على فعلين ضربان:
أحدهما: أن يعقد على إثباتهما.
والثاني: أن يعقد على نفيهما.
فإن كانت معقودة على إثباتهما كقوله: والله لآكلن هذين الرغيفين، ولألبسن هذين الثوبين، ولأركبن هاتين الدابتين، فلا خلاف بين القضاء أنه لا يبر إلا بفعلهما فيأكل الرغيفين، يلبس الثوبين ويركب الدابتين، فإن أكل إحدى الرغيفين ولبس أحد الثوبين وركب إحدى الدابتين لم يبر، وهذا متفق عليه، وإن كانت اليمين معقودة على نفي فقال: والله لا أكلت هذين الرغيفين، ولا لبست هذين الثوبين، ولا ركبت هاتين الدابتين، فمذهب الشافعي وأبي حنيفة أنه لا يحنث إلا بهما، كما لا يبر إلا بهما، فإن أكل أحد الرغيفين، ولبس أحد الثوبين، وركب إحدى الدابتين لم يحنث.
وقال مالك: يحنث بفعل أحدهما، وإن لم يبر إلا بهما وفرق بينهما من وجهين:
[ ١٠ / ٤٧٣ ]
أحدهما: أن الإثبات إباحة، والنفي حظر، والحظر أغلب من الإباحة.
والثاني: أن الأيمان موضوعة على التغليظ، والتغليظ في النفي أن يحنث بأحدهما، وفي الإثبات أن لا يبر إلا بهما، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن فعل بعض الشيء لا يقوم مقام فعل جميعه في النفي والإثبات معًا وفاقًا وشرعًا، لأنه لو حلف لا يدخل هذه الدار، فأدخل رأسه أو إحدى رجليه لم يحنث.
ولو حلف ليدخلنها، فأدخل رأسه أو إحدى رجليه لم يبر وهذا وفاق قد ورد به الشرع، قد اعتكف رسول الله ﷺ في مساجده فأدخل رأسه منه إلى حجرة عائشة رضوان الله عليها لتغسله، ولم يؤثر في اعتكافه.
وقال لبعض أصحابه، وهو في المسجد الحرام: لقد أنزلت على آية لم تنزل على أحد قبلي إلا على أخي سليمان، قال: يا رسول الله، أي آية هي؟ قال: لا أخرج من المسجد حتى أعلمك فتوجه للخروج، وقدم إحدى رجليه فأخرجها ثم قال للرجل: بم تستفتح صلاتك قال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: "هي هي".
فدل على أن إخراج إحدى رجليه لا يكون خروجًا، وإذا كان بعض الفعل لا يقوم مقام جميع الفعل، فأحد الفعلين أولى أن لا يقوم مقام الفعلين.
والثاني: أنه لما استوي الفعلان في شرط البر وجب أن يستويا في شرط الحنث، لتردد اليمين بين بر وحنث؟ وفرقاه بينهما منتقض بفعل بعض الشيء حيث لم يقم مقام جميعه في الإثبات والنفي معًا مع وجود الحظر والإباحة فيهما.
مسألة:
قال الشافعي: "ولو قال: والله لا أشرب ماء هذه الإداوة أو ما هذا النهر لم يحنث حتى يشرب ماء الإداوة كله ولا سبيل له إلى شرب ماء النهر كله ولو قال من ماء هذه الإداوة أو من ماء هذا النهر حنث إن شرب شيئًا من ذلك".
قال في الحاوي: أما إذا حلف لا شربت من ماء هذه الإداوة، ولا شربت من ماء هذا النهر، فاليمين معقودة على بعض ماء الإداوة وبعض ماء النهر، لدخول حرف التبعيض عليها، وهو قوله: فأي قدر شرب من ماء الإداوة وماء النهر حنث من قليل وكثير، وكذا في الإثبات لو حلف ليشربن من ماء الإداوة أو من ماء النهر، فأي قدر شرب منهما من قليل أو كثير بر في يمينه ارتوى به أو لم يرتو.
فأما إذا حذف من يمينه حرف التبعيض فأطلقها، فقال: والله لأشربن ماء هذه الإداوة لم يحنث بشرب بعضه، وإن حنثه مالك، لأن الحقيقة في إطلاق اليمين توجب
[ ١٠ / ٤٧٤ ]
الاستيعاب فإن قيل: أفليس لو قال: والله لا أكلت طعامًا اشتراه زيد، أكل بعضه حنث، فلا حنث بشرب بعض الماء، كما حنث بأكل بعض الطعام.
قيل: لا يختلف المذهب أنه لا يحنث بشرب بعض الماء وفي حنثه بأكل بعض الطعام وجهان:
أحدهما: أنه كما لا يحنث بأكل بعضه فعلى هذا قد استويا.
والثاني: وهو اختيار أبي على بن أبي هريرة، أنه يحنث بأكل بعض الطعام، وإن لم يحنث إلا بشرب جميع الماء، والفرق بينهما أن الماء في الإداوة مقدار ينطلق على جميعه، ولا ينطلق على بعضه، فلذلك لم يحنث بشرب بعضه وشراء زيد للطعام صفة تنطلق على بعضه، كما تنطلق على جميعه، فلذلك حنث بأكل بعضه، فإذا ثبت أن الحنث في الإداوة يقع بشرب مائها كله، ولا يحنث بشرب بعضه، فذهب من ماء الإداوة قطرة انحلت اليمين لأنه لا حنث فيها إن شرب باقي مائها، فلو شك أذهب منها قطرة أو لم يذهب، فشرب جميع مائها، ففي حنثه وجهان:
أحدهما: يحنث: لأن ذهاب القطرة مشكوك فيه.
والثاني: لا يحنث، لأن الحنث مشكوك فيه.
فصل:
فأما إذا حلف، لا شربت ماء هذا النهر، فقد قال الشافعي ﵁: لا سبيل إلى شرب ماء النهر كله، ولم يتعرض لبره ولا لحنثه فيما شرب منه، فاختلف أصحابنا في شربه منه على وجهين:
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج يحنث بما شرب منه، لأنه لما استحال شرب جميعه، صارت اليمين معقودة على ما لا يستحيل لأن لا يصير بيمينه بعد العقد لغوًا.
ألا تراه لو قال: والله لا شربت الماء حنث بشرب ما قل منه، وإن كان دخول الأول واللام يقتضي استيعاب جميعه، لأنه لما كان شرب جميعه من المستحيل، حمل على شرب ما لا يستحيل، كذلك ماء النهر لما استحال شرب جميعه، حمل على ما لا يستحيل من شرب بعضه، وتأول قول الشافعي ﵁، ولا سبيل إلى شرب ماء النهر كله على حمل يمينه على ما يجد السبيل إليه، وهو أن يشرب من ماء النهر، فعلى هذا: أى شرب شرب من مائه حنث به مما يروى أو لا يروى.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، ويشبه أن يكون هو الظاهر من مذهب الشافعي أنه لا يحنث بشرب بشيء من مائه لأن يمينه توجهت إلى شرب جميعه، لأنه عقدها على ماء النهر، ولم يطلق فصار النهر مقدارًا كالإداوة وليس إذا استحال شرب الجميع وجب أن يحمل على شرب ما لا يستحيل.
[ ١٠ / ٤٧٥ ]
ألا تراه لو حلف لأصعدن السماء، وهو مستحيل لم يحمل على صعود السقف، وقد يسمى سماء، لأنه غير مستحيل، ووجب حمل يمينه في صعود السماء على الحقيقة دون المجاز كذلك في شرب ماء النهر فأما إذا قال: لا شربت الماء، والألف واللام لفظ تعريف وضع لاستيعاب الجنس تارة وللمعهود أخرى وهو حقيقة فيهما، فإذا استحال استيعاب الجنس حمل على المعهود، وكان حقيقة فيه، وفارق ماء النهر لأن الاسم حقيقة في جميعه ومجاز في بعضه، وتأول قول الشافعي: "ولا سبيل إلى شرب ماء النهر كله" بسقوط حنثه.
ثم يتفرع على هذين الوجهين في النفي أن يعقد يمينه على الإثبات فيقول: والله لأشربن ماء هذا النهر، فعلى مقتضى قول أبي العباس: متى شرب بعض مائه بر، لأنه لما حنث بشرب بعضه في النفي وجب أن يبر بشرب بعضه في الإثبات، وعلى مقتضى قول المروزي لا يبر في الإثبات بشرب بعضه كما لا يحنث في النفس بشرب بعضه، وإذا لم يبر صار محكومًا بحنثه، لأنه لا سبيل إلى بره، فصار كقوله: والله لأصعدن السماء، يكون حانثًا، لأنه لا سبيل له إلى البر وفي زمان حنثه وجهان:
أحدهما: عقيب يمينه، لأن استحالة البر يمنع من تأخير الحنث.
والثاني: يحنث من آخر حياته، لأنه عقد يمينه على التراخي، فكان تحقيق الحنث على التراخي.
فصل:
وإذا حلف لأشرب من ماء دجلة، فشرب من ماء الفرات، أو لأشرب من ماء الفرات فشرب من ماء دجلة، لم يحنث لأن التعيين يخص اليمين، ولو قال: والله لأشرب ماء فراتًا حنث بشربه من دجلة ومن الفرات، لأن الماء الفرات هو العذب، فحنث بشرب كل ماء عذب.
قال الله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٧] أي: عذبًا، ولا فرق إذا حلف لأشرب من ماء دجلة بين أن يشربه من إناء اغترف به وبين أن يشربه كرعًا بفيه كالبهيمة.
فأما إذا حلف، لا شربت من دجلة، فإن شرب منها كرعًا بفمه حنث بإجماع، وإن اغترف منها بإناء وشرب من الإناء حنث عند الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يحنث حتى يكرع منها بفمه، ولا يبر إن اغترف بيده احتجاجًا بأمرين:
أحدهما: أنه لو حلف: لأشرب من هذا الإناء، فاغترف من مائه، وشربه لم يحنث كذلك إذا حلف لا شربت من دجلة، فاغترف ما شربه من ماء لم يحنث بوقوع اليمين على مستقر الماء في الموضعين.
والثاني: أن الشرب منها حقيقة، ومن مائها مجاز، وحمل الأيمان على الحقيقة
[ ١٠ / ٤٧٦ ]
أولى من حملها على المجاز.
ودليلنا أمور:
أحدها: أن الماء المشروب مضمر في اللفظ، لأنه المقصود بالشرب، كما يقال: شرب أهل بغداد من دجلة وأهل الكوفة من الفرات، أي من ماء دجلة وماء الفرات فصار إضماره كإظهاره، فلما كان لو حلف: لأشرب من ماء دجلة حانثًا فشربه منها على جميع الأحوال وجب إذا حلف، لأشرب من دجلة أن يحنث بشربه منها على كل حال، لأن المضمر مقصود كالمظهر.
والثاني: إن إجماعنا منعقد على أنه لو حلف لا شرب من البئر، ولا أكلت من النخلة أنه يحنث بشرب ما استقاه من البئر، ويأكل ما لقطه من النخلة، وإن لم يكرع ماء البئر بفمه، ولا تناول ثمرة النخلة بفمة، كذلك الدجلة.
وتحريره قياسًا، أن ما كان حنثًا في ماء البر كان حنثًا في ماء الدجلة قياسًا على أصلين:
أحدهما: إذا كرع منهما.
والثاني: إذا تلفظ باسم الماء فيهما.
فإن قيل: ماء البئر لا يمكن أن يشرب إلا باستقائه وثمر النخلة لا يمكن أن يؤكل إلا بلقاطه.
قيل: يمكن أن يشرب ماء البئر بنزوله إليها، ويؤكل من النخلة بصعوده إليها وإن كان تلحقه المشقة كما يمكن أن يكرع من الدجلة بالمشقة.
والثالث: أن حقيقة الدجلة اسم لقرارها، والحقيقة في هذا الاسم معدول عنها من وجهين:
أحدهما: أن القرار غير مشروب.
والثاني: أن ما باشر القرار لا يصل إلى كرعه لعمقه، وإذا سقط حقيقة الاسم من هذين الوجهين وجب العدول إلى مجازه، وهو الماء، لأن اسم الدجلة حقيقة في قرارها، ومجاز في مائها، والمجاز المستعمل أولى من الحقيقة المتروكة. فأما الجواب عن استدلاله إذا حلف لا يشرب من هذا الإناء فهو أن الإناء آلة للشرب، فصارت اليمين معقودة عليه، وليست الدجلة آلة للشرب، فصارت اليمين معقودة على مائها، ألا تراه إذا قال: والله لا شربت من هذه الناقة حنث إذا شرب من لبنها، وإن لم يمتصه من أخلاف ضروعها.
ولو قال: والله لا شربت من هذا الإناء، فشرب من لبن الإناء بعد إخراجه منه لم يحنث.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن الشرب منها حقيقة، ومن مائها مجاز، فهو ما قدمناه من أن المجاز المستعمل أولى من الحقيقة المتروكة والله أعلم بالصواب.
[ ١٠ / ٤٧٧ ]