مسألة: قال: "ولما حكي سهل شهود المتلاعنين مع حداثته، وحكاهُ ابن عمرَ استدللنا على أنْ اللعانَ لا يكونُ إِلا بمحضر. من طائفةِ مِنْ المؤمنين".
الفصل
قصد الشافعي بهذا أنه يغلظ اللعان بجمع الناس، وقد ذكرنا ذلك، واحتج الشافعي رحمة الله عليه بأن ابن عمر وسهلًا ﵄ رويا خبر اللعان مع حداثة بينهما ولا يحضران في أمر يريد رسول الله ﷺ ولا يحضره الصغار إلا وقد حضره الكبار وقد بينا هذا. وهذا دليل على أن الصغار المميزين إذا حضروا مثل هذا المحضر لم يمنعوا لأن رسول الله ﷺ لم يمنعهما، والفائدة في حضورهم تعلمهم وتبليغهم، فإن كانت المرأة مخدرة لا تبرز في حوائجها بعث الحاكم مع خليفته إلى منزلها أربعة عدول لتلاعن بحضرتهم فإن لم يفعل، وبعث خليفته وحده جاز لما ذكرنا أن الجمع لا يجب، وأما حد السرقة قال صاحب الإفصاح: يحتمل فيه وجهين: أحدهما أنه يستحب في إقامته إحضار طائفة أيضًا للزجر والردع.
والثاني: لا يستحب لأن القطع يظهر فلا يحتاج إلى حضور طائفة للعلم به بخلاف اللعان وإقامة الحد فإنهما لا يظهران، فندب إلى حضور الطائفة فيهما.
ثم قال الشافعي: "وفي حكاية من حكي اللعان عن رسول الله ﷺ جملة بلا تفسير دليل على أن الله تعالى لما نصب اللعان حكاه في كتابه فإنما لاعن رسول الله ﷺ بين المتلاعنين بما حكاه الله تعالى في القرآن".
وأراد به أنه لما أعرض الراوي عن كيفية اللعان عرفنا أنه ﷺ [٢٠٠/ أ] لاعن بينهما كما ورد به القرآن مفسرًا وهو بأربع شهادات وكلمة اللعن، ولو زاد رسول الله ﷺ في
[ ١٠ / ٣٤٢ ]
لفظ اللعان زيادة في القرى، لنقل ذلك وهذا كما أنه قال رسول الله للأعرابي ﷺ الذي أساء صلاته: توضأ كما أمرك الله لأن القرآن ورد بالوضوء مفسرًا، وجملته أن ما ذكره الله تعالى مجملًا لا بد للرسول ﷺ من بيانه، إما بفعله أو بقوله، وما فسره الله تعالى لا يحتاج الرسول ﷺ إلى بيانه، ولا يجب على الراوي نقله مفسرًا أيضًا. واللعان من هذه الجملة.
فإن قيل: أليس ابن عباس وسهل ﵄؛ بيَّنا كيفية اللعان فكيف ذكر الشافعي هذا؟ قيل: إنما قال الشافعي ذلك من رواية ابن عمر ﵁ وحده، فإن قيل: قال الشافعي: يشهدها طائفة من المؤمنين أقلهم أربعة لأنه لا يجوز في شهادة الزنا أقل منهم أي: أقل من أربعة، وألا تنقص الطائفة عن أربعة لأجل أنه لا تقبل في شهادة الزنا أقل من أربعة، ولعل الزنا يثبت بالإقرار مرة كما يثبت بالشهادة قلنا: الوجه فيه أنه لما كان الزنا لا يثبت إلا بأربعة، وقد أمر الله تعالى طائفة بالحضور فالأولى لحضور هذا المحضر من يشهد على ذلك الزاني بالزنا لعلهم شهدوا فإذا شاهدوا فيه أليم العقاب رجعوا عن كذبهم فلا يكمل العذاب إذا رجعوا، ويقام عليهم حد القذف إذا كان المقذوف محصنًا فهاهنا كان أقل الشهود أولى من غيره بالحضور، وأقل عددهم أربعة جعلنا أقل الطائفة أربعة؛ ثم قسم فيه منزلة الإقرار على منزلة الشهادة فيما ذكرنا من الحد [٢٠٠/ ب].
مسألة: قال: "واللعانُ أن يقول: الإمامُ للزوجِ: قلْ: أشهدُ باللهِ إني لمنْ الصادقينَ فيمَا رميتُ بهِ زوجتي فلانَة بنتُ فلانِ منْ الزنَا".
الفصل
اللعان أن يقول الإمام للزوج: قل أشهد بالله إني من الصادقين فيما رميت به زوجتي فلانة بنت فلان، ولو ابتدأ لعانه قبل تلقين الإمام لا تحتسب له ولا يحتاج إلى ذكر السبب إن لم يكن ولد ينفيه وينبغي أن يكون بعد حضور الزوجين وكل واحد منهما؛ بحيث يسمع كلام صاحبه، والأولى أن يراه مع سماع كلامه لتقع الإشارة إليه، وإن لم ير أحدهما ولا يسمع كلامه ينبغي أن يجمع أربعة من الشهود من روايتهما، وسماع كلامهما، فإن تباعا وتلاعنا يجوز لأن لعان كل واحد منهما بعد موت صاحبه يجوز، والموت قاطع للاجتماع ولكن إن بعد كل واحد منهما عن صاحبه بغير عذر يكره، وإن كان بعذر بأن تكوون حائضًأ فتقف عند أقرب إلى الغير لا يكره ثم إن كانت المرأة غائبة عن المجلس لا بد أن يرفعها في النسب حتى لا تشاركها امرأة أخرى فيه، وإن كانت حاضرة فهل تكفي الإشارة إلى عينها؟ وجهان؛ أحدهما: لا يكفي لأن اللعان أمر بني على المبالغة والتأكيد وأكد بالجمع بين الإضارة وذكر النسب، ولأنه يجوز أن يحضر
[ ١٠ / ٣٤٣ ]
معها من يجوز أن تنصرف الإشارة إليه فيلزم التحقيق بذكر النسب مع الإشارة، وهذا ظاهر ما نص هاهنا. والثاني: يجوز الاقتصار على الإشارة مع ذكر الزوجية فيقول: إني لمن الصادقين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا وهو اختيار ابن سريج لأن الإشارة تغنى عن ذكر نسبها كما في الشهادات وسائر الأحكام، وقيل: فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: يحتاج إلى أربعة أشياء؛ [٢٠١/ أ] الإشارة وذكر الزوجية واسمها والنسب وهو اختيار القاضي أبي حامد وهذا بيان الوجه الأول الذي ذكرنا، والثاني يكفي شيئان: الإشارة مع ذكر الزوجية وهو الوجه الثاني الذي قاله أن سريج، والثالث يحتاج إلى الاسم أيضًا ولا يلزم ذكر النسب.
وإن كان هناك نسب ولد يريد نفيه يقول في كل مرة: وإن هذا الولد ولد زنا ليس مني، ولو اقتصر وقال: إن هذا الولد من زنًا ولم يقل: وليس مني؛ هل يكفي بالانتفاء؟ قال القاضي أبو حامد: يكفي في الانتفاء لأن الولد الزنا لا يلحق به، وكان قوله: ليس مني تأكيدًا، وقال أبو حامد: لا ينتفي حتى يقول ما هو مني لأنه قد يعتقد أنه من زنا ويكون منه بأن تكون قد زنت قبل تزويجه بها وجاءت بولد لستة أشهر من وقت عقده فيكون لاحقًا به، وربما يعتقد أن الوطيء في النكاح بغير ولي زنا كما قال الصيرفي من أصحابنا: ويكون الولد من ثم إذا أتى ذلك أربع مرات وعظه الإمام أو الحاكم وقال له: اتقِ الله فإني أخاف إن لم تكن صدقت أن تبؤ لعنة الله؛ فإن رآه يريد أن يمضي أمر من يضع يده على فيه على ما تقدم بيانه فإن أبى تركه وقال: قل وعلي لعنة الله إن كنت من الكاذبين فيما رميت به فلانة من الزنا على ما بيناه، فإذا أتى به تم اللعان من جهته؛ ثم يأمر المرأة بالقيام وأن تقول: أشهد بالله أن زوجي فلان ابن فلان هذا لمن الكاذبين فيما رما نى به من الزنا، فإن كان غائبًا وقعت في نسبه حتى يتميز، وإن كان حاضرًا فعلى وجهين كما ذكرنا في المرأة؛ ولا يحتاج في لعانها إلى ذكر الولد لأنه لا مدخل لها في إثبات النسب وإنما تلاعن لدرء الحد عن نفسها. وكذا ذكر أصحابنا بالعراق، وقال القفال فيه وجه آخر؛ أنها تذكر الولد فتقول: [٢٠١/ ب] وهذا الولد ولد ليستوي اللعانان في المقابلة ويكرر ذكر أربع مرات ثم يعظهما الإمام ويذكرها ويقول لها: احذري أن تبوئي بغضب الله إن لم تكوني صادقة في إيمانك، فإن رآها تمضي أمر امرأة أن تضع يدها على فيها، فإن رآها تمضي قال لها: قول: وعلي غضب الله إن كان من الصادقين فيما رماني به من الزنا، فإذا قالت ذلك فقد فرغت ودرأت الحد عن نفسها. ولو تلاعنا ولم تنفِ الولد، فإن أحب أن تنفيه استأنف لعانًا خاصًا لنفي الولد ولا تلاعن بعد الزوجة نص عليه الشافعي هاهنا، وقال في موضع من "الأم" تعيد الزوجة لعانها بعد لعانه وليس هذا على الوجوب على الاختيار حتى لا ينفرد الزوج بلعانٍ لا تساويه الزوجة.
فرع
لا يتعرض لهما بعد التلاعن وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يعزران بعد التلاعن،
[ ١٠ / ٣٤٤ ]
لتحقق الكذب واجتماعهما عليه وهذا غلط لأن الكذب لم يتصف في واحد منهما كما لو تحالف المتبايعان لا يعزر واحد.
فرع آخر
ألفاظ اللعان ثابتة بالكتاب نصًا والعظة ووضع اليد على الفم ثابت بالسنة المروية عن رسول الله ﷺ، فلو أتت المرأة بدل الغضب بلفظ اللعنة ولم يعتد به، ولو أتى الرجل بدل اللعن بلفظ الغضب فيه وجهان أحدهما: لا يعتد به لأنه عدل عن المنصوص عليه فأشبه إبدال الغضب باللعن، والثاني: يعتد به لأن الغضب يتضمن معنى اللعن ويزيد عليه فإن اللعن هو الطرد والإبعاد وكل مغضوب عليه مطرود.
فرع آخر
لو جاء بكلمة اللعن قبل الخامسة أو جاء بكلمة الغضب قبل الخامسة بل يعتد بها وجهان: أحدهما: يعتد بها لأن القصد التغليظ والتأكيد فلا فرق [٢٠٢/ أ] بين أن تكون أولًا أو آخرًا، والثاني: لا يعتد بها وهو الصحيح لأنه خلاف النص ولأن كلمة اللعن والغضب إن كان من الكاذبين فيما يشهد، وينبغي أن يتأخر عن كلمة الشهادة وهذا اختيار القفال.
فرع آخر
لو أتى بأكثر ألفاظ اللعان لا تتعلق بها الأحكام وينبغي أن يستوفي جميع الألفاظ بالتمام، وإن حكم الحاكم في الأكثر بالكفاية لا يجوز وينقض حكمه، وقال أبو حنيفة: إذا أتى كل واحد منهما بثلاث ألفاظ من الخمسة لا يجوز للحاكم أن يحكم بالفرقة، فإن الحكم كان مخطئًا، ونفذ حكمه وهذا غلط لأن الله تعالى ذكر الألفاظ الخمسة، والرسول ﷺ لاعن بين الزوجين ولم ينقص عن الخمسة، ولأنه لو جاز الاقتصار على بعض الكلمات في اللعان وقد جعله الله تعالى بدلًا عن الشهود لجاز أن يقتصر في الزنا على ثلاثة من الشهود وأجمعنا على خلافه، وإذا قذف زوجته برجل سماه بعينه وأراد اللعان يحتاج إلى أن يذكر المرمي في لعانه كل مرة فيقول: إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا بفلان، ثم إذا سماه في لعانه هكذا سقط عنه حدها وحده جميعًا كما لو أقام البينة على زناها به. وقال أبو حنيفة: لا يذكر في لعانه ويلزمه الحد للأجنبي المرمي به ولا يسقط لعانه حال، وبه قال مالك وهذا غلط لأن هلال بن أمية قذف امرأته بشريك بن السحماء اليهودي ولم يعذره له، ولأن اللعان بينه في أحد طرفي القذف فكان بينه في الطرف الآخر كالبينة.
فإن قيل: لو سقط حد المري به بلعانه لوجب الحد لعانه أيضًا كما قلت: يجب الحد عليها بلعانه قبل اللعان إنما يوجب حدًا يمكن إسقاطه بمثله، والمرأة لا تقدر على اللعان فجاز أن يجب الحد عليها بلعانه [٢٠٢/ ب] والمرمي به لا يقدر على إسقاطه باللعان فلا يجب الحد عليه باللعان ولم يذكره في لعانه عنها، روى المزني عن
[ ١٠ / ٣٤٥ ]
الشافعي أنه يحد للمرمي به إلا أن يعيد اللعان ويذكره فيه كما لو لم يذكر الولد في اللعان وأراد نفيه يحتاج إلى إعادة اللعان وهذا أصح لأنه وجب له الحد بالقذف فلا يسقط إذا لم يذكره في اللعان كالزوجة وقال في "الإملاء" و"أحكام القرآن": يسقط حده لأن ما كان تصديقًا فيها كان تصديقًا فيه، لأنه وطئ واحد وبه قال أحمد ولأن اللعان يثبت في حقه تعًا لسقوط حدها باللعان.
فإذا قلنا: الأول وأعاد اللعان بذكر المرمي؛ لا تحتاج المرأة إلى أن يعيد لعانها لأنه لا يتعلق درء الحد عنه بلعانها، وإنما يتعلق بلعانه وحده، وإن كان المرمى به اثنان أو أكثر فهل يجب حد واحد أو لكل واحد منهم حد؟ مبني على القولين في الواحد إذا قذف جماعة، فإن قلنا: يحد لهم حدًا واحدًا فهاهنا أولى، وإن قلنا يحد لكل واحد منهم حدًا واحدًا لأنه ضرورة إلى ذكرهم، ولأن حقهم يسقط بحد واحد، فلذلك يسقط حد واحد، وقال أبو إسحاق: يكفي هاهنا حد واحد، ولا ينبني على قذف الجماعة للعلة التي ذكرناها. وإن لم يلاعن أصلًا لها وللمرمى به الحد وهل يكفي حد واحد؟ فيه طريقان؛ أحدهما فيه قولان كما لو قذف رجلين بكلمة واحدة والثاني يكفيه حد واحد هاهنا، والفرق هناك بزنانين ولعانين رجلين وهاهنا القذف بزنا واحد وفعل واحد فيكفي حد واحد، فإذا قلنا: لا يكفيه حد واحد هل يجوز له أن يحد للمرمي؟ به وجهان؛ أحدهما: يجوز لأنه [٢٠٣/ أ] قذف كان اللعان فيه مجوزًا في حق كل واحد منهما، والثاني: لا يجوز لأنه تابع لحد الزوجة في اللعان فلم يجز أن يفرد باللعان.
فرع آخر
لو طلبت المرأة حدها عند امتناعه من اللعان فحد ثم حضر المرمى به، فإن قلنا: الواجب حد واحد لا يجب له شيء، وإن قلنا: يجب حدان فقد استوفت المرأة حدها، وبقي حد المرمى به، فإما أن يلتغى في حده أو يحد له، وإن عفت هي عن حقها يصح عفوها، وسقط حدها وبقي حده، فإما أن يلتعن لإسقاطه أو يحد له، وإن اعترفت بالزنا فقد سقط عنه حدها وعليه حده ويلزمها حد الزنا باعترافها وحد القذف أيضًا للمرمي به، وإن أقام الزوج البينة بما ذكر لا شك أنهما يحدان.
مسألة: قال: "وإنْ كانَ معهَا ولدٌ فنفاهُ أو بهَا حملٌ فانتفي منهُ قالَ: معَ كلِّ شهادةٍ اشهدُ باللهِ إنِي لمنْ الصادقينَ فيما رميتهَا بهِ من الزنَا وإنَّ هذَا الولدَ لولدُ زنَا ما هو منيّ وإنْ كانَ حملاَ قالَ: وإنْ هذَا الحملَ إنْ كانَ بهَا لحملٌ مِنْ زنَا مَا هو منّي".
إذا أراد نفي الولد أو الحمل باللعان لا بد من أن يذكره في لعانه على ما ذكرنا مع كل شهادة بالله ومع كلمة اللعنة. فإن قيل: لم قال الشافعي، يقول: وإن هذا الحمل
[ ١٠ / ٣٤٦ ]
وإن كان بها حمل لحمل من زنا وهذا تعليق اللعان ولا يجوز ذلك. قيل: قوله إن كان بها حمل ليس في بعض نسخ المزني وإنما فيه وإن هذا الحمل لحمل من زنا أو يقول: إن صح هذا النقل فمثل هذا التعليق لا يضر اليمين شيئًا لأن الحمل لا يعلم قطعًا ويقينًا وإن قطع وجزم لعانه رجع قطعه وإطلاقه إلى مثل هذا التعليق وإن لم يصرح به وفي الحقيقة هو تحقيق للأمر لا تعليق.
ثم قال: "فإن أخطأ الإمام [٢٠٣/ ب] فلم يدر نفي الولد أو الحمل في اللعان قال الزوج: إذا أردت نفيه أعدت اللعان".
وقد ذكرنا هذا فيما سبق ويكفي في اللعان المعاد أن يقول في كلمة: إني لمن الصادقين في أن هذا الولد من زنا وليس مني ولا تعيد المرأة اللعان.
مسألة: قال: "ولو قذفَها برجلِ فلمْ يلتعنْ بقذفهِ فإذَا أرادَ الرجلُ حدهُ أعادَ عليهِ اللعانُ وإلَّا حدَّ لهُ إِنْ لمْ يلتعنْ".
وقال في كتاب "الطلاق من أحكام القرآن"، وفي "الإملاء" على مسائل مالك ولما حكم الله على الزوج به في المرأة بالقذف ولم يستثن أن يسمي من يرميها به أو لم يسمه ورمى العجلاني امرأته بابن عمه أو ابن عمها شريك ابن السحماء، وذكر للنبي ﷺ أنه رآه عليها، وقال: في الطلاق من أحكام القرآن فالتعن ولم يحضر رسول الله ﷺ المرمي بالمرأة فاستدللنا على أن الزوج إذا التعن لم يكن على الزوج الذي رماه بامرأته حد".
قال الإمام الجويني: وهذه الرواية هي المسموعة ومعناها معنى الرواية الأولى، يقال: قفا فلان فلانًا وأقفاه إذا ابتعد بريبة يتحسسها عليه وقد ذكرنا أنه يعتبر ذكر المرمي به في لعانه إذا أراد إسقاط حده، وإن لم يذكر فيه قولان منصوصان على ما ذكر هاهنا، فإن قيل: هذا الذي ذكره في "المختصر" متناقض لأنه قال: في أحكام القرآن فالتعن ولم يحضر المرمى به ولو كان له حد لأخذه له رسول الله ﷺ وبعث إلى المرمى به فسأله وهذا يدل على أنه لم يبعث إليه.
ثم قال: "وقال في "الإملاء" وسأل رسول الله ﷺ شريكًا فأنكر فلم يحلفه ولم يجده بالتعان غيره وهذا الحالف الأول، قلنا: هذا ليس بمتناقض لأنه لم يكن ثبت [٢٠٤/ أ] عنده في كتاب الطلاق من أحكام القرآن أن يسأله عن ذلك ثم ثبت عنده فرجع عنه في الإيلاء".
وأيضًا نقول: لم يسأله لما قذفه وعند اللعان لأن حقه يسقط باللعان وسأله لما ولدت امرأة العجلاني بعد ذلك وراى في الولد شبهًا من شريك فلما أنكر لم يحلفه وقيل: لم يسأله عند القذف وسأله عند اللعان حتى أن طلب الحد ذكره الزوج في اللعان لأن الحق إذا ثبت له وهو لا يعلم فللإمام أن يسأله ويخبره بما ثبت له من الحق
[ ١٠ / ٣٤٧ ]
ولم يسأله بعد اللعان لأن حقه سقط به فلا تتجسس بعد ذلك.
مسألة: قال: "وقالَ في اللعانِ: وليسَ للإمام إذَا رمى رجلٌ أن يبعثَ إليهِ فيسألهُ عنْ ذلكَ لأن اللهَ تعالى يقول: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾. فإن شبه على أحدٍ بأن النبيَّ ﷺ بعثَ أنيسًا إلى امرأةٍ رجلٍ فقالَ: إنْ اعترفتْ فارجمها".
الفصل
مقصود الشافعي من هذا الفصل أن يبين الفرق بين حديث العسيف وبين حديث شريك بن السحماء، والموضع الذي يحتاج فيه إلى الفرق أن رسول الله ﷺ لم يبعث إلى شريك في المشهور من الرواية وبعث إلى المرأة في حديث العسيف أنيسًا وقال: واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها. ووجه الفرق ما أشار إليه الشافعي وهو أن تلك المرأة صارت مقذوفة في مجلس رسول الله ﷺ به فأوجب لها حد إن لم يعترف بالزنا لأن والد العسيف قال: يا رسول الله إن ابني كان عسيفًا لهذا فزنا بامرأته فهذا قذف صريح وجب لها به حد وهي غير عالمة فكان على رسول الله ﷺ تعريفها لتطلب حدها، وإن لم يعترف الزنا لم يتمحض بعث أنيس إليها تجسسًا.
فأما شريك ابن السحماء [٢٠٤/ ب] لو بعث إليه رسول الله ﷺ من يستخبره أو يستحضره كان ذلك محض التجسس لأنه يسأل ليقام عليه حد الزنا إن اعترف، ولا يسأل ليقام على قاذفه حد القذف إن جحد، وكيف جحد قافذه وقد التعن، وفي اللعان إذا سمي المرمى به يسقط حد قذفه، وإن لم يسمه يسقط أيضًا في أحد القولين وبه أجاب في "الإملاء" حيث ذكر هذا الفصل وهذا الفرق.
ثم اعلم أن بعد هذا الفرق في سواد الكتاب نوعان من الإشكال وراء الفرق أحدهما: أن الشافعي أطلق لفظه فقال: وليس للإمام إذا رمي رجل بزنا أن يبعث إليه فيسأله؛ وهذا كيف يستقيم مع روايته أن امرأة رميت بالزنا فبعث إليها. وإزالة هذا الإشكال بأن يقال: إنما أراد الشافعي بهذا الإطلاق صورة مخصوصة وهي إذا رمى رجل رجلًا بامرأته وتلاعنا، أو أراد أن يلاعن؛ فليس للإمام في مثل هذا الموضع أن يبعث إلى المرمي، لأن المرمي لا يستحق حد القذف على الزوج الملاعن فالبعث إليه محض التجسس. وقد قال الله: (وَلا تَجَسَّسُوا). وإن كانت الصورة في غير الزوج الرامي فليبعث كما بعث رسول الله ﷺ أنيسًا ولم يرد الشافعي بمطلق لفظة هذه الصورة. والإشكال الثاني: في السواد أن الشافعي قد روى هاهنا أن رسول الله ﷺ سأل شريكًا فأنكر فلم يحلفه وهذا يرفع ما ادعى الشافعي أن مقذوف الزوج الملاعن لا سأل لأنه تجسس. وإزالة هذا الإشكال بأن نقل كأن الرواية قد اختلف في حديث شريك ففي رواية لم يستحضر، وفي رواية أنه استحضر. فقصد الشافعي الكلام على
[ ١٠ / ٣٤٨ ]
إحدى الروايتين [٢٠٥/ أ] أنه لم يستحضر ولم يبعث إليه ليسأله وفصل بالمعنى بين شريك وبين المرأة في حديث العسيف، فاستقام كلامه، وقوله فأما الرواية الثانية التي رويت أن رسول الله ﷺ سأل شريكًا فأنكر لا يمكن استعمالها إلا على القول الذي يقول: يجب الحد على الملاعن إذا سمى الزاني ولم يذكره في اللعان.
ولعل العجلاني لم يذكره في اللعان فخرج من هذا الزوج إذا قذف زوجته برجل بعينه ثم لاعن ولم يسمعه في اللعان هل يبعث إليه ويستحضر؟ قولان مبنيان على أنه هل يستحق حدًا على الزوج ترك ذكره في اللعان؟ وفيه قولان؛ فإذا قلنا: لا يستحق حدًا لا يبعث إليه لأن البعث إليه محض التجسس. وإذا قلنا: يستحق الحد يبعث إليه لما وجب له من الحد لا للتجسس على ما ذكرنا في امرأة العسيف. وقيل: إذا تعين القاذف والمقذوف؛ لا يجوز للإمام أن يسأل المقذوف: هل زنا أم لا؟ ولكن هل يلزمه إعلام قاذفه لمطالبته بحده فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: يلزمه كما يلزمه إعلام ما ثبت عنده من أقواله وعلى هذا بعث أنيسًا إلى امرأة العسيف وهو الأظهر، والثاني: ليس عليه إعلامه لأن الحدود تدرأ بالشبهات وهذا اختيار أبي حامد.
والثالث: وهو اختيار ابن سريج إذا تعدى قذف الغائب إلى قذف خصم حاضر فطالب الرجل قذف زوجته رجل سواه فلاعن بينهما لا يلزم الإمام إعلامه، وإن كان خلاف ذلك يلزم، وعلى هذا لو كان القذف من أجنبي لرجل وامرأة بزنا واحد فحضر أحدهما مطالبًا بالحد لم يلزم الإمام إعلام الآخر لأن الحاضر إذا استوفي الحد فهو في حقه وحق الغائب لأن الزنا واحد وإن لم يتصل بحاضر [٢٠٥/ ب] بطالب وجب على الإمام إعلامه ليستوفي حقه إن شاء. وقيل: أراد الشافعي لا يسأله ولا ينفذ أحدًا إذا كان الرامي معينًا كان رجلًا قال عند الحاكم: الناس يقولون إن فلانًا زانٍ فلا ينفذ إليه أحد يخبره بذلك، وإن كان معينًا أنفذ إليه، وعلى هذا لو قال في هذه القرية أو في هذه المسكن زانٍ لا يتفحص الإمام، ولو رمي بحجر فقال: من رماني بهذا فهو زانٍ وهو لا يدري من رماه لا يكون قاذفًا، فإذا ظهر الرامي لا يبعث إليه الإمام من يخبره بهذا لأن الحد لا يجب على القاذف بهذا ولا يصح؛ لأن شريكًا كان معينًا ولم يبعث إليه رسول الله ﷺ وإنما سأل شريكًا بعد ولادة المرأة على ما ذكرنا، قال القفال: وقد قيل: إنما بعث أنيسًا إلى امرأة العسيف لأن الزنا ثبت عليه بشهادة أبي الزاني، ورجل آخر على إقرارها بالزنا، فبعث إليها حتى إن رجعت عن إقرارها بالزنا فبعث إليها حتى إن رجعت عن إقرارها تركها، وإن لم ترجع حدها وهذا ضعيف.
مسألة: قال: "وأيُّ الزوجينِ كانَ أعجميًا التعنْ بلسانِه بشهادةِ عدلينِ يعرفانِ بلسانهِ".
إذا عرف الملاعنان بلسان العرب لم يجز أن يتلاعنا بغير العربية مع القدرة لأنها لغة
[ ١٠ / ٣٤٩ ]
رسول الله ﷺ ولغة القرآن. والنص في اللعان ورد بذلك. وإن لم يعرفا العربية تلاعنا بلسانهما لأن اللعان يمين، واليمين العجمية تجوز. وقال بعض أصحابنا: يجوز بالعجمية مع القدرة على العربية كما قلنا في عقد النكاح وهذا أقيس. ثم إن عرف الحاكم لسانهما حكم بعلمه، وإن لم يعرف قال الشافعي: يحكم بشهادة ترجمانين عدلين؛ واجب لو كانوا أربعة. فمن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد كما نص عليه، وإنما استحب أربعة لأن شهود / أ] الزنا أربعة، ومنهم من قال فيه قولان مبنيان على الإقرار بالزنا فإن قلنا: يثبت الإقرار بعدلين يكفي في الترجمة عدلان، وإن قلنا: لا بد هناك من أربعة فلا بد من الترجمة من أربعة، والأصح ما تقدم لأن اللعان لا يتضمن إقرارًا بالزنا بحال ولا يخلو إما أن يكون يمينًا أو شهادة، وأيهما كان يثبت بعدلين فلا معنى للبناء على الخلاف في الإقرار بالزنا، وقال أبو حنيفة: الترجمة خبر فيقبل فيها قول الواحد العدل إذا تلاعنا بالعجمة، وهذا غلط لأنه يثبت به حد الزنا عليها فلا بد من العدد فيه.
مسألة: قال: "فإن كانَ أخرسَ يفهمُ الإشارةَ التعنْ بالإشارةِ ثم قال: ثم تقام المرأة فتقول: أشهد بالله أن زوجي فلانًا وتشير إليه".
الفصل
وقد ذكرنا ما قيل في لعان الأخرس، والفصل الآخر عطف على أول الباب فذكر الزوج وقال: يبدأ به وساق الكلام واعترض في سياق الكلام ما ذكر من الفروع إلى نظم أوله بعطف عليه فقال: ثم تقام المرأة، ثم ذكر أنه يقفها عند الخامسة ويعظها، واحتج على ذلك يخبر ابن عباس الذي تقدم ذكره، وقال في موضع آخر: ويتلو عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧]، قال أصحابنا: وروي أن امرأة ادعى عليها قتل وأنكرت فكتب عمر ﵁؛ أن احبسوها بعد العصر واتلو عليها هذه الآية ففعل فاعترفت. وروي أن رجلًا ادعى على رجل حقًا عند شريك بن عبد الله القاضي فأتي بشيخ يشهد له فقال المدعى عليه لشريك: إن ذا الرجل لو سألت عنه لعدل ولا بأس بحاله ولكن الأنفة أخذته فشهد عليّ كاذبًا فأقبل شريك على الشيخ فقال: أيها الشيخ [٢٠٦/ ب] روي عن النبي ﷺ أنه قال: إن الطيور لتضرب أجنحتها من هول يوم القيامة وإن شاهد الزور لا يرفع قدمه حتى تجب له النار فارتعد الرجل وتغير لونه وقال: رجعت عن هذه الشهادة.